إنّ فقدان التّقوى بين المسلمين لا يمكن تداركه بأيّ شيء آخر، وإذا فارقتهم التّقوى فإنّ اعوجاجهم السّلوكيّ وانحرافهم الفكريّ مصير محتوم، وهذه مصيبة قد أُصيبوا بها؛ لأنّهم من بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى الآن، كان لديهم منحى نزوليّ في مجال التّقوى، وبمرور الوقت تركوا الاهتمام بالآخرة، وأقلّوا من ذكر الجنّة والنّار، وقد بلغوا الآن مبلغًا يتنافسون فيه مع الكفّار في طلب الملذّات وكسب الآثام... الآن، في العديد من البلدان الإسلاميّة، انتشر الفساد الأخلاقيّ، وتعرّض أكثر المسلمين، خاصّة من فئة الشباب، لمظاهر واضحة من الفحشاء والمنكر. هذا يعني أنّ جزءًا كبيرًا من وقتهم وطاقتهم يُنفَق على التبطّل والتلذّذ بدلًا من إصلاح أنفسهم ومجتمعهم، بالإضافة إلى أنّهم يصابون بأمراض جسديّة ونفسيّة مختلفة يقلّص كلّ منها قدرتهم على فهم الإسلام وإقامته. [العودة إلى الإسلام، ص٢٣٦-٢٣٧]
سبب آخر لعدم إقامة الإسلام، خاصّة في القرنين الأخيرين، هو منع أعداء الإسلام إقامته؛ لأنّ أعداء الإسلام يرون إقامته سببًا لزوالهم وزوال ما يملكون في الحياة الدّنيا، ولذلك لا يدَعون جهدًا في الصّدّ عنها. من الواضح أنّ هدف الإسلام هو العدل، والعدل ضارّ بالأقوياء الذين، من خلال قوّتهم العسكريّة ووسائلهم الدّعائيّة، قد استعبدوا الشعوب الحرّة في العالم سياسيًّا وثقافيًّا؛ لأنّه يُنهي عصر سيطرتهم على العالم، ويورث الجماهير المستضعفة مكانتهم... بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العدل ضارّ بالرأسماليّين الذين، من خلال السّيطرة على موارد العالم الحيويّة واحتكار أسواق البلدان المستضعفة، يجعلون أنفسهم أكثر ثراءً وهذه البلدان أكثر فقرًا واتّكاليّة؛ لأنّه من خلال التوزيع العادل للموارد وكسر الاحتكارات التي لا أساس لها، يقلّل من أرباحهم التي لا تحصى، ويستوفي منهم حقوق الطبقات المحرومة، ويضع حدًّا لهيمنتهم على اقتصاد العالم. [العودة إلى الإسلام، ص٢٣٨-٢٣٩]
هذا من الطبيعيّ تمامًا أن يشعر كبار أصحاب السّلطة ورأس المال في العالم بأنّهم ملزمون بحماية النظام الذي أوصلهم إلى السّلطة ورأس المال؛ لأنّه لو زال هذا النظام لزالت سلطتهم ورأس مالهم أيضًا، وهذا يعني اعتمادهم على هذا النظام؛ كما أنّ هذا النظام أيضًا معتمد عليهم بشكل متبادل. في حين أنّ هذا النظام مبنيّ على أسس تعسّفيّة وغير أخلاقيّة، وهم واقفون على هذه الحقيقة، ومن ثمّ يقترحون لتبريرها أسسًا فلسفيّة جديدة. إنّهم يعلمون أنّ هذا النظام السّياسيّ والاقتصاديّ مبنيّ على الكذب والظّلم وأكل أموال النّاس بالباطل، ولا شيء من هذا جائز في أيّ دين من الأديان الإلهيّة. لذلك، فإنّهم لا يجدون بدًّا من إنكار الأديان الإلهيّة، وينجذبون في النهاية إلى الإلحاد. بل من خلال تجويز جرائم ضدّ الإنسانيّة لتحقيق مصالح ذاتيّة، يجدون أنفسهم متّفقين مع الشيطان في العقيدة والعمل، ويتحوّلون في النهاية إلى عبادة الشيطان؛ لأنّ آراءهم السّياسيّة والاقتصاديّة تنسجم بشكل واضح مع آراء الشيطان، ومن ثمّ لا يمكن الدّفاع عنها بدون دفاع عن آرائه. [العودة إلى الإسلام، ص٢٤٠]
إنّ الشيطان هو العدوّ الحقيقيّ الأكبر للمسلمين والمحور الأساسيّ لمنع إقامة الإسلام في العالم... وفي ظلّ هذه الحقيقة، فإنّ حزب الشيطان هم أصحاب السّلطة والثروة الذين يتّفقون معه في العقيدة والعمل، ويسعون وينفقون بطريقة منسّقة ومنظّمة من أجل تحقيق أهدافه في العالم مقابل تأمين سلطتهم وثروتهم، وجنوده هم جميع العلماء والكتّاب والمبتكرين والشعراء والمغنّين والممثّلين والرياضيّين والآخرين الذين يروّجون المادّيّة والاستهلاكيّة في العالم بطريقة ما، ويفرضون الثّقافة الإلحاديّة الغربيّة باعتبارها الثقافة الرسميّة والمعياريّة على الأمم الحرّة والمستقلّة من قبيل المسلمين. إنّهم جميعًا حزب الشيطان وجنوده الذين يعملون له ويتقاضون منه الأجر، سواء علموا ذلك أم لم يعلموا. من الواضح أنّ مواجهتهم ومواجهة النظام الشيطانيّ الخبيث الذي قد سلّطوه على العالم طوال القرنين الأخيرين ضروريّة؛ لأنّه يؤدّي إلى زوال الطبقات المحرومة والمستضعفة التي تشكّل غالبيّة المجتمعات، في حين أنّ بعد زوالها لا تبقى الطبقة المتسلّطة والرأسماليّة أيضًا؛ لأنّ الطبقات المحرومة والمستضعفة هي القوّة العاملة لها والضامنة لبقاء سلطتها ورأس مالها، ومن ثمّ فإنّ زوالها يؤدّي إلى زوالها، وهذا يعني زوال الإنسانيّة كلّها، وهو الغاية القصوى للشيطان. [العودة إلى الإسلام، ص٢٤٢-٢٤٣]
إنّ الطريقة الوحيدة لمواجهة حزب الشيطان وجنوده الذين يحاولون إزالة أنفسهم والآخرين، هي التشكيل والتنمية والتقوية لحزب اللّه وجنوده؛ لأنّ خالق العالم هو اللّه، وهو مصدر العدل، ومن ثمّ تؤدّي حاكميّته على العالم إلى تحقّق العدالة الشاملة وحقوق الطبقات المحرومة والمستضعفة، ومن الواضح أنّ حاكميّته على العالم تتحقّق من خلال تحقّق حاكميّة خليفته على العالم، وتحقّق حاكميّة خليفته على العالم يتطلّب قبول عدد كافٍ من سكّان العالم ومطاوعتهم لها؛ إذ لا تتحقّق الحاكميّة على مكان دون قبول عدد كافٍ من سكّانه ومطاوعتهم لها، وهذا واقع محسوس ومجرّب. لذلك، فإنّ التشكيل والتنمية والتقوية لحزب اللّه وجنوده ممكن من خلال دعوة سكّان العالم إلى قبول حكم خليفة اللّه ومطاوعته، وتوحيدهم وتنسيقهم ضدّ حزب الشيطان وجنوده. [العودة إلى الإسلام، ص٢٤٣]
إِنَّمَا كَانَ الْعَدْلُ فِي حُكُومَةِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَقْدَارَكُمْ وَمَوَاضِعَكُمْ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا غَيْرُهُ مَهْمَا بَالَغَ فِي الْفَحْصِ وَالْجَهْدِ، إِلَّا مَنْ جَعَلَهُ مَهْدِيًّا إِلَيْهَا، لَكِنَّكُمْ يَئِسْتُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَغَفَلْتُمْ عَنْ مَهْدِيِّهِ، فَسَلَّمْتُمُ الْحُكُومَةَ الَّتِي رَضِيَهَا لِمَهْدِيِّهِ إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَرْضَ لَهُمْ حُكُومَةً! كَأَنَّ الْحُكُومَةَ مِيرَاثُ آبَائِكُمْ، إِذْ تَنْزِعُونَهَا مِمَّنْ تَشَاؤُونَ وَتُؤْتُونَهَا مَنْ تَشَاؤُونَ، وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلَّهِ الَّذِي يَقُولُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾، وَهُوَ قَدْ آتَاهَا إِبْرَاهِيمَ وَجَعَلَهَا عَهْدًا إِلَى الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، وَالَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ هُمُ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ مَهْدِيَّ اللَّهِ هُوَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَكُلُّ مَنِ اخْتَارَ حَاكِمًا غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا. [الرسالة الرابعة عشرة]
