الخميس ١٩ شعبان ١٤٤٥ هـ الموافق لـ ٢٩ فبراير/ شباط ٢٠٢٤ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الأسئلة والأجوبة: ما حكم صيام شهر رمضان بالنسبة للحامل؟ اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ١٩. اضغط هنا لقراءته. جديد الشبهات والردود: لقد قال السيّد المنصور في كتاب «العودة إلى الإسلام» (ص١٥٧ و١٥٩) أنّ الصحابة منعوا من تدوين الأحاديث وكتابتها بنصح وبدافع صيانة الإسلام؛ لأنّهم كانوا عالمين بأنّها ظنّيّة، وفي تدوينها وكتابتها مفاسد كثيرة. هل ورد في مصادر الشيعة عن عليّ وأبنائه النهي عن تدوين الحديث أو كتابته كما ورد لدى الصحابة؟ اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الكتب: تمّ نشر الطبعة الخامسة من الكتاب القيّم «الكلم الطّيّب؛ مجموعة رسائل السّيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «عمليّة طوفان الأقصى؛ ملحمة فاخرة أم إقدام غير معقول؟!» بقلم «حسن ميرزايي». اضغط هنا لقراءتها. جديد الأقوال: قولان من جنابه في بيان وجوب العقيقة عن المولود. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
موانع العودة إلى الإسلام؛ ظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض

إنّ انقسامهم [يعني المسلمين]، بسبب فقدان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي كان الضامن الوحيد لوحدتهم، وكذلك انخفاض التزامهم بالإسلام من بعده، استمرّ في التعمّق والتوسّع، حتّى جعل في عهد عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب التيّارين العظيمين الأمويّ والهاشميّ اللذين كانا يتنافسان منذ ما قبل الإسلام ويمثّلان الكفر والإسلام في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، يتواجهان مرّة أخرى... كان التنازع بين بني أميّة وبني هاشم المنهل الرئيسيّ لجميع التيّارات الإسلاميّة، والسّبب الأكبر في استقطاب المسلمين منذ البداية حتّى الآن؛ كأنّ اللّه قد قال فيهما: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ؛ لأنّهما كانا يختصمان قبل الإسلام وبعده، وكان موضوع هذا التخاصم بعد بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الجاهليّة والإسلام؛ إذ كان بنو أميّة بشكل نموذجيّ مدافعين عن الثّقافة والسّنن العربيّة الجاهليّة، وكان بنو هاشم بشكل نموذجيّ مدافعين عن الثّقافة والسّنن الإسلاميّة، وفي غضون ذلك، ما غيّر تاريخ الإسلام وقرّر مصير المسلمين كان تغلّب التيّار الأمويّ على التيّار الهاشميّ. [العودة إلى الإسلام، ص١٦٥ و١٦٦]

موانع العودة إلى الإسلام؛ ظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض

إنّ جزءًا كبيرًا من عقائد المسلمين وأعمالهم من القرن الأوّل الهجريّ إلى الوقت الحاضر، لم ينشأ من كتاب اللّه والسّنّة الحقيقيّة لنبيّه، بل نشأ من إملاءات الأمويّين في القرنين الأوّل والثاني الهجريّين، وبمرور الوقت وبمساعدة واضعي الحديث والعلماء التابعين للتيّار الأمويّ، وجد تبريرات إسلاميّة، وأصبح عقائد وأعمالًا رسميّة بين المسلمين؛ لأنّ العديد من الذين اعتُبروا مصدر عقائد المسلمين وأحكامهم في القرون اللاحقة تحت عنوان السّلف والرّواة الأوائل للسّنّة، كانوا علنًا تابعين للأمويّين وتحت رعايتهم وإدارتهم، بل كان بعضهم ذوي مناصب حكوميّة، ويأخذون جوائزهم وهداياهم مقابل خدماتهم... من الواضح أنّ أمثال هؤلاء ما كانوا يستطيعون بأيّ وجه أن يكونوا مصدرًا جديرًا بالثقة للمسلمين اللاحقين؛ لأنّه بسبب تبعيّتهم وخوفهم، كان من الصّعب عليهم جدًّا أن ينقلوا إليهم جوانب من الإسلام تتعارض مع مصالح الحكّام الأمويّين. لذلك، فإنّ إحسان الظنّ بهم، على الرّغم من الدّوافع العديدة التي كانت لديهم لكتمان الحقّ أو تحريفه، ليس من الحكمة، بل هو بالتأكيد مثال للسّفاهة. [العودة إلى الإسلام، ص١٦٨ و١٧٤]

موانع العودة إلى الإسلام؛ ظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض

يبدو أنّ الكثير من المسلمين يتعمّدون البناء على هذا الخداع الذاتيّ، ويحسبون أنّهم ملزمون بتبرئة القرون الأولى من أيّ خطأ حتّى باستخدام الكذب، في حين أنّه من المسلّم به أنّ الخداع الذاتيّ والكذب لا مكان لهما في الإسلام... بل أقصى واجب يمكن استنباطه من العقل والشّرع في هذا الصّدد، هو احترام المسلمين الأوائل على غرار احترام الوالدين، لا تبرئتهم من أيّ خطأ ارتكبوه؛ لأنّ الإنتباه لأخطاء الوالدين لا يستلزم عدم احترامهما، بل يمكن انتقادهما على أخطائهما دون إخلال باحترامهما؛ مثل إبراهيم عليه السّلام الذي انتقد أباه على أخطائه دون إخلال باحترامه؛ كما أخبر اللّه عنه تعليمًا للمسلمين فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؛ كما أنّ احترام شخص ما لا يستلزم طاعة عمياء له، ولهذا السّبب قد أذن اللّه بعصيان الوالدين، ولم يأذن بعدم احترامهما، فقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. من هنا يعلم أنّه يمكن احترام المسلمين الأوائل، وفي نفس الوقت التنبيه على أخطائهم وعدم اتّباعهم فيها. [العودة إلى الإسلام، ص١٧٤ و١٧٥]

موانع العودة إلى الإسلام؛ ظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض

سواء رضينا أم كرهنا، وسواء قبلنا أم رفضنا، فإنّ التركيبة الحاليّة للعالم الإسلاميّ والإصطفافات الموجودة فيه، بدلًا من أن تكون ناشئة من الإسلام وتعاليمه الخالصة والكاملة، قد تشكّلت نتيجة لحكومة الأمويّين والأحداث السّياسيّة في القرون الإسلاميّة الأولى، ونشأت من اتّجاه الحكّام الظالمين وسلبيّة العلماء المسلمين تجاههم وفراغ السّاحة من الهاشميّين؛ لدرجة أنّ القراءة الرّسميّة الحاليّة للإسلام، خاصّة في مجال العقائد، يمكن اعتبارها قراءة أمويّة للإسلام، وهذا أمر ظاهر ومكشوف تمامًا على الأقلّ فيما يتعلّق بشكل الحكم السّياسيّ وأسلوبه. [العودة إلى الإسلام، ص١٧٥]

موانع العودة إلى الإسلام؛ الإنحطاط الأخلاقيّ

سبب آخر لعدم إقامة الإسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تدهور الأخلاق الإسلاميّة وانتشار الرذائل النّفسانيّة بين المسلمين من بعده؛ لأنّ أكثرهم من بعده نسوا كثيرًا من التعاليم الأخلاقيّة للإسلام، وعادوا إلى خصالهم الجاهليّة في الماضي؛ كما كان اللّه قد حذّرهم من ذلك وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. رذائل أخلاقيّة مثل الدّنيويّة والعصبيّة والعُجب والحسد والشحناء وحبّ الرئاسة، كلّها خصال جاهليّة سرعان ما ظهرت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أصحابه، وبعثتهم على الإختلاف بينهم والإنحراف عن طريق الإسلام. [العودة إلى الإسلام، ص١٧٩]

جزء من رسالة جنابه يذكّر فيها بيوم القيامة ويحذّر من عاقبة الحرص على الدّنيا.

اعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ وَأُطْلِقَتْ صَفَّارَتُهَا! عَمَّا قَرِيبٍ تَنْظُرُونَ إِلَى الْفَوْقِ فَلَا تَرَوْنَ السَّمَاءَ، وَتَنْظُرُونَ إِلَى التَّحْتِ فَلَا تَعْرِفُونَ الْأَرْضَ؛ حِينَ تَضْطَرِبُونَ اضْطِرَابَ خَشَبَةٍ فِي الْمَوْجِ، وَتَتَمَايَلُونَ تَمَايُلَ رِيشَةٍ فِي الرِّيحِ، وَلَا تَدْرُونَ أَلَيْلٌ أَمْ نَهَارٌ، وَرُقُودٌ أَمْ أَيْقَاظٌ، وَأَمْوَاتٌ أَمْ أَحْيَاءٌ؛ حِينَ تُسْقِطُ أُولَاتُ الْأَحْمَالِ حَمْلَهُنَّ، وَتَدَعُ الْمُرْضِعَاتُ مَا يُرْضِعْنَ، وَيُبَيِّضُ الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ شَعْرًا، وَتُمْلَأُ قُلُوبُ الشُّجْعَانِ رُعْبًا، وَيَرْجِعُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ، وَلَا يُبَالِي أَحَدٌ إِلَّا بِنَفْسِهِ؛ حِينَئِذٍ تُنَبَّؤُونَ بِمَا عَمِلْتُمْ وَتُجْزَوْنَ بِهِ كَامِلًا؛ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِمَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ وَنَصَرْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فَسَيَكُونُ لَكُمُ الْأَمْنُ؛ فَقَدْ عَمِلْتُمْ خَيْرَ الْعَمَلِ، وَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِمَنِ اخْتَارَهُ الْآخَرُونَ وَنَصَرْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فَسَيَكُونُ لَكُمُ الْوَيْلُ؛ فَقَدْ عَمِلْتُمْ شَرَّ الْعَمَلِ؛ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ الظَّالِمِينَ أَنْ سَيَكُونُ لَهُمْ يَوْمٌ عَسِيرٌ، وَسَيُلْقَوْنَ فِي وَادٍ مُمْتَلِئٍ نَارًا وَدُخَانًا؛ الْوَادِ الَّذِي عُمْقُهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ الْمَاءُ الْحَمِيمُ وَالْحَجَرُ الْمُلْتَهِبُ. [الرسالة العشرون]

جزء من رسالة جنابه يصف فيها أحوال النّاس، ويحذّرهم من عاقبة أمرهم.

قَدْ نَسِيتُمُ الْآخِرَةَ، وَغَرِقْتُمْ فِي الْهَائِجِ مِنْ بَحْرِ الدُّنْيَا. قَدْ أَلْهَاكُمْ هُمُومُ الْمَعَاشِ، وَمَسَخَكُمْ سِحْرُ الْعَصْرِ الْجَدِيدِ. لَمْ تَعُودُوا تَهْتَمُّونَ بِشَيْءٍ غَيْرِ بُطُونِكُمْ، وَلَا تَحْزَنُونَ عَلَى دِينِكُمْ؛ الدِّينِ الَّذِي لَا تَعْلَمُونَ عَقَائِدَهُ، وَلَا تَفْقَهُونَ أَحْكَامَهُ. تُجَالِسُونَ الْجَهْلَ، وَتُجَاوِرُونَ الْغَفْلَةَ. تُقَلِّدُونَ شُيُوخَكُمْ، وَلَا تَسْتَخْدِمُونَ عُقُولَكُمْ. كُلَّ يَوْمٍ تَطَؤُونَ عَقِبَ رَجُلٍ، وَتَتَّخِذُونَ لِأَنْفُسِكُمْ لُعْبَةً. مُسْلِمُونَ بِلَا إِسْلَامٍ، وَمُؤْمِنُونَ بِلَا إِيمَانٍ! لَمْ تَعُودُوا تَشْتَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا تَخَافُونَ النَّارَ. قَدْ طَالَتْ آمَالُكُمْ، وَقَصُرَتْ أَعْمَارُكُمْ. قَدْ وَهَنَ اعْتِقَادُكُمْ، وَتَضَاءَلَتْ تَقْوَاكُمْ. قَدْ رَذُلَتْ أَخْلَاقُكُمْ، وَكَثُرَتْ آثَامُكُمْ. قَدْ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، وَضَاقَتْ صُدُورُكُمْ. [الرسالة الثانية والعشرون]

جزء من رسالة جنابه يصف فيها أحوال النّاس، ويحذّرهم من عاقبة أمرهم.

قَدْ ذَهَبَ الصِّدْقُ مِنْ حَيَاتِكُمْ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ الْكِذْبُ. قَدْ قَامَتْ عَنْكُمُ الْمَوَدَّةُ، وَقَعَدَ مَقْعَدَهَا الْبَغْضَاءُ. لَا يُوَقِّرُ صَغِيرُكُمْ كَبِيرَكُمْ، وَلَا يَرْحَمُ كَبِيرُكُمْ صَغِيرَكُمْ. قَدْ فَارَقَتْ حَيَاتَكُمُ الْبَرَكَةُ، وَضَحَلَتْ أَنْهَارُكُمُ الْجَارِيَةُ. قَدْ أَمْسَكَتِ السَّمَاءُ عَنْكُمْ، وَخَسَّتْ مَحَاصِيلُ أَرْضِكُمْ. قَدْ تَعَوَّدْتُمْ عَلَى حَالَتِكُمُ الرَّهِيبَةِ، وَلَا تَشْعُرُونَ بِالْمَرَضِ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى أَنْفُسِكُمْ. فَالْآنَ انْتَبِهُوا بِصَوْتِي حِينَمَا أَصِيحُ عَلَيْكُمْ، وَعُودُوا إِلَى رُشْدِكُمْ حِينَمَا أَمُسُّكُمْ بِعَصَايَ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ هَذِهِ الْغَفْلَةَ وَالْجَهَالَةَ سَتَجْتَاحُ حَيَاتَكُمْ، وَتُحَوِّلُ يَوْمَكُمْ إِلَى لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، كَحَرِيقٍ مُشْتَعِلٍ تُزَمْجِرُ أَلْسِنَتُهُ، وَيَحْبِسُ دُخَانُهُ أَنْفَاسَكُمْ. [الرسالة الثانية والعشرون]

جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه، يعظه فيها ويخوّفه من اللّه.

لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ فَلَا ظُلْمَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُدِيرُ دَوْرَةَ الْحَيَاةِ. هُوَ الشَّارِعُ وَالْحَاكِمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ. لَا تَسْأَلْ حَاجَتَكَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا تَحْلِفْ إِلَّا بِاسْمِهِ. لَا تَسْتَغِثْ بِغَائِبٍ، وَلَا تَعْقِدْ عَلَى قَبْرٍ. لَا تَتَوَسَّلْ بِشَجَرٍ، وَلَا تَسْتَعِذْ بِحَجَرٍ. لَا تُطِعْ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، أَعْنِي مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ. إِنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ، وَلَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى غَيْرِهِ. احْذَرْهُ، وَاحْتَطْ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِكَ. اسْلُكْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُلُوكًا حَسَنًا، لِكَيْ لَا يَغْضِبَ عَلَيْكَ، فَيَضْرِبَكَ، فَتُلْقَى فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ابْتَغِ رِضْوَانَهُ، لِيَلْطُفَ بِكَ، وَيُوصِلَكَ إِلَى مَا تُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اتَّخَذَ أَحَدًا وَلِيًّا آتَاهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَإِذَا اتَّخَذَهُ عَدُوًّا فَلَا تَدْرِي مَا يَفْعَلُ بِهِ! [الرسالة الثالثة والعشرون]

جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه، يعظه فيها ويخوّفه من اللّه.

اتَّقِ اللَّهَ لِتَزْكُوَ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى مِنْهُ كَمَاءٍ سَاخِنٍ، يُزِيلُ الْوَسَخَ، وَيُذْهِبُ الْبُقْعَةَ. اعْتَقِدْهُ حَاضِرًا فِي الْخَلْوَةِ وَنَاظِرًا فِي الظُّلْمَةِ، لِكَيْ لَا تُغِرَّكَ الظُّلْمَةُ، وَلَا تُجَرِّئَكَ الْخَلْوَةُ. إِنَّهُ الْقَاضِي، وَالشَّاهِدُ، وَالْمُدَّعِي، وَآخِذُ الْمُجْرِمِ، وَمُعَاقِبُهُ. فَهَلِ الْمُجْرِمُ لَا يُبَالِي بِالشَّاهِدِ، وَلَا يَخَافُ مِنَ الْقَاضِي؟! إِنَّهُ يَعْلَمُ مَكْرَكَ حِينَ تَمْكُرُ، وَيَسْمَعُ نَجْوَاكَ حِينَ تُنَاجِي؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. أَفَلَا تَهْتَمُّ بِعِرْضِكَ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْحَاضِرِ وَالنَّاظِرِ؟! [الرسالة الثالثة والعشرون]

في أنّه لا يدّعي لنفسه شيئًا خاصًّا، على الرغم من أنّه ليس يائسًا من فضل اللّه عليه.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ الْهَاشِمِيِّ الْخُرَاسَانِيِّ وَعِنْدَهُ رِجَالٌ، فَمَكَثْتُ حَتَّى خَرَجَ الرِّجَالُ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: أَلَكَ إِلَيَّ حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَسْأَلَةٌ، وَأَخَذْتُ أَرْتَعِدُ مِنْ مَهَابَتِهِ، فَقَالَ: سَلْ وَهَوِّنْ عَلَيْكَ! قُلْتُ: أَنْتَ الْخُرَاسَانِيُّ؟! قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ! قُلْتُ: لَا أُرِيدُ هَذَا، وَلَكِنْ أُرِيدُ الَّذِي يُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ! قَالَ: أَنَا أُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ! قُلْتُ: لَا أُرِيدُ هَذَا، وَلَكِنْ أُرِيدُ الَّذِي يُؤَدِّي الرَّايَةَ إِلَى الْمَهْدِيِّ! قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟! فَدَخَلَ رَجُلَانِ فَقَطَعَا عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَقَضَى حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ أُوتِيَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ، فَنَظَرَ فِيهِ، فَوَجَدَ فِيهِ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ عِنْدَهُ مَنْسِيًّا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَثْبَتَنِي عِنْدَهُ فِي صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ! فَلَمْ يَزِدْ عَلَى حَمْدِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَمْ يُجَادِلْ فِي ذَلِكَ أَحَدًا! [الفقرة ١ من القول ١٠]

في أنّه لا يدّعي لنفسه شيئًا خاصًّا، على الرغم من أنّه ليس يائسًا من فضل اللّه عليه.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْمَنْصُورِ فِي مَجْلِسٍ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيُجِيبُهُمْ، فَلَمَّا فَرِغُوا مِنْ أَسْئِلَتِهِمْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ آتَاكَ عِلْمًا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ وَعَدَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ رَجُلًا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُقَالُ لَهُ الْمَنْصُورُ، يُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ، وَأَنْتَ مَعَ عِلْمِكَ هَذَا وَدَعْوَتِكَ إِلَى الْمَهْدِيِّ يُقَالُ لَكَ الْمَنْصُورُ، فَهَلْ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ! فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ: لَوْ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ مَا قُلْنَا وَسَكَتُّمْ عَمَّا سَكَتْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ! فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ وَيَقُولُونَ: لَوْ جَاءَ ذَلِكَ الَّذِي وُعِدْنَا لَتَظَاهَرَ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَسْتَتِرْ عَنْهُمْ! قَالَ: كَذَبُوا! أَمَا بَلَغَهُمْ قَوْلُ عَلِيٍّ فِيهِ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقًا، وَيُعْتِقَ فِيهَا رِقًّا، وَيَصْدَعَ شَعْبًا، وَيَشْعَبَ صَدْعًا، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ، لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ»؟! قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّا نَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ وَرُبَّمَا نُخَاصِمُهُمْ! قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْخُصُومَةَ، فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ، وَتُورِثُ النِّفَاقَ، وَتَكْسِبُ الضَّغَائِنَ! إِنَّمَا عَلَيْكُمُ الدَّعْوَةُ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمُ الْخُصُومَةُ! قَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ لَا نُخَاصِمُهُمْ وَهُمْ يَسْأَلُونَنَا؟! قَالَ: إِذَا سَأَلُوكُمْ لِيُخَاصِمُوكُمْ فَلَا تُجِيبُوهُمْ، وَقُولُوا لَهُمْ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ! [الفقرة ٥ من القول ١٠]

في أنّه لا يدّعي لنفسه شيئًا خاصًّا، على الرغم من أنّه ليس يائسًا من فضل اللّه عليه.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْمَنْصُورِ فِي مَسْجِدٍ، نَسْأَلُهُ عَنِ الْعَقِيدَةِ وَالشَّرِيعَةِ فَيُجِيبُنَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، فَقَالُوا: أَفِيكُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْمَنْصُورُ؟! فَسَكَتْنَا وَلَمْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى قَالَ لَهُمُ الْمَنْصُورُ: نَعَمْ، أَنَا هُوَ! فَالْتَفَتُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: هَلْ أَنْتَ خَلِيفَةُ الْمَهْدِيِّ؟! قَالَ: وَهَلْ جَاءَ الْمَهْدِيُّ حَتَّى يَكُونَ لَهُ خَلِيفَةٌ؟! قَالُوا: لَا نَدْرِي، وَلَكِنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا مِنْ أَصْحَابِكَ أَخْبَرُونَا بِأَنَّكَ خَلِيفَةُ الْمَهْدِيِّ! قَالَ: مَا أَنَا أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ! قَالُوا: أَلَيْسُوا هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِكَ يَدْخُلُونَ عَلَيْكَ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟! فَظَهَرَ فِي وَجْهِ الْمَنْصُورِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي، وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَصْحَابِي لَاتَّبَعُونِي! فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَغْضَبُوهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَقْبَلَ الْمَنْصُورُ عَلَيْنَا وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَحْمِلُونَ النَّاسَ عَلَى أَكْتَافِنَا؟! أَلَا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ؟! حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَلَا تُحَدِّثُوهُمْ بِمَا لَا يَعْرِفُونَ، فَتُغْرُونَهُمْ بِنَا! [الفقرة ٧ من القول ١٠]

