الثلاثاء ١٦ شوال ١٤٤٣ هـ الموافق لـ ١٧ مايو/ ايّار ٢٠٢٢ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الكتب: تمّ نشر الإصدار الخامس من الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام» بتصحيح وتصميم جديدين. اضغط هنا لقراءته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الدروس: درس من جنابه في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ممّا يدلّ على ذلك؛ الحديث ١٦. اضغط هنا لقراءته وتحميله. جديد الأسئلة والأجوبة: ما آداب الحياة الزوجيّة وحقوق الزوجين في الإسلام من منظور العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى؟ اضغط هنا لقراءة الجواب وتحميله. جديد الأقوال: أربعة أقوال من جنابه في حرمة الإجارة والإستئجار للرّحم. اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. جديد الرسائل: نبذة من رسالة جنابه يصف فيها أحوال النّاس، ويحذّرهم من عاقبة أمرهم. اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الشبهات والردود: أين يعمل هذا العالم أو يدرّس؟ أنا لا أحكم عليه بشيء، ولكن ألم يكن من الأفضل أن تنشروا صورة منه ومزيدًا من المعلومات عن سيرته وأوصافه الشخصيّة؟ اضغط هنا لقراءة الرّدّ وتحميله. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر ملاحظة جديدة بعنوان «العصر المقلوب» بقلم «إلياس الحكيمي». اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. جديد الأفلام والمدوّنات الصوتيّة: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله.
loading
عدم وجوب طاعة الحكّام الظالمين

من المسلّم به أنّ غرض اللّه تعالى من التشريع هو تحقيق العدل بين النّاس؛ كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ، في حين أنّ حاكميّة الظالمين تمنع تحقيق العدل بين النّاس بلا شكّ، ولذلك فإنّ تشريع طاعتهم وإبقاء حاكميّتهم ينقض غرض اللّه تعالى من التشريع، وهذا يعتبر تناقضًا في تشريعه، وهو محال؛ كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. [العودة إلى الإسلام، ص٦١]

عدم وجوب طاعة الحكّام الظالمين

من الواضح أنّ حاكميّة الظالمين، حتّى لو لم تستلزم مخالفة أتباعهم للعقل والشرع، تستلزم على الأقلّ مخالفة أنفسهم للعقل والشّرع، ولذلك فإنّ إبقاء حاكميّتهم، وإن كان بغير طاعتهم فيما يخالفون فيه العقل والشّرع، يعني إبقاء مخالفتهم للعقل والشّرع، وهو إعانة عليها، وبالتّالي يُعتبر مخالفة للعقل والشّرع؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ. [العودة إلى الإسلام، ص٦١]

عواقب طاعة الحكّام الظالمين

من المشهود أنّ الإعتقاد بوجوب طاعة الحكّام الظالمين وإبقائهم، كان من أكثر الإعتقادات الشائعة بين المسلمين شؤمًا، وقد أدّى إلى وهن الإسلام وسقوط الحضارة الإسلاميّة وتفشّي موانع المعرفة بين المسلمين؛ لأنّ الحكّام الظالمين، على مرّ القرون المتمادية، باستغلال هذا الإعتقاد الواهي الذي تمّ ترويجه من قبل حفنة من السّفهاء التابعين لهم، بدّلوا عقائد الإسلام وأحكامه واحدًا تلو الآخر لصالحهم، وأضفوا الصّفة الرّسميّة على قراءة له كانت ملائمة لرغباتهم، وفي هذه الأثناء، لم يزل أهل الحديث في خدمتهم كمرتزقة عميلة. [العودة إلى الإسلام، ص٦٢]

جواز الخروج على الحكّام الظالمين

الآن أيضًا، قام بعض بقاياهم الذين يعتبرون أنفسهم أهل السّنّة والجماعة بتسليط الحكّام الظالمين على البلاد الإسلاميّة، ويحسبون طاعتهم وحمايتهم من واجباتهم الإسلاميّة، حتّى أصبح كلّ من البلاد الإسلاميّة يحكم فيه جبّار مستبدّ، فينفق أموال المسلمين وأنفسهم وأعراضهم على مطامعه، في حين أنّه لا يجترئ أحد منهم على معارضته ولا يرى لنفسه حقًّا في مواجهته؛ لدرجة أنّ أكثر الحكومات استبدادًا وفسادًا هي في البلاد الإسلاميّة، والظّلم الذي يوجد بين المسلمين لا يوجد بين الكافرين! [العودة إلى الإسلام، ص٦٣]

جواز الخروج على الحكّام الظالمين

الكفر البواح هو إنكار اللّه تعالى أو رسوله أو يوم القيامة أو ضروريّات مثل الصّلاة والصّوم، وليس كفر المقرّ بهذه الأشياء بواحًا وإن أمكن استنباطه. لذلك، لا وجه للخروج على الحاكم المسلم بذريعة أنّه كافر كفرًا بواحًا، بل ما يبيح الخروج عليه هو ظلمه للمسلمين. [العودة إلى الإسلام، ص٦٣ و٦٤]

نبذة من رسالة جنابه يذكر فيها عاقبة الذين من قبل وينذر حكّام البلاد.