مِنَ الْعَجَبِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَحَدًا وَعَقَدُوا لَهُ وِلَايَةً، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَقَوَّاهُ لِذَلِكَ!... أَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَعْيُنٌ لِيُبْصِرُوا بِهَا أَنَّ حُكَّامَهُمْ جَمِيعًا يَظْلِمُونَ وَلَا يَعْدِلُونَ؟! أَوْ لَيْسَ لَهُمْ آذَانٌ لِيَسْمَعُوا بِهَا أَنَّ سَاسَتَهُمْ جَمِيعًا يَكْذِبُونَ وَلَا يَصْدُقُونَ؟! أَوْ لَيْسَ لَهُمْ ذَكَاءٌ لِيَفْطَنُوا بِهِ أَنَّ قَادَتَهُمْ جَمِيعًا يُضِلُّونَ وَلَا يَهْدُونَ؟! فَإِلَى مَتَى يَظِلُّ هَذَا الْجُرْحُ الْمُتَقَيِّحُ مَفْتُوحًا، وَإِلَى مَتَى يَسْتَمِرُّ هَذَا الْجُنُونُ؟! أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَخْبِرُونِي إِلَى مَتَى يَجِبُ أَنْ تَتَمَايَلُوا يَمِينًا وَشِمَالًا كَرَجُلٍ سِكِّيرٍ، حَتَّى تَفْقَهُوا أَنَّ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ، وَلَيْسَ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا الْعَدْلُ؟! أَخْبِرُونِي كَمْ حُكُومَةً أُخْرَى يَجِبُ أَنْ تُجَرِّبُوهَا، وَكَمْ طَاعَةً أُخْرَى يَجِبُ أَنْ تُعَوِّضُوهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَا حُكُومَةَ غَيْرَ حُكُومَةِ اللَّهِ تُوصِلُكُمْ إِلَى الْعَدْلِ، وَلَا طَاعَةَ غَيْرَ طَاعَةِ اللَّهِ تُنْجِيكُمْ مِنَ الظُّلْمِ؟! أَلَمْ تَكْفِكُمْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ الْبَالِغَةُ آلَافَ السِّنِينَ؟! أَلَمْ تَكْفِكُمْ هَذِهِ الْغَرَامَاتُ الْبَاهِظَةُ؟! أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّمَارِدَةَ وَالْفَرَاعِنَةَ؟! أَلَمْ تَتَحَمَّلُوا الْأَكَاسِرَةَ وَالْقَيَاصِرَةَ؟! أَلَمْ تَرَوُا الْخُلَفَاءَ وَالْمُلُوكَ؟! أَلَمْ تُجَرِّبُوا الْجُمْهُورِيَّاتِ وَالْإِسْلَامِيَّاتِ؟! أَفَلَمْ تَعْتَبِرُوا بَعْدُ؟! [الرسالة الرابعة عشرة]
أَلَا يَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ الظَّالِمُونَ الَّذِينَ يَسْفِكُونَ دِمَاءَ الْمَظْلُومِينَ لِكَسْبِ السُّلْطَةِ وَحِفْظِهَا! أَلَا يَا أَيُّهَا الْفُقَهَاءُ وَالشُّيُوخُ الْمُرَاؤُونَ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عُمَّالَ اللَّهِ وَأُولِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ! أَلَا يَا أَيُّهَا السِّيَاسِيُّونَ الطَّامِعُونَ الَّذِينَ يَتَزَاحَمُونَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْحُكُومَةِ! أَلَا يَا أَيُّهَا الْأَحْزَابُ السِّيَاسِيَّةُ الْمَاكِرَةُ الَّتِي لَا تَبْتَغِي شَيْئًا سِوَى السُّلْطَةِ! أَلَا يَا أَيَّتُهَا الْفِرَقُ وَالْعِصَابَاتُ الْمُفْسِدَةُ الَّتِي تَسْعَى فِي الْأَرْضِ لِنَيْلِ الْعُلُوِّ! كُفُّوا عَنِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْمَنْكُوبِينَ، وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِهِمْ! أَلَمْ يَكْفِ آلَافُ السِّنِينَ مِنَ الْجَوْرِ وَالْإِفْسَادِ؟! أَلَمْ يَكْفِ تَارِيخٌ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ؟! أَلَمْ تَسْأَمُوا مِنْ إِثَارَةِ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ الطَّوِيلِ؟! فَمَتَى تَنْتَهُونَ عَنْ هَذِهِ اللُّعْبَةِ الصِّبْيَانِيَّةِ؟! فَمَتَى تَتَوَقَّفُونَ عَنْ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ الْمُتَكَرِّرَةِ؟! [الرسالة الرابعة عشرة]
أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَمْ يَأْنِ لَكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى أَصْلِكُمْ؟! أَلَمْ يَأْنِ لَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا عَهْدَ اللَّهِ إِلَى أَبِيكُمْ آدَمَ؟! أَلَمْ يَأْنِ لَكُمْ أَنْ تَرُدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى أَهْلِهَا وَتُسَلِّمُوا الْحُكُومَةَ إِلَى صَاحِبِهَا؟! هَلْ مَا زِلْتُمْ تَأْمُلُونَ فِي هَذِهِ الْحُكُومَاتِ الْمُتَلَوِّنَةِ؟! هَلْ مَا زِلْتُمْ تَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ عَمْرٌو مَكَانَ زَيْدٍ لَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ؟! كَمْ مِنْ عَمْرٍو جَاءَ مَكَانَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَسْتَقِمِ الْأُمُورُ؛ لِأَنَّ اسْتِقَامَتَهَا كَانَتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَأَنْتُمْ غَافِلُونَ! فَإِلَى مَتَى تَقْعُدُونَ آمِلِينَ فِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَتَرْفَعُونَ رَايَةَ كَذَا وَكَذَا؟! إِلَى مَتَى تُذِلُّونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُقَبِّلُونَ أَيْدِي الرِّجَالِ؟! إِلَى مَتَى يَغُرُّكُمُ الْوُعُودُ الْكَاذِبَةُ، وَيَلْعَبُ بِكُمُ الْآمَالُ الْبَعِيدَةُ؟! إِلَى مَتَى تَدُورُونَ حَوْلَ مِحْوَرٍ وَاحِدٍ كَحُمُرِ الطَّاحُونَةِ، وَتَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَتَقَدَّمُونَ؟! [الرسالة الرابعة عشرة]
