ما حكم الجيلاتين الذي يؤخذ من عظام الخنزير ويستخدم في صناعة الأطعمة والأدوية؟ يقال إنّه حلال بسبب الاستحالة.
«الاستحالة» تبدّل شيء إلى شيء آخر، وفي تطهيرها للنجاسات خلاف بين أهل العلم؛ فقال الشافعيّ وأحمد بن حنبل: لا تطهّرها، وقال أبو حنيفة تطهّرها، وهو الحقّ؛ لأنّ الحكم تابع للموضوع، فإذا تبدّل الموضوع تبدّل الحكم لا محالة؛ كما إذا حكم الشرع بأنّ النطفة نجسة والولد طاهر، فصارت النطفة ولدًا، أو حكم بأنّ الميتة نجسة والتراب طاهر، فصارت الميتة ترابًا، أو حكم بأنّ الخمر نجسة والخلّ طاهر، فصارت الخمر خلًّا، ولكنّ الحقّ أنّ أخذ الجيلاتين من عظام الخنزير ليس من باب الاستحالة؛ لأنّه الكولاجين الموجود فيها، وهو حرام كسائر أجزاء الخنزير؛ فما مثل أخذه منها إلّا كمثل أخذ الدهن منها بالطبخ والتسخين، وذلك لا يعتبر استحالة؛ لأنّ الدهن موجود فيها، وإنّما تمّ إخراجه، وليس الإخراج كالاستحالة، ولو افترضنا أنّه غير الموجود فيها فليس أخذه من الاستحالة أيضًا؛ لأنّه تبديل، والاستحالة تبدّل، وليس تبديل الشيء كتبدّله بنفسه، ولا يجوز تبديل ما حرّم اللّه من أجل تحليله؛ لأنّه مكر في آيات اللّه، وقد تبيّن أنّ اللّه إذا حرّم شيئًا حرّم الاحتيال لتحليله؛ كما عذّب القرية ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ﴾[١]، فحفروا الحفيرة وجعلوا لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتحوا النهر، فدخلته الحيتان حتّى وقعت في الحفيرة، فحُبست فيها، فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها، فجعلهم اللّه قردة خاسئين[٢]، وقد روي «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا»[٣]، وهذا يدلّ على أنّ التبديل لا يُحلّ حرامًا، بخلاف التبدّل؛ كما صحّ عن جعفر بن محمّد عليه السلام أنّه سُئل عن الخمر يُجعل فيها الخلّ، فقال: «لَا، إِلَّا مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ»[٤]، وبه قال الشافعيّ وأحمد بن حنبل، وهو إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى أنّه قال: «الْخَمْرُ إِذَا مَلَكَهَا الْمُسْلِمُ فَلْيُهْرِقْهَا، فَإِنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهَا فَخَلَّلَهَا حَتَّى صَارَتْ خَلًّا فَلْيَأْكُلْهَا، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ»[٥].
بناء على هذا، فإنّ أكل الجيلاتين المأخوذ من عظام الخنزير حرام؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّ الجيلاتين لا يؤخذ من عظام الخنزير فقط، بل يؤخذ من عظام البقر أيضًا، ولذلك لا ضرورة في أخذه من عظام الخنزير وأكل ما يؤخذ منها، ومن الواضح أنّ اختيار الحرام على الحلال مع سهولة الوصول إلى الحلال شبه محاربة للّه؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:
سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَلَالِ فَأَبَى إِلَّا الْحَرَامَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ أَتَى الْحَرَامَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَلَالِ فَقَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِرَبِّهِ، وَمَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِرَبِّهِ فَقَدْ هَوَى.
لقد اشتريت بالفعل مكمّلًا غذائيًّا من موقع امريكيّ، وبعد مدّة اكتشفت أنّه مصنوع من جيلاتين الخنزير. فهل يجوز أن أفتح الكبسولة وأستخرج منها الزيت الموجود فيها وأتخلّص من الغلاف المصنوع من جيلاتين الخنزير؟ نظرًا لأنّ المادّة الدّاخليّة حلال، والغلاف حرام فقط.
إذا كانت المادّة الدّاخليّة جامدة جافّة جاز تناولها بعد إخراجها من الكبسولة؛ لأنّ مناط التنجّس انتقال النجاسة، وهو غير ظاهر في هذه الحال، وإذا كانت المادّة الدّاخليّة غير جامدة أو غير جافّة فالأحوط اجتنابها؛ لأنّها قد تجعل ما يماسّها من الكبسولة غير جافّ، والنجاسة إذا كانت غير جافّة انتقلت، لا سيّما مع طول التماسّ وكثرة التحرّك، وقد جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[١]، وقال: «حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبَهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى فَيُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ»[٢].
ثمّ يجب التنبّه لأنّ تناول الموادّ الغذائيّة المصنوعة في بلاد الكفر لا يجوز إلّا بعد التبيّن، خلافًا لتناول الموادّ الغذائيّة المصنوعة في بلاد الإسلام؛ لأنّ الأصل في أعمال المسلمين الصحّة، وفي أعمال غيرهم عدم الصحّة؛ كما يظهر ذلك من قول اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾[٣]، يعني إذا خرجتم من بلاد الإسلام، ولا ينبغي للمسلم أن يشتري مصنوع الكفّار إذا كان له بديل من مصنوع المسلمين؛ لأنّه في معنى تولّي الكفّار من دون المسلمين، وقد قال اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾[٤]، وقال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾[٥].