السبت ٢٨ ذي القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق لـ ١٦ مايو/ ايّار ٢٠٢٦ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الأسئلة والأجوبة: ما حكم التسليم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والتسليم علينا وعلى عباد اللّه الصالحين في التشهّد الأوّل؟ علمًا بأنّه موجود في التشهّد الوارد عن عبد اللّه بن مسعود. اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «العالم الإسلامي في مسار الاستقطاب» بقلم «يوسف جوان بخت». اضغط هنا لقراءتها. جديد الكتب: تمّ نشر الكتاب القيّم «مناهج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ مجموعة أقوال السيّد العلّامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. جديد الشبهات والردود: لا شكّ أنّ رايتكم راية الحقّ؛ لأنّها تدعو إلى المهديّ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكن قد تأخّر ظهورها إلى زمان سوء. فلما لم تظهر قبل ذلك، ولما تأخّرت حتّى الآن؟! اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ٢. اضغط هنا لقراءته. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الأقوال: ثلاثة أقوال من جنابه في حكم التأمين. اضغط هنا لقراءتها. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
عدم وجوب طاعة الحكّام الظالمين

من المسلّم به أنّ غرض اللّه تعالى من التشريع هو تحقيق العدل بين النّاس؛ كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، في حين أنّ حاكميّة الظالمين تمنع تحقيق العدل بين النّاس بلا شكّ، ولذلك فإنّ تشريع طاعتهم وإبقاء حاكميّتهم ينقض غرض اللّه تعالى من التشريع، وهذا يعتبر تناقضًا في تشريعه، وهو محال؛ كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. [العودة إلى الإسلام، ص٦٥]

عدم وجوب طاعة الحكّام الظالمين

من الواضح أنّ حاكميّة الظالمين، حتّى لو لم تستلزم مخالفة أتباعهم للعقل والشرع، تستلزم على الأقلّ مخالفة أنفسهم للعقل والشّرع، ولذلك فإنّ إبقاء حاكميّتهم، وإن كان بغير طاعتهم فيما يخالفون فيه العقل والشّرع، يعني إبقاء مخالفتهم للعقل والشّرع، وهو إعانة عليها، وبالتّالي يُعتبر مخالفة للعقل والشّرع؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. [العودة إلى الإسلام، ص٦٥]

عواقب طاعة الحكّام الظالمين

من المشهود أنّ الإعتقاد بوجوب طاعة الحكّام الظالمين وإبقائهم، كان من أكثر الإعتقادات الشائعة بين المسلمين شؤمًا، وقد أدّى إلى وهن الإسلام وسقوط الحضارة الإسلاميّة وتفشّي موانع المعرفة بين المسلمين؛ لأنّ الحكّام الظالمين، على مرّ القرون المتمادية، باستغلال هذا الإعتقاد الواهي الذي تمّ ترويجه من قبل حفنة من السّفهاء التابعين لهم، بدّلوا عقائد الإسلام وأحكامه واحدًا تلو الآخر لصالحهم، وأضفوا الصّفة الرّسميّة على قراءة له كانت ملائمة لرغباتهم، وفي هذه الأثناء، لم يزل أهل الحديث في خدمتهم كمرتزقة عميلة. [العودة إلى الإسلام، ص٦٦]

جواز الخروج على الحكّام الظالمين

الآن أيضًا، قام بعض بقاياهم الذين يعتبرون أنفسهم أهل السّنّة والجماعة بتسليط الحكّام الظالمين على البلاد الإسلاميّة، ويحسبون طاعتهم وحمايتهم من واجباتهم الإسلاميّة، حتّى أصبح كلّ من البلاد الإسلاميّة يحكم فيه جبّار مستبدّ، فينفق أموال المسلمين وأنفسهم وأعراضهم على مطامعه، في حين أنّه لا يجترئ أحد منهم على معارضته ولا يرى لنفسه حقًّا في مواجهته؛ لدرجة أنّ أكثر الحكومات استبدادًا وفسادًا هي في البلاد الإسلاميّة، والظّلم الذي يوجد بين المسلمين لا يوجد بين الكافرين! [العودة إلى الإسلام، ص٦٧]

جواز الخروج على الحكّام الظالمين

الكفر البواح هو إنكار اللّه تعالى أو رسوله أو يوم القيامة أو ضروريّات مثل الصّلاة والصّوم، وليس كفر المقرّ بهذه الأشياء بواحًا وإن أمكن استنباطه. لذلك، لا وجه للخروج على الحاكم المسلم بذريعة أنّه كافر كفرًا بواحًا، بل ما يبيح الخروج عليه هو ظلمه للمسلمين. [العودة إلى الإسلام، ص٦٧]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

أَنْبِئُونِي عَنْ زُهُورِ الْأَرْضِ، هَلْ تَنْمُو إِذَا غَشِيَهَا الْأَشْوَاكُ وَالْأَعْشَابُ الضَّارَّةُ؟! كَذَلِكَ أَنْتُمْ لَا تَنْمُونَ مَا دُمْتُمْ مُبْتَلِينَ بِالنَّزَوَاتِ وَالتَّعَلُّقَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُوهِنُ قُوَّتَكُمْ، وَتُضِيعُ وَقْتَكُمْ... كَمَا لَا يُسْكَبُ اللَّبَنُ فِي الْأَوْعِيَةِ الْقَذِرَةِ، لَا تُوضَعُ الْمَعْرِفَةُ فِي الْقُلُوبِ الْمُلَوَّثَةِ، وَكَمَا لَا يُلْقَى الْجَوْهَرُ فِي مَلْقَى الزُّبَالَةِ، لَا تُودَعُ الْحِكْمَةُ فِي الصُّدُورِ الْمُدَنَّسَةِ؛ لِيَحْصُلَ الَّذِينَ نَبَذُوا الْفِكْرَ السَّيِّءَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَيَصِلَ الَّذِينَ طَرَدُوا الشَّكَّ مِنْ صُدُورِهِمْ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَيَبْقَى الَّذِينَ لَدَيْهِمْ شُكُوكٌ وَأَفْكَارٌ سَيِّئَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ. [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي لِتَكْسِبُوا الْمَعْرِفَةَ، وَتَدَبَّرُوا فِيهِ لِتُؤْتَوُا الْحِكْمَةَ؛ فَإِنِّي أُرَبِّيكُمْ بِهِ كَمَا يُرَبِّي الْبُسْتَانِيُّ أَشْجَارَ الْفَاكِهَةِ، حَتَّى أَجْعَلَكُمْ جَمْعًا كَافِيًا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، وَلَمْ تُخْلَقُوا لِلدُّنْيَا؛ فَاعْمَلُوا لِلْآخِرَةِ، وَلَا تَعَلَّقُوا بِالدُّنْيَا. إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَاكِبِ الْبَحْرِ، إِذْ حَطَمَ الطُّوفَانُ سَفِينَتَهُ؛ فَتَعَلَّقَ بِخَشَبَةٍ، حَتَّى نُبِذَ بِجَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ. فَلَمَّا اسْتَعَادَ وَعْيَهُ وَسَارَ فِيهَا، عَلِمَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، وَفِيهَا وُحُوشٌ ضَارِيَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْمَاءُ وَالْغِذَاءُ إِلَّا نَزْرًا. أَتَرَوْنَهُ يَخْلُدُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَيَتَلَهَّى بِتَشْيِيدِ الصُّرُوحِ كَأَنَّهُ سَيَبْقَى فِيهَا أَبَدًا، أَمْ يَكْتَفِي بِاتِّخَاذِ مَأْوًى وَيَشْتَغِلُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وَجَمْعِ الزَّادِ لِيُنْجِيَ نَفْسَهُ؟! [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