مَا بَالُكُمْ قَدْ أَعْطَيْتُمْ ظُهُورَكُمْ لِكُلِّ حَيَوَانٍ نَاقِصٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَلَمْ تُعْطُوا أَكُفَّكُمْ لِلْإِنْسَانِ الْكَامِلِ؟! مَا بَالُكُمْ قَدْ مَصَصْتُمْ كُلَّ ثَمْدٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَتَرَكْتُمُ الْبَحْرَ الْفُرَاتَ؟! مَا بَالُكُمْ قَدْ سَعَيْتُمْ إِلَى كُلِّ سَرَابٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَلَمْ تَخْطُوا خُطْوَةً نَحْوَ الْمَاءِ السَّائِغِ؟! أَلَنْ تَسْتَعِيدُوا وَعْيَكُمْ، وَلن تَرْجِعُوا إِلَى أَصْلِكُمْ؟! أَلَنْ تَنْتَبِهُوا مِنَ النَّوْمِ، وَلَنْ يَنْتَهِيَ هَذَا الْكَابُوسُ؟! أَلَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الظُّلُمَاتِ، وَلَنْ يَكُونَ لِهَذَا اللَّيْلِ الْبَهِيمِ فَجْرٌ؟! أَلَنْ تُفِيقُوا مِنَ السُّكْرِ، وَلَنْ يَتْرُكَ الرَّأْسَ هَذَا الدُّوَارُ؟!... أَرَاكُمْ قَدْ رَضِعْتُمْ مِنْ ثَدْيِ الْجَهْلِ، وَنَشَأْتُمْ فِي حِجْرِ الظُّلْمِ، وَلَا يَعْرِفُنِي لُحُومُكُمْ وَدِمَاؤُكُمْ! [الرسالة الرابعة عشرة]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قَرَأْتُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ﴾، قَالَ: أَتَعْلَمُ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَوَلِيُّهُ أَعْلَمُ! قَالَ: هُمُ السُّنَّةُ وَالشِّيعَةُ! قَالَتِ السُّنَّةُ لَيْسَتِ الشِّيعَةُ عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَتِ الشِّيعَةُ لَيْسَتِ السُّنَّةُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ! قُلْتُ: إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَنْتَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ هَذَا بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْمَهْدِيُّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. [الفقرة ٦ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ الْمَنْصُورِ الشِّيعَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ كُلَّهُمْ كُفَّارٌ! فَغَضِبَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ وَقَالَ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَفَّرَ مُسْلِمًا بَاءَ بِهَا؟! فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَقَامَ عَنْهُ الْمَنْصُورُ غَضَبًا وَقَالَ: لَوِ امْتَلَأَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ تَعَصُّبًا، اللَّهُمَّ أَخْزِ الْمُتَعَصِّبِينَ! ثُمَّ ذَهَبَ، فَأَدْرَكَهُ الرَّجُلُ مِنْ خَلْفِهِ وَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَسُبُّونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ الْمَنْصُورُ: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَسُبُّونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟! قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقْذِفُونَنَا وَيَقُولُونَ لَنَا أَوْلَادَ الزِّنَا! فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَلْ هُمْ إِلَّا جَاهِلُونَ يُخَاطِبُونَكُمْ؟! فَقُولُوا لَهُمْ سَلَامًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ! قَالَ الرَّجُلُ: أَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ كَمَا أَمَرَنَا؟! قَالَ الْمَنْصُورُ: بَلَى، أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْكُمْ فَعَصَوْهُ، فَهَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْصَوْهُ كَمَا عَصَوْهُ فَتَكُونُوا سَوَاءً؟! ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، قَالَ الرَّجُلُ: وَمَا أَمْرُهُ؟ قَالَ: خَلِيفَتُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا جَاءَ بَيَّنَ لَكُمْ وَلَهُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. [الفقرة ٧ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعَ الْمَنْصُورُ رَجُلًا يُكَفِّرُ رَجُلًا مِنَ الشِّيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، هَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ كَمَا أَنْتَ تُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ؟! فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَضَّلَ الشَّافِعِيَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كَافِرًا، فَكَيْفَ بِمَنْ فَضَّلَ عَلَيْهِ عَلِيًّا؟! إِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ يُفَضِّلُ الْكَافِرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، فَقَالَ الرَّجُلُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَلَكِنَّهُ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ! قَالَ: هَذَا إِثْمٌ، وَلَا يُكَفِّرُ الرَّجُلَ بِالْإِثْمِ إِلَّا حَرُورِيٌّ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا أَبَا بَرْزَةَ! إِنَّهَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! [الفقرة ٨ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَنْصُورِ فِي مَسْجِدٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا مِنَ الشِّيعَةِ! قَالَ: وَمَا تُرِيدُ بِالشِّيعَةِ؟ قَالَ: شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! قَالَ: كُنْ مُسْلِمًا تَكُنْ مِنْ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا مِنَ السُّنَّةِ! قَالَ: وَمَا تُرِيدُ بِالسُّنَّةِ؟ قَالَ: أَهْلَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! قَالَ: كُنْ مُسْلِمًا تَكُنْ مِنْ أَهْلِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! ثُمَّ قَالَ: أَخَذْتُمُ الْأَسَامِي وَتَرَكْتُمُ الْمَعَانِي! كُونُوا مُسْلِمِينَ -أَيُّهَا الْأَحْجَارُ- كَمَا كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَكُونُوا ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. [الفقرة ٩ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: أَدْخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ مِنْ أَصْحَابِكَ وَهُوَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَهَذَا فُلَانٌ مِنْ أَصْحَابِكَ وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ: دَعْنَا -يَا فُلَانُ- مِنْ شِيعَتِكُمْ وَسُنَّتِكُمْ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، فَتَدَيَّنُوا بِهِ، ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، فَلَا تَسَمُّوا إِلَّا بِالْمُسْلِمِينَ، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾! ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَتَى اللَّهَ وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ! [الفقرة ١٠ من القول ٣٨]
رَوَى مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ [ت٢٦١هـ] فِي «صَحِيحِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: «فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ».