فَالْآنَ مَنْ جَرَّأَكُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَخْضَعُونَ لَهُ إِذْ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ لِتَنْقَادُوا لِحُكْمِهِ، فَلَا تَلْتَفِتُونَ إِلَيَّ وَأَفْوَاهُكُمْ مِنِّي ضَاحِكَةٌ؟! هَلْ طَائِرَاتُكُمْ إِلَّا كِذِبَّانٍ تَثِبُ، وَهَلْ صَوَارِيخُكُمْ إِلَّا كَبَعُوضٍ تَلْسَعُ، وَهَلْ جُنُودُكُمْ إِلَّا كَنِمَالٍ تَدُبُّ؟! بِزَلْزَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَنْهَارُ قُصُورُكُمْ، وَبِعَاصِفَةٍ وَاحِدَةٍ تَتَسَوَّى مُدُنُكُمْ، وَبِسَيْلٍ وَاحِدٍ يَنْطَمِسُ آثَارُكُمْ! أَيُّ سُلْطَةٍ تُنْجِيكُمْ وَأَيُّ جُنْدٍ وَسِلَاحٍ يَنْفَعُكُمْ، إِذَا شَاعَ بَيْنَكُمُ الْأَمْرَاضُ الْمُهْلِكَةُ، أَوْ غَارَ مِيَاهُكُمْ فِي الْأَرْضِ، أَوْ جَفَّ آبَارُ نَفْطِكُمْ وَغَازِكُمْ؟! إِنْ لَمْ يَنْزِلِ الْمَطَرُ فِيمَا بَعْدُ فَمَاذَا تَشْرَبُونَ، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتِ النَّبَاتُ فِيمَا بَعْدُ فَمَاذَا تَأْكُلُونَ؟! إِنْ غَلَبَ عَلَى بُيُوتِكُمُ الْآفَةُ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمُ الْخَوْفُ فَكَيْفَ تَرْقُدُونَ؟! كَيْفَ تُهَدِّئُونَ أَطْفَالَكُمْ، وَكَيْفَ تُسَلُّونَ نِسَاءَكُمْ؟! [الرسالة التاسعة عشرة]

نبذة من رسالة جنابه يذكر فيها عاقبة الذين من قبل وينذر حكّام البلاد.

أَتَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَا يَمَسُّكُمْ ضُرٌّ إِنْ لَمْ تُسْلِمُوا لَهُ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْكُمْ سُوءٌ إِنْ لَمْ تَخْضَعُوا لِحُكْمِهِ؟! سَيُظِلُّكُمُ الْمَوْتُ، بَلْ مَا سَتَسْتَحِبُّونَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ! سَيُمَزِّقُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَسَيَتَّخِذُ بَعْضُكُمْ مِنْ جُلُودِ بَعْضٍ مَلَابِسَ! سَيَقْطَعُ الْأَبُ رَأْسَ الْإِبْنِ، وَسَيَأْكُلُ الْإِبْنُ لَحْمَ الْأَبِ! لَنْ يُوجَدَ فِي كُلِّ الْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ عَفِيفَةٌ وَلَا رَجُلٌ أَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَكُونُونَ زُنَاةً سَارِقِينَ! سَتَزْحَفُونَ فِي الْخَبَثِ كَمَا تَزْحَفُ الدُّودَةُ، وَسَتَخُوضُونَ فِي الْوَحَلِ كَمَا يَخُوضُ الْخِنْزِيرُ! سَتَسُبُّونَ آبَاءَكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ، وَسَتَتْفُلُونَ فِي وُجُوهِ إِخْوَانِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ! سَتَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وَسَتَسْخَرُونَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ! سَتَسْجُدُونَ لِلشَّيْطَانِ، وَسَتَبْذُلُونَ النَّفْسَ لِلْبَطْنِ وَالْفَرْجِ! سَيُذِيبُ الْمَقْتُ أَبْدَانَكُمْ، وَسَيَنْقُصُ الْغَضَبُ أَرْوَاحَكُمْ! سَيَكُونُ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ مَجْنُونًا، وَلَكِنْ لَنْ يُعْرَفَ أَيُّهُمَا هُوَ! سَيَكُونُ لِتُرَابِكُمْ رَائِحَةُ الْخِرَاءِ، وَلِمَائِكُمْ لَوْنُ الْبَوْلِ! سَتَصِيحُ السَّمَاءُ فَلَا يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَسَتَقِيءُ الْأَرْضُ الدَّمَ فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَحَدٌ! حَتَّى تَغْرَقُوا فِي رِجْسِكُمْ، وَتَسْتَحِيلُوا اسْتِحَالَةَ الْمَيْتَةِ فِي الْمِلْحِ! هَذَا خَيْرُ مَصِيرِكُمْ إِنْ لَمْ تُسْلِمُوا لِلَّهِ، وَهَذَا خَيْرُ عَاقِبَتِكُمْ إِنْ لَمْ تَخْضَعُوا لِحُكْمِهِ! [الرسالة التاسعة عشرة]

نبذة من رسالة جنابه يذكر فيها عاقبة الذين من قبل وينذر حكّام البلاد.

وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِ خَلِيفَةِ اللَّهِ خَلِيفَةً وَمِنْ دُونِ وَلِيِّ اللَّهِ وَلِيًّا، وَيُطِيعُونَ مَنْ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ؛ فَعَمَّا قَرِيبٍ سَيَسْلُخُ جُلُودَهُمْ وَيَحْطِمُ عِظَامَهُمْ وَيُلْقِيهِمْ فِي النَّارِ، وَمَا لَهُمْ مِنْ مُغِيثٍ! سَيَكُونُ لَهُمْ نَهِيقٌ كَنَهِيقِ الْحِمَارِ وَعُوَاءٌ كَعُوَاءِ الذِّئْبِ، حِينَ يَحْصِدُهُمْ مِنْجَلُ الْبَلَاءِ، وَتَطْحَنُهُمْ طَاحُونَةُ الْمُصِيبَةِ! أَلَا يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ! إِنَّكَ قَضَيْتَ أَجَلَكَ وَأَدَّيْتَ امْتِحَانَكَ! لَوَّثْتَ الْأَرْضَ بِوَسَخِكَ، وَسَوَّدْتَ السَّمَاءَ بِدُخَانِكَ! لَا يُطَهِّرُ الْبِحَارُ نَجَاسَتَكَ، وَلَا يَسْتُرُ الْجِبَالُ عِظَمَ ذَنْبِكَ! يَدَاكَ مُلَطَّخَتَانِ بِالدَّمِ، وَمِنْ فَمِكَ تَنْدَلِعُ النَّارُ! أَغْرَقَتْ شَهْوَتُكَ الْمُدُنَ، وَأَحْرَقَ غَضَبُكَ الْقُرَى! قَدِ ارْتَكَبْتَ الْجِنَايَةَ لِأَجْلِ السُّلْطَةِ، وَبَادَرْتَ الْغَارَةَ لِأَجْلِ الثَّرْوَةِ! فَقُلْ لِي إِلَى مَتَى سَتَكُونُ طَاغِيًا هَكَذَا، وَإِلَى أَيْنَ سَتَسْقُطُ هَكَذَا؟! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَتَوَقَّفَ؟! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعُودَ؟! [الرسالة التاسعة عشرة]

نبذة من رسالة جنابه يذكر فيها عاقبة الذين من قبل وينذر حكّام البلاد.

أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اعْلَمُوا أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْكُمْ؛ إِنِّي أَسْمَعُ صَوْتَهُ وَأَشُمُّ رِيحَهُ وَأَرَى ظِلَّهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ غَافِلُونَ! إِنْ كَانَ لَكُمْ رَغْبَةٌ فِي النَّجَاةِ فَإِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً لَكُمْ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ وَأَطِيعُوا مَنْ طَهَّرَهُ وَهَدَاهُ، ذَلِكُمُ الَّذِي تَجِدُونَ وَصْفَهُ فِي صُحُفِ النَّبِيِّينَ وَتَقْرَأُونَ اسْمَهُ فِي كُتُبِ الْأَوَّلِينَ، دُونَ الَّذِي لَهُ عَقْلٌ قَلِيلٌ وَادِّعَاءٌ كَثِيرٌ، وَيَتَّبِعُ الْهَوَى، وَكَثِيرًا مَا يَسْتَبِدُّ وَيَطْلُبُ الْخُصُومَةَ. فَحِينَئِذٍ تَرَوْنَ أَنَّ الْأَرْضَ تُمْلَأُ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا، وَالْعَدْلُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَأَنْظَفُ مِنَ الثَّلْجِ. فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ حُكْمَكُمْ لَنْ يُنْجِيَكُمْ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ جُنُودَكُمْ وَأَسْلِحَتَكُمْ لَنْ تَحْفَظَكُمْ مِنْهُ، كَمَا لَمْ يُنْجِ الْأَوَّلِينَ حُكْمُهُمْ وَلَمْ يَحْفَظْهُمْ جُنُودُهُمْ وَأَسْلِحَتُهُمْ مِنْهُ، لَمَّا اشْتَعَلَ عَلَيْهِمْ غَضَبُهُ وَنَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابُهُ! الْآنَ أَيُّهَا الطُّغَاةُ! انْتَظِرُوا الْهَلَاكَ؛ لِأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَنَّ اللَّهَ يَأْتِي، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوا وَقُلْتُمْ أَنَّ السَّبِيلَ وَاسِعَةٌ، فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْكُمْ فَيَطَأُكُمْ، ثُمَّ لَنْ تُوجَدُوا إِلَّا تَحْتَ التُّرَابِ وَبَيْنَ الْأَحْجَارِ وَالْجُذُورِ! [الرسالة التاسعة عشرة]

نبذة من رسالة جنابه يذكّر فيها بيوم القيامة ويحذّر من عاقبة الحرص على الدّنيا.

انْظُرْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ كَيْفَ يَتَنَاحَرُونَ وَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَنَالُوا زِيَادَةً؛ بِالْكِذْبِ وَالْخَدِيعَةِ، بِالْغِيبَةِ وَالْإِفْتِرَاءِ، بِالسَّبِّ وَالْإِسْتِخْفَافِ، بِالتَّمَلُّقِ وَالنِّفَاقِ، بِالْحَسَدِ وَالْخِيَانَةِ، بِالْإِسْتِئْثَارِ وَضِيقِ الْأُفُقِ، بِاللَّجَاجِ وَتَتَبُّعِ الْعَثْرَةِ، بِالنَّمِيمَةِ وَهَتْكِ السِّتْرِ، بِالْحَقْدِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ؛ كَذِبَّانٍ يَخْتَصِمُونَ عَلَى أَنْ يَقْعُدُوا عَلَى بَعْرَةٍ! أَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُؤَجَّلُونَ حَتَّى يَنَالُوا كُلَّ مَا يُرِيدُونَ؟! يَقُولُونَ سَنَفْعَلُ فِي هَذَا الْعَامِ كَذَا وَفِي الْعَامِ اللَّاحِقِ كَذَا، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ أَيَكُونُونَ غَدًا أَحْيَاءً أَمْ أَمْوَاتًا، وَأَصِحَّاءَ أَمْ مَرْضَى، وَأَغْنِيَاءَ أَمْ فُقَرَاءَ، وَأَحْرَارًا أَمْ مَحْبُوسِينَ، وَآمِنِينَ أَمْ خَائِفِينَ! كَلَّا، بَلْ عُمْرُهُمْ أَقْصَرُ مِنْ آمَالِهِمْ، وَمَوْتُهُمْ أَقْرَبُ مِمَّا يَبْتَغُونَ. [الرسالة العشرون]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، فَقَالَ: هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَالْعَدْلِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَزَالُ فِي الْخَلْقِ رَجُلٌ يَهْدِي بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُ، إِنْ يُطِيعُوهُ يُفْلِحُوا، وَإِنْ يَعْصُوهُ يَهْلِكُوا! وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَبَيِّنٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ! [الفقرة ١٣ من القول السادس]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ صَادِقٍ مَفْرُوضٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ، لَا يَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرُوا، فَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ مَعَ صَادِقِ زَمَانِهِ فَقَدْ مَاتَ عَاصِيًا لِرَبِّهِ، وَهَذَا مَقْصُودُ أُولِي الْأَلْبَابِ إِذْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ! [الفقرة ١٤ من القول السادس]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ أُولِي الْأَلْبَابِ: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، فَقَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ لَا يَخْلُو مِنْ إِمَامِ بِرٍّ مَنْ تُوُفِّيَ مَعَهُ فَقَدْ أَفْلَحَ، فَلَازِمُوا إِمَامَ الْبِرِّ فِي زَمَانِكُمْ تُفْلِحُوا! قُلْتُ: وَمَنْ إِمَامُ الْبِرِّ فِي زَمَانِنَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ الْمَهْدِيُّ، قُلْتُ: كَيْفَ نُلَازِمُهُ وَلَا نَعْرِفُهُ؟! قَالَ: إِذَا أَحَسَّ مِنْكُمُ الْمُلَازَمَةَ عَرَّفَكُمْ نَفْسَهُ، كَمَا غَابَ عَنْكُمْ إِذَا أَحَسَّ مِنْكُمُ الْمُفَارَقَةَ! [الفقرة ١٥ من القول السادس]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا، فَقَالَ: فَاسْأَلْ خَبِيرًا بِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي النَّاسِ رَجُلًا خَبِيرًا بِاللَّهِ كُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ لِيُخْبِرَهُمْ عَنِ اللَّهِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْرِفِ الرَّجُلَ فَقَدْ مَاتَ فِي جَهْلٍ وَضَلَالٍ، قُلْتُ: أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوهُ؟! قَالَ: لَوْ تَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَنْ عَرَفُوهُ مِنْ خُلَفَائِهِ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُمْ أَعْرَضُوا، فَـ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. [الفقرة ١٦ من القول السادس]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ شَيْئًا لَا يَسَعُ النَّاسَ الْقِيَامُ بِهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ فِيهِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَلَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ يَسْأَلُهُ النَّاسُ عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ فَيُجِيبُهُمْ بِالصَّوَابِ، وَلَئِنْ قُلْتَ لِهَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ: اعْرِفُوا هَذَا الرَّجُلَ وَاسْأَلُوهُ لَيَقُولُنَّ: «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْتَدِعُونَ»! قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ كُلَّهُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ، فَقَالَ: أَكُلُّهُمْ يُصِيبُونَ فِي الْجَوَابِ إِذَا سُئِلُوا؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِسُؤَالِ قَوْمٍ قَدْ لَا يُصِيبُونَ فِي الْجَوَابِ! [الفقرة ١٧ من القول السادس]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه‍]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، انْتَهَى قَوْلُهُ، وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! فَهَلْ يَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا قَوْلَنَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا؟! وَلَا نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ آبَاؤُنَا، وَلَكِنْ لِمَا نَجِدُ مِنْ فَضْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا نُنْكِرُ فَضْلَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَاحَبَ نَبِيَّنَا، وَلَكِنْ لَا يُقَاسُ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا أَحَدٌ؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا عَدَّدْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: وَيْحَكَ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، وَهَذَا قَوْلٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٤١ه‍]، وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ التَّشَيُّعُ؛ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبِي، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، ... وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ كُلُّ عَالِمٍ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ نَحْنُ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنَ الرَّافِضَةِ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ! [الدرس الأول، ص٣٢]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ [ت٣٨١ه‍] فِي «كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ»، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، فَقَالَ: كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَامٌّ يَشْمُلُ كُلَّ قَوْمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَوْمُ قَرْنٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٩٠ه‍] فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى «الْمُسْنَدِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَالْهَادِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَادِيًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. [الدرس الأول، ص٣٣]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِمَامِ «خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذِهِ نِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: «رُوحُ اللَّهِ» وَ«بَيْتُ اللَّهِ» وَ«أَرْضُ اللَّهِ»، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَدِيثِ «الرَّايَاتِ»، وَلَكِنَّ الْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نِسْبِةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَحَّحَ حَدِيثَ الرَّايَاتِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَذْكُرُ «خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»، وَقَدْ بَالَغَ أَجْهَلُهُمْ فِي مَنْعِهَا حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهَا إِلَى الْفُجُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ إِلَّا مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، وَاللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ، وَبِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ»، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْخَلِيفَةِ إِلَى اللَّهِ هِيَ نِسْبَةُ تَمْلِيكٍ وَتَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُوحِي وَ﴿بَيْتِي وَ﴿أَرْضِي، وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ بَعِيدٌ كَبُعْدِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ اللَّهِ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ النَّاسُ، ... وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِـ«خَلِيفَةِ اللَّهِ»، ... كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَادَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: «يَا خَلِيفَة اللَّهِ فِي الْأَرْضِ!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَهْ! ... لَمَّا وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ سَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ نَادَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَجَبْتُكَ، وَأَمَّا خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَلَسْتُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ خُلَفَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ دَاوُدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشِبْهُهُ»،... وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمَهْدِيِّ «خَلِيفَةَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مِثَالِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ... [الدرس الأول، ص٣٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَلَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ إِلَّا بِذَلِكَ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِهَذَا نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَدْعُو، وَقَالَ: لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. [الدرس الأول، ص٤٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَصَفْوَانِ بْنِ يَحْيَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَيْرَةِ وَعَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ كُلِّهِمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعِ الْأَرْضَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ يَعْلَمُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَإِذَا زَادَ الْمُؤْمِنُونَ رَدَّهُمْ وَإِنْ نَقَصُوا أَكْمَلَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: خُذُوهُ كَامِلًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَقُولُ لِلنَّاسِ: خُذُوا الدِّينَ كَامِلًا لَا نُقْصَانَ فِيهِ وَخَالِصًا لَا زِيَادَةَ مَعَهُ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ النَّارِ إِنِ ازْدَادَتْ حَرَّقَتِ الطَّعَامَ وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ تَطْبَخْهُ. [الدرس الأول، ص٥٠]