إِنَّا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ زِينَةُ الدُّنْيَا وَعَمَّتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلْوَى. لَقَدْ نَسِيَ النَّاسُ اللَّهَ وَنَسِيَهُمْ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ، إِنَّمَا يُغَيِّرُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الدُّنْيَا... إِذَا انْشَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، فَانْشَغِلُوا أَنْتُمْ بِالْآخِرَةِ لِتَمْتَازُوا عَنْهُمْ. لَا تَحْزَنُوا عَلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا تَحْزَنُ عَلَيْكُمْ. دَعُوهَا لِتَكُونَ مَرْعَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلَا يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ. هُمْ لَهَا وَهِيَ لَهُمْ. مَثَلُهُمْ فِيهَا كَمَثَلِ طِفْلٍ يَلْعَبُ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَبْنِي لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّمَالِ صُرُوحًا وَيَحْسَبُ أَنَّهَا سَتَبْقَى، فَيَأْتِيهَا مَوْجٌ بَغْتَةً وَيَهْدِمُهَا جَمِيعًا، فَيَأْسِفُ الطِّفْلُ وَيَنْظُرُ إِلَى الرِّمَالِ بِحَسْرَةٍ، كَمْ تَجَشَّمَ الْعَنَاءَ هَدَرًا! [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

أَيْنَ أَنْصَارِيَ الْحَقِيقِيُّونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ نَبَذُوا الدُّنْيَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَتَحَرَّرُوا مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ بِهَا، عَلَى مِثَالِ الْمَسِيحِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا رُفَقَاءَ الْمَوْتِ، وَيَرَوْنَ اللَّهَ حَاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ يَبْكُونَ مِنْ هَوْلِ النَّارِ كَأَنَّهُمْ ثَكَالَى! يَنْظُرُونَ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ فِي أَرْجَائِهَا! يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَيَجْتَنِبُونَ الطَّاغُوتَ. يُطِيعُونَ إِمَامَهُمْ، وَيَتَسَابَقُونَ فِي نُصْرَتِهِ. إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ زُبَرَ الْحَدِيدِ أَوْ جِبَالًا رَاسِيَةً! إِذَا هَاجَمُوا الْعَدُوَّ فِي صُفُوفِهِمْ، كَادُوا يُثِيرُونَ إِعْصَارًا وَعَاصِفَةً رَمْلِيَّةً! كَانُوا يُرَاقِبُونَ سُلُوكَهُمْ، وَيَعْرِفُونَ مَقَامَ كُلِّ مَقَالٍ. مُتَحَلِّينَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمُتَنَزِّهِينَ عَنْ كَبَائِرِ الرَّذَائِلِ. مَجْهُولِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَعْرُوفِينَ فِي السَّمَاءِ. شُعْثًا غُبْرًا صُفْرًا. لَهُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ! يَقْضُونَ اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالْإِسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْضُونَ النَّهَارَ بِالتَّعَلُّمِ وَالْجِهَادِ وَالسَّعْيِ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ. لَا يَمُلُّونَ وَلَا يَرْتَابُونَ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ. فَإِنَّهُمْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ وَذَهَبُوا، وَأَنْتُمُ الْآنَ بَقِيتُمْ لَنَا. فَاجْتَهِدُوا أَنْ تَكُونُوا لَهُمْ خَلَائِفَ صَالِحِينَ، وَاقْتَدُوا بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تُدْرِكُوا الْفَرَجَ حَتَّى تَكُونُوا كَذَلِكَ. [الرسالة السادسة]

جزء من رسالة جنابه فيها ينبّه الناس على غربة الإسلام، ويدعوهم إلى معرفته وإقامته كما هي، ويوبّخهم على التهاون والتبديل فيه.

إِذَا جَاءَ الْحَقُّ أَهَمَّتِ الْأَثْرِيَاءَ ثَرْوَتُهُمْ، وَالْأَقْوِيَاءَ قُوَّتُهُمْ، وَالْمَشَاهِيرَ شُهْرَتُهُمْ، وَالتَّبَعَةَ رُؤَسَاؤُهُمْ، وَالْمُقَلِّدَةَ مَرَاجِعُ تَقْلِيدِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَالْمَغْمُورِينَ وَالْأَحْرَارَ وَالْمُحَقِّقِينَ هُمُ الَّذِينَ يُجِيبُونَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُونَهُ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ثَرْوَةٌ تُقْلِقُهُمْ، وَلَا قُوَّةٌ تُخِيفُهُمْ، وَلَا شُهْرَةٌ تُحْزِنُهُمْ، وَلَا رَئِيسٌ يُؤَاخِذُهُمْ، وَلَا مَرْجَعُ تَقْلِيدٍ يَحْمِلُهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِ بِاسْمِ الْفَتْوَى! لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ، أَجَابَهُ فُقَرَاؤُهَا وَأَنْكَرَهُ أَثْرِيَاؤُهَا، وَنَصَرَهُ مُسْتَضْعَفُوهَا وَعَادَاهُ أَقْوِيَاؤُهَا، وَأَحَبَّهُ مَغْمُورُوهَا وَأَبْغَضَهُ مَشَاهِيرُهَا، وَاتَّبَعَهُ أَحْرَارُهَا وَأَطَاعَ تَبَعَتُهَا رُؤَسَاءَهَا، وَدَرَسَهُ مُحَقِّقُوهَا وَقَلَّدَ مُقَلِّدَتُهَا آبَاءَهَا! أَلَا إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَقَدْ عَادَ الْآنَ إِلَى غُرْبَتِهِ الْأُولَى؛ غَيْرَ أَنَّ الْغُرْبَةَ الْآخِرَةَ أَكْبَرُ مِنَ الْغُرْبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْغُرْبَةِ الْأُولَى، كَانُوا يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ، وَهُمْ فِي الْغُرْبَةِ الْآخِرَةِ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ! [الرسالة الثامنة]