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَبُو الزُّبَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ صَدُوقٌ عِنْدَهُمْ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ وَالطُّفَاوِيُّ. [الباب ١، الدرس ٢٧]
رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [ت٢٤١هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الطَّائِفَةُ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ عَلَى الْحَقِّ هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْقُرْآنَ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيْهِ الْحَوْضَ، وَآخِرُهُمُ الَّذِي يُقَاتِلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، كَمَا مَضَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. [الباب ١، الدرس ٢٨]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ» يَعْنِي غَالِبِينَ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ وَإِنْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ بِالْقُوَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ كَانُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مِنَ الصِّدْقِ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا غَالِبِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ غَلَبَتُهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَهَذَا كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ رُسُلِهِ قُتِلُوا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ فِي الدُّنْيَا أَحْيَانًا، كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ» غَلَطًا أَوْ تَحْرِيفًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ»، وَلَمْ يَجِئْ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ «يُجَاهِدُونَ -أَوْ يُقَاتِلُونَ- عَلَى الْحَقِّ»، وَلَمْ يَجِئْ أَنَّهُمْ ظَاهِرُونَ أَبَدًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ «عَلَى الْحَقِّ» فَقَطُّ، وَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ الْوَارِدُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى. [الباب ١، الدرس ٢٨]
رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ [ت٢٠٤هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: لَقِينَا عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَنَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَخَطَبَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ هَذَا كَانَ الْحَدِيثَ، حَتَّى ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ فَزَادُوا عَلَيْهِ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ»، أَوْ «ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ»، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِهِمْ بِالْحُجَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدْ حَذَفَهُ أَبُو دَاوُدَ اخْتِصَارًا، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ. [الباب ١، الدرس ٣٠]
رَوَى الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ [ت٤٠٥هـ] فِي «الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ! فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، أَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»...
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ... «الْقِتَالُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقِتَالُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمِيرُ خَلِيفَتَهُ فِي الْأَرْضِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَلَا تَجِدُ عِصَابَةَ الْحَقِّ إِلَّا مُقَاتِلِينَ أَوْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَاتِلًا وَلَا مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَالْمُسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ كَالْمُقَاتِلِ. [الباب ١، الدرس ٣١]
إنّما يكون لدفع الأفسد بالفاسد وجه إذا كان من المعلوم أيّهما الفاسد وأيّهما الأفسد! وأنّى للناس أن يعلموا ذلك؟! ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾؟! فكم من رجل متظاهر بالخير وهو من شرّ الناس، وكم من رجل يظنّ الناس به شرًّا وهو من خيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد يكون الذي يتظاهر بالإيمان شرًّا من الذي يتظاهر بالكفر؛ لأنّ ذلك كافر وهذا منافق، والمنافق شرّ وأضرّ بالإسلام والمسلمين من الكافر؛ كحكّام إيران الذين يدّعون الحكومة الإسلاميّة والتشيّع لأهل البيت، وقد قصموا ظهر الإسلام بسوء أعمالهم ونصبوا العداوة للسيّد المنصور الذي يدعو إلى حكومة أهل البيت، أو حكّام السعوديّة الذين يدّعون نشر التوحيد ورئاسة الدّول الإسلاميّة، وهم أبعد الناس من التوحيد وأشدّهم موالاة لأعداء المسلمين. فأنّى للناس أن يعلموا الفاسد من الأفسد؟! [السؤال والجواب ١٠١]