يوجد في التوراة ما يبدو أنّه إشارة إلى لقب المنصور الخراسانيّ الموعود؛ كما جاء في كتاب إشعياء: «مَنْ أَنْهَضَ مِنَ الْمَشْرِقِ الَّذِي يُلَاقِيهِ النَّصْرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ؟ دَفَعَ أَمَامَهُ أُمَمًا وَسَلَّطَهُ عَلَى مُلُوكٍ. جَعَلَهُمْ كَالتُّرَابِ بِسَيْفِهِ، وَكَالْقَشِّ الْمُنْذَرِي بِقَوْسِهِ. طَرَدَهُمْ. مَرَّ سَالِمًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهُ مِنْ قَبْلُ. مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دَاعِيًا الْأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أَنَا اللَّهُ مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى الْآخِرِ، أَنَا هُوَ»، إذ يصف الناهضَ من المشرق بأنّه «يلاقيه النّصر»، فهو لا جرم «منصور» وهذا إن لم يكن إشارة إلى اسمه «المنصور»، فهو وجه تسميته به في الروايات الإسلاميّة؛ لأنّ اللّه تعالى ينصره على الأمم والملوك، حتّى يعدّ الطريق لحكومته؛ كما جاء في زبور داود بعد التبشير بحكومة اللّه تعالى: «الْعَدْلُ يَسِيرُ أَمَامَهُ وَيُمَهِّدُ سَبِيلًا لِخُطُوَاتِهِ»، وجاء في كتاب ملاخي بصراحة: «أَنَا أَبْعَثُ رَائِدِي، لِكَيْ يُعِدَّ الطَّرِيقَ أَمَامِي. ثُمَّ الْمَوْلَى الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ يَأْتِي فَجْأَةً إِلَى بَيْتِهِ»، وجاء في كتاب إشعياء في نعت هذا الرائد: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لِإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ»، وجاء فيه محرّضًا على نهضته التمهيديّة المقدّسة: «وَيَقُولُ اللَّهُ: أَعِدُّوا، أَعِدُّوا وَمَهِّدُوا الطَّرِيقَ، أَزِيلُوا الْعَقَبَاتِ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي»، وجاء فيه مشيرًا إلى رايته المباركة التي وصفها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّها راية الهدى: «اعْبُرُوا، اعْبُرُوا بِالْأَبْوَابِ، مَهِّدُوا طَرِيقَ الشَّعْبِ. أَعِدُّوا، أَعِدُّوا السَّبِيلَ، نَقُّوهُ مِنَ الْحِجَارَةِ، ارْفَعُوا رَايَةً لِلْأُمَمِ». [السؤال والجواب ١٤٧]

لقد روى الشيعة عن أهل البيت أنّ المهديّ إذا قام حكم بحكم داود وسليمان عليهما السلام، رواها جعيد الهمداني عن الحسين وعليّ بن الحسين، ورواها أبان بن تغلب وحمران بن أعين وحريز بن عبد اللّه وأبو عبيدة الحذاء وعمّار الساباطي وعبد اللّه بن عجلان عن جعفر بن محمّد، ورواها الحسن بن ظريف عن أبي محمّد العسكريّ، وقد بالغ بعض المعاصرين من السنّة في إنكار هذه الرواية وتشنيعها عليهم قائلًا بأنّها تدلّ على أنّ مهديّهم ينسخ شريعة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويحكم بغير حكمه، ولا يخفى على المنصف ما في هذا القول من الجهل والتعسّف؛ لأنّ الرواية ناظرة إلى قول اللّه تعالى إذ مدح حكم داود وسليمان عليهما السلام فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ۝ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، وقوله تعالى لداود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ، فتريد الرواية أنّ حكم المهديّ سيكون في الدقّة والعدالة مثل حكم داود وسليمان عليهما السلام الذي مدحه اللّه تعالى في كتابه، ولا تريد أنّ حكم المهديّ سيكون مخالفًا لحكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ كما أنّ حكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن مخالفًا لحكم داود وسليمان عليهما السلام؛ لأنّه إذا كان حكمهما حقًّا لم يكن من الجائز مخالفته، وإذا كان حكمهما غير حقّ لم يكن من الجائز مدحه في كتاب اللّه تعالى، ولذلك جاء في رواية عمّار الساباطي عن جعفر بن محمّد أنّه قال: «بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ آلِ دَاوُدَ وَحُكْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ». [السؤال والجواب ١٥١]

قد جاء في ذيل الرواية أنّ المهديّ لا يسأل البيّنة، وهذا ما تعلّق به من لا علم له ولا إنصاف، محتجًّا بأنّ سؤال البيّنة هو أحد أصول القضاء في الإسلام وعليه، فإنّ تركه يعني ترك الإسلام، ولكنّ الحقّ أنّ أصول القضاء في الإسلام لا تنحصر في سؤال البيّنة، وهناك أصول أخرى أحدها القضاء بالعلم، بل سؤال البيّنة يتعيّن إذا لم يكن هناك علم للقاضي، فإذا كان الحقّ معلومًا له باليقين فلا وجه لسؤاله البيّنة في غير حدود اللّه تعالى؛ لأنّ البيّنة تؤدّي إلى الظنّ، والعلم أولى بالإتّباع من الظنّ، وهذا ما ذهب إليه الشافعيّة، وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة ورواية عند الحنابلة، ولم يذهب إليه الآخرون لغلبة الفساد على أهل الزمان واحتمال ظلم القاضي أو إهماله، وهذا الإحتمال غير موجود بالنسبة للمهديّ وعليه، فإنّ مقتضى القاعدة عند جميع المذاهب جواز قضاء المهديّ بعلمه، وهذا هو مراد الرواية؛ كما جاء ذلك مفسّرًا في رواية الحسن بن ظريف عن أبي محمّد العسكريّ؛ فإنّه قال في المهديّ: «إِذَا قَامَ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بِعِلْمِهِ كَقَضَاءِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ»، ومن الواضح أنّ هذا ليس من نسخ الإسلام في شيء؛ لأنّ حكم القاضي بعلمه هو حكم ثابت من أحكام الإسلام، وليس حكمًا محدثًا أو مختصًّا بشريعة داود عليه السلام؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّ علم القاضي قد يحصل بطرق معروفة. [السؤال والجواب ١٥١]

إنّ الرواية الواردة عن أهل البيت في أنّ المهديّ إذا قام يقضي بقضاء داود عليه السلام ولا يسأل البيّنة لا إشكال فيها من حيث الدلالة، وهذا واضح جدًّا، لولا التعصّب والعناد. وممّا يجب التنبيه عليه أنّه ليس هناك مهديّان أحدهما للشيعة والآخر للسنّة، بل هو مهديّ واحد يختلفون في بعض صفاته لاختلاف رواياتهم، ولو أنّهم انتقدوا على بعضهم البعض بعلم وإنصاف لكان خيرًا لهم وأقرب من أن يصلحهم ويبيّن لهم الحقّ؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. [السؤال والجواب ١٥١]