في وصف أبرار الزمان

إِنَّ لِلَّهِ فِي خِضَمِّ هَذَا الزَّمَانِ، فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي احْتَجَبَتْ فِيهِ شَمْسُ الدِّينِ خَلْفَ الْغُيُومِ الدَّاكِنَةِ، عِبَادًا هُوَ حَاضِرٌ فِي قُلُوبِهِمْ دَائِمًا. يُوقِدُونَ فِي أَعْيُنِهِمْ سِرَاجًا مِنْ نُورِ الْيَقْظَةِ، وَيُذَكِّرُونَ النَّاسَ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَيُنَبِّهُونَهُمْ إِلَى عَاقِبَةِ الْأَوَّلِينَ ذَاتِ الْعِبْرَةِ. هُمْ كَأَدِلَّاءِ الْفَلَوَاتِ الْمُرْعِبَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْعَلَامَاتِ. يُبَشِّرُونَ مَنْ لَحِقَ بِالْحَقِّ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ مَالَ إِلَى الْبَاطِلِ. نَعَمْ، إِنَّ لِلَّهِ فِي أَطْرَافِ هَذِهِ الْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ رِجَالًا اسْتَحَبُّوا ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى شَوَاغِلِ الدُّنْيَا، وَلَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. يَقْضُونَ النَّهَارَ وَاللَّيْلَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَيُسْمِعُونَ الْغَافِلِينَ تَحْذِيرَاتِهِ. يَدْعُونَ الْآخَرِينَ إِلَى الْعَدْلِ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهِ قَبْلَهُمْ. قَلَعُوا الْقُلُوبَ مِنَ الدُّنْيَا، وَانْضَمَّوْا إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى. كَأَنَّهُمْ تَرَكُوا هَذَا الْعَالَمَ وَرَاءَهُمْ وَارْتَحَلُوا إِلَى الْآخِرَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ مَا زَالُوا فِي الدُّنْيَا وَرَأَوْا مَا وَرَاءَ الْحِجَابِ. كَأَنَّهُمُ اطَّلَعُوا عَلَى أَحْوَالِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ الْخَفِيَّةِ، وَقَضَوْا فِيهِ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ. كَأَنَّ الْقِيَامَةَ أَظْهَرَتْ لَهُمْ وَجْهَهَا الرَّهِيبَ، أَوْ أَحَاطَتْ بِهِمْ نَارُ جَهَنَّمَ الْحَامِيَةُ. كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَسْرَارًا لَا يَرَاهَا الْآخَرُونَ، وَيَسْمَعُونَ أَشْيَاءً لَا يَسْمَعُهَا النَّاسُ. [القول ١١]

في وصف أبرار الزمان

لَوْ عَثَرْتَ عَلَيْهِمْ وَرَأَيْتَ دَرَجَاتِهِمُ الْعُلَى كَيْفَ نَشَرُوا كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ وَتَهَيَّؤُوا لِلْحِسَابِ؛ يَتَفَكَّرُونَ كَمْ مِنْ أَعْمَالٍ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا فِيهَا، وَكَمْ مِنْ أَعْمَالٍ نُهُوا عَنْهَا فَارْتَكَبُوهَا! يَشْعُرُونَ بِثِقْلِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهَا وَسَقَطُوا عَلَى رُكَبِهِمْ، يَبْكُونَ وَيَتَمَلْمَلُونَ كَمَنْ بِهِ وَجَعٌ. كَمْ مِنْ لَيَالٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ فِيهَا النَّوْمَ، فَيَجْلِسُونَ فِي زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ وَخَالِيَةٍ وَيَحْتَضِنُونَ رُكْبَةَ التَّأَمُّلِ! تَارَةً يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ وَتَارَةً يَسْجُدُونَ، وَأَحْيَانًا يَحْدِقُونَ إِلَى السَّمَاءِ بِأَعْيُنٍ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، كَأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ شَيْءٍ بَيْنَ نُجُومِهَا. فَلَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ عَنْ عَيْنَيْكَ لَرَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ وَأَحَاطَتْ بِهِمْ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ. [القول ١١]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ [ت٢٠٤هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: لَقِينَا عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَنَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَخَطَبَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ هَذَا كَانَ الْحَدِيثَ، حَتَّى ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ فَزَادُوا عَلَيْهِ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ»، أَوْ «ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ»، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِهِمْ بِالْحُجَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدْ حَذَفَهُ أَبُو دَاوُدَ اخْتِصَارًا، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ. [الباب ١، الدرس ٣٠]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ [ت٤٠٥هـ] فِي «الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ! فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، أَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»...

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ... «الْقِتَالُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقِتَالُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمِيرُ خَلِيفَتَهُ فِي الْأَرْضِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَلَا تَجِدُ عِصَابَةَ الْحَقِّ إِلَّا مُقَاتِلِينَ أَوْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَاتِلًا وَلَا مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَالْمُسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ كَالْمُقَاتِلِ. [الباب ١، الدرس ٣١]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ» زِيَادَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ الْجَعْدِ، وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهِيَ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ فَقَدْ فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ لِوُجُودِ عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ فِيهِمَا، بَلْ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لِلْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ فِي الْأُمَّةِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ هُوَ بَقَاءُ الْخَيْرِ فِيهِمْ وَلَوْ فَسَدَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَنْ زَادَهَا فِي الْحَدِيثِ، فَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: «هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قُرَّةُ بْنُ إِيَاسَ»، وَهُوَ رَجُلٌ عَدَّهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِقَوْلِهِ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ»، وَقَوْلِهِ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ، فَمَسَسْتُ الْخَاتَمَ»، وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ: «قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: أَكَانَ أَبُوكَ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ قَدْ حَلَبَ وَصَرَّ»، أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا صَغِيرًا يَخْدِمُ أَهْلَهُ، فَلَعَلَّهُ غَلَطَ فِي الْحَدِيثِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: «كَانَ أَبِي يُحَدِّثُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ حُدِّثَ عَنْهُ»، وَهَذَا يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ ابْنُ أَبِي حَاتَمٍ حَدِيثَهُ فِي الْمَرَاسِيلَ، وَأَمَّا أَنَا فَأُخْرِجُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، مُرَاعَاةً لِلرِّوَايَتَيْنِ. [الباب ١، الدرس ٣٢]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى ابْنُ قَانِعٍ [ت٣٥١هـ] فِي «مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهِي «وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ»، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي قَتَادَةُ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ»، وَهَكَذَا كُلُّ مَا يُوجَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي ذَيْلِ رِوَايَاتِ الْبَابِ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَأْوِيلًا لِلْحَدِيثِ، وَقَدْ لَبَّسُوهُ عَلَى النَّاسِ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَبَسْطِ الْفُتُوحَاتِ عَلَى عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهَا مَدْسُوسَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَسَّتْهُ أَيْدِي الشَّامِيِّينَ، فَتَبَصَّرْ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. [الباب ١، الدرس ٣٤]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ [ت٢٧٧هـ] فِي «الْمَعْرِفَةِ وَالتَّارِيخِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْوِيهِ -يَعْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةَ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أُولَئِكَ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ضَلَّ قَتَادَةُ فِي تَأْوِيلِهِ ضَلَالًا مُبِينًا، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ دَائِمًا، وَلَمْ يَكُونُوا ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ دَائِمًا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَأَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ مُنْذُ بُويِعَ عَلِيٌّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ إِنْ كَانُوا لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْمٍ مَسَخَ اللَّهُ عُقُولَهُمْ حَتَّى حَسِبُوا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي لَا تَزَالُ عَلَى الْحَقِّ أَهْلُ الشَّامِ! [الباب ١، الدرس ٣٥]