التوسّل بالشخص يعني اتّخاذه وسيلة للحصول على شيء ما ولذلك، فإنّ التوسّل بالإمام المهديّ عليه السلام، أولًا وقبل كلّ شيء يعني اتّخاذه وسيلة لتحقيق حكومة اللّه تعالى وإقامة الدين الخالص في العالم، وهذا واجب على جميع المسلمين؛ لأنّ الإمام المهديّ عليه السلام، حسب خبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواتر، هو خليفة اللّه في الأرض، وبالتالي يعتبر الوسيلة الوحيدة لتحقيق حكومة اللّه تعالى وإقامة الدين الخالص في العالم، وليس هناك أيّ بديل له يمكن أن يغني عنه ولذلك، يجب على جميع المسلمين اتّخاذه وسيلة، وإن كان مستلزمًا للتمهيد لظهوره، وهذه هي النقطة التي بيّنها السيّد المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى بالتفصيل في مبحث «وجوب إظهار المهديّ على النّاس» من الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام». [السؤال والجواب ٢٩]
مشاكل العالم كلّها متجذّرة في عدم حاكميّة اللّه عليه، وحاكميّة اللّه عليه تتحقّق بحاكميّة المهديّ عليه، وحاكميّة المهديّ عليه تصبح ممكنة من خلال التمهيد لها، والتمهيد لها يعتمد على اجتماع عدد كافٍ من الناس لدعمه، والسيّد المنصور الهاشمي الخراساني هو في سبيل إنشاء هذا الإجتماع، وكلّ من لا يعينه قدر استطاعته هو مساهم في خلق مشاكل العالم، سواء كان من الحكّام أو المواطنين. [السؤال والجواب ٥٧]
مثل النّاس في غياب المهديّ كمثل رجل فقد شرابه في فلاة، فهو لا يقدر على إرواء عطشه بمصّ الحجر وتناول الشوك، ويكون هلاكه في هذا الوضع أمرًا حتميًّا ناشئًا من تقصيره في حفظ شرابه، إلّا أن يرجع إلى المكان الذي ترك فيه شرابه فيأخذه. فالآن إن كان يسأل كيف يمكنه إرواء عطشه قبل أن يفعل ذلك، فليس لسؤاله جواب؛ لأنّ اللّه لم يجعل في الحجر والشوك ما يغنيه من العطش، وهذا ما يريد المنصور الهاشمي الخراساني إفهامه للمسلمين... هذا يعني أنّ اللّه لم يجعل أيّ بدّ ومندوحة من خليفته في الأرض، والإضطرار إليه قضاء محتوم على الناس، ولذلك فإنّ مجادلتهم في إيجاد بديل عنه لا طائل تحتها. بعبارة أخرى، فإنّ عدم ظهور المهديّ مصيبة عظيمة وخسارة فادحة لا يمكن تداركها، وجهود الناس لملء شاغره عقيمة. في مثل هذا الوضع الرهيب والمؤسف، من الأفضل للناس، بدلًا من إهدار وقتهم وطاقتهم بمثل هذه المجادلات والجهود غير المثمرة، أن يجيبوا دعوة المنصور ويمهّدوا لظهور المهديّ في أقرب وقت ممكن؛ لأنّ هذا هو أحكم شيء يمكن أن يفعله العطاشى والحيارى في الفلاة، ولكن للأسف أكثرهم ليسوا حكماء. [السؤال والجواب ٥]
يعتقد المنصور الهاشمي الخراساني اعتقادًا جازمًا بأنّ المهديّ موجود وحيّ في الوقت الحاضر، وممّا يدلّ على ذلك ما أخبرنا به بعض أصحابه، قال: «دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ الْهَاشِمِيِّ الْخُرَاسَانِيِّ وَهُوَ فِي مَسْجِدٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكُمُ الْمَهْدِيَّ وَلِيًّا، فَاتَّخِذُوهُ وَلِيًّا، وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ! فَقَامَ رَجُلٌ أَحْوَلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَقَالَ: وَهَلْ خَلَقَ اللَّهُ الْمَهْدِيَّ؟! قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّهُ لَيَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ...»، هذا صريح في أنّه على بيّنة من وجود المهديّ في الوقت الحاضر، وإن كان غائبًا عن النّاس أي غير معروف لهم بسبب الخوف منهم على نفسه، وهذا أمر ممكن عقلًا وشرعًا، بل قريب جدًّا بالنظر إلى ظهور العلامات الواردة في الأحاديث المتواترة لوقت خروجه من غلبة الظلم والجور على الدّنيا وكثرة البلايا وغير ذلك، فلا داعي لتكذيبه، ومن يكذّبه فإنّما يكذّبه بغير علم، بالإضافة إلى أنّه كقانط من رحمة اللّه، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، ومن الواضح أنّه ليس للجاهل حجّة على العالم، والمنصور عالم بوجود المهديّ، ولم يكتف بالإخبار عن رؤيته، وإن كان ثقة في ذلك لعدالته وجلالته، بل قد أقام على وجوده حجّة من العقل والشرع. أمّا حجّته من العقل فهي ضرورة وجود خليفة للّه تعالى في الأرض لتعليم الإسلام كلّه وإقامته بشكل خالص وكامل، بالنظر إلى أنّ هذا التعليم والإقامة ضروريّان وليسا ممكنين إلا إذا كان هناك خليفة للّه في الأرض... أمّا حجّته من الشرع فهي قول اللّه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ لأنّه من وعده الذي لا يمكن إخلافه، ومن سنّته التي لا يمكن تبديلها... [السؤال والجواب ٦]
الحقّ وجود واحد، سواء في مجال التكوين أو في مجال التشريع، ومن ثمّ يستدعي معرفة واحدة؛ إذ لا يمكن معرفة شيء واحد بصورتين مختلفتين، إلا أن تكون إحدى الصورتين ما تسمّى معرفة وليست بها؛ كعالمين بينهما خلاف في عمل، أحدهما يعتبره واجبًا والآخر يعتبره غير واجب، ومن البديهيّ أنّ العمل الواحد لا يمكن أن يكون واجبًا وغير واجب في آنٍ واحد، ولذلك فإنّ معرفة أحدهما حقّ، ومعرفة الآخر غير حقّ لا محالة؛ كما قال اللّه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، ومن المسلّم به أنّه تعالى قد كلّف الناس بمعرفة الحقّ على أنّه واحد، ولم يأذن لهم في الإختلاف فيه؛ كما قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وهذا يعني أنّه تعالى قد جعل معرفة الحقّ بصورة واحدة أمرًا ممكنًا للناس؛ لأنّه من القبيح أن يكلّفهم بما جعله ممتنعًا عليهم، فلم يفعل؛ كما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. بناء على هذا، فإنّه تعالى قد جعل للناس سبيلًا إلى معرفة الحقّ بصورة واحدة، والواجب عليهم معرفة تلك السبيل واتّباعها، ولا شكّ أنّ القيام بهذا الواجب هو أصل «التفقّه في الدّين» ومقدّمته؛ لأنّ التفقّه في الدّين قبل معرفة واتّباع السّبيل التي جعلها اللّه للناس إلى معرفة الحقّ بصورة واحدة، لا محالة يؤدّي إلى معرفة الدّين بصور شتّى، وهي الإختلاف بين المسلمين. هذا يعني أنّ التفقّه في الدّين إنّما يؤدّي إلى الإختلاف بين المسلمين إذا كان بغير معرفة تلك السّبيل واتّباعها، ومن ثمّ قد أمر اللّه تعالى بالإعتصام بحبله قبل الأمر بعدم التفرّق؛ لأنّه شرط ذلك ومفتاحه، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وحبل اللّه هو تلك السّبيل التي جعلها للناس إلى معرفة الحقّ معرفة واحدة. [الشبهة والرّدّ ٢١]