لا دلالة في الحديث على أنّ المدينة تكون عاصمة المهديّ، والثابت أنّ المهديّ يهرب من المدينة إلى مكّة في أوان ظهوره خوفًا من جيش السفيانيّ، فينصره اللّه تعالى عليهم ويخسف بهم الأرض، وهذا من أهمّ علامات ظهوره، والمرويّ عن أهل البيت أنّ عاصمته هي الكوفة... وهذه الروايات وإن كانت ضعيفة الإسناد إلا أنّه يقوّي بعضها بعضًا، ويزيدها قوّة ما روى أهل الحديث في فضل الكوفة؛ كما روى ابن سعد... عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنّه قال: «إِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالْمَهْدِيِّ أَهْلُ الْكُوفَةِ»، ... هذه الأقوال تدلّ على أنّ الكوفة تكون عاصمة المهديّ إن شاء اللّه، وكان هذه الأقوال بسبب أنّ الكوفة كانت مأوى كبار الصحابة؛ كما روي... عن فطر بن خليفة أنّه قال: «نَازَعَنِي قَتَادَةُ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، فَقُلْتُ: دَخَلَ الْكُوفَةَ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا، وَدَخَلَ الْبَصْرَةَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، فَسَكَتَ»؛ ثمّ إنّها كانت معقل المجاهدين؛ كما روي عن عمر أنّه قال: «الْكُوفَةُ رُمْحُ اللَّهِ، وَكَنْزُ الْإِيمَانِ...»؛ ثمّ إنّها كانت دار خلافة عليّ ومجمع محبّيه؛ كما قال عبد الرزاق: «قَالَ مَعْمَرٌ مَرَّةً وَأَنَا مُسْتَقْبِلُهُ، وَتَبَسَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا أَحَدٌ فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَأَنَّ الْكُوفَةَ إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ، مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا وَجَدْتُ الْمُقْتَصِدَ مِنْهُمُ الَّذِي يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِمَعْمَرٍ: وَرَأَيْتَهُ؟ -كَأَنِّي أَعْظَمْتُ ذَاكَ- فَقَالَ مَعْمَرٌ: وَمَا ذَاكَ؟! لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْهُمَا مَا عَنَّفْتُهُ إِذَا ذَكَرَ فَضْلَهُمَا إِذَا قَالَ عِنْدِي، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عُمَرُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ مَا عَنَّفْتُهُ»؛ بالإضافة إلى أنّها كانت في وسط دار الإسلام، وفيها ماء طيّب مبارك وهو الفرات. مع ذلك كلّه، فقد كانت في أهلها خصلة يُخاف منها على المهديّ، وهي سوء معاملة الأمراء، وقيل أنّها أثر دعوة سعد بن أبي وقّاص؛ فإنّه دعا عليهم حين شكوه إلى عمر فقال: «اللَّهُمَّ لَا تُرْضِ عَنْهُمْ أَمِيرًا وَلَا تُرْضِهِمْ بِأَمِيرٍ»! فنرجو أن يعيذه اللّه تعالى من هذه الخصلة الخطيرة التي فعلت بآبائه ما فعلت. [السؤال والجواب ١٥٢]

من الواضح أنّ كلّ من يؤمن بوحدانيّة اللّه في التكوين والتشريع والتحكيم، ويؤمن بنبيّه الخاتم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ينكر شيئًا من أركان دينه مثل الكتاب والملائكة والقيامة والقبلة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، هو مسلم وإن لم يكن في سائر عقائده يفكّر مثلك وكان لديه تفسير مختلف، وهذه حقيقة معلومة من كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة واتّفق عليها السلف الصالح، لدرجة أنّها قد تعتبر من واضحات الإسلام وينسب منكرها إلى الجهل والضلال. لذلك، من الواضح أنّ «جميع الشيعة» لا يعتبرون كفّارًا ومشركين؛ لأنّ معظمهم يؤمنون بوحدانيّة اللّه ونبيّه الخاتم وأركان دينه، وعليه فإنّ اعتبار جميعهم كفّارًا ومشركين حتّى لو كان ذلك بسبب بعض انحرافاتهم وأخطائهم، هو تحكّم وتعسّف محض. [الشبهة والرّدّ ١٣]

إنّ تفسير آية التطهير بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعدم تفسيرها بأمّهات المؤمنين، هو تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد رواه عنه العديد من أصحابه مثل عبد اللّه بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقّاص، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد اللّه، وأبي هريرة، وأبي حمراء، وأبي برزة، وأمّ سلمة، وعائشة، وصفيّة، وغيرهم، وقد جاء في رواية بعضهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال بصراحة: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، وجاء في رواية بعضهم أنّ بعض أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ» وفي رواية أخرى: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ» وفي رواية أخرى: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»، فبيّن بذلك أنّ أزواجه لسن من أهل بيته المقصودين في آية التطهير. [الشبهة والرّدّ ١٣]

روى زيد بن أرقم وجعفر بن أبي طالب وواثلة وأمّ سلمة وصفيّة أنّ فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا نزلت مفردة في بيت أمّ سلمة كقضيّة خارجيّة ولم تنزل مع فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ، وهذا يدلّ على أنّهما آيتان منفصلتان، وإنّما تمّ جمعهما في الكتابة؛ نظرًا إلى أنّ ترتيب كتابة الآيات لا يلازم ترتيب نزولها، وممّا يقوّي هذا اختلاف الضمير في الفقرتين؛ فإنّ الضمير في فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ... هو ضمير مخاطب لجمع المؤنّث والضمير في فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هو ضمير مخاطب لجمع المذكّر؛ كما أشار إلى ذلك الطحاويّ (ت٣٢١ه‍) في شرح مشكل الآثار إذ قال بعد ذكر الروايات: «دَلَّ مَا رَوَيْنَا مِمَّا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادِينَ بِمَا فِيهَا هُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ الْمَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ أَنَّ الَّذِي تَلَاهُ إِلَى آخِرِ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ خِطَابٌ لِأَزْوَاجِهِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِخِطَابِهِ لِأَهْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ فَجَاءَ عَلَى خِطَابِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ وَهَكَذَا خِطَابُ الرِّجَالِ، وَمَا قَبْلَهُ فَجَاءَ بِهِ بِالنُّونِ وَكَذَلِكَ خِطَابُ النِّسَاءِ فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ خِطَابٌ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنَ الرِّجَالِ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ تَشْرِيفَهُ لَهُمْ وَرِفْعَتَهُ لِمِقْدَارِهِمْ أَنْ جَعَلَ نِسَاءَهُمْ مَنْ قَدْ وَصَفَهُ لِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِمَّا فِي الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ قَبْلَ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ تَعَالَى»، وهذا لم يكن قول الطحاويّ فقطّ، بل نسبه ابن عطيّة (ت٥٤٢ه‍) إلى الجمهور وقال بعد الإشارة إلى الروايات: «وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ: <عَنْكُمُ وَيُطَهِّرَكُمْ> بِالْمِيمِ، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ خَاصَّةً لَكَانَ عَنْكُنَّ». [الشبهة والرّدّ ١٣]

