لا شكّ أنّ المسلمين الأوّلين الذين رأوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأطاعوه كانت لهم فضيلة؛ كما قال اللّه تعالى فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، لكنّ الإنصاف أنّ إثبات الفضيلة لهم، لا يستلزم نفي الفضيلة عن الخلف، بل لا يثبت أفضليّتهم على الخلف؛ لأنّه من الممكن أن يكون المسلمون اللاحقون الذين أطاعوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يروه أفضل منهم؛ بالنّظر إلى أنّ طاعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دون رؤيته أكثر صعوبة. مع ذلك كلّه، فإنّ أفضليّة المسلمين الأوّلين على المسلمين اللاحقين، حتّى لو كانت ثابتة، إنّما تعني أنّ أجرهم في الآخرة أكبر، وهذا وحده لا يثبت ضرورة اتّباع المسلمين اللاحقين لهم؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٥٣]
إنّ اتّباع الأجيال الثلاثة الأولى من المسلمين، ليس له أساس في الإسلام ولا يمكن تبريره بأيّ تفسير، وهذا بغضّ النّظر عن عدم إمكانه في الواقع؛ لأنّ الأجيال الثلاثة الأولى من المسلمين، كانوا أفرادًا وجماعات مختلفة ذات أقوال وأفعال متعارضة، بحيث أنّهم كانوا يخطّئون بعضهم أقوال وأفعال بعض ويتقاتلون عليها. من الواضح أنّه في هذه الحالة لا يمكن اتّباعهم؛ لأنّ اتّباع أقوال وأفعال بعضهم يعني عدم اتّباع أقوال وأفعال بعضهم الآخر، وهذا عمل متناقض لا معنى له؛ بغضّ النّظر عن أنّ هذا الإتّباع الإنتقائيّ لهم، لا يجوز بغير مرجّح عقليّ وشرعيّ، ويؤدّي إلى الخلاف بين الخلف، وإذا كان بمرجّح عقليّ وشرعيّ فلا يعتبر اتّباعهم، بل هو في الواقع اتّباع العقل والشّرع. [العودة إلى الإسلام، ص٥٣ و٥٤]
نوع آخر من أنواع التقليد الشائعة، هو اتّباع قول العلماء وفعلهم؛ لأنّ أكثر المسلمين يُنزلون قول العلماء وفعلهم منزلة الشّرع ولا يفرّقون بينهما، مع أنّ الشّرع ليس ما يقوله ويفعله العلماء، بل هو ما يقوله ويفعله اللّه سبحانه وتعالى، ولا تلازم بينهما وليس تطابقهما أمرًا حتميًّا؛ كما أنّ عدم تطابق الكثير من أقوال العلماء وأفعالهم مع الشّرع أمر معلوم... بالإضافة إلى ذلك، فإنّ اختلافات بعضهم مع بعض في أقوالهم وأفعالهم عميقة وكثيرة، في حين أنّ الحقّ هو قول وفعل واحد بالتأكيد، وليست له قابليّة التعدّد والتكثّر. لذلك، فإنّ اتّباعهم، من ناحية، متناقض لا معنى له، ومن ناحية أخرى، يؤدّي إلى الإختلاف بين المسلمين؛ كما أنّه قد أدّى إلى ذلك؛ لأنّ الإختلاف بين المسلمين في عقائدهم وأعمالهم، يعود أكثر من أيّ شيء آخر إلى اتّباعهم لعلماء مختلفين... في حين أنّ اتّباع هؤلاء العلماء يعتمد على ظنّ أتباعهم بتطابق أقوالهم وأفعالهم مع الشّرع، وهو بالتأكيد ليس كافيًا لاتّباعهم؛ لأنّ العلم بتطابق شيء مع الشّرع أمر ضروريّ للإعتقاد أو العمل به، والظنّ لا يصلح لأن يكون أساسًا لاعتقاد المسلم أو عمله؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٥٤ و٥٥]