لا خلاف بين المسلمين في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام وذلك لما صحّ عندهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ» ولكنّهم اختلفوا في أنّه حسنيّ أو حسينيّ. فقال الجمهور أنّه حسنيّ لما رواه أبو داود... لكنّه منقطع؛ لأنّ أبا داود قال: «حدّثت» بصيغة المجهول ولم يبيّن من حدّثه واحتمل المنصور حفظه اللّه تعالى وقوع التصحيف فيه فقال: «لكنّه تصحيف على الأرجح؛ كما يوجد اختلاف في نسخه، وفي بعضها <الحسين>»، وعليه فلا تقوم به حجّة وقال الإماميّة أنّه حسينيّ لما رووا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفي أخبار الجمهور ما يؤيّده؛ كما رواه داود بن عبد اللّه الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد اللّه بن حسن فتذاكرنا المهديّ، فقال عبد اللّه بن حسن: المهديّ من ولد الحسن بن علي، فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك، وقال النجاشي (ت٤٥٠ه‍) في ترجمة أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني نزيل مصر: «ذكر أصحابنا أنه وقع إليهم من كتبه كتاب كبير في ذكر من روى من طرق أصحاب الحديث أنّ المهديّ من ولد الحسين عليه السلام»، وهذا ما اختاره المنصور حفظه اللّه تعالى... ثمّ حاول الجمع بين الروايتين فقال: «... يمكن اعتبار المهديّ حسينيًّا من جهة الأب وحسنيًّا من جهة الأمّ، وبهذه الطريقة يُجمع بين الأخبار والأقوال»، ويؤيّده ما رواه الطبراني، ... عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذكر الحسن والحسين في شكاته التي قبض فيها فقال: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ مِنْهُمَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ». [السؤال والجواب ٣٧٤]

حقيقة الأنساب معلومة للّه فقطّ، ولا يمكن العلم بها إلا من طريق الوحي، ولكن ليس من الواجب العلم بها، بل الملاك هو الظاهر المشهور، ولا يجوز إساءة الظنّ بالظاهر المشهور من أنساب الناس ما لم يكن هناك دليل أو شاهد على خلافه، ولا يجوز التجسّس. هذا بالنسبة إلى الأحكام، مثل الخمس والزكاة والميراث؛ لتعذّر العلم فيها، ولزوم الحرج بالنظر إلى كثرة مصاديقها، وخفّة الضرر المترتّب عن الخطأ فيها، وأمّا بالنسبة إلى العقائد مثل النبوّة والإمامة والخلافة وغيرها من المناصب الإلهيّة فلا يكفي الظاهر المشهور من الأنساب؛ لأنّه أمر ظنّيّ، والمطلوب في العقائد العلم؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، ...، وعليه فلا يجوز تصديق من يدّعي نبوّة أو إمامة أو خلافة أو غيرها من المناصب الإلهيّة استنادًا إلى الظاهر المشهور من نسبه؛ كما لا يجوز تكذيبه استنادًا إلى ذلك؛ لأنّ ذلك أمر ظنّيّ، ولا يجوز في العقائد التعويل على الأمور الظنّيّة، والمعوّل فيها على ما يفيد اليقين كآية من اللّه أو نصّ من خليفته... الحاصل أنّ العلم بحقيقة الأنساب عند اللّه وخليفته، لكنّه غير ضروريّ فيما يرجع إلى الأحكام، بل يكفي فيها الإطمئنان العقلائيّ المستند إلى الإستفاضة أو شجرة النسب، وأمّا فيما يرجع إلى العقائد فلا بدّ من العلم بحقيقة الأنساب، وهو يحصل بآية من اللّه أو نصّ من خليفته، ولا يحصل بالإستفاضة أو شجرة النسب، فضلًا عن مجرّد الإدّعاء، وهذا مراد السيّد المنصور بقوله الذي أخبرنا به بعض أصحابنا، قال: «قُلْتُ لَهُ: إِذَا جَاءَنِي رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ؟! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنَ الْقَفَا؟! لَا تَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ إِذَا جَاءَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، مَعَهُ آيَةٌ مِنَ اللَّهِ وَآيَةٌ مِنْ رَسُولِهِ». [السؤال والجواب ٧٤]

وأمّا ولادة الإمام المهديّ ففيها خلاف مشهور بين المسلمين؛ إذ قال الجمهور أنّه لم يولد بعد وقال الإماميّة أنّه ولد في سنة مائتين وخمسة وخمسين للهجرة وهو ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ووافقهم على ذلك جماعة منهم... سبط بن الجوزي الحنبلي...، وعبد الوهاب الشعراني...، وحكاه عن ابن عربيّ... واستدلّوا على ذلك بما رووا عن أئمّة أهل البيت وبأنّه الخلف الثاني عشر منهم وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، وردّ عليهم الجمهور بأنّ والد الإمام المهديّ اسمه عبد اللّه؛ لما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» ولو كان ابن الحسن هو الإمام المهديّ للزم أن يكون عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وأجاب الإماميّة بأنّ كثيرًا من الروايات خالية من اسم أبيه وهذا ما يوهن بنيانه وليس طول العمر ممّا يدفعه العقل أو الشرع وقد روى الجمهور أنّ الدّجّال حيّ يعيش في جزيرة من جزائر البحر منذ زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهذا يعني أنّ عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وقد كره المنصور حفظه اللّه تعالى الخوض في هذا الموضوع ولم يتعرّض له في كتاب «العودة إلى الإسلام»؛ لأنّ المهمّ عنده التمهيد لظهور الإمام المهديّ وذلك غير متوقّف على الإعتقاد بوجوده في الوقت الحاضر؛ لأنّه لو كان غير موجود لوُجد بعد التمهيد لظهوره بفضل اللّه وحكمته. نعم، قال في بعض دروسه أنّ الإحتياط يقتضي الإكتفاء بما ورد في جميع الروايات وأجمع عليه المسلمون وهو اسم الإمام المهديّ؛ لأنّه القدر المتيقّن وقال بأنّ الإمام المهديّ موجود في الوقت الحاضر، سواء كان اسم أبيه الحسن أو عبد اللّه. [السؤال والجواب ٣٧٤]

إنّ دأب القرآن هو تبيين الأصول والقواعد؛ لأنّه بمثابة الدستور في الإصطلاح المعاصر وقد فوّض تبيين الفروع والتفاصيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ولذلك أمر بالصلاة ولم يبيّن عدد ركعاتها وترتيب أعمالها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالزكاة ولم يبيّن متعلّقاتها ونُصُبها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالحجّ ولم يبيّن كثيرًا من تفاصيله حتّى بيّنها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ... ثمّ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ولم يبيّن من هم حتّى بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقال: ...«يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَخُلُقُهُ خُلُقِي، يَمْلَأُهَا عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» وقال: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ، يَسْقِيهِ اللَّهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ، وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ» وقال: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي، عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَزَلَازِلَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ، وَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى، فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ...» وهذه أخبار متواترة روى مضامينها أكثر من أربعين صحابيًّا... وصرّح بصحّتها وتواترها كثير من أئمّة الحديث... ولذلك لا يشكّ في صدورها عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا من انسلخ عن العلم وارتطم في الوهم والوسوسة. [السؤال والجواب ٤١٨]