إنّ المنصور الهاشمي الخراساني لا يعبد إله ابن حامد وابن تيمية وابن عبد الوهاب وأمثالهم؛ الإله الذي يوجد في الأعلى ولا يوجد في الأسفل وله عينان وأذنان ويدان وقدمان وعشرة أصابع حقيقيّة ويتنقّل من مكان إلى آخر ويمكن رؤيته بالعين مثل القمر في السماء وهو مثال كامل على اللات وهبل والعزّى مستتر في حجاب «بلا كيف»! لكنّه يعبد إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وموسى الذي قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ، فردّ عليه: ﴿لَنْ تَرَانِي، فتاب من توقّعه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ؛ الإله الذي أهلك سبعين رجلًا من بني اسرائيل بالصاعقة لأنهم أرادوا رؤيته بأعينهم: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً؛ لأنّه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؛ الإله الذي أينما توجّهت فهو هناك، وليس وجوده محدودًا بالأمكنة والجهات؛ كما قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ؛ الإله الذي لا ينتقل من مكان إلى آخر ولا يعتمد على مخلوقه ولا يمكن تجزئته إلى الأعضاء ولا يتّصف بصفات الإنسان؛ كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ؛ الاله الذي لا يسعه وصف ولا يحيط به وهم وسبحانه وتعالى عن كلّ ما يمكن تصوّره؛ كما قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ؛ الإله الذي له الأسماء الحسنى كلّها، دون أن يؤدّي تعدّد أسمائه إلى تعدّد ذاته أو انقسامها؛ كما قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى؛ فإنّ الصفتين «البصير» و«السميع» لا تحوّلانه إلى شخصين ولا تخلقان له جزأين، بل هو سميع بذاته وبصير بذاته والسمع والبصر اعتباران لصفة واحدة له وهي «العلم»؛ لأنّه لا سبيل للتعدّد إلى وجوده وهو منزّه عن أيّ كثرة في ذاته؛ كما قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ. [الشبهة والرّدّ ١٣]

إنّ المنصور الهاشمي الخراساني يعبد ربّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا يشرك به في التكوين والتشريع والتحكيم؛ بمعنى أنه يعتقد بوحدانيّته في خلق الكائنات ورزقها وتدبيرها ولا يسلم لشريعة غير شريعته ولا لحكومة غير حكومته، ويعتقد أنّ حكومته هي حكومة من يحكم بإذنه، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون... الإله الذي بيده التشريع ولا يوجب ولا يحرّم شيئًا إلا هو؛ كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ۚ؛ الإله الذي بيده الحكومة ولا ينصّب ولا يعزل حاكمًا إلا هو؛ كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ؛ فلا شريك له في الحكومة؛ كما قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ! هذا هو إله محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإله إبراهيم وآل إبراهيم وهذا هو إله المنصور الهاشمي الخراساني حامل لواء التوحيد في العصر الحاضر بالنداء التوحيدي «البيعة للّه». [الشبهة والرّدّ ١٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

إنّ بعض الناس يقرؤون الكتاب ويفهمونه، لكنّهم لا يقبلونه ولا يستحسنونه أو بعض أجزائه على الأقلّ، نظرًا إلى كونه جديدًا بديعًا واختلافه الواضح عن القرائات الرائجة والمشهورة. هذه الطريقة أيضًا طريقة غير صحيحة؛ لأنّ كلّ شيء ما سوى اللّه سبحانه حادث وتمّ إيجاده في زمان ما وهذا لا يدلّ على كونه باطلًا! في الواقع، إنّ نفس العقائد والأعمال القديمة التي يعتبرها الناس صحيحة وقد اعتادوها، لم تكن موجودة من اليوم الأوّل وتعتبر جديدة وبديعة بالنسبة إلى العقائد والأعمال السابقة عليها وإن قبلنا هذه الطريقة فلا يبقى أيّ حقّ! من الواضح أنّ هذه عادة خاطئة ولها جذور نفسية وذهنيّة وتجب إزالتها. إنّ الطريقة الصحيحة التي مدحها القرآن هي استماع جميع الأقوال بغضّ النظر عن زمانها ومكانها وقائلها ثمّ اتّباع أحسنها استنادًا إلى العقل بصفة معيار المعرفة بمعزل عن موانع المعرفة. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر من الناس هم بعض العلماء والمشاهير الذين بلغهم خبر الكتاب، لكن بما أنّهم يحسبون أنفسهم عالمين بكلّ شيء وأبرياء من كلّ عيب ونقص وأغنياء من السؤال والتعلّم، لا يقرؤون الكتاب أو يقرؤونه ولكن لا يسمح لهم تكبّرهم بأن يخضعوا أمام حقائقه ويتحدّثوا حوله. بالطبع هؤلاء الأشخاص قد أخطؤوا في حساباتهم من جهات شتّى؛ لأنّه من جانب، الإذعان بالخطأ والإقرار بالجهل ليس فحسب لا يحطّ من قدر شخص وإن كان جليل المنزلة، بل العكس يرفعه ومن جانب آخر، العظيم الحقيقيّ هو من كان عند اللّه عظيمًا لا عند الناس والمشهور الحقيقيّ هو من كان في السّماء مشهورًا لا في الأرض والعظماء عند اللّه والمشاهير في السّماء هم الذين يخشون اللّه ويتّقونه ويرون الحقّ ويسمعونه وينطقون به ويتّبعونه ويدعون إليه، لكنّ أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة مع الأسف. بالإضافة إلى ذلك أنّ الحقّ يشقّ طريقه ويصل إلى المنزل المقصود شاء هؤلاء العظماء والمشاهير أم أبوا ويومئذ لا يبقى لهم شيء سوى الخزي! لهذا يحكم العقل بأن يتدبّروا اليوم لغد ويطئوا اليوم تكبّرهم لئلا يتمّ غدًا وطئ جميع ما لديهم! [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