في بيان أنّ الولاية للمهديّ وحده ولا يجوز اتّخاذ أولياء من دونه، بل يُعتبر ذلك شركًا.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنْتُ بِبَابِ الْمَنْصُورِ أَنْتَظِرُهُ، فَسَمِعْتُهُ يُكَلِّمُ رِجَالًا فِي الْبَيْتِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ يَخْشَى أَنْ لَا يُطَاعَ، وَلَوْ أَنَّهُ ثَبَتَتْ لَهُ قَدَمَاهُ لَأَقَامَ كِتَابَ اللَّهِ وَالْحَقَّ كُلَّهُ! أَمَا وَاللَّهِ لَا خَيْرَ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَخَلِيفَتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا فَلَا! قَالَ: فَخَطَرَ بِبَالِي كَيْفَ يَتَجَرَّأُ أَنْ يَقُولَ هَذَا وَالْمَهْدِيُّ غَائِبٌ؟! فَمَا لَبِثَ أَنْ خَرَجَ إِلَيَّ مِنَ الْبَيْتِ وَقَالَ: يَا فُلَانُ! كَانَ الْمَهْدِيُّ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ مُنْذُ غَابَ عَنْهُمْ! -ثَلَاثًا. [الفقرة ٢ من القول ٢٢]

في بيان أنّ الولاية للمهديّ وحده ولا يجوز اتّخاذ أولياء من دونه، بل يُعتبر ذلك شركًا.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: أُمِرَ النَّاسُ بِمَعْرِفَةِ الْمَهْدِيِّ وَالرَّدِّ إِلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ، فَإِنْ صَلُّوا وَصَامُوا وَجَعَلُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ لَا يَرُدُّوا إِلَى الْمَهْدِيِّ كَمَا أُمِرُوا، كَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ! ثُمَّ سَكَتَ حَتَّى قُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَنَادَانِي: يَا فُلَانُ! لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ أَنَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَلَمْ يُجِبْهَا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى مِنْخَرَيْهِ فِي النَّارِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ! [الفقرة ٨ من القول ٢٢]

في بيان أنّ أحسن الحديث كتاب اللّه وكلّ حديث يخالف كتاب اللّه فهو زخرف.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قُلْتُ لِلْمَنْصُورِ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ مَا بَالُ الْمَنْصُورِ يُكْثِرُ التَّمَسُّكَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يُكْثِرُ التَّمَسُّكَ بِالْحَدِيثِ؟! قَالَ: مَا بَالُهُمْ يُكْثِرُونَ التَّمَسُّكَ بِالْحَدِيثِ وَلَا يُكْثِرُونَ التَّمَسُّكَ بِالْقُرْآنِ؟! أَمَا بَلَغَهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ»؟! أَلَا إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الْقُرْآنُ وَكُلَّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ! ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مُصْحَفًا وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ فَاسْتَنْطِقُوهُ! قُلْتُ: أَفَيَنْطِقُ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، يُنْطِقُهُ اللَّهُ الَّذِي يُنْطِقُ كُلَّ شَيْءٍ! قُلْتُ: وَكَيْفَ يُنْطِقُهُ؟! قَالَ: يُنْطِقُهُ عَلَى لِسَانِ خَلِيفَتِهِ! أَمَا بَلَغَكُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»؟! قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ خَلِيفَتِهِ مَتَى يَنْطِقُ بِالْقُرْآنِ؟! قَالَ: إِذَا أَعْطَيْتُمُوهُ صَفْقَةَ أَيْدِيكُمْ وَثَمَرَةَ قُلُوبِكُمْ! [الفقرة ١ من القول ٢٣]

في بيان أنّ معيار المعرفة هو العقل وأنّ الكتاب والسنّة يُعرفان به.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ الْهَاشِمِيَّ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: الْعَقْلُ مَاٰلُ الْمَعْرِفَةِ، وَكُلُّ مَعْرِفَةٍ لَا تَؤُولُ إِلَى الْعَقْلِ فَجَهْلٌ عَلَى جَهْلٍ، قُلْتُ: عِنْدَنَا قَوْمٌ يَتَبَرَّؤُونَ مِنَ الْعَقْلِ! قَالَ: وَهَلْ يَتَبَرَّءُ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا مَجْنُونٌ؟! قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَاٰلُ الْمَعْرِفَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ! قَالَ: وَهَلْ يُعْرَفُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِلَّا بِالْعَقْلِ؟! الْعَقْلُ أَصْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ سُوقُهَا، وَالْخُلَفَاءُ فِي الْأَرْضِ أَغْصَانُهَا، فَمَنْ تَرَكَ الْعَقْلَ فَقَدْ قَطَعَ أَصْلَ الْمَعْرِفَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ قَطَعَ سُوقَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الْخُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ قَطَعَ أَغْصَانَهَا، وَكُلٌّ مَحْرُومُونَ مِنْ أُكُلِهَا وَثَمَرَتِهَا. [القول ٢٥]

خطبة من جنابه يعظ فيها الناس ويحذّرهم من الإفتتان بالدّنيا ونسيان الآخرة.