يوجد إشارات كثيرة إلى الإمام المهديّ عليه السلام وعصر حكومته في التوراة والإنجيل وليس ذلك بعجيب؛ لأنّ اللّه تعالى أنزلهما كما أنزل القرآن وفيهما كلامه وإن وقع فيهما بعض التحريفات من قبل الكاتبين والمترجمين والمفسّرين ونحن نقوم بسرد بعض إشاراتهما فيما يلي: جاء في كتاب إِشَعْياء: «يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، وَيُعْطَى لَنَا ابْنٌ، تَكُونُ السُّلْطَةُ فِي يَدِهِ، وَيُدْعَى مُشِيرًا عَجِيبًا، رَبًّا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلَامِ؛ تَمْتَدُّ سُلْطَتُهُ وَسَلَامُهُ بِلَا نِهَايَةٍ، عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ وَمَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَسْنُدَهَا بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ، مِنَ الْآنَ إِلَى الْأَبَدِ. غِيرَةُ اللَّهِ الْقَدِيرِ تَصْنَعُ هَذَا» ... «إِنَّ الظَّالِمَ يَبِيدُ، وَيَنْتَهِي الْخَرَابُ، وَيَفْنَى عَنِ الْأَرْضِ الدَّائِسُونَ. فَيُثَبَّتُ الْكُرْسِيُّ بِالرَّحْمَةِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالْأَمَانَةِ فِي خَيْمَةِ دَاوُدَ حَاكِمٌ، وَيَطْلُبُ الْحَقَّ وَيُبَادِرُ بِالْعَدْلِ». [السؤال والجواب ٤٢١]

من كان يريد معرفة المزيد عن سيرة هذا العبد الصالح وسلوكه وأوصافه فله طريق واحد فقطّ، وهو أن يلحق بأصحابه على بصيرة وإخلاص، ثمّ يصبر نفسه معهم ناصحًا مناصرًا، حتّى تتبيّن لهم أهليّته، فيدخلوه عليه، أو يخبروه بالمزيد عن سيرته وسلوكه وأوصافه. غنيّ عن القول أنّه ليس في جزيرة من جزائر البحر أو مغارة من مغارات الجبل، بل هو يعيش في الناس، ويعاشرهم بالمعروف، ويعود مرضاهم، ويحضر جنائزهم، ويدخل مجالسهم، ويمشي في أسواقهم، ويصلّي في مساجدهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إلا أنّهم لا يعرفونه حقّ معرفته، وليسوا على علم بحركته العالميّة، وإنّما هو عندهم رجل غريب له علم وصلاح، وأعرفهم به من يعتبره عالمًا صالحًا معتزلًا عن الدّنيا وأهلها له مجالس درس يعلّم فيها القرآن والسنّة والأخلاق الحسنة، وهو مع ذلك كثير التنقّل في الأرض لكي لا تطول إقامته في مكان فيُعرف، وذلك لأنّ له هيبة وجلالة وفضيلة ظاهرة لا تكاد تخفى على أحد، بحيث أنّه كلّما خرج على الناس مدّوا إليه الأعناق وأشاروا إليه بالأصابع لما يجدون في سيمائه من أمارات الطهارة والكمال، وهو يكره ذلك لفراره من الشهرة. هو كنز مخفيّ يظهره اللّه لمن يشاء، وما التوفيق إلّا باللّه، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [الشبهة والرّدّ ٢٤]

من الواضح أنّ عقل الإنسان هو أداته الوحيدة للتشخيص؛ لأنّه إذا كان لا يمكنه التشخيص بعقله، فبأيّ عضو من أعضائه يمكنه أن يشخّص؟! نعم، يكون عقله قادرًا على التشخيص عندما لا يكون مبتلى بموانع المعرفة؛ لأنّ موانع المعرفة ستمنعه من التشخيص، وهذا هو السّبب في أنّ الكثير من الناس لا ينجحون في التشخيص؛ بالنظر إلى أنّهم مبتلون بموانع مثل الجهل والتقليد والأهواء النفسيّة والنزعة الدنيويّة والتعصّب والتكبّر والنزعة الخرافيّة، ومن ثمّ لا يمكنهم الإستفادة من عقولهم كما ينبغي. من هذا يعلم أنّ فشل الناس في التشخيص يرجع إلى «موانع المعرفة»، ولا يرجع إلى «معيار المعرفة»؛ لأنّ معيار المعرفة هو نور من الملكوت وليس فيه ظلمة، لكنّ موانع المعرفة هي التي تمنع كحجب من وصوله إلى بعض الأشياء، وتدخلها في الظلمات. [الشبهة والرّدّ ٢٦]

لحسن الحظّ، كثير من الأحكام الضروريّة والأساسيّة للإسلام، مثل أركان الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، تُعرف من خلال كتاب اللّه وأخبار النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، وبالتالي يمكن العمل بها ويجزئ، ولكن لأجل التيقّن بسائر أحكام الإسلام وإبراء الذمّة منها، لا بدّ من الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وهذا ما هو ممكن عند المنصور الهاشميّ الخراسانيّ؛ لأنّ مانع الرجوع إليه ليس سوى تقصير الناس في توفير الشروط المسبّقة لذلك، وبالتالي فإنّ إزالة هذا المانع بمعنى توفير الشروط المسبّقة للرجوع إليه أمر ممكن بالنسبة لهم، وإذا كان ذلك يتطلّب اجتماع مجموعة كافية منهم ولا يجتمع مجموعة كافية منهم، ليس ذنب المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، بل ذنب الناس أنفسهم ومن يمنعهم من ذلك. لذلك، فإنّ هذا الوضع «غير المنطقيّ جدًّا» الذي حيّرك هو وضع قدّمته أيدي الناس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ مثل اللصوص الذين دخلوا بيتًا، فضاق عليهم وقت الصلاة، بحيث لا بدّ لهم من إقامتها فيه ولكنّ صلاتهم فيه باطلة وهذا وضع «غير منطقيّ جدًّا» هم أوقعوا أنفسهم فيه بسوء اختيارهم، وبالتالي لا يصحّح صلاتهم في بيت الناس؛ كما بيّن المنصور الهاشميّ الخراسانيّ هذا الواقع المرير والمؤسف بالتفصيل في قسم «عواقب عدم ظهور المهديّ للنّاس» من كتابه «العودة إلى الإسلام»، عسى أن يدرك المسلمون ذلّتهم ومسكنتهم في غيبة المهديّ، فيرجعوا إليه في أقرب وقت ممكن. نعم، هذا الممهّد لظهور المهديّ، ينبّأ مسلمي العالم بوقوعهم في «مأزق هائل» ويدعوهم إلى الخروج منه بتقديم حلول واضحة وعمليّة، لكنّ أكثرهم لا يسمعون نداءه، أو يسمعون ولا يفقهون، إلّا قليلًا منهم الذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان وهم أكفياء إن شاء اللّه. [الشبهة والرّدّ ١]

إنّك لم تقل أيّ قول من أقوال المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى شيء تفرّد به ولم يقله عالم ولا فقيه ولا مجتهد قبله! إذا كنت تقصد قوله بأنّ أهل البيت أحقّ بالخلافة من غيرهم، فقد قال به جمع غفير من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وإذا كنت تقصد قوله بأنّه لا يجوز سبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقد قال به أئمّة أهل البيت وسائر صلحاء الأمّة، بل لا نعرف أحدًا لم يقل بذلك ماعدا سفهاء الشيعة، وإذا كنت تقصد قوله بعدم جواز تقليد غير المعصوم، فقد قال به الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين من القرن الأول حتّى الآن، بل لا نعرف أحدًا منهم لم يقل بذلك في القرون الأولى، وإذا كنت تقصد قوله بعدم حجّيّة خبر الواحد، فقد قال به الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين في القرون الأولى، بل كان أبو حنيفة (ت١٥٠هـ) -الذي يقلّده نصف المسلمين- يسمّي خبر الواحد «رِيحًا» و«خُرَافَةً» ويقول: «حُكَّهُ بِذَنَبِ خِنْزِيرٍ» وكان الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ) من أساطين الشيعة يقول: «إِنَّ أَصْحَابَنَا كُلَّهُمْ، سَلَفَهُمْ وَخَلَفَهُمْ، وَمُتَقَدِّمَهُمْ وَمُتَأَخِّرَهُمْ، يَمْنَعُونَ مِنَ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ» وكان ابن إدريس الحلّيّ (ت٥٩٨هـ) يقول: «فَهَلْ هَدَمَ الْإِسْلَامَ إِلَّا هِيَ؟! يَعْنِي أَخْبَارَ الْآحَادِ»، وإذا كنت تقصد قوله في علّة غيبة المهديّ، فقد قال به أعاظم قدماء الإماميّة؛ كما قال أبو جعفر الطوسيّ (ت٤٦٠هـ): «لَا عِلَّةَ تَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِهِ إِلَّا خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ» وإذا كنت تقصد قوله بعدم ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، فقد قال به الشيعة كلّهم ماعدا قليلًا من المتأخّرين ممّن لا قدم له في العلم، وهكذا سائر أقواله الطيّبة في كتاب «العودة إلى الإسلام»؛ فإنّه لا شيء منها إلا وله أصل في القرآن والسنّة، ودليل من العقل، وقائل من السّلف الصالح. [الشبهة والرّدّ ٢]

حقيقة أنّك لم تكن تعرف العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ولم تسمع باسمه من قبل، لا تعني أنه غير موجود؛ كما قال العقلاء: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود»، وكما أنّك بالتأكيد لا تعرف الكثير من علماء العالم الإسلاميّ في بلاد مختلفة ولم تسمع بأسمائهم، ومع ذلك فإنّهم موجودون، وسواء كنت تعرف ذلك أم لا، فإنّهم يباشرون أنشطتهم العلميّة والثقافيّة. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنّ «الإنترنت» ليست لوح اللّه المحفوظ حتّى تحتوي على السير والصور لجميع عباد اللّه، بل هي شبكة أنشأها الكفّار والظالمون لترويج ثقافتهم ونشرها في العالم ولذلك، فإنّ السير والصور الخاصّة بهم وأوليائهم وفيرة فيها، ولكنّ السير والصور للعديد من عباد اللّه الصالحين غير موجودة فيها! نعم، للأسف، أنت تحت تأثير إيحاءات الجهلة والمرضى وأصحاب الدعايات المغرضة، وإلا فإنّك تعلم أنّ أكثر عباد اللّه الصالحين هم الذين هم مجهولون ويهربون من الشهرة، وهذا لا يعني أنهم غير موجودين، بل ربما يكون وجود الآخرين بيُمن وجودهم، وببركة وجودهم يُمهَلون! أولئك الذين وصفتهم الروايات بأنّهم «فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ»... على أيّ حال، تذكّر أنّ الحكيم هو الذي لا يعرف الحقّ بالرجال، بل يعرف الرجال بالحقّ، في حين أنّ الجاهل يفعل عكس ذلك، فيحسب شهرة الرجال دليلًا على أنّهم حقّ، وعدم شهرتهم دليلًا على أنّهم باطل! هذا جهل واضح بالتأكيد! [الشبهة والرّدّ ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر يقرؤون هذا الكتاب القيّم ويدركون معارفه، لكنّهم في بحبوحة الفتنة والفوضى والتهميش والغوغاء والإعلانات السامّة لأعداء اللّه يصبحون مخدوعين ومتشائمين وتصبح قلوبهم مظلمة وينشغلون بالحاشية بدلًا من النصّ وينحرفون في النهاية عن الحقّ. بالطبع هذا الإثم الكبير هو أولًا في عنق الفتّانين الذين يصدّون عن سبيل اللّه. هؤلاء المهاذير بالرغم من انفتاح باب النقد العلميّ والمنطقيّ، بما أنّهم لا يملكون أيّ برهان وحجّة، يحاولون إثارة الجوّ وتلويثه، لكن ليعلم مخاطبو هذا الكتاب أنّ حركة جميع الأنبياء والأولياء في التاريخ أيضًا قد واجهت الإهانة والبهتان وإثارة الفتنة من قبل المستبدّين والمستكبرين والجبّارين وكان أعداء اللّه يلوّثون الجوّ ويصدّون الناس عن سبيل اللّه بأسوء طريقة ممكنة. فلم يحدث حادث جديد ويجب على مخاطبي هذا الكتاب النظر في أدلّته وبراهينه بحرّيّة وإنصاف والعثور على الحقّ والعمل بمقتضاه بمنأى عن المشاعر العابرة والعواطف الكاذبة إن شاء اللّه. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

قد يمكن أن يقال نظرًا إلى معرفة «معيار وموانع المعرفة» التي بيّنها سماحة العلامة في كتاب «العودة إلى الإسلام» بأنّه إذا كان شخص ملتزمًا بمعيار المعرفة ومبتعدًا عن موانع المعرفة، سيهتدي إلى الحقّ بإذن اللّه ويوفّق للعمل بمقتضاه بتوفيق اللّه، لكن يجب الإلتفات إلى أنّ كتاب «العودة إلى الإسلام» هو نقطة البداية. إنّه يبدأ بمعرفة المعرفة ويعلّمنا الطريقة الصحيحة للمعرفة، ثمّ لا يتركنا، بل يكشف لنا عن حقيقة الإسلام والإسلام الحقيقيّ بنفس الطريقة التي علّمنا. قد يمكن أن يقال بأنّ هذا الكتاب يعطي مخاطبه علمًا تفصيليًا يكون مقدّمة للعمل، لكنّ مقدّمة هذا العلم التفصيليّ هي علم إجماليّ وهو علم المخاطب بجهله؛ أعني أن يحتمل المخاطب أنّه لا يعلم بعض الأشياء وأن يكون خاطئًا وأن يكون الذين يحبّونهم ويحترمونهم ويتّبعونهم خاطئين. مثل هذا الشخص يأخذ الكتاب ويقرأه مع الإلتفات إلى هذا الإحتمال ومع الإنصاف وبمعزل عن سوء الظنّ ويهتدي إلى الحقّ إن شاء اللّه. يمكننا تقديم مثال لتبيين هذا الموضوع وهو مثال قرآنيّ. إنّ الطبيب يمكنه معالجة المريض بإذن اللّه ولكن لا يمكنه معالجة الميّت! كذلك سماحة العلامة يمكنه أن يهدي بإذن اللّه من كان مريضًا وليس ميّتًا. من كان قلبه ميّتًا في مستنقع الجهل المركّب والخوف من غير اللّه والتعصّبات الجاهليّة والتكبّر والتقليد الأعمى، لا يمكن هدايته بأيّ حكمة؛ كما قال اللّه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. لذلك يجب أن نعوذ باللّه من هذه العيوب التي تميت القلب ونسأله الهداية والرشد لنا وللناس، عسى أن تلين قلوب الناس برحمته ويعودوا إلى خليفته في الأرض ويقيموا الإسلام الخالص والكامل والعدالة العالميّة في الأرض. هذه هي المعرفة التي بيّنها العالم الجليل سماحة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتابه ويدعو إليها والحمد للّه ربّ العالمين. [المقالة ٣]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

ليس هناك شكّ في أنه على رأس كلّ التطلعات والأهداف المشتركة للعالم الإسلامي، هو إقامة العدل العالمي والقضاء على الظلم والفساد في الأرض في ظلّ دولة إسلامية مستقلة وذات حقيقة إسلامية؛ حكومة وعدها الإسلام المسلمين منذ الأيام الأولى، ولا شكّ أنّ أيّ رغبة مشروعة وصحيحة أخرى سوف تتحقّق في هذه الصورة فقطّ، وأنّ جميع مسلمي العالم لديهم هذه الرغبة، سواء كانوا منتبهين أو غير منتبهين. في هذه الأثناء، ما أوقع كثيرًا من المسلمين في الخطأ وحرّفهم عن المسار الأصلي للإسلام، كان هذا الوهم المشؤوم وبلا اساس بأن لا حاجة لهم إلى هداية من اللّه لتحقيق هذه الأهداف السحيقة والأمنية الجميلة وكلّ مجموعة منهم يمكنها أن تتبع أيّ طريقة تراها صحيحة وتختار أيّ شخص رضيت به لقيادتها وإمامتها نحو هذا الطموح الكبير! لكن نرى بوضوح أنّ هكذا وهم مشؤوم وتصوّر ساذج لحدّ الآن أدّى إلى أيّ نتائج وذهب بالمسلمين إلى أيّ وضع! اليوم كلّ مجموعة من المسلمين سلّطت شخصًا على نفسها وبايعت حاكمًا أعجبها. فئة منهم تحالفت مع الكفّار وجعلت الحكّام المسلمين الذين في الواقع هم منافقون خونة وأشرار حكامًا عليهم وفئة أخرى بتحكّم وتهوّر عجيب تقرّ البيعة للأمراء والخلفاء الداعين لأنفسهم وتحميهم من أجل اكتساب المزيد من القوة والسلطة. لذا فالجهل والظلم والعدوان والحرب والفقر صار مستوليًا عليهم وظلّ الفناء والسقوط يثقل على رأسهم. [المقالة ٤]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

إنّ المسلمين تجاهلوا اللّه ولم يضعوا إرادته ومشيئته في هذا الأمر في الحسبان وتخلّفوا عن الطريقة التي وضعها لهم للوصول إلى هذا الهدف السامي. لقد نسي المسلمون أنّ إذن اللّه وأمره هو أصل واُسّ الخلق وحجر أساس خلقة هذا العالم وكلّ الأُمور والمعادلات والحسابات لا تجري إلّا بمشيئته وإرادته ومن دونها لا تتحرّك حصاة على الأرض. لقد نسي المسلمون أنّ اللّه عيّن سبيلًا وطريقة لتحقيق وعوده ولتحصيلها جعل الإلتزام بهذا السبيل والطريقة ضروريًا. غفل مسلمو العالم عن هذه الحقيقة العظيمة أنّ اللّه تعالى جعل الولاية والبيعة لنفسه فقطّ ونهاهم عن اتّخاذ شريك له فيها وجعل الإشراك فيها مصداقًا للشرك باللّه. حقًّا، كيف لهم أن يصلوا إلى مثل هذا الهدف المقدّس بالشرك باللّه وبمخالفة أمره؟! لا شكّ أنّ اللّه المتعال هو الحاكم الحقيقي والمالك الأصلي لهذا العالم والحكم عليه يليق به حصرًا. لذلك فإنّ تحقّق حكومة العدل العالمية تتيسّر بالطريقة التي يريدها هو فقطّ والحاكم الذي اختاره للناس هو الوحيد الذي يقدر على إقامة العدل لا أحد آخر. هذه حقيقة قد أغفلت ونسيت تمامًا بالرغم من وضوحها وحقانيّتها وبالطبع فإنّ هذا النسيان غريب جدًّا؛ إذ أنّ جميع المسلمين متّفقون على أنّ القائم بالحقّ ومقيم العدل على الأرض والشخص الوحيد الذي أخبر اللّه بخروجه وقيامه بالحقّ والعدل وانتصاره النهائي، بحسب الأخبار المتواترة هو مهديّ آل محمد؛ «الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملأت ظلمًا وجورًا» ولا يوجد هكذا اتّفاق حول شخص آخر. هذا يعني أنّه هو الحاكم الوحيد المشروع والمرضيّ للّه في هذا الزمان وحاليًا الشخص الوحيد الذي يجوز لمسلمي العالم بل يجب عليهم مبايعته، هو المهديّ وكلّ بيعة مع غيره، هي عصيان لأمر اللّه، وبالتالي اتّباع الشيطان وبتعبير القرآن يعدّ التحاكم إلى الطاغوت وهذا يدلّ على غاية أهمية ومحورية مبايعة المهديّ في التعاليم الإسلامية. [المقالة ٤]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

إنّ مبايعة المهديّ هي بديل مبايعة ظلمة وطواغيت العالم، وبالتالي ستكون السبب في تضعيف قواهم وسقوط حاكميّتهم ومن جهة أخرى يضمن وحدة مسلمي العالم واجتماعهم تحت راية واحدة؛ لأنّه يبدو أنّ اختلاف وتفرّق الأمة ناشئ من الحكومات المختلفة وتحزّب المسلمين هو معلول اتّباعهم للحكّام والقوى السياسية المتفرّقة ومن الطبيعيّ أنّ كلّ فرقة ومجموعة وقوم من المسلمين تتبع زعيمها، وأنّ زعماء العالم الإسلامي كلّ يدعو إلى نفسه ونسي المهدي؛ لأنّهم إمّا أن يكونوا متجاهلين له بالأساس وعاجزين عن ذكر اسمه أو أنّهم يبلّغون أنّ ظهور المهديّ بعيد جدًّا ولا يُعلم في أيّ زمان سيحدث. كذلك يواجه زعماء العالم الإسلامي المهديّ علموا أم جهلوا ويمنعون الرأي العامّ من التأمّل حوله. في مثل هذه الظروف، لو تصوّرنا أنّ نداء الدّعوة للمهديّ والإلتحاق به والإنسلاخ عن غيره يصل إلى جميع المسلمين في العالم ويترك جميعهم الحكّام الذين انتخبوهم من دون إذن اللّه ويهرعون إلى المهديّ، ماذا سيحصل؟ حقًا مع انطلاق نهضة الحماية والطاعة للمهديّ وارتفاع شعار عودة المسلمين إليه، ماذا سيحدث في المنطقة والعالم؟ [المقالة ٤]