أناس آخرون أيضًا ينظرون في الكتاب بتصوّراتهم المسبقة. يكذّبون الكتاب ويعتبرونه باطلًا ويتّهمونه بكلّ سوء ولمّا يقرؤوه! هؤلاء الذين قد اتّخذوا موقفهم من قبل وإن قرؤوا الكتاب فلا يقرؤونه للدراية والرشد، بل يقرؤونه لتتبّع العثرة وطلب الذريعة والإستهزاء ولا يبتغون الحكمة والهداية. هؤلاء سيعلمون في يوم تشخص فيه الأبصار أنّهم استعجلوا في الحكم وغرّهم الشيطان وخسروا المعركة... فريق آخر متعصّبون لدرجة إذا رأوا في الكتاب أدنى اختلاف عن الأشياء التي يقبلونها أو الأشخاص الذين يحبّونهم، يفقدون عنان الإختيار ويطلقون اللسان بالسبّ واللعن والإهانة والبهتان. هذا الفريق أيضًا سيعرفون الحقّ في يوم يدخلون النار مع محبوبيهم ومعبوديهم؛ النار التي أوقدها تعصّبهم الأعمى وحميّتهم الجاهليّة. ذلك اليوم يوم الحسرة ويجب اللجوء إلى اللّه من ذلك اليوم... فريق آخر مقلّدون لدرجة لا يشربون حتّى الماء بدون إذن مرجع تقليدهم، ناهيك عن قراءة كتاب مهمّ مثل «العودة إلى الإسلام» والإلتزام به! هؤلاء أيضًا إذا يواجهون هذا الكتاب يغلقون أعينهم ويكتفون بما قال مرجع تقليدهم حوله. هؤلاء أيضًا في يوم عسير لا يغيثهم فيه مرجع تقليدهم سيلقون حسرة عظيمة. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر يقرؤون هذا الكتاب القيّم ويدركون معارفه، لكنّهم في بحبوحة الفتنة والفوضى والتهميش والغوغاء والإعلانات السامّة لأعداء اللّه يصبحون مخدوعين ومتشائمين وتصبح قلوبهم مظلمة وينشغلون بالحاشية بدلًا من النصّ وينحرفون في النهاية عن الحقّ. بالطبع هذا الإثم الكبير هو أولًا في عنق الفتّانين الذين يصدّون عن سبيل اللّه. هؤلاء المهاذير بالرغم من انفتاح باب النقد العلميّ والمنطقيّ، بما أنّهم لا يملكون أيّ برهان وحجّة، يحاولون إثارة الجوّ وتلويثه، لكن ليعلم مخاطبو هذا الكتاب أنّ حركة جميع الأنبياء والأولياء في التاريخ أيضًا قد واجهت الإهانة والبهتان وإثارة الفتنة من قبل المستبدّين والمستكبرين والجبّارين وكان أعداء اللّه يلوّثون الجوّ ويصدّون الناس عن سبيل اللّه بأسوء طريقة ممكنة. فلم يحدث حادث جديد ويجب على مخاطبي هذا الكتاب النظر في أدلّته وبراهينه بحرّيّة وإنصاف والعثور على الحقّ والعمل بمقتضاه بمنأى عن المشاعر العابرة والعواطف الكاذبة إن شاء اللّه. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

قد يمكن أن يقال نظرًا إلى معرفة «معيار وموانع المعرفة» التي بيّنها سماحة العلامة في كتاب «العودة إلى الإسلام» بأنّه إذا كان شخص ملتزمًا بمعيار المعرفة ومبتعدًا عن موانع المعرفة، سيهتدي إلى الحقّ بإذن اللّه ويوفّق للعمل بمقتضاه بتوفيق اللّه، لكن يجب الإلتفات إلى أنّ كتاب «العودة إلى الإسلام» هو نقطة البداية. إنّه يبدأ بمعرفة المعرفة ويعلّمنا الطريقة الصحيحة للمعرفة، ثمّ لا يتركنا، بل يكشف لنا عن حقيقة الإسلام والإسلام الحقيقيّ بنفس الطريقة التي علّمنا. قد يمكن أن يقال بأنّ هذا الكتاب يعطي مخاطبه علمًا تفصيليًا يكون مقدّمة للعمل، لكنّ مقدّمة هذا العلم التفصيليّ هي علم إجماليّ وهو علم المخاطب بجهله؛ أعني أن يحتمل المخاطب أنّه لا يعلم بعض الأشياء وأن يكون خاطئًا وأن يكون الذين يحبّونهم ويحترمونهم ويتّبعونهم خاطئين. مثل هذا الشخص يأخذ الكتاب ويقرأه مع الإلتفات إلى هذا الإحتمال ومع الإنصاف وبمعزل عن سوء الظنّ ويهتدي إلى الحقّ إن شاء اللّه. يمكننا تقديم مثال لتبيين هذا الموضوع وهو مثال قرآنيّ. إنّ الطبيب يمكنه معالجة المريض بإذن اللّه ولكن لا يمكنه معالجة الميّت! كذلك سماحة العلامة يمكنه أن يهدي بإذن اللّه من كان مريضًا وليس ميّتًا. من كان قلبه ميّتًا في مستنقع الجهل المركّب والخوف من غير اللّه والتعصّبات الجاهليّة والتكبّر والتقليد الأعمى، لا يمكن هدايته بأيّ حكمة؛ كما قال اللّه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. لذلك يجب أن نعوذ باللّه من هذه العيوب التي تميت القلب ونسأله الهداية والرشد لنا وللناس، عسى أن تلين قلوب الناس برحمته ويعودوا إلى خليفته في الأرض ويقيموا الإسلام الخالص والكامل والعدالة العالميّة في الأرض. هذه هي المعرفة التي بيّنها العالم الجليل سماحة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتابه ويدعو إليها والحمد للّه ربّ العالمين. [المقالة ٣]