يَا عِبَادَ اللَّهِ الَّذِينَ أَكَبُّوا عَلَى جَمْعِ الْأَمْوَالِ، وَتَنَافَسُوا فِي كَسْبِ السُّلْطَةِ! اعْلَمُوا أَنَّ حَيَاتَكُمْ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، وَأَنَّ مَوْتَكُمْ قَرِيبٌ. الْقُبُورُ مَحْفُورَةٌ، وَالْأَكْفَانُ مَقْطُوعَةٌ. قَرِيبًا سَتُدْبِرُ عَنْكُمْ وَتَتْرُكُكُمُ الدُّنْيَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا عَنِتُّمْ، وَظَلَمْتُمْ، وَكَذَبْتُمْ، وَانْتَهَكْتُمُ الْأَعْرَاضَ. فَلَنْ تَأْسِفَ لِسُكُونِكُمْ بَعْدَ حَرَكَتِكُمْ، وَلَنْ تَأْسَى عَلَى بُرُودِكُمْ بَعْدَ حَرَارَتِكُمْ، وَلَنْ تَحْزَنَ عَلَى أَطْفَالِكُمْ إِذَا تَيَتَّمُوا، وَلَنْ تَتَحَسَّرَ عَلَى أَزْوَاجِكُمْ إِذَا تَرَمَّلْنَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُودَعْ فِي جِبِلَّتِهَا رَحْمَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِي طَبِيعَتِهَا شَفَقَةٌ. قَدْ دَاسَتْ بِقَدِمِهَا حَنَاجِرَ الْأَطْفَالِ الرُّضَّعِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِ الْعِرْسَانِ الْخَائِبَةِ، وَلَمْ تُعَافِ الشُّبَّانَ الطَّامِحِينَ وَلَا الشُّيُوخَ الْعَائِلِينَ. فَكَمْ مِنْ مَظْلُومٍ لَمْ تَسْمَعِ اسْتِغَاثَتَهُ، وَكَمْ مِنْ عَاثِرٍ لَمْ تَمْسِكْ بِيَدِهِ. آهٍ مِنْ صَرَخَاتٍ ارْتَفَعَتْ بِسَبَبِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَدُمُوعٍ سَقَطَتْ بِسَبَبِهَا عَلَى الْأَرْضِ! [القول ٢٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ [ت٣٨١ه‍] فِي «كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ»، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، فَقَالَ: كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَامٌّ يَشْمُلُ كُلَّ قَوْمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَوْمُ قَرْنٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٩٠ه‍] فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى «الْمُسْنَدِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَالْهَادِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَادِيًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. [الباب ١، الدرس ٥١]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِمَامِ «خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذِهِ نِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: «رُوحُ اللَّهِ» وَ«بَيْتُ اللَّهِ» وَ«أَرْضُ اللَّهِ»، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَدِيثِ «الرَّايَاتِ»، وَلَكِنَّ الْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نِسْبِةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَحَّحَ حَدِيثَ الرَّايَاتِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَذْكُرُ «خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»، وَقَدْ بَالَغَ أَجْهَلُهُمْ فِي مَنْعِهَا حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهَا إِلَى الْفُجُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ إِلَّا مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، وَاللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ، وَبِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ»، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْخَلِيفَةِ إِلَى اللَّهِ هِيَ نِسْبَةُ تَمْلِيكٍ وَتَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُوحِي وَ﴿بَيْتِي وَ﴿أَرْضِي، وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ بَعِيدٌ كَبُعْدِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ اللَّهِ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ النَّاسُ، ... وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِـ«خَلِيفَةِ اللَّهِ»، ... كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَادَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: «يَا خَلِيفَة اللَّهِ فِي الْأَرْضِ!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَهْ! ... لَمَّا وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ سَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ نَادَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَجَبْتُكَ، وَأَمَّا خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَلَسْتُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ خُلَفَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ دَاوُدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشِبْهُهُ»،... وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمَهْدِيِّ «خَلِيفَةَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مِثَالِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ... [الباب ١، الدرس ٥٠]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَلَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ إِلَّا بِذَلِكَ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِهَذَا نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَدْعُو، وَقَالَ: لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. [الباب ١، الدرس ٦٨]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَصَفْوَانِ بْنِ يَحْيَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَيْرَةِ وَعَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ كُلِّهِمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعِ الْأَرْضَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ يَعْلَمُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَإِذَا زَادَ الْمُؤْمِنُونَ رَدَّهُمْ وَإِنْ نَقَصُوا أَكْمَلَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: خُذُوهُ كَامِلًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَقُولُ لِلنَّاسِ: خُذُوا الدِّينَ كَامِلًا لَا نُقْصَانَ فِيهِ وَخَالِصًا لَا زِيَادَةَ مَعَهُ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ النَّارِ إِنِ ازْدَادَتْ حَرَّقَتِ الطَّعَامَ وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ تَطْبَخْهُ. [الباب ١، الدرس ٧٣]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ بِإِمَامٍ مَيِّتٍ؛ لِأَنَّ عِبَادَتَهُ فِيهَا إِقَامَةُ حُدُودِهِ وَتَنْفِيذُ أَحْكَامِهِ وَإِدَارَةُ أَمْوَالِهِ وَجِهَادُ أَعْدَائِهِ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى إِمَامٍ حَيٍّ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِثْلَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ عَلَى سُنَّتِهِ فِي النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَى قَوْلِي هَذَا أَشَارَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ- إِذْ قَالَ لِعِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَمَا إِنَّكَ يَا عِيسَى لَا تَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى تَعْرِفَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَكُونُ مَعَ الْإِمَامِ مُوَطِّنًا نَفْسَكَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ فِي طَاعَتِهِ فَيَمْضِي ذَلِكَ الْإِمَامُ وَيَأْتِي إِمَامٌ آخَرُ فَتُوَطِّنُ نَفْسَكَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ فِي طَاعَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَرُوِيَ أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ خُنَيْسٍ سَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنِ الْإِمَامِ الْمَاضِي، فَقَالَ: خُذُوا بِهِ حَتَّى يَبْلُغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ، فَإِنْ بَلَغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ فَخُذُوا بِقَوْلِهِ. [الباب ١، الدرس ٧٨]

يجب الإنتباه إلى أنّ المنصور لم يؤسّس دعوته إلى التمهيد لظهور المهديّ على الإعتقاد بوجوده وحياته في الوقت الحاضر، بل صرّح في كتابه بأنّ التمهيد لظهوره، حتّى مع عدم وجوده وحياته في الوقت الحاضر، أمر ضروريّ؛ بالنظر إلى أنّ في هذه الحالة، سيكون وجوده وحياته منوطًا بقابليّة الناس بمعنى استعدادهم، وإن كان منوطًا بفاعليّة اللّه تعالى بمعنى خلقه، وسوف يخلقه اللّه تعالى في وقت يتمكّن فيه من الظهور لهم. لذلك، إذا لم يكن هو موجودًا وحيًّا في الوقت الحاضر، فمن الضروريّ التمهيد لوجوده وحياته، مثل التمهيد لظهوره، وهذا يرجع إلى قول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. الحاصل أنّه سواء كان المهديّ موجودًا وحيًّا في الوقت الحاضر أو لم يكن، فمن الواجب على جميع المسلمين التمهيد لظهوره، والمراد بذلك اتّخاذ الترتيبات اللازمة لتأمين سلامته وتحقيق حكومته، كما بيّن المنصور تفاصيلها في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام». [السؤال والجواب ٦]

إنّما يعرف أعلم الناس من يعرف الناس جميعًا؛ لأنّ من الناس علماء مغمورين يهربون من الشهرة صيانة لدينهم، ومنهم علماء مقهورين يمنع الظالمون من معرفتهم والوصول إليهم، ومن الواضح أنّه لا يعرف الناس جميعًا إلا اللّه الذي يعلم ما في السماء والأرض، وعليه فلا بدّ لمعرفة أعلم الناس من الرجوع إلى اللّه، والرجوع إلى اللّه ممكن من خلال الرجوع إلى نبيّه؛ كما رجع بنو إسرائيل إلى نبيّ لهم، فدلّهم على أعلمهم بوحي من اللّه وهو طالوت، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وكذلك دلّ هذه الأمّة نبيّها على أعلمها بوحي من اللّه، وهو خليفته من عترته، فقال: «انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ: كِتَابُ اللَّهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرُ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ» وقال: «لَا تُعَلِّمُوا أَهْلَ بَيْتِي فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ». فلم يقبل هذه الأمّة من نبيّها كما لم يقبل بنو إسرائيل من نبيّهم إذ قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ. بناء على هذا، فلا شكّ أنّ أعلم هذه الأمّة في كلّ زمان إمامها فيه من عترة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وهو في هذا الزمان المهديّ الذي قال فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي»، ولكنّه مغمور مستتر؛ لأنّه يخاف على نفسه من الظالمين، ولا يزال كذلك حتّى يشعر بالأمان نظرًا لاجتماع القلوب والألسنة والأيدي على نصرته؛ كما بيّن ذلك المنصور في كتبه المنيرة وأقواله الطيّبة. [السؤال والجواب ٥٦]

العلامة المنصور الهاشمي الخراساني هو نفسه واحد من علماء المسلمين، وبالتالي يرى لهم نفس الدّور الذي يراه لنفسه، وذلك هو التمهيد لإقامة الإسلام الخالص والكامل في العالم من خلال الإنشاء والحفظ لحكومة خليفة اللّه في الأرض على النحو الذي بيّنه في كتاب «العودة إلى الإسلام». لذلك، فإنّه يرى أنّ واجب علماء المسلمين هو الدعوة إلى خليفة اللّه في الأرض بدلًا من الدعوة إلى أنفسهم، والإنشاء والحفظ لحكومته بدلًا من الإنشاء والحفظ لحكومتهم؛ لأنّ ذلك أمر ممكن إذا استوفى المسلمون شروطه المسبّقة، وشروطه المسبّقة هي نفس الشروط المسبّقة لإنشاء الحكومات الأخرى وحفظها... بناء على هذا، فإنّ كلّ عالم يأمر المسلمين بمبايعة المهديّ وينهاهم عن مبايعة غيره، يؤدّي واجبه الإسلاميّ، ويجب على المسلمين إجابة دعوته ومساعدته على هذا العمل، وكلّ عالم لا يأمر المسلمين بمبايعة المهديّ ولا ينهاهم عن مبايعة غيره، لا يؤدّي واجبه الإسلاميّ، ويجب على المسلمين أن يحذروه؛ كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه بيّن ذلك فقال: «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا خَالَطُوا السُّلْطَانَ وَدَخَلُوا فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ، فَاعْتَزِلُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ»، وفي رواية أخرى: «الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ». [السؤال والجواب ٧]

إنّ النيابة العامّة عن المهديّ مستحيلة أساسًا، والمستحيل أساسًا لا يحتاج إلى إعلانه عن مخالفته له؛ لأنّ قبوله له غير ممكن. بعبارة أخرى، ليس على المهديّ رفض شيء هو مرفوض بغير رفضه؛ لأنّ ذلك تحصيل الحاصل، ولا يقوم به حكيم مثله؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّه خائف على نفسه من هؤلاء المدّعين للنيابة العامّة عنه؛ لأنّهم إذا اطّلعوا على مخالفته لهم لا يتنازلون عن ادّعائهم الكَذِب، بل يصدرون فتوى ضدّه ويعتبرونه مدّعيًا كذّابًا! كما أنّهم الآن يصدرون فتوى ضدّ الممهّد لظهوره المنصور الهاشمي الخراساني ويعتبرونه مدّعيًا كذّابًا، وهو لا يدّعي شيئًا غير ما يفعله على مرآهم ومسمعهم من التمهيد لظهور المهديّ! فما أقبح فعلهم أن يدّعون النيابة عن المهديّ كَذِبًا، ثمّ يتّهمون من يمهّد لظهوره بغير ادّعاء نيابة عنه بالإدّعاء الكَذِب! وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا! وما أفحش هذا التناقض منهم أن يدّعون النيابة عن المهديّ، ثمّ ينصبون العداوة لمن يمهّد لظهوره! ولا شكّ أنّهم لو كانوا نوّابه كما يزعمون لانعزلوا بعد فعلهم هذا؛ لأنّ النائب إذا خان المستنيب وخالف مصلحته انعزل لانتفاء الإذن له! من هنا يعلم أنّ علماء المسلمين ليسوا نوّابًا عامّة للمهديّ، وإنّما كلّفهم اللّه بشيء وكلّف المهديّ بشيء آخر، والشيء الذي كلّفهم به هو الدعوة إلى المهديّ والقيام بدعمه، لا الدعوة إلى أنفسهم والقيام بدعم بعضهم البعض مدّعين للنيابة العامّة عنه في أمور لا تمكن الإستنابة فيها، كالإفتاء بغير استدلال والولاية المطلقة في دين الناس ودنياهم. [السؤال والجواب ١٠٥]

إنّ عدم إمكان حكومة خليفة اللّه في الأرض في هذا الزمان هو أمر عارضيّ قد نشأ من اهتمام الناس بالإنشاء والحفظ للحكومات الأخرى بدلًا من الإنشاء والحفظ لحكومته، وبالتالى يزول بزواله، ومن الواضح أنّه لا يمكن إزالته بالإنشاء والحفظ للحكومات الأخرى؛ لأنّها تستلزم الدّور والتناقض، وهما مستحيلان. ثمّ إنّ حكومة خليفة اللّه في الأرض لا تختلف عن الحكومات الأخرى من حيث أنّها حكومة، وبالتالي إذا كان إنشاء الحكومات الأخرى وحفظها ممكنين، فإنّ إنشاء حكومته وحفظها ممكنان أيضًا، وإذا كان إنشاء حكومته وحفظها ممكنين فلا داعي إلى إنشاء الحكومات الأخرى وحفظها. هذا يعني أنّه لا شرعيّة للحكومات الأخرى، مهما كانت أسماؤها وأهدافها، ولا بدّ لأصحابها من الإنسحاب من السلطة وتسليمها إلى خليفة اللّه في الأرض في زمانهم، وهو المهديّ الذي بشّر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا شكّ أنّهم إذا أظهروا اهتمامهم بذلك عن جدّيّة وصدق، وقدّموا إليه السلطة بغير ريبة، كما فعل الأنصار مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في العقبة الثانية، حين بايعوه على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، لا عن رياء وخدعة كما فعل المأمون العبّاسيّ مع عليّ بن موسى الرّضا، حين عرض عليه الخلافة مكرًا وامتحانًا، سيقبلها منهم ويقوم بأمرهم، كما فعل عليّ بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، حين انثال عليه النّاس من كلّ جانب حتّى وُطئ الحسنان وشُقّ عطفاه، ثمّ يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، كما وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الأخبار المتواترة. [السؤال والجواب ٧]

إنّ «حكومة الفقيه» لا يمكن أن تكون مصداقًا لـ«حكومة اللّه»؛ لأنّ الفقيه ليس هو اللّه ولا خليفته في الأرض، وعليه فإنّ تسمية حكومة الفقيه بحكومة اللّه هي كذب على اللّه وعلى الفقيه! المصداق الوحيد لحكومة اللّه هو حكومة خليفته في الأرض، وإن كان من الصعب تأسيس حكومة خليفته في الأرض، فلم يكن من السهل تأسيس حكومة الفقيه أيضًا؛ لأنّ تأسيس كلّ حكومة يحتاج إلى التمهيد، والتمهيد لكلّ حكومة صعب. فهل هؤلاء يطيقون التمهيد لحكومة الفقيه، ولا يطيقون التمهيد لحكومة خليفة اللّه في الأرض؟! ما هذا إلا السفالة وقصر الفكر والسفه الذي قد نفذ إلى قعر ضمائرهم؟! كلّما يُدعون إلى حكومة أحدهم ليؤسّسوها، يهرعون إليها وهم يستبقون، بل «يتخلّون عن كلّ شيء ويعتصمون ويباشرون الإضراب ويعلنون أنّهم لن يوقفوا إضرابهم واعتصامهم» حتّى ينال صاحبهم الحكومة، ولكن إذا يُدعون إلى حكومة المهديّ ليؤسّسوها يمتنعون ويعتذرون، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، يقولون على سبيل التعجّب والإنكار: «هل يجب أن يتخلّوا عن كلّ شيء ويعتصموا ويباشروا الإضراب ويعلنوا أنّهم لن يوقفوا إضرابهم واعتصامهم حتّى يظهر المهديّ وينال الحكومة؟!» فويل لهم! على افتراض أن الأمر كذلك، ألا يفعلون ذلك للآخرين؟! فلم يبخلون به عن المهديّ؟! هل المهديّ أهون عليهم من الآخرين؟! في حين أنّه أولى بالحكومة عليهم من الآخرين، وينبع من حكومته عليهم كلّ خير وبركة وعدل وسعادة! [الشبهة والرّدّ ١٦]

الإجتهاد بمعنى طلب العلم بالدّين، ليس شغلًا أو تخصّصًا مثل الطبّ والهندسة يمكن لمن يحبّه الدخول فيه ويمكن لمن لا يحبّه تركه، بل هو واجب دينيّ مثل الصلاة والصوم وسائر الأعمال التي تعتبر فريضة على كلّ مسلم؛ لأنّ الإنسان لم يُخلق ليأكل وينام، بل ليعبد اللّه؛ كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وعبادة اللّه هي امتثال أمره وإن كان فيه مشقّة، وأحد ما أمر به طلب العلم بدينه وعدم اتّباع الظنّ فيه؛ كما قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. لذلك، يجب على كلّ مسلم أن يطلب العلم بعقائد الدّين وأحكامه، ولا يتّبع الظنّ في شيء منها، وهذا ممكن من خلال رجوعه المباشر إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه؛ لأنّ رجوعه غير المباشر، بمعنى تقليده لغير المعصومين، لا يجعله يعلم عقائد الدّين وأحكامه، وإنّما يخلق له ظنًّا؛ باعتبار أنّ توافق فتاوى غير المعصومين مع عقائد الدّين وأحكامه ليس قطعيًّا، بل هو ظنّيّ، وعليه فلا مفرّ من الرّجوع المباشر إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وإن كان يكره ذلك؛ لأنّه كم من شيء يكرهه الإنسان وهو ضروريّ له؛ مثل الدواء الذي يكرهه المريض ولا بدّ له من تناوله؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا. [الشبهة والرّدّ ١٧]

إنّ هذا العالم العظيم لم يسأل الناس أن يقلّدوه، بل سألهم اتّباع قوله وفعله بالنظر إلى تطابقهما مع كتاب اللّه والسنّة الثابتة عن نبيّه والقواعد العقليّة المبيّنة، وهذا لا يعتبر تقليده بأيّ وجه من الوجوه. إنّه مخالف جدًّا لعبادة الرجال ويعتبرها مثالًا على الشرك، وعبادة الرجال هي أن يتأثّر الإنسان برجل غير معصوم لدرجة أن يتّبع قوله وفعله بلا دليل، وهذه قد أصبحت شائعة جدًّا بين المسلمين في زماننا هذا. نعم، من الواجب على المسلمين أن يرجعوا بأنفسهم إلى مصادر الإسلام ولا يكتفوا بفتوى المجتهدين، وبالطبع يجب على المجتهدين أيضًا أن يعينوهم على ذلك، بأن يسهّلوا لهم الرجوع المباشر إلى مصادر الإسلام، لا أن ينفخوا في نار تقليدهم لهم ويشغلوهم بأنفسهم عن كتاب اللّه والسنّة الثابتة عن نبيّه والقواعد العقليّة المبيّنة؛ لأنّ هذا هو صدّ عن سبيل اللّه وإعانة على الإثم والعدوان ومشابه لما فعل أحبار اليهود ورهبان النصارى في الأمم السالفة. [الشبهة والرّدّ ١٨]

إنّ اجتماع عدد كافٍ من المسلمين لحماية المهديّ وإعانته وطاعته، على الرغم من أنّه يتمّ بدعوة المنصور الهاشمي الخراساني، إلا أنّه لا يتمّ بتقليده، بل يتمّ اتّباعًا لكتاب اللّه والسنّة الثابتة عن نبيّه والقواعد العقليّة المبيّنة التي ذكرها وبيّنها هذا العالم العظيم في كتابه؛ لأنّه لأجل دعوة المسلمين إلى هذا الإجتماع الضروريّ كتب كتابًا استدلاليًّا وبرهانيًّا، واستند فيه إلى كتاب اللّه والسنّة الثابتة عن نبيّه والقواعد العقليّة المبيّنة، ولم يكتف مثل المجتهدين بالإفتاء ولا مثل الأدعياء بتعريف نفسه، في حين أنّ مرجع التقليد يعلن لعامّة الناس فتواه فقطّ ويتوقّع منهم العمل بها على أساس تقليده ودون العلم التفصيليّ بأدلّته، والدّعيّ يعلن لعامّة الناس مقامه المزعوم فقطّ مثل أنّه المهديّ أو نائبه أو ابنه، ويتوقّع منهم الإتّباع لقوله أو فعله على أساس تقليده ودون العلم التفصيليّ بأدلّته، لكنّ المنصور الهاشمي الخراساني قام بالدّعوة لا كمرجع من مراجع التقليد ولا كدعيّ من الأدعياء، بل كآمر بالمعروف وناه عن المنكر، وأسّس دعوته العقليّة والشرعيّة على الأدلّة اليقينيّة التي أظهرها مفصّلة لعامّة الناس، ليجيبوا دعوته من خلال العلم التفصيليّ بأدلّته، لا بمجرّد الإعتماد على مرجعيّته أو مقامه المزعوم، وهذه هي الخصيصة المهمّة التي تميّز هذه الشخصيّة الممتازة من مراجع التقليد والأدعياء وتضعها في موضع ممهّد عينيّ وعمليّ لظهور المهديّ. هذا يعني أنّ المنصور الهاشمي الخراساني لا يريد مثل مراجع التقليد والأدعياء أن يجعلكم مقلّديه وتابعيه، بل يريد أن يجعلكم إخوانًا له أحرارًا حكماء مثقّفين، حتّى تكونوا أنصاره إلى اللّه وخليفته في الأرض. بعبارة أخرى، إنّه يريد أن يعزّكم ويكرمكم، ويريد الأدعياء ومراجع التقليد أن يذلّوكم ويستخفّوكم، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. [الشبهة والرّدّ ١٨]

الحقّ وجود واحد، سواء في مجال التكوين أو في مجال التشريع، ومن ثمّ يستدعي معرفة واحدة؛ إذ لا يمكن معرفة شيء واحد بصورتين مختلفتين، إلا أن تكون إحدى الصورتين ما تسمّى معرفة وليست بها؛ كعالمين بينهما خلاف في عمل، أحدهما يعتبره واجبًا والآخر يعتبره غير واجب، ومن البديهيّ أنّ العمل الواحد لا يمكن أن يكون واجبًا وغير واجب في آنٍ واحد، ولذلك فإنّ معرفة أحدهما حقّ، ومعرفة الآخر غير حقّ لا محالة؛ كما قال اللّه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، ومن المسلّم به أنّه تعالى قد كلّف الناس بمعرفة الحقّ على أنّه واحد، ولم يأذن لهم في الإختلاف فيه؛ كما قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وهذا يعني أنّه تعالى قد جعل معرفة الحقّ بصورة واحدة أمرًا ممكنًا للناس؛ لأنّه من القبيح أن يكلّفهم بما جعله ممتنعًا عليهم، فلم يفعل؛ كما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. بناء على هذا، فإنّه تعالى قد جعل للناس سبيلًا إلى معرفة الحقّ بصورة واحدة، والواجب عليهم معرفة تلك السبيل واتّباعها، ولا شكّ أنّ القيام بهذا الواجب هو أصل «التفقّه في الدّين» ومقدّمته؛ لأنّ التفقّه في الدّين قبل معرفة واتّباع السّبيل التي جعلها اللّه للناس إلى معرفة الحقّ بصورة واحدة، لا محالة يؤدّي إلى معرفة الدّين بصور شتّى، وهي الإختلاف بين المسلمين. هذا يعني أنّ التفقّه في الدّين إنّما يؤدّي إلى الإختلاف بين المسلمين إذا كان بغير معرفة تلك السّبيل واتّباعها، ومن ثمّ قد أمر اللّه تعالى بالإعتصام بحبله قبل الأمر بعدم التفرّق؛ لأنّه شرط ذلك ومفتاحه، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وحبل اللّه هو تلك السّبيل التي جعلها للناس إلى معرفة الحقّ معرفة واحدة. [الشبهة والرّدّ ٢١]

سيطرة المنافقين على العالم الإسلامي
مجتبى المزروعي

ليس هناك شك في أنّ نهاية هذا الشغب الشيطاني سيكون على يد خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يتغلّب على هؤلاء الأشرار ودعاة الفتنة ذوي البطون الكبيرة والأعناق الغليظة سواه، وهو مهديّ آل محمد الذي بوعد اللّه ورسوله القطعيّ، يملأ الارض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ولكنّ الحقيقة هي أنه من أجل تحقيق حاكمية هذا العظيم ومحاربته ضدّ المنافقين الأشرار، لا يمكن للناس أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويكتفوا بالدّعاء والندبة من أجل ظهوره حضرته، بل من الضروري أن يشكّلوا اجتماعًا من المسلمين المخلصين والمجاهدين لحماية ونصرة حضرته الشاملة ويعلنوا عن استعدادهم لحفظه وإعانته وينقضوا بيعتهم الباطلة مع الحكام الآخرين ويبايعوا خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه من غير تشكيل مثل هذا الإجتماع، لن يكون ظهور المهديّ ممكنًا ولن يكون هناك ضمان لبقائه وانتصاره، وهذا هو الهدف العظيم الذي يسعى له حضرة المنصور الهاشمي الخراساني بحركته الإسلامية والشعبية ويحاول تحقيقه ولذلك فإنّ حركته المباركة هي أفضل فرصة لتجمّع واجتماع الشباب المحبّين للمهدي والمنتظرين الحقيقين لظهوره من أجل إعلان البيعة والوفاء مع حضرته؛ الحركة التي من خلال طرح شعار «البيعة للّه»، تعتبر كلّ بيعة غير البيعة لخليفة اللّه على الأرض بيعة للطاغوت ومن خلال الإعتقاد بإمكان تحقّق حاكمية المهدي بشرط توفّر المقدّمات المذكورة، تمهّد بشكل عينيّ وعمليّ لحاكمية حضرته. لذا من الضروري أن يسارع جميع الذين صدقوا في ادعائهم محبة وانتظار فرج آل محمد ونصرتهم، في الدخول إلى الساحة، وأن يجتمعوا تحت هذه الراية الهادية وأن يجاهروا بنداء «العودة إلى الإسلام»، لتقريب وتحقيق ظهور المهديّ ولو كره المنافقون الحقراء وكادوا ينفجرون من الحسد والغضب! [المقالة ٥]

الخلافة في القرآن؛ نظرة مختصرة
أبو هادي المالكي

من الواضح أنّ لفظة «جاعل» التي هي اسم فاعلٍ لفعل «جعل» يراد منها الإستمرار بالجعل في كلّ الأزمان؛ فلو أراد سبحانه وتعالى جعل الخليفة لمرّة واحدة فقط لقال: «إنّي أجعل» أو «جعلت» ولكنّه قال: «إنّي جاعل» ليكون آدم عليه السلام أول خلفائه المجعولين مبيّنًا فيه سنّته في استخلاف الأرض وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... كما شرط اللّه في سنّته هذه شروطًا خاصّة غير تلك التي استفهمت بها الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء؛ حيث أنّه سبحانه وتعالى قد بيّن أنّ خلفائه -في كلّ الأزمان- غير أولئك الذي يُحتمل منهم مبادرة الإفساد في الأرض وسفك الدماء ومن خلال هذه القيود تخرج البشرية كافّة -عدا المعصومين- من الإطلاق في لفظة الخليفة المذكورة في الآية الكريمة وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذ لا وجه لجعل داوود عليه السلام خليفةً بعد كونه من الآدميّين الذين توهّم البعض أنّ اللّه تعالى قد استخلفهم جميعًا في الأرض، بل ظاهر الآية يدلّ على حدث من الحال الحاضر وليس على الماضي؛ كما بيّن أنّ الغاية من استخلافه الخليفة في الأرض هي الحكم -بالحقّ- والدليل على ذلك لام التعليل التي اتصلت بالفعل «لتحكم»، وعليه فلا يجوز الحكم إلا لمن جعله اللّه خليفة في الأرض كداوود عليه السلام ويجب على الناس تمكينه من الحكم وبعد هذا البيان، صار من الواجب على كلّ مسلم أن يعرف خليفة اللّه تعالى في زمانه ويمهّد لحكمه؛ كما قال سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى: «إِنَّ لِلَّهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاعْرِفْهُ وَاسْتَمْسِكْ بِحُجْزَتِهِ» وخليفة زماننا هذا هو المهديّ الذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووعده وبشّر بأنّه «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا». [المقالة ٦]

علم بلا عمل
أبو كميل النخعي

إنّ المسلمين يعلمون جميعًا أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهذا اعتقاد صحيح لهم نشأ من الأحاديث النبويّة المتواترة، لكنّ الإعتقاد الصّحيح لا ينجي الإنسان من الخسران إذا لم يكن معه عمل صحيح... ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتعوّذ منه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». إنّ مَثَل صاحب هذا العلم كمثل مريض يعرف الدواء الذي يشفيه، لكنّه رغم معرفته به لا يطلبه ولا يتناوله، بل يلجأ إلى غيره من الأشياء التي يتوهّم بجهله أو تقليده أنّها شافية أيضًا، فيكون بذلك كمن لا يعرف الدواء أصلًا، حيث أنّهما يهلكان جميعًا! إنّ المسلمين في هذا العصر هم كذلك المريض؛ حيث أنّهم لا يشكّون في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الوحيد الذي يقيم الدين الخالص وينشر العدل في العالم، لكنّهم لا يحاولون التمهيد لحكومته من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة لها، بل يجهدون لتشكيل وحفظ الحكومات الأخرى ببذل أموالهم وأنفسهم وهذا ما أوقعهم في الذلّة والمسكنة وسوف يؤدّي بهم إلى الهلاك إن لم يتوقّف عاجلًا... نعم، إنّ المسلمين يعرفون إمام زمانهم -الإمام المهديّ عليه السلام- ولكنّهم غافلون عنه ومنشغلون بمن لا يغنيهم عنه من الحكّام والفقهاء والكذّابين؛ فتكون عاقبتهم كعاقبة المريض الذي يعرف الدواء ولكنّه لا يطلبه ولا يتناوله... من أجل ذلك، لا بدّ للمسلمين من ترك اتّباع الحكّام والفقهاء والكذّابين والإقبال على اتّباع خليفة اللّه المهديّ؛ لأنّه هو الطريق الوحيد الذي يقودهم الى النجاة من الخسران... نعم، لا بدّ للمسلمين من التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة له وهذا ما يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليلًا ونهارًا في ضوء الأدلّة اليقينيّة من القرآن الكريم والسنّة النبويّة المتواترة والعقل السليم من موانع معرفة الحقّ ولا شكّ أنّ كلّ من تعلّق قلبه بالإسلام وينصح له ويأمل انتصاره على الكفر والنفاق، يبادر لإجابة هذه الدعوة المباركة ونصرها بكلّ ما في وسعه. [المقالة ٧]

موقف القرآن من خبر الواحد بدون قرينة قطعيّة
أبو جعفر الكوفي

نرى في الآيات الكريمة أنّ الهدهد أخبر سليمان عليه السلام بما وجد في سبأ، ولكنّ سليمان عليه السلام لم يصدّق الخبر ولم يكذّبه، بل قام بالفحص عن القرينة وطلب الدّليل على صحّته؛ لأنّه كان خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد اليقين؛ لا سيّما في مثل هذا الأمر المهمّ الذي يتعلّق بالدين. لذلك، قام سليمان عليه السلام ببعث كتاب إلى سبأ ليتحقّق من خبر الهدهد. رغم أنّ الهدهد كان صالحًا مهتمًّا بأمر الدين ونشر التوحيد وكان من أصحاب سليمان عليه السلام، إلا أنه بالأصل لا حجّيّة لخبر الواحد بدون قرينة قطعيّة. بالطبع مثل هذا الخبر متيسّر التحقّق منه؛ لأنّه خبر عن قضيّة موجودة حين الإخبار. لذلك، بعث سليمان عليه السلام الكتاب الذي بواسطته تبيّن مضمون الخبر المنقول من قبل الهدهد. هذا يعني أنّ خبر الواحد في حدّ ذاته لا يوصف بالصدق ولا بالكذب، إلا أن يكون مخالفًا لصريح العقل أو الشرع؛ فإنّه كذب لا محالة. فإن لم يكن كذلك وكان محتمل الصدق، فإنّه ليس حجّة، إلا إذا كان له قرينة تؤدّي إلى اليقين بصحّته، وإن كان المخبر صالحًا. فإن لم يكن له مثل هذه القرينة، فهو والكذب سواء؛ لأنّه لا يجوز الإعتماد عليه في عقيدة أو عمل؛ كما لم يعتمد عليه سليمان عليه السلام حتّى تبيّن له من خلال الفحص عن القرائن القطعيّة... بناء على هذا، فمن الواضح أنّ الإعتماد على أخبار الآحاد المجرّدة عن القرائن القطعيّة هو مخالف لكتاب اللّه ومخالف لنهج أنبيائه... هذا ما بيّنه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى واتّخذه معيارًا لقوله وفعله وأساسًا لكتابه الذي يعلم أولوا الألباب ثقله علميًّا ويعترفون بأنّه سبيل هدى لفهم الاسلام الحقيقيّ. [المقالة ٩]

كلام مع المقلّدين
الحرّ ناصر المهدي

أنا متعجّب منكم أيّها المقلّدون من أهل المذاهب الإسلاميّة! ما بال الكثير من سفهاء المسلمين وحركاتهم الضلالية، على الرغم من كلّ سفاهتهم وضلالتهم، قد فهموا أنّ اتّباع أهواء أهل الرأي وتقليد أحبار الأمّة ورهبانهم بدعة مستحدثة قد نهى عنها اللّه تعالى ورسوله والأئمة من بعده، وأنتم الذين وقفتم حياتكم للّه عزّ وجلّ وتسعون إلى الحقّ، مازلتم غافلين عن هذه الحقيقة الواضحة! أليس من القبيح والمخجل أن يجهل المرء ما يعلمه أمثال الصبيان والمجانين؟! وايم اللّه ما قلّد أحدٌ إنسانًا غير معصوم إلا هوى وسقط، وهذا كتاب اللّه يصدع بذلك جهارًا أن لا طاعة إلا للّه وللرسول وأولي الأمر من المؤمنين، ويحذّر المتّبعين لغيرهم من مغبّة اتّباعهم؛ كما يقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ. [الملاحظة ٣]