إنّ الكثير من المسلمين، يعتقدون أنّه من الواجب على كلّ مسلم أن يختار مرجعًا منهم للتقليد، في حين أنّ حجّة أكثرهم على هذا الإعتقاد هي فتوى علمائهم به، وهذا يعني تقليدهم استنادًا إلى التقليد، وهو دور باطل لا معنى له؛ لأنّ التقليد مخالف للأصل الطبيعيّ، وبالتّالي ليس غنيًّا عن الدّليل، ودليله لا يمكن أن يكون قائمًا على نفسه، ولذلك لا بدّ من الإجتهاد في التقليد، في حين أنّهم مقلّدون في تقليدهم؛ لأنّهم لا يعرفون لذلك دليلًا من الشّرع أو العقل، إلّا وهمًا عرض لبعضهم، وهو أنّ تقليد العلماء يتمّ من باب رجوع العقلاء إلى الخبير، في حين أنّه وهم بعيد عن الواقع؛ لأنّ الخبير عند العقلاء يختلف باختلاف الموضوع الذي يرجعون فيه إليه، والخبير في الدّين عندهم هو الذي يفيد الرّجوع إليه اليقين، كرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وليس الذي يفيد الرّجوع إليه مجرّد الظنّ، كالمجتهد؛ بالنّظر إلى أنّ اليقين في الأمور الدّينيّة، بخلاف الأمور العرفيّة والدّنيويّة، له موضوعيّة وضرورة، في حين أنّ الرّجوع إلى غير اللّه وغير الذي ينطق عنه، لا يفيد اليقين طبعًا، وبالتّالي ليس عقلائيًّا. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ بناء العقلاء في الأمور التي ترجع إلى اللّه مستند على أمره، وإن كان في الأمور التي ترجع إلى أنفسهم غير مستند على أمره، ولذلك فإنّ بناءهم في الأمور الراجعة إلى أنفسهم كالبناء والطبّ، ليس أساس بنائهم في الأمور الراجعة إلى اللّه كالدّيانة، ومن الواضح أنّ أمر اللّه في الأمور الراجعة إليه اليقين، وهو لا يتحصّل من تقليد المجتهدين. الحاصل أنّ رجوع العقلاء إلى البنّاء والطبيب، لا يستلزم رجوعهم إلى المجتهد في الدّين، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق. [العودة إلى الإسلام، ص٥٦ و٥٧]
إنّ فريقًا منهم في بلاد كإيران، يغلون في علمائهم، ويعتقدون أنّهم منصوبون من عند اللّه وذوو ولاية كولاية الرّسول، ويطيعونهم كطاعة اللّه والرّسول؛ على مثال اليهود الذين قال اللّه تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ علمًا بأنّهم لم يصلّوا لعلمائهم ولم يصوموا، ولكنّهم أطاعوهم من دون اللّه، وكان هذا شركًا خفيًّا عليهم. في حين أنّ العلماء المسلمين، مهما كانوا صالحين، ليسوا معصومين من الخطأ في قولهم وفعلهم، وهذا ما هم معترفون به، ولذلك ليس من الممكن أن يكونوا منصوبين من عند اللّه وذوي ولاية كولاية الرّسول؛ لأنّ اللّه والرّسول معصومان من الخطأ في قولهما وفعلهما، ومن الواضح أنّ طاعة المعصوم قد تتعارض مع طاعة غير المعصوم؛ بالنّظر إلى أنّ مخالفة قول غير المعصوم وفعله لقول المعصوم وفعله محتملة، بل محتومة في الجملة، ولذلك فإنّ الأمر باتّباع قول المعصوم وفعله يستلزم النّهي عن اتّباع قول غير المعصوم وفعله، وليس من الممكن أمر اللّه بهما جميعًا، وبالتّالي فإنّ نسبة هذا الأمر إليه، ولو بالإستناد إلى روايات آحاد وظنّيّة، تُعتبر افتراءً عليه، وهو إثم كبير جدًّا؛ كما قال سبحانه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٥٧ و٥٨]
أَقِمِ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. لَا تَتْرُكْ نَافِلَةَ اللَّيْلِ، وَاجْتَهِدْ بِالْأَسْحَارِ فِي الْإِسْتِغْفَارِ. إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً فَلَا تَغْفَلْ؛ فَإِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِهِ أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. اذْكُرِ الْمَوْتَ كَثِيرًا، وَاذْهَبْ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا... أَحْسِنْ بِوَالِدَيْكَ، وَإِنْ أَسَاءَا إِلَيْكَ؛ فَقَدْ أَحْسَنَا بِكَ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ... لَا تُكْثِرْ مِنَ الْكَلَامِ تَسْلَمْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ لَا يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ... لَا تُحَرِّجْ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يُحَرِّجُوا عَلَيْكَ؛ أَيْ لَا تَبْحَثْ عَنِ الْعَثْرَةِ، وَلَا تَأْخُذْ بِالدِّقَّةِ، وَلَا تَقَعْ فِي الشَّمَاتَةِ، وَلَا تُبَادِرْ لِلْمُعَاقَبَةِ... غَرِيزَتُكَ الْجِنْسِيَّةُ غُولٌ جَائِعٌ نَائِمٌ. إِيَّاكَ أَنْ تُوقِظَهَا فَتَأْكُلُكَ. لَا تُبْدِ رَأْيًا فِيمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَتَأْتِي بِسَخِيفِ الْقَوْلِ. [الرسالة السادسة عشرة]
أَلَا يَعْتَبِرُ الَّذِينَ يَسْكَرُونَ مِنْ خَمْرِ الشَّهَوَاتِ وَيَنْغَمِسُونَ فِي مُسْتَنْقَعِ اللَّذَّاتِ بِعَاقِبَةِ بُومْبِي؟! كَأَنِّي أَسْمَعُ قَهْقَهَةَ أَهْلِهَا الطَّائِشَةَ، إِذْ يَتَعَاطُونَ بَيْنَهُمُ الْكُؤُوسَ، وَيَرْقُصُونَ مِنْ فَرْطِ الطَّرَبِ، وَيُلَامِسُونَ النِّسْوَةَ الْحِسَانَ، وَيُنَادُونَ أَنِ اشْرَبُوا وَتَمَتَّعُوا، وَلْيَبْتَعِدْ عَنْكُمُ الْمَوْتُ! فَبَغْتَةً فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، بَيْنَمَا هُمْ مُسْتَرِيحُونَ عَلَى شَوَاطِئِ نَابُولِي، إِذْ سَمِعُوا صَيْحَةً مِنْ جَبَلِ فِيزُوفَ، وَرَأَوْا نَارًا تَسْعَى إِلَيْهِمْ، بِلَهِيبٍ يَطْبَخُ اللُّحُومَ، وَدُخَانٍ يَقْطَعُ الْأَنْفَاسَ، وَحُطَامٍ يَكْسِرُ الْعِظَامَ، وَظُلْمَةٍ تَجْعَلُ النَّهَارَ لَيْلًا! فَلَمْ يَجِدُوا فُرْصَةً لِلْفِرَارِ، بَلْ لَمْ يَجِدُوا فُرْصَةً لِلْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمُ انْقَلَبُوا إِلَى لَبِنٍ مَطْبُوخَةٍ، وَانْدَفَنُوا فِي رَمَادٍ سَاخِنٍ، وَأَنْتُمُ الْآنَ تَرَوْنَهُمْ قَدْ بَرَزُوا مِنَ الْأَرْضِ كَتَمَاثِيلَ قَدِيمَةٍ، وَطُرِحُوا عَلَى الطَّرِيقِ كَجِرَارٍ مَكْسُورَة! [الرسالة السابعة عشرة]
أَلَا يَا حُكَّامَ الْأَرْضِ الَّذِينَ يُبَاهُونَ بِسُلْطَتِهِمْ، وَيَغْتَرُّونَ بِجُنُودِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حَاكِمُونَ إِلَى الْأَبَدِ! احْذَرُوا اللَّهَ الَّذِي الْحُكْمُ لَائِقٌ بِهِ، وَقَدْ أَقَامَتْ سُلْطَتُهُ الْعَالَمَ، وَمَلَأَتْ جُنُودُهُ وَأَسْلِحَتُهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ فَإِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِكُمُ الْأَرْضَ، حَتَّى تُخْرَجَ مِنْهَا أَحَافِيرُكُمْ بَعْدَ أَلْفِ أَلْفِ سَنَةٍ، فَلَا تُعْرَفَ مِنْ أَحَافِيرِ الزَّوَاحِفِ! إِنَّهُ قَدْ دَسَّ فِي التُّرَابِ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنْ قَبْلِكُمْ، أَوْ أَغْرَقَهَا فِي الْمَاءِ، بَلْ أَبَادَ حَضَارَاتٍ، وَغَيَّبَ قَارَّاتٍ! [الرسالة التاسعة عشرة]
أَيْنَ حَضَارَةُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، الَّتِي كَانَتْ مَصْدَرَ الْأَسَاطِيرِ، وَأَيْنَ مَمْلَكَةُ فَارِسَ وَالرُّومِ الْمَجِيدَةُ؟! أَيْنَ بُنَاةُ أَهْرَامِ مِصْرَ، وَالَّذِينَ كَانُوا يَرُصُّونَ الْأَحْجَارَ الْعَظِيمَةَ كَطُوبٍ صَغِيرَةٍ؟! أَيْنَ أَتْلَانْتِسُ، تِلْكَ الْقَارَّةُ الْمَفْقُودَةُ الَّتِي يَظُنُّونَ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي وَقْتٍ؟! أَيْنَ الْأَقْوَامُ الْمَفْقُودَةُ الَّتِي لَا يَعْلَمُ مَصِيرَهَا