ولكن ما تلك السبيل التي جعلها اللّه للناس، ولا بدّ لهم من معرفتها واتّباعها ليتمكّنوا من الوصول إلى معرفة واحدة للدّين؟ لئن سألت أكثر العلماء عن ذلك ليقولنّ: «هي القرآن والسنّة»، وذلك مبلغهم من العلم؛ لأنّهم لا يعقلون، ولو كانوا يعقلون لعلموا أنّ قولهم هذا دور باطل؛ لأنّ الدّين هو القرآن والسنّة، ولا معنى للإختلاف فيه إلا الإختلاف فيهما، ومن المستحيل رفع الإختلاف فيهما بأنفسهما؛ لأنّه كتوقّف الشيء على نفسه، ومن الواضح أنّ المختلفين كلّهم يدّعون معرفتهما واتّباعهما، ولذلك لم يقع رفع الإختلاف في الدّين بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يومنا هذا بالرغم من وجود القرآن والسنّة بين المسلمين وحرصهم الكبير على التمسّك بهما، ولو كان ممكنًا لوقع. إنّما السبيل شيء غير القرآن والسنّة، يبيّن القرآن والسنّة، ويحكم بين المسلمين فيما اختلفوا فيه من القرآن والسنّة، وهو خليفة يجعله اللّه تعالى في الأرض؛ كما وعد ذلك فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهو هادٍ يجعله اللّه تعالى لكلّ قرن بعد رسوله ليهديهم بأمره؛ كما أخبر عن ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وهو مَن عنده علم الكتاب أي الدّين كلّه، ليكون شهيدًا بين الرسول وأمّته إلى يوم القيامة؛ كما قال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. فلا بدّ من معرفة واتّباع هذا الخليفة والهادي والعالم في كلّ زمان ليرتفع فيه الخلاف من بين المسلمين، وهذا ما بيّنه السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى في كتاب «العودة إلى الإسلام»، وكتاب «هندسة العدل»، وكثير من أقواله الطيّبة... بالجملة فإنّ الواجب على الناس معرفة دينهم بصورة يقينيّة واحدة، وهي ممكنة من خلال الرجوع المباشر إلى القرآن والسنّة في ضوء المعرفة والإتّباع لمن جعله اللّه تعالى خليفة وهاديًا في زمانهم. [الشبهة والرّدّ ٢١]
الذي لا يستطيع الوصول إلى المهديّ بسبب تقصيره، هو مكلّف بالتمهيد لظهور المهديّ قبل أن يكون مكلّفًا بالصلاة والصيام والحجّ والزكاة. فإن قام بالتمهيد لظهور المهديّ فهو معذور في العمل بالظنّ في صلاته وصيامه وحجّه وزكاته حسبما قدّمنا، وإن لم يفعل فلا يُقبل منه ما عمل فيه بالظنّ من صلاته وصيامه وحجّه وزكاته. بناء على هذا، فإنّ التمهيد لظهور المهديّ هو واجب فوريّ مقدّم على سائر الواجبات... الذي لا يستطيع الوصول إلى المهديّ بسبب قصوره، ليس مضطرًّا إلى العمل بالظنّ في جميع الموضوعات؛ لأنّ هناك موضوعات يُعلم حكمها بآية من القرآن، أو خبر متواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته المطهّرين، ولا شكّ أنّ العمل فيها استنادًا إليهما لا يعتبر عملًا بالظنّ، بل هو عمل باليقين، والظاهر أنّ أركان الصلاة والصيام والحجّ والزكاة هي من تلك الموضوعات، ولذلك يجب على القاصر في عدم الوصول إلى المهديّ طلب العلم بالأحكام من خلال النظر في القرآن والسنّة، ليحصل على اليقين بقدر الإمكان. فإن قصّر في ذلك فليس بمعذور في العمل بالظنّ في الموضوعات التي يمكنه التيقّن فيها من خلال ذلك، وإن كان قاصرًا في عدم الوصول إلى المهديّ. [الشبهة والرّدّ ٢٢]
تنبّأت بأنّ العلماء لو رجع إليهم أحد وسألهم دليل فتاويهم من القرآن والسنّة، لا يبخلون بذكره ويقدّمون له، وهذا أمر غير بعيد، إلا أنّه خارج عن موضوع البحث؛ إذ ليس موضوع البحث أنّ العلماء ماذا يفعلون لو رجع إليهم أحد وسألهم دليل فتاويهم من القرآن والسنّة، بل هو هل يجب على النّاس أن يرجعوا إليهم ويسألوهم عن دليل فتاويهم من القرآن والسنّة أم لا يجب؟! إنّ هؤلاء يقولون لا يجب؛ لأنّهم يزعمون أنّ النّاس يجزيهم العمل بفتاويهم المجرّدة عن الدليل بغير أن يرجعوا إليهم ويسألوهم عن الدليل؛ كما جرت عادة النّاس على ذلك، لا سيّما الشيعة؛ لأنّ المعمول به بينهم هو اتّخاذ كتاب يسمّونه «الرسالة العمليّة» أو «رسالة توضيح المسائل» فيه فتاوي مجرّدة عن الدليل لرجل يسمّونه «مرجع التقليد»، وقد بلغ من جهل مراجع تقليدهم أنّهم يكتبون في صدر الكتاب فتوى صورتها: «العمل بما في هذه الرسالة العمليّة مجزية إن شاء اللّه»، في حين أنّ هذا دور واضح لا يصدر ممّن له أدنى نصيب من العلم؛ إذ معناه إفتاؤهم بإجزاء العمل بإفتائهم؛ كما أشار إلى ذلك السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى في مبحث «عدم إمكان تقليد العلماء استنادًا إلى تقليدهم» من كتاب «العودة إلى الإسلام» حيث قال: «يعتقدون أنّه من الواجب على كلّ مسلم أن يختار منهم مرجعًا للتقليد، ويحسبون العمل من دون ذلك باطلًا وغير مقبول، في حين أنّ حجّة أكثرهم على هذا الاعتقاد هي فتوى علمائهم به، وهذا يعني تقليدهم استنادًا إلى التقليد، وهو دور باطل لا معنى له» العودة إلى الإسلام، ص٦٩». هذا مثال واحد على جهل مراجع تقليدهم بالرغم من عِظَم تكبّرهم! فلا عجب أنّهم لا يقومون بدعم السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى، بل لا يبالون بدعوته إلى الدّين الخالص؛ لأنّهم أجهل من أن يعقلوا من هو وماذا يقول! كما لا ينبغي التعجّب من عداوة مقلّديهم معه؛ لأنّ من لا يفهم جهل هؤلاء الجهّال المشهورين، كيف يفهم علم هذا العالم المستور، ومن لا يتنبّه لأفحش التناقضات، كيف يتنبّه لأدقّ الأدلّة والبراهين؟! [الشبهة والرّدّ ٢١]
الحديث المعروف بين أهل الحديث بـ«حديث الرايات»، هو أقدم وأشهر وأصحّ ما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه وأهل بيته في باب علامات ظهور المهديّ عليه السلام، بحيث أنّه كان مصدر إلهام لكثير من الثورات في تاريخ الإسلام، كثورة عبد الرحمن بن الأشعث (ت٨٥هـ) ضدّ عبد الملك بن مروان، وثورة حارث بن سريج (ت١٢٨هـ) ضدّ نصر بن سيّار، وثورة أبي مسلم الخراسانيّ (ت١٣٧هـ) ضدّ بني أميّة، وانعكس في كتب جميع المذاهب الإسلاميّة... كما روى كثير منهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نظر يومًا إلى فتية من بني هاشم، فتغيّر لونه واغرورقت عيناه، فقيل: يا رسول اللّه، لا نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه، فقال: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ لَنَا اللَّهُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَوْنَ بَعْدِي بَلَاءً وَتَشْرِيدًا وَتَطْرِيدًا، حَتَّى يَأْتِيَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ -أَوْ قَالَ: مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ- مَعَهُمْ رَايَاتٌ سُودٌ يَسْأَلُونَ الْحَقَّ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَيُقَاتِلُونَ فَيُنْصَرُونَ، فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا، فَمَنْ أَدْرَكَهُمْ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ أَعْقَابِكُمْ، فَلْيَأْتِهِمْ وَلْيُبَايِعْهُمْ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّهَا رَايَاتُ هُدًى، يَدْفَعُونَهَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»، وهذا حديث صحيح الإسناد؛ لأنّ رواته من الرجال المشهورين والمرضيّين بين المسلمين... بل الحقّ أنّ هذا الحديث بالغ مبلغ التواتر... والحقّ أنّه لا يوجد في هذا الباب حديث آخر له مثل هذه القدمة والشهرة والأسناد والتأثيرات التاريخيّة. [الشبهة والرّدّ ٢٣]
ليس هناك شكّ في أنه على رأس كلّ التطلعات والأهداف المشتركة للعالم الإسلامي، هو إقامة العدل العالمي والقضاء على الظلم والفساد في الأرض في ظلّ دولة إسلامية مستقلة وذات حقيقة إسلامية؛ حكومة وعدها الإسلام المسلمين منذ الأيام الأولى، ولا شكّ أنّ أيّ رغبة مشروعة وصحيحة أخرى سوف تتحقّق في هذه الصورة فقطّ، وأنّ جميع مسلمي العالم لديهم هذه الرغبة، سواء كانوا منتبهين أو غير منتبهين. في هذه الأثناء، ما أوقع كثيرًا من المسلمين في الخطأ وحرّفهم عن المسار الأصلي للإسلام، كان هذا الوهم المشؤوم وبلا اساس بأن لا حاجة لهم إلى هداية من اللّه لتحقيق هذه الأهداف السحيقة والأمنية الجميلة وكلّ مجموعة منهم يمكنها أن تتبع أيّ طريقة تراها صحيحة وتختار أيّ شخص رضيت به لقيادتها وإمامتها نحو هذا الطموح الكبير! لكن نرى بوضوح أنّ هكذا وهم مشؤوم وتصوّر ساذج لحدّ الآن أدّى إلى أيّ نتائج وذهب بالمسلمين إلى أيّ وضع! اليوم كلّ مجموعة من المسلمين سلّطت شخصًا على نفسها وبايعت حاكمًا أعجبها. فئة منهم تحالفت مع الكفّار وجعلت الحكّام المسلمين الذين في الواقع هم منافقون خونة وأشرار حكامًا عليهم وفئة أخرى بتحكّم وتهوّر عجيب تقرّ البيعة للأمراء والخلفاء الداعين لأنفسهم وتحميهم من أجل اكتساب المزيد من القوة والسلطة. لذا فالجهل والظلم والعدوان والحرب والفقر صار مستوليًا عليهم وظلّ الفناء والسقوط يثقل على رأسهم. [المقالة ٤]
إنّ المسلمين تجاهلوا اللّه ولم يضعوا إرادته ومشيئته في هذا الأمر في الحسبان وتخلّفوا عن الطريقة التي وضعها لهم للوصول إلى هذا الهدف السامي. لقد نسي المسلمون أنّ إذن اللّه وأمره هو أصل واُسّ الخلق وحجر أساس خلقة هذا العالم وكلّ الأُمور والمعادلات والحسابات لا تجري إلّا بمشيئته وإرادته ومن دونها لا تتحرّك حصاة على الأرض. لقد نسي المسلمون أنّ اللّه عيّن سبيلًا وطريقة لتحقيق وعوده ولتحصيلها جعل الإلتزام بهذا السبيل والطريقة ضروريًا. غفل مسلمو العالم عن هذه الحقيقة العظيمة أنّ اللّه تعالى جعل الولاية والبيعة لنفسه فقطّ ونهاهم عن اتّخاذ شريك له فيها وجعل الإشراك فيها مصداقًا للشرك باللّه. حقًّا، كيف لهم أن يصلوا إلى مثل هذا الهدف المقدّس بالشرك باللّه وبمخالفة أمره؟! لا شكّ أنّ اللّه المتعال هو الحاكم الحقيقي والمالك الأصلي لهذا العالم والحكم عليه يليق به حصرًا. لذلك فإنّ تحقّق حكومة العدل العالمية تتيسّر بالطريقة التي يريدها هو فقطّ والحاكم الذي اختاره للناس هو الوحيد الذي يقدر على إقامة العدل لا أحد آخر. هذه حقيقة قد أغفلت ونسيت تمامًا بالرغم من وضوحها وحقانيّتها وبالطبع فإنّ هذا النسيان غريب جدًّا؛ إذ أنّ جميع المسلمين متّفقون على أنّ القائم بالحقّ ومقيم العدل على الأرض والشخص الوحيد الذي أخبر اللّه بخروجه وقيامه بالحقّ والعدل وانتصاره النهائي، بحسب الأخبار المتواترة هو مهديّ آل محمد؛ «الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملأت ظلمًا وجورًا» ولا يوجد هكذا اتّفاق حول شخص آخر. هذا يعني أنّه هو الحاكم الوحيد المشروع والمرضيّ للّه في هذا الزمان وحاليًا الشخص الوحيد الذي يجوز لمسلمي العالم بل يجب عليهم مبايعته، هو المهديّ وكلّ بيعة مع غيره، هي عصيان لأمر اللّه، وبالتالي اتّباع الشيطان وبتعبير القرآن يعدّ التحاكم إلى الطاغوت وهذا يدلّ على غاية أهمية ومحورية مبايعة المهديّ في التعاليم الإسلامية. [المقالة ٤]
إنّ مبايعة المهديّ هي بديل مبايعة ظلمة وطواغيت العالم، وبالتالي ستكون السبب في تضعيف قواهم وسقوط حاكميّتهم ومن جهة أخرى يضمن وحدة مسلمي العالم واجتماعهم تحت راية واحدة؛ لأنّه يبدو أنّ اختلاف وتفرّق الأمة ناشئ من الحكومات المختلفة وتحزّب المسلمين هو معلول اتّباعهم للحكّام والقوى السياسية المتفرّقة ومن الطبيعيّ أنّ كلّ فرقة ومجموعة وقوم من المسلمين تتبع زعيمها، وأنّ زعماء العالم الإسلامي كلّ يدعو إلى نفسه ونسي المهدي؛ لأنّهم إمّا أن يكونوا متجاهلين له بالأساس وعاجزين عن ذكر اسمه أو أنّهم يبلّغون أنّ ظهور المهديّ بعيد جدًّا ولا يُعلم في أيّ زمان سيحدث. كذلك يواجه زعماء العالم الإسلامي المهديّ علموا أم جهلوا ويمنعون الرأي العامّ من التأمّل حوله. في مثل هذه الظروف، لو تصوّرنا أنّ نداء الدّعوة للمهديّ والإلتحاق به والإنسلاخ عن غيره يصل إلى جميع المسلمين في العالم ويترك جميعهم الحكّام الذين انتخبوهم من دون إذن اللّه ويهرعون إلى المهديّ، ماذا سيحصل؟ حقًا مع انطلاق نهضة الحماية والطاعة للمهديّ وارتفاع شعار عودة المسلمين إليه، ماذا سيحدث في المنطقة والعالم؟ [المقالة ٤]
الظاهر أنّ أول نتيجة مباركة لهكذا حركة توعوية، هي اتّحاد المسلمين في صفّ واحد وتحت بيرق واحد وتعاونهم وتوافقهم في ظلّ مبايعة خليفة اللّه وهذه أول خطوة في طريق تحقّق غايتنا الإسلامية العالية يعني تحقّق حاكميّة المهديّ عليه السلام؛ لأنّه لا ريب أنّ الإتّحاد الحقيقي والتكاتف العميق بين صفوف المسلمين، هو مقدّمة للثورة العالمية المهدوية. باعتقادنا أنّ هكذا نهضة إسلامية مباركة جعلت غايتها اتّحاد جميع المسلمين تحت بيرق المهديّ قد بدأت ونادت بنداء «العودة إلى الإسلام». إنّ قيادة هذه النهضة هي على عاتق العالم الحاذق والمناضل، سماحة العلامة المنصور الهاشمي الخراساني الذي بشجاعة خارقة ومدهشة، وضع كلمة «البيعة للّه» شعارًا لنهضته ويعتقد أنّ المصداق الوحيد للبيعة مع اللّه في عصرنا هو البيعة مع خليفة اللّه المهديّ من آل محمّد وكلّ بيعة أخرى في هذا الزمان، تعدّ مصداقًا لمبايعة الطاغوت. إذن «البيعة للّه» هي بمعنى انحصار الحكومة والقدرة في من اختاره اللّه كخليفة له وذلك ليس سوى المهديّ. هذا الذي بيده راية الإسلام الخالص والكامل، بتقديمه لهكذا قرائة أصيلة ومعتبرة، يعتقد أنّ المهديّ هو عمود خيمة الإسلام وإذا لم يثبَّت هذا العمود في الأرض، لن تقوم خيمة الإسلام. لذا فإنّ وظيفة كلّ فرد من مسلمي العالم، الحماية الكاملة والصادقة للمهديّ والنصرة والعون والطاعة له. لذلك يمكننا تسمية نهضة هذا العالم الكبير نهضة «العودة إلى الإسلام» أو نهضة العودة إلى المهديّ؛ لأنّه هو الركن الركين والمقيم الموعود للإسلام وأنّ العودة إليه في الحقيقة هي العودة إلى الإسلام الحقيقي. [المقالة ٤]
لقد وصل عناصر النفاق إلى السلطة في البلدان الإسلامية، وحكموا المسلمين؛ الحكام الذين يبدو أنهم مسلمون، لكنّ ولائهم وانقيادهم للكفار أو ضدّيتهم وعداءهم للتيارات الإسلامية يحكي عن كفرهم في الباطن. مجموعة منهم بشعارات سنّيّة ينشرون التفكير المنحط الأمويّ والعباسيّ في الكثير من الممالك الإسلامية وبإشاعة الإفراط وبالحماية السياسية والتسليحية للعصابات الإرهابية، يستهدفون نفوس وأموال المسلمين الأبرياء وفريق منهم بشعارات شيعيّة ينشرون الخرافات والبدع المذهبية في الدّول الإسلامية ويوجبون وهن الإسلام والإختلاف بين المسلمين، والعجيب أنهما اتّفقا على العداء لأطهر دعوة هذا العصر إلى إقامة الإسلام الكامل والخالص في العالم، ولا يتهاونان في الأعمال الشريرة والشيطانية لحفظ قدرتهما ومنع خليفة اللّه في الأرض من الوصول إلى السلطة! كما على سبيل المثال، أنّ عناصرهما المرتزقة وعملائهما الذين لا يؤمنون إلا بأربابهم، يتآمرون كلّ يوم لضرب نهضة «العودة إلى الإسلام» المطهّرة وهم سدٌّ في طريق قائدها الحرّ والكبير المنصور الهاشمي الخراساني ولذلك، يقترفون أيّ كذب وتهمة وظلم وعمل خبيث مؤذي. كم من الشبّان المثقفين والمتدينين الذين يمضون ويتألمون في سجونهم بجرم إجابتهم دعوة الحقّ إلى الإسلام الخالص والكامل، وكم من الرجال والنساء المحترمين والشرفاء الذين ينال من عرضهم ويتعرضون للشماتة والإهانة بجرم ترجيحهم للمهديّ على أربابهم! [المقالة ٥]
كتاب «العودة إلى الإسلام»
كتاب «هندسة العدل»
كتاب «تنبيه الغافلين على أنّفي الأرض خليفة للّه ربّ العالمين»
كتاب «الدّرّ المنضودفي طرق حديث الرّايات السّود»
كتاب «الكلم الطّيّب»
كتاب «مناهج الرّسولصلّى اللّه عليه وآله وسلّم»
كتاب «التنبيهات الهامّة على ما فيصحيحي البخاري ومسلم من الطامّة»
كتاب «فصل الخطاب في الردّ على المدّعي الكذّاب»