السبت ٨ جمادى الأولى ١٤٤٤ هـ الموافق لـ ٣ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٢ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الأسئلة والأجوبة: يرجى تقديم معلومات عن «الشيعة». اضغط هنا لقراءة الجواب وتحميله. جديد الدروس: دروس من جنابه في وجوب سؤال العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره، وآداب ذلك؛ ما صحّ عن أهل البيت ممّا يدلّ على ذلك؛ الحديث ٣. اضغط هنا لقراءته وتحميله. جديد الأقوال: قولان من جنابه في أنّ المهديّ لا يخرج حتّى يجتمع المؤمنون في خراسان والمنافقون في الشام. اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الكتب: تمّ نشر الإصدار الثاني من الكتاب القيّم «تنبيه الغافلين على أنّ في الأرض خليفة للّه ربّ العالمين» للسيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى. اضغط هنا لتحميله. جديد الشبهات والردود: يعتقد بعض المفسّرين أنّ المراد بـ«الخليفة» في قول اللّه تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ»، هو الإنسان بشكل عامّ، ويعتقد بعضهم أنّه خصوص آدم عليه السلام. كيف يمكن إثبات أنّ المراد به هو الحاكم من عند اللّه؟ لماذا لم تبيَّن قضيّة الخلافة في القرآن بشكل صريح مع أهمّيّتها الكبيرة؟ اضغط هنا لقراءة الرّدّ وتحميله. جديد الرسائل: نبذة من رسالة جنابه في توبيخ الذين يرونه يدعو إلى الحقّ ولا يقومون بنصره. اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر ملاحظة جديدة بعنوان «العصر المقلوب» بقلم «إلياس الحكيمي». اضغط هنا لقراءتها وتحميلها. جديد الأفلام والمدوّنات الصوتيّة: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
شؤون نبيّ اللّه

إنّ العديد من أحكام اللّه لها طبيعة عامّة وسياسيّة، وبالتّالي لا يمكن تنفيذها إلّا من خلال ممارسة السّلطة، في حين أنّ ممارسة السّلطة تعني الحكومة، وهي بطبيعتها مختصّة باللّه، ولا يستحقّها أحد غيره. لذلك، فكما أنّه يجب على اللّه أن يجعل واسطة لتبليغ أحكامه، فإنّه يجب عليه أيضًا أن يجعل واسطة لتطبيق أحكامه؛ لا سيّما بالنّظر إلى أنّ تعيين الحكم دون تعيين منفّذ له، ليس له ضمان للنفوذ ولا يفي بالغرض، وبالتّالي فهو مخالف لسيرة العقلاء، بل تعيين الحكم دون تعيين حاكم يعني ترك تنفيذه لاختيار النّاس، وهو مثل تركه للحظّ والصّدفة، بل هو في الواقع تكليف النّاس بما لا يطيقونه حتّى لو اختاروه؛ لأنّ تنفيذ الحكم بشكل كامل يتطلّب العلم بكلّ ما هو موضوع له في العالم، وهو أمر غير ممكن للنّاس بسبب جهلهم الذاتيّ، ومن الواضح أنّ تنفيذه بشكل ناقص لا يجزي... لذلك، فإنّ أنبياء اللّه كانوا مكلّفين بتطبيق أحكام اللّه بين النّاس، كما كانوا مكلّفين بتبليغها، وكان كلا الأمرين شأنهم. مع ذلك، يبدو أنّ مباشرتهم لتطبيق أحكام اللّه، بخلاف مباشرتهم لتبليغها، ليست ضروريّة، بل يجوز أن يتمّ ذلك بالإستنابة؛ بمعنى أن يتّخذ النّبيّ لتطبيق أحكام اللّه وممارسة حكومته في الأرض نائبًا. [العودة إلى الإسلام، ص١٩٩ و٢٠٠]

شؤون نبيّ اللّه

إنّ للّه بين النّاس مباشرين يمكن أن يكونا متّحدين في الذات أو مختلفين: أحدهما المباشر في تبليغ أحكامه، وهو يسمّى بـ«النّبيّ» و«الرّسول»، والآخر المباشر في تطبيقها بينهم، وهو يسمّى بـ«الملك» و«الإمام» و«خليفة اللّه في الأرض»، وذلك لأنّهم بحاجة إلى هداية اللّه في مجالين: أحدهما المجال الكلّيّ لمعرفة مشيئة اللّه، وهو ما له طابع نظريّ ويتجلّى في شكل العلم بأحكام اللّه، والآخر المجال الجزئيّ لمعرفة ما تتعلّق به مشيئة اللّه، وهو ما له طابع عمليّ ويتجلّى في شكل العلم بموضوعات أحكام اللّه ويُعتبر أساس الحكومة الإلهيّة. [العودة إلى الإسلام، ص٢٠١]

ضرورة معيار المعرفة

لمعرفة أيّ شيء في العالم لا بدّ من معيار، ومعرفة الإسلام ليست مستثناة من هذه القاعدة. المقصود من المعرفة تمييز شيء من شيء آخر، كتمييز الحسن من السيّء، أو الحقّ من الباطل، أو الصحيح من الخطأ، وهذا ممكن إذا كان هناك معيار للتمييز. من الواضح أنّه بدون المعيار لن يكون الحكم ممكنًا، وإذا كان بالفرض ممكنًا سيحكم كلّ شخص بشكل مختلف عن الآخر، وهذا سيجعل الحكم مستحيلًا في النهاية؛ لأنّه بدون المعيار لن يمكن التمييز بين صحيح الأحكام وغير صحيحها. فلعلّ الإختلاف الموجود بين المسلمين الذي قد أدّى إلى ضعفهم وقوّة أعدائهم، قد نشأ من فقدانهم لمعيار المعرفة أو عدم التزامهم به، وهذا ما يجعل الحاجة إلى معيار المعرفة والإلتزام به أكثر وضوحًا. [العودة إلى الإسلام، ص٢١]

وحدة معيار المعرفة

اختلاف المسلمين ناشئ من اختلاف معارفهم بالإسلام؛ بمعنى أنّ الأفراد والجماعات المختلفة من المسلمين، لديهم معارف مختلفة بالإسلام، ولا يتحمّلون معارف الآخرين به. من الواضح أنّه لا يمكن التخلّص من هذا الإختلاف بدون الحصول على معرفة واحدة، وللحصول على معرفة واحدة لا بدّ من معيار واحد. المعايير المتعدّدة توجب معارف متعدّدة، والمعارف المتعدّدة تسبّب الإختلاف، والإختلاف ليس حسنًا للمسلمين؛ كما قال اللّه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وهذا أيضًا شاهد على أنّ حبل اللّه واحد؛ لأنّه لو كان متعدّدًا لم يكن الإعتصام به يؤدّي إلى الإتّحاد، بل كان بذاته سببًا للتفرقة! علاوة على ذلك، يجب الإنتباه إلى أنّ الحقّ له ماهيّة واحدة لا تتجزّأ؛ لأنّه في حقيقته مجرّد الوجود الذي له ذات بسيطة لا تتبعّض، وهذا مستلزم لوحدة معرفته، وبالتّالي وحدة معيار معرفته. بعبارة أخرى، فإنّ الحقّ هو تكوين اللّه أو تشريعه الذي قد نشأ من وحدته الذاتيّة، ولذلك ليس فيه اختلاف، ولا يمكن وجدانه مختلفًا؛ كما قال اللّه فيما يتعلّق بتكوينه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ، وقال فيما يتعلّق بتشريعه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. بناء على هذا، فإنّ الحقّ، سواء كان تكوين اللّه أو تشريعه، له وجود واحد لا يتعدّد، وكلّ ما سواه يُعتبر باطلًا؛ كما قال اللّه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. [العودة إلى الإسلام، ص٢١ و٢٢]

الإنسانيّون

إنّ عالم الكفر اليوم، تحت تأثير أمثال مكيافيلي (ت١٥٢٧م) من الفلاسفة الملحدين الذين كانوا ورثة السوفسطائيّين، قد جعلوا القيم الأخلاقيّة تابعة لأهوائهم، وقدّموا للمفاهيم الأساسيّة تعاريف جديدة تختلف عن تعاريفها الفطريّة والتاريخيّة. كمثال على ذلك، قد وجد العدل والحرّيّة في قاموسهم معاني جديدة تقوم أكثر من أيّ شيء آخر على النسبيّة في نظرتهم للعالم. الحقّ في زعمهم، تمامًا كما في زعم السوفسطائيّين، هو تابع لرأيهم، وكلّ شيء يتوافق مع مصالحهم فهو حسن، وكلّ شيء لا يتوافق مع مصالحهم فهو سيّء! من الواضح أنّ إعطاء الأصالة هذا للإنسان هو حركة ضدّ إعطاء الأصالة للّه، والذين أسّسوا بنيانهم على ذلك لم يكونوا مؤمنين باللّه؛ لأنّ في النظرة الإلهيّة للعالم، مصدر الحقّ هو اللّه ويُعتبر الإنسان تابعًا للحقّ، في حين أنّ في النظرة الإلحاديّة للعالم، مصدر الحقّ هو الإنسان ولا دور للّه فيه. بعبارة أخرى، فإنّ الإعتقاد بوحدانيّة الحقّ هو اعتقاد توحيديّ نشأ من الإعتقاد بوحدانيّة اللّه على أنّه مصدر الحقّ، في حين أنّ الإعتقاد بتعدّد الحقّ هو اعتقاد شركيّ نشأ من إنكار وحدانيّة اللّه والإعتقاد بمصادر متعدّدة للحقّ. [العودة إلى الإسلام، ص٢٣]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

أَنْبِئُونِي عَنْ زُهُورِ الْأَرْضِ، هَلْ تَنْمُو إِذَا غَشِيَهَا الْأَشْوَاكُ وَالْأَعْشَابُ الضَّارَّةُ؟! كَذَلِكَ أَنْتُمْ لَا تَنْمُونَ مَا دُمْتُمْ مُبْتَلِينَ بِالنَّزَوَاتِ وَالتَّعَلُّقَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُوهِنُ قُوَّتَكُمْ وَتُضِيعُ وَقْتَكُمْ... كَمَا لَا يُسْكَبُ اللَّبَنُ فِي الْأَوْعِيَةِ الْقَذِرَةِ، لَا تُوضَعُ الْمَعْرِفَةُ فِي الْقُلُوبِ الْمُلَوَّثَةِ، وَكَمَا لَا يُلْقَى الْجَوْهَرُ فِي مَلْقَى الْزُّبَالَةِ، لَا تُودَعُ الْحِكْمَةُ فِي الصُّدُورِ الْمُدَنَّسَةِ؛ لِيَحْصُلَ الَّذِينَ نَبَذُوا الْفِكْرَ السَّيِّءَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَيَصِلَ الَّذِينَ طَرَدُوا الشَّكَّ مِنْ صُدُورِهِمْ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَيَبْقَى الَّذِينَ لَدَيْهِمْ شُكُوكٌ وَأَفْكَارٌ سَيِّئَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ. [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي لِتَكْسِبُوا الْمَعْرِفَةَ، وَتَفَكَّرُوا فِيهِ لِتُؤْتَوُا الْحِكْمَةَ؛ فَإِنِّي أُرَبِّيكُمْ بِهِ كَمَا يُرَبِّي الْبُسْتَانِيُّ أَشْجَارَ الْفَاكِهَةِ، حَتَّى أَجْعَلَكُمْ جَمَاعَةً كَافِيةً لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ وَلَمْ تُخْلَقُوا لِلدُّنْيَا؛ فَاعْمَلُوا لِلْآخِرَةِ وَلَا تَعَلَّقُوا بِالدُّنْيَا. إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَاكِبِ الْبَحْرِ، إِذْ حَطَمَ الطُّوفَانُ سَفِينَتَهُ؛ فَتَعَلَّقَ بِخَشَبَةٍ حَتَّى نُبِذَ بِجَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ. فَلَمَّا اسْتَعَادَ وَعْيَهُ وَسَارَ فِيهَا، عَلِمَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ غَيْرُ مَسْكُونَةٍ وَفِيهَا وُحُوشٌ ضَارِيَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْمَاءُ وَالْغِذَاءُ إِلَّا نَزْرًا. أَتَرَوْنَهُ يَخْلُدُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَيَتَلَهَّى بِتَشْيِيدِ الصُّرُوحِ كَأَنَّهُ سَيَبْقَى فِيهَا أَبَدًا، أَمْ يَكْتَفِي بِاتِّخَاذِ مَأْوًى وَيَشْتَغِلُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وَجَمْعِ الزَّادِ لِيُنْجِيَ نَفْسَهُ؟! [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

إِنَّا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ زِينَةُ الدُّنْيَا وَعَمَّتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلْوَى. لَقَدْ نَسِيَ النَّاسُ اللَّهَ وَنَسِيَهُمْ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ، إِنَّمَا يُغَيِّرُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الدُّنْيَا... إِذَا انْشَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، فَانْشَغِلُوا أَنْتُمْ بِالْآخِرَةِ لِتَمْتَازُوا عَنْهُمْ. لَا تَحْزَنُوا عَلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا تَحْزَنُ عَلَيْكُمْ. دَعُوهَا لِتَكُونَ مَرْعَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلَا يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ. هُمْ لَهَا وَهِيَ لَهُمْ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ طِفْلٍ يَلْعَبُ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَبْنِي لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّمَالِ صُرُوحًا وَيَحْسَبُ أَنَّهَا سَتَبْقَى، فَيَأْتِيهَا مَوْجٌ بَغْتَةً وَيَهْدِمُهَا جَمِيعًا، فَيَأْسِفُ الطِّفْلُ وَيَنْظُرُ إِلَى الرِّمَالِ بِحَسْرَةٍ، كَمْ تَجَشَّمَ الْعَنَاءَ هَدَرًا! [الرسالة السادسة]

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

أَيْنَ أَنْصَارِيَ الْحَقِيقِيُّونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ نَبَذُوا الدُّنْيَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ عَلَى مِثَالِ الْمَسِيحِ، وَتَحَرَّرُوا مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ بِهَا؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا رُفَقَاءَ الْمَوْتِ، وَيَرَوْنَ اللَّهَ حَاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ يَبْكُونَ مِنْ هَوْلِ النَّارِ كَأَنَّهُمْ ثَكَالَى! يَنْظُرُونَ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ فِي أَرْجَائِهَا! يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيَجْتَنِبُونَ الطَّاغُوتَ. يُطِيعُونَ إِمَامَهُمْ، وَيَتَسَابَقُونَ فِي نُصْرَتِهِ. إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ زُبَرَ الْحَدِيدِ أَوْ جِبَالًا رَاسِيَةً! إِذَا هَاجَمُوا الْعَدُوَّ فِي صُفُوفِهِمْ، حَسِبْتَهُمْ يُثِيرُونَ إِعْصَارًا وَعَاصِفَةً رَمْلِيَّةً! كَانُوا يُرَاقِبُونَ سُلُوكَهُمْ، وَيَعْرِفُونَ مَقَامَ كُلِّ مَقَالٍ. مُتَحَلِّينَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمُتَنَزِّهِينَ عَنِ الرَّذَائِلِ الْكَبِيرَةِ. مَجْهُولِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَعْرُوفِينَ فِي السَّمَاءِ. شُعْثًا غُبْرًا صُفْرًا. لَهُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ! يَقْضُونَ اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالْإِسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْضُونَ النَّهَارَ بِالتَّعَلُّمِ وَالْجِهَادِ وَالسَّعْيِ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ. لَا يَمَلُّونَ وَلَا يَرْتَابُونَ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ. فَإِنَّهُمْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ وَذَهَبُوا وَأَنْتُمُ الْآنَ بَقِيتُمْ لَنَا. فَاجْتَهِدُوا فِي أَنْ تَكُونُوا لَهُمْ خَلَائِفَ صَالِحِينَ، وَاقْتَدُوا بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوُا الْفَرَجَ حَتَّى تَكُونُوا كَذَلِكَ. [الرسالة السادسة]

نبذة من رسالة جنابه يحذّر الناس فيها من الضلالة ويدعوهم إلى معرفة الحقّ وقبوله.

حِينَمَا يَظْهَرُ الْحَقُّ، يَقْلَقُ الْأَثْرِيَاءُ عَلَى ثَرْوَتِهِمْ، وَيَشْفَقُ الْأَقْوِيَاءُ عَلَى قُوَّتِهِمْ، وَيَحْزَنُ الْمَشَاهِيرُ عَلَى شُهْرَتِهِمْ، وَيَرْجِعُ الْمُرْتَزِقَةُ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ، وَيَسْتَفْتِي الْمُقَلِّدَةُ مَرَاجِعَ تَقْلِيدِهِمْ! لِذَلِكَ، لَا يَزَالُ الْفُقَرَاءُ وَالْمُسْتَضْعَفُونَ وَالْمَغْمُورُونَ وَالْأَحْرَارُ وَالْمُحَقِّقُونَ هُمُ الَّذِينَ يُجِيبُونَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُونَهُ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ ثَرْوَةٌ تُقْلِقُهُمْ، وَلَا قُوَّةٌ تُشْفِقُهُمْ، وَلَا شُهْرَةٌ تُحْزِنُهُمْ، وَلَا رَئِيسٌ يُؤَاخِذُهُمْ، وَلَا مَرْجَعٌ يَفْرِضُ اعْتِقَادَهُ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ الْفَتْوَى! لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ، أَجَابَهُ فُقَرَاؤُهَا وَأَنْكَرَهُ أَثْرِيَاؤُهَا، وَنَصَرَهُ مُسْتَضْعَفُوهَا وَجَابَهَهُ أَقْوِيَاؤُهَا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مَغْمُورُوهَا وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَشَاهِيرُهَا، وَاتَّبَعَهُ أَحْرَارُهَا وَاتَّبَعَ مُرْتَزِقَتُهَا رُؤَسَاءَ قَبَائِلِهِمْ، وَتَحَرَّى عَنْهُ مُحَقِّقُوهَا وَقَلَّدَ مُقَلِّدُوهَا آبَاءَهُمْ. أَلَا إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَقَدْ عَادَ الْآنَ إِلَى غُرْبَتِهِ الْأُولَى؛ غَيْرَ أَنَّ الْغُرْبَةَ الْآخِرَةَ أَعْظَمُ مِنَ الْغُرْبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْغُرْبَةِ الْأُولَى، كَانُوا يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ، وَهُمْ فِي الْغُرْبَةِ الْآخِرَةِ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ! [الرسالة الثامنة]

في الدّجّال

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ تَسَلَّطَ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، فَهُوَ دَجَّالٌ، وَإِنْ كَانَ ذَا عِلْمٍ وَصَلَاحٍ! قُلْتُ: بِمَاذَا يُعْرَفُ إِذْنُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا يُعْرَفُ إِذْنُ اللَّهِ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ، قُلْتُ: وَمَا آيَةٌ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: آيَةٌ وَعَدَهَا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، كَمَا قَالَ نَبِيٌّ فِي طَالُوتَ: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قُلْتُ: وَمَا وَصِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ؟ قَالَ: هِيَ أَنْ تَقْدِمَ مَدِينَةَ نَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ، فَتَسْأَلَ عَنْهَا الْعَامَّةَ وَالصِّبْيَانَ وَالْعَجَائِزَ إِلَى مَنْ أَوْصَى فُلَانٌ؟ فَيَقُولُوا: إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَبْقَيْتَ لِلدَّجَاجِلَةِ مَسْلَكًا يَسْلُكُوهُ! قَالَ: أَنَا مَا أَبْقَيْتُ لَهُمْ؟! بَلِ اللَّهُ مَا أَبْقَى لَهُمْ! أَرَادَ أَنْ يَسُدَّ خَلَّةً فَفَعَلَ! ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ الشَّمْسُ بَيِّنَةً؟ قُلْتُ: بَلَى، جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. [الفقرة ١١ من القول ١١٧]

في الدّجّال

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ! قُلْتُ: وَمَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ؟ قَالَ: مَنْ يَدَّعِي مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، ثُمَّ يُقِيمُ عَلَيْهِ مُعْجِزَةً، فَهُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ! قُلْتُ: لِمَاذَا يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَى إِقَامَةِ الْمُعْجِزَاتِ؟! قَالَ: لِيَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ الرَّسُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَقَالَ: الْأَئِمَّةُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ إِمَامًا! [الفقرة ١٢ من القول ١١٧]

في بيان الأسماء التي علّمها اللّه تعالى آدم عليه السلام.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَنْوَارَ خُلَفَائِهِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَبْدَانَهُمْ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْمًا مِنْ عِنْدِهِ، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَهُمْ ﴿كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ أَشْبَاحٌ، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، يَعْنِي مَا يَكُونُ فِيهِمْ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَرْضِيَّةِ الَّتِي يَسْتَخْلِفُهُمْ مِنْ أَجْلِهَا، وَمِنْهَا أَخَذَ أَسْمَاءَهُمْ. [الفقرة ١ من القول ١٢٥]

في بيان الأسماء التي علّمها اللّه تعالى آدم عليه السلام.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، مَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ؟ فَقَالَ: كَانَتْ أَسْمَاءَ خُلَفَاءِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، فَعَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ خُلَفَائِهِ فِي الْأَرْضِ كُلَّهَا، لِيُنْبِأَ الْمَلَائِكَةَ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ خَلِيفَةً، وَلَكِنْ يَجْعَلُ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ وَاللَّهِ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ. [الفقرة ٢ من القول ١٢٥]

في أنّ المهديّ لماذا يقال له «المهديّ».

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنِ الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ الْمَهْدِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَهْدِيهِ إِلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ. [الفقرة ١ من القول ١٢٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ [ت٣٨١ه‍] فِي «كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ»، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، فَقَالَ: كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَامٌّ يَشْمُلُ كُلَّ قَوْمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَوْمُ قَرْنٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٩٠ه‍] فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى «الْمُسْنَدِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَالْهَادِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَادِيًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. [الدرس الأول، ص٣٣]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِمَامِ «خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذِهِ نِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: «رُوحُ اللَّهِ» وَ«بَيْتُ اللَّهِ» وَ«أَرْضُ اللَّهِ»، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَدِيثِ «الرَّايَاتِ»، وَلَكِنَّ الْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نِسْبِةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَحَّحَ حَدِيثَ الرَّايَاتِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَذْكُرُ «خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»، وَقَدْ بَالَغَ أَجْهَلُهُمْ فِي مَنْعِهَا حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهَا إِلَى الْفُجُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ إِلَّا مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، وَاللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ، وَبِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ»، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْخَلِيفَةِ إِلَى اللَّهِ هِيَ نِسْبَةُ تَمْلِيكٍ وَتَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُوحِي وَ﴿بَيْتِي وَ﴿أَرْضِي، وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ بَعِيدٌ كَبُعْدِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ اللَّهِ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ النَّاسُ، ... وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِـ«خَلِيفَةِ اللَّهِ»، ... كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَادَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: «يَا خَلِيفَة اللَّهِ فِي الْأَرْضِ!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَهْ! ... لَمَّا وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ سَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ نَادَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَجَبْتُكَ، وَأَمَّا خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَلَسْتُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ خُلَفَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ دَاوُدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشِبْهُهُ»،... وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمَهْدِيِّ «خَلِيفَةَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مِثَالِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ... [الدرس الأول، ص٣٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَلَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ إِلَّا بِذَلِكَ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِهَذَا نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَدْعُو، وَقَالَ: لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. [الدرس الأول، ص٤٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه‍] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَصَفْوَانِ بْنِ يَحْيَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَيْرَةِ وَعَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ كُلِّهِمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعِ الْأَرْضَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ يَعْلَمُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَإِذَا زَادَ الْمُؤْمِنُونَ رَدَّهُمْ وَإِنْ نَقَصُوا أَكْمَلَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: خُذُوهُ كَامِلًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَقُولُ لِلنَّاسِ: خُذُوا الدِّينَ كَامِلًا لَا نُقْصَانَ فِيهِ وَخَالِصًا لَا زِيَادَةَ مَعَهُ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ النَّارِ إِنِ ازْدَادَتْ حَرَّقَتِ الطَّعَامَ وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ تَطْبَخْهُ. [الدرس الأول، ص٥٠]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ بِإِمَامٍ مَيِّتٍ؛ لِأَنَّ عِبَادَتَهُ فِيهَا إِقَامَةُ حُدُودِهِ وَتَنْفِيذُ أَحْكَامِهِ وَإِدَارَةُ أَمْوَالِهِ وَجِهَادُ أَعْدَائِهِ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى إِمَامٍ حَيٍّ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِثْلَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ عَلَى سُنَّتِهِ فِي النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ؛ كَمَا قَالَ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَى قَوْلِي هَذَا أَشَارَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ- إِذْ قَالَ لِعِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَمَا إِنَّكَ يَا عِيسَى لَا تَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى تَعْرِفَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَكُونُ مَعَ الْإِمَامِ مُوَطِّنًا نَفْسَكَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ فِي طَاعَتِهِ فَيَمْضِي ذَلِكَ الْإِمَامُ وَيَأْتِي إِمَامٌ آخَرُ فَتُوَطِّنُ نَفْسَكَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ فِي طَاعَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَرُوِيَ أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ خُنَيْسٍ سَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنِ الْإِمَامِ الْمَاضِي، فَقَالَ: خُذُوا بِهِ حَتَّى يَبْلُغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ، فَإِنْ بَلَغَكُمْ عَنِ الْحَيِّ فَخُذُوا بِقَوْلِهِ. [الدرس الأول، ص٥٥]

وأمّا مسجد جمكران في قم فمن المساجد المستحدثة، وليس للصلاة فيه فضل خاصّ، بل نسب بنائه إلى المهديّ استنادًا إلى حكاية غير معتبرة عن رجل مجهول يقال له حسن بن مثلة الجمكراني، بمنزلة الكذب عليه، والكذب عليه يعتبر إثمًا كبيرًا، وقيل أنّ الحكاية كانت مذكورة في كتاب «تاريخ قم» للحسن بن محمّد بن الحسن القمي نقلًا عن كتاب «مؤنس الحزين في معرفة الحقّ واليقين» لمحمّد بن علي بن بابويه، قاله المجلسيّ والنوريّ، ولم يُذكر لمحمّد بن علي بن بابويه كتاب بهذا الإسم، ولم يبق كتاب تاريخ قم للحسن بن محمّد، والموجود ترجمته بالفارسيّة للحسن بن علي بن الحسن بن عبد الملك القمي المتوفّى سنة ٨٠٥، ولا توجد فيها تلك الحكاية، ولا يوجد فيها ذكر من مسجد بجمكران، إلا قوله: «يقال أنّ أوّل مسجد بني في هذه المنطقة قبل ورود العرب عليها مسجد قرية جمكران، وقد بناه رجل من المسلمين اسمه خطّاب بن الأسديّ وكان يصلّي فيه وحده»، ومن الواضح أنّ هذا لا صلة له بتلك الحكاية، وممّا يدلّ على كذب النسبة إلى محمّد بن علي بن بابويه ما روي عن حسن بن مثلة من قوله في صدر الحكاية: «كنت ليلة الثلاثا السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ٣٩٣ نائمًا في بيتي، فلمّا مضى نصف من الليل فإذا بجماعة من النّاس على باب بيتي، فأيقظوني وقالوا: قم وأجب الإمام المهدي صاحب الزمان، فإنّه يدعوك»؛ لأنّ محمّد بن علي بن بابويه مات سنة ٣٨١، فليس من الممكن ذكره لهذه الحكاية! [السؤال والجواب ٥٥]

لا يجوز صلاة الجمعة خلف حكّام الجور وأعوانهم في غير تقيّة؛ لأنّها ركون إلى الذين ظلموا، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، وهذا هو السّبب في عدم جواز صلاة الجمعة قبل ظهور المهديّ في بلاد يتولّى إقامتها فيها الحكومة، مثل إيران والسعوديّة؛ لأنّ الأئمّة فيها موظّفو الحكومة وبالتالي، فإنّهم من ناحية ظالمون ولا يجوز الإقتداء بهم، ومن ناحية أخرى يدعون في خطبهم إلى طاعة حكّام الجور وإعانتهم، وهذا لغو وزور يحرم شهوده واستماعه، بل هو مثال على الفاحشة، وقد قال اللّه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ. [السؤال والجواب ٥٠]

ليس هناك خلاف في جواز زيارة قبور الصالحين للتسليم عليهم والدّعاء لهم بالخير، وكيف يكون فيه خلاف بعد ما تواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله وفعله الدالّ على جواز زيارة قبور المسلمين؟! إنّما الخلاف في شدّ الرّحال بمعنى السفر لزيارة قبورهم، فإنّ السلفيّين يمنعون من ذلك، آخذين بما رواه جماعة من الصحابة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، والحقّ أنّه لا يدلّ على حرمة شدّ الرحال لزيارة القبور، كما لا يدلّ على حرمة شدّ الرحال لغيرها من المقاصد المشروعة؛ لأنّ المستثنى فيه ثلاثة مساجد، والظاهر أنّ المستثنى منه هو من جنسها؛ نظرًا لأنّ المستثنى هو من جنس المستثنى منه، ولو لا ذلك لكان مجازًا، ولا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذّر حمله على الحقيقة، ولو سلّمنا بأنّ الحقيقة فيه جميع الأمكنة لتعذّر حمله عليها؛ لأنّ جواز شدّ الرحال إلى أمكنة غير المساجد الثلاثة أمر مسلّم به في الجملة، وإذا علمنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يرد منه عمومه قطعًا لا بدّ لنا من حمله على خصوص المساجد؛ لأنّه هو القدر المتيقّن، والزائد عن ذلك ظنيّ، وعليه فإنّ الحديث يعني لا تشدّ الرحال إلى مسجد إلا مسجد الحرام ومسجد النبيّ والمسجد الأقصى؛ لأنّ جميع المساجد في الفضل سواء إلا هذه المساجد الثلاثة ولذلك، يجوز شدّ الرحال إلى الأمكنة الأخرى للتجارة والسياحة والزيارة وسائر المقاصد المشروعة، وهذا ظاهر جدًّا، لو لا تعصّب القوم لابن تيميّة! [السؤال والجواب ٤٦]

السجود على الأرض سنّة؛ لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولفعله الذي داوم عليه؛ لأنّ أكثر سجوده كان على الأرض؛ كما روي عن وائل بن حُجر قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ»، وعن أبي سعيد الخدري قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ»، وعن عائشة قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَّقِيًا وَجْهَهُ بِشَيْءٍ -تَعْنِي فِي السُّجُودِ»، والأرض تراب ورمل وحصى وحجر ومدر، ويلحق بها ما ينبت منها؛ لما روى ابن عبّاس وأنس وابن عمر وعائشة وأمّ سلمة وميمونة وغيرهم: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ»، وهي حصيرة أو سجادة صغيرة تنسج من سعف النخل. [السؤال والجواب ٤١]

هل يجوز السجود على غير الأرض وغير ما ينبت منها مثل الطنافس والبسط؟ فيه خلاف؛ فقد كان أبو بكر يسجد على الأرض مفضيًا إليها، وكان ينهى عن الصلاة على البراذع، وروي أنّه رأى قومًا يصلّون على بسط، فقال لهم: «أَفْضُوا إِلَى الْأَرْضِ»، وكان ابن مسعود لا يسجد إلا على الأرض، وكان عبادة بن صامت إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته، وكان عبد اللّه بن عمر إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتّى يضع جبهته بالأرض، ... وكان ابن سيرين وسعيد بن المسيّب يقولان: «الصَّلَاةُ عَلَى الطَّنْفَسَةِ مُحْدَثٌ»، وكان جابر بن زيد يكره الصلاة على كلّ شيء من الحيوان ويستحبّ الصلاة على كلّ شيء من نبات الأرض، ... وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والإدام ... وقال المروذي: «كَانَ أَحْمَدُ لَا يَرَى السُّجُودَ عَلَى ثَوْبٍ وَلَا خِرْقَةٍ إِلَّا مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ»، وهذه إحدى الروايتين عنه، وكان عطاء وعبيدة السلماني يتشدّدان في ذلك... وروي عن ابن عبّاس وأبي الدّرداء والحسن وغيرهم جواز السجود على الطنافس والبسط وهو قول جمهور السنّة، وممّا يدلّ على القول الأوّل ما روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَيَعْمِدُ أَحَدُنَا إِلَى قَبْضَةٍ مِنَ الْحَصَى، فَيَجْعَلُهَا فِي كَفِّهِ هَذِهِ، ثُمَّ فِي كَفِّهِ هَذِهِ، فَإِذَا بَرَدَتْ سَجَدَ عَلَيْهَا»، ...والحقّ أنّه لو جاز السجود على ثوب لكان ذلك أسهل، وما روى خبّاب بن الأرتّ قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا»، وما روى خالد الحذّاء قال: «رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صُهَيْبًا يَسْجُدُ كَأَنَّهُ يَتَّقِي التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: تَرِّبْ وَجْهَكَ يَا صُهَيْبُ»، ...وبه قال الأئمّة من أهل البيت. [السؤال والجواب ٤١]

إنّ الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين ليسا من جهة واحدة حتّى يكونا متناقضين، ولكنّهما من جهتين مختلفتين؛ كما هو الحال في اجتماع الأمر والنهي الشرعيّين في موضوع واحد، إذ يجتمع عمل واجب مثل الصلاة مع عمل حرام مثل الغصب، كمن يغصب مكان رجل بالصلاة فيه؛ لأنّه من الواضح أنّ الصلاة في هذه الحالة محرّمة من جهة أنّها غصب وواجبة من جهة أنّها عبادة مفترضة، وليس هناك أيّ تناقض لاختلاف الجهتين، وهذه هي الحال في الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين، والأشبه أنّها هي من باب حرمة القيام بذي المقدّمة قبل القيام بالمقدّمة؛ كما أنّ الصلاة واجبة ولكنّها غير جائزة لمن ليس على طهارة، بحيث أنّه إذا صلّى بغير طهارة فقد أثم، وليس في هذا أيّ تناقض؛ لأنّ حرمة الصلاة في نفس الوقت الذي هي واجبة فيه أمر حدث بسوء اختيار من المكلّف. [الشبهة والرّدّ ٨]

يعتقد السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني أنّ وجوب إقامة الحدود الإسلاميّة على المسلمين هو «وجوب ضمنيّ»؛ بمعنى أنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام وليست واجبة بمفردها؛ مثل الركوع الذي يجب إتيانه في ضمن الصلاة ولا يعتبر واجبًا في غير الصلاة، إلا أنّ الصلاة واجبة وبالتالي، فإنّ الركوع واجب. لذلك، لو أنّ رجلًا تاركًا للصلاة ركع، فإنّه لم يصلّ بقدر ركوعه ولم يحصل على ثواب الركوع، بل ركوعه باطل ولا يغني من الصلاة شيئًا؛ لأنّه قد تمّ تشريعه باعتباره جزءًا من الصلاة. هذه هي الحال في إقامة الحدود الإسلاميّة؛ فإنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام ولا تعتبر واجبة في غيرها، إلا أنّ إقامة كلّ الإسلام واجبة وبالتالي، فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة واجبة. لذلك، لو أنّ رجلًا أقام حدًّا قبل أن يقيم أحكام الإسلام التمهيديّة، فإنّه لم يعدل ولم يؤجر، بل ظلم وأثم؛ لأنّ الحدّ قد تمّ تشريعه باعتبار أنّه أحد أحكام الإسلام المتناسبة وأنّه سيتمّ إقامته مع إقامتها... الحاصل أنّه يجب على المسلمين إقامة الحدود الإسلاميّة بإظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكومة، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة من قبلهم تشبه الصلاة بغير وضوء. [الشبهة والرّدّ ٨]

من الواضح أنّ كلّ من يؤمن بوحدانيّة اللّه في التكوين والتشريع والتحكيم، ويؤمن بنبيّه الخاتم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ينكر شيئًا من أركان دينه مثل الكتاب والملائكة والقيامة والقبلة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، هو مسلم وإن لم يكن في سائر عقائده يفكّر مثلك وكان لديه تفسير مختلف، وهذه حقيقة معلومة من كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة واتّفق عليها السلف الصالح، لدرجة أنّها قد تعتبر من واضحات الإسلام وينسب منكرها إلى الجهل والضلال. لذلك، من الواضح أنّ «جميع الشيعة» لا يعتبرون كفّارًا ومشركين؛ لأنّ معظمهم يؤمنون بوحدانيّة اللّه ونبيّه الخاتم وأركان دينه، وعليه فإنّ اعتبار جميعهم كفّارًا ومشركين حتّى لو كان ذلك بسبب بعض انحرافاتهم وأخطائهم، هو تحكّم وتعسّف محض. [الشبهة والرّدّ ١١]

إنّ تفسير آية التطهير بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعدم تفسيرها بأمّهات المؤمنين، هو تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد رواه عنه العديد من أصحابه مثل عبد اللّه بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقّاص، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد اللّه، وأبي هريرة، وأبي حمراء، وأبي برزة، وأمّ سلمة، وعائشة، وصفيّة، وغيرهم، وقد جاء في رواية بعضهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال بصراحة: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، وجاء في رواية بعضهم أنّ بعض أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ» وفي رواية أخرى: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ» وفي رواية أخرى: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»، فبيّن بذلك أنّ أزواجه لسن من أهل بيته المقصودين في آية التطهير. [الشبهة والرّدّ ١١]

روى زيد بن أرقم وجعفر بن أبي طالب وواثلة وأمّ سلمة وصفيّة أنّ فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا نزلت مفردة في بيت أمّ سلمة كقضيّة خارجيّة ولم تنزل مع فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وهذا يدلّ على أنّهما آيتان منفصلتان، وإنّما تمّ جمعهما في الكتابة؛ نظرًا إلى أنّ ترتيب كتابة الآيات لا يلازم ترتيب نزولها، وممّا يقوّي هذا اختلاف الضمير في الفقرتين؛ فإنّ الضمير في فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ... هو ضمير مخاطب لجمع المؤنّث والضمير في فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هو ضمير مخاطب لجمع المذكّر؛ كما أشار إلى ذلك الطحاويّ (ت٣٢١ه‍) في شرح مشكل الآثار إذ قال بعد ذكر الروايات: «دَلَّ مَا رَوَيْنَا مِمَّا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادِينَ بِمَا فِيهَا هُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ الْمَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ أَنَّ الَّذِي تَلَاهُ إِلَى آخِرِ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ خِطَابٌ لِأَزْوَاجِهِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِخِطَابِهِ لِأَهْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ فَجَاءَ عَلَى خِطَابِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ وَهَكَذَا خِطَابُ الرِّجَالِ، وَمَا قَبْلَهُ فَجَاءَ بِهِ بِالنُّونِ وَكَذَلِكَ خِطَابُ النِّسَاءِ فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ خِطَابٌ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنَ الرِّجَالِ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ تَشْرِيفَهُ لَهُمْ وَرِفْعَتَهُ لِمِقْدَارِهِمْ أَنْ جَعَلَ نِسَاءَهُمْ مَنْ قَدْ وَصَفَهُ لِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِمَّا فِي الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ قَبْلَ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ تَعَالَى»، وهذا لم يكن قول الطحاويّ فقطّ، بل نسبه ابن عطيّة (ت٥٤٢ه‍) إلى الجمهور وقال بعد الإشارة إلى الروايات: «وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ: <عَنْكُمُ وَيُطَهِّرَكُمْ> بِالْمِيمِ، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ خَاصَّةً لَكَانَ عَنْكُنَّ». [الشبهة والرّدّ ١١]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

مجموعة من الناس هم الذين قد قرؤوا الكتاب وأدركوا الحقائق الموجودة فيه، لكن بسبب القمع والضغط الحاكمين على البيئة السياسية في بلدهم قد يخافون أن يتكلّموا حوله! ما يجب ذكره لهؤلاء الناس، هو الخوف من اللّه ويوم القيامة؛ لأنّ محتوى هذا الكتاب ليس إلا الإسلام الخالص والكامل القائم على أساس اليقينيّات أعني آيات القرآن والسنّة المتواترة والبراهين العقليّة المحكمة وهو مثال واضح على المعروف. لذلك، إنّ الدعوة إليه هي مثال واضح على الأمر بالمعروف وبالتالي واجبة. بناء على هذا، إنّ من يخاف مؤاخذة الحكومات أكثر ممّا يخاف مؤاخذة اللّه، ليس بشخص ذكيّ وحكيم، بل هو خاطئ وسيصبح خاسرًا ونادمًا. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

إنّ بعض الناس يقرؤون الكتاب ويفهمونه، لكنّهم لا يقبلونه ولا يستحسنونه أو بعض أجزائه على الأقلّ، نظرًا إلى كونه جديدًا بديعًا واختلافه الواضح عن القرائات الرائجة والمشهورة. هذه الطريقة أيضًا طريقة غير صحيحة؛ لأنّ كلّ شيء ما سوى اللّه سبحانه حادث وتمّ إيجاده في زمان ما وهذا لا يدلّ على كونه باطلًا! في الواقع، إنّ نفس العقائد والأعمال القديمة التي يعتبرها الناس صحيحة وقد اعتادوها، لم تكن موجودة من اليوم الأوّل وتعتبر جديدة وبديعة بالنسبة إلى العقائد والأعمال السابقة عليها وإن قبلنا هذه الطريقة فلا يبقى أيّ حقّ! من الواضح أنّ هذه عادة خاطئة ولها جذور نفسية وذهنيّة وتجب إزالتها. إنّ الطريقة الصحيحة التي مدحها القرآن هي استماع جميع الأقوال بغضّ النظر عن زمانها ومكانها وقائلها ثمّ اتّباع أحسنها استنادًا إلى العقل بصفة معيار المعرفة بمعزل عن موانع المعرفة. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر من الناس هم بعض العلماء والمشاهير الذين بلغهم خبر الكتاب، لكن بما أنّهم يحسبون أنفسهم عالمين بكلّ شيء وأبرياء من كلّ عيب ونقص وأغنياء من السؤال والتعلّم، لا يقرؤون الكتاب أو يقرؤونه ولكن لا يسمح لهم تكبّرهم بأن يخضعوا أمام حقائقه ويتحدّثوا حوله. بالطبع هؤلاء الأشخاص قد أخطؤوا في حساباتهم من جهات شتّى؛ لأنّه من جانب، الإذعان بالخطأ والإقرار بالجهل ليس فحسب لا يحطّ من قدر شخص وإن كان جليل المنزلة، بل العكس يرفعه ومن جانب آخر، العظيم الحقيقيّ هو من كان عند اللّه عظيمًا لا عند الناس والمشهور الحقيقيّ هو من كان في السّماء مشهورًا لا في الأرض والعظماء عند اللّه والمشاهير في السّماء هم الذين يخشون اللّه ويتّقونه ويرون الحقّ ويسمعونه وينطقون به ويتّبعونه ويدعون إليه، لكنّ أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة مع الأسف. بالإضافة إلى ذلك أنّ الحقّ يشقّ طريقه ويصل إلى المنزل المقصود شاء هؤلاء العظماء والمشاهير أم أبوا ويومئذ لا يبقى لهم شيء سوى الخزي! لهذا يحكم العقل بأن يتدبّروا اليوم لغد ويطئوا اليوم تكبّرهم لئلا يتمّ غدًا وطئ جميع ما لديهم! [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

أناس آخرون أيضًا ينظرون في الكتاب بتصوّراتهم المسبقة. يكذّبون الكتاب ويعتبرونه باطلًا ويتّهمونه بكلّ سوء ولمّا يقرؤوه! هؤلاء الذين قد اتّخذوا موقفهم من قبل وإن قرؤوا الكتاب فلا يقرؤونه للدراية والرشد، بل يقرؤونه لتتبّع العثرة وطلب الذريعة والإستهزاء ولا يبتغون الحكمة والهداية. هؤلاء سيعلمون في يوم تشخص فيه الأبصار أنّهم استعجلوا في الحكم وغرّهم الشيطان وخسروا المعركة... فريق آخر متعصّبون لدرجة إذا رأوا في الكتاب أدنى اختلاف عن الأشياء التي يقبلونها أو الأشخاص الذين يحبّونهم، يفقدون عنان الإختيار ويطلقون اللسان بالسبّ واللعن والإهانة والبهتان. هذا الفريق أيضًا سيعرفون الحقّ في يوم يدخلون النار مع محبوبيهم ومعبوديهم؛ النار التي أوقدها تعصّبهم الأعمى وحميّتهم الجاهليّة. ذلك اليوم يوم الحسرة ويجب اللجوء إلى اللّه من ذلك اليوم... فريق آخر مقلّدون لدرجة لا يشربون حتّى الماء بدون إذن مرجع تقليدهم، ناهيك عن قراءة كتاب مهمّ مثل «العودة إلى الإسلام» والإلتزام به! هؤلاء أيضًا إذا يواجهون هذا الكتاب يغلقون أعينهم ويكتفون بما قال مرجع تقليدهم حوله. هؤلاء أيضًا في يوم عسير لا يغيثهم فيه مرجع تقليدهم سيلقون حسرة عظيمة. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر يقرؤون هذا الكتاب القيّم ويدركون معارفه، لكنّهم في بحبوحة الفتنة والفوضى والتهميش والغوغاء والإعلانات السامّة لأعداء اللّه يصبحون مخدوعين ومتشائمين وتصبح قلوبهم مظلمة وينشغلون بالحاشية بدلًا من النصّ وينحرفون في النهاية عن الحقّ. بالطبع هذا الإثم الكبير هو أولًا في عنق الفتّانين الذين يصدّون عن سبيل اللّه. هؤلاء المهاذير بالرغم من انفتاح باب النقد العلميّ والمنطقيّ، بما أنّهم لا يملكون أيّ برهان وحجّة، يحاولون إثارة الجوّ وتلويثه، لكن ليعلم مخاطبو هذا الكتاب أنّ حركة جميع الأنبياء والأولياء في التاريخ أيضًا قد واجهت الإهانة والبهتان وإثارة الفتنة من قبل المستبدّين والمستكبرين والجبّارين وكان أعداء اللّه يلوّثون الجوّ ويصدّون الناس عن سبيل اللّه بأسوء طريقة ممكنة. فلم يحدث حادث جديد ويجب على مخاطبي هذا الكتاب النظر في أدلّته وبراهينه بحرّيّة وإنصاف والعثور على الحقّ والعمل بمقتضاه بمنأى عن المشاعر العابرة والعواطف الكاذبة إن شاء اللّه. [المقالة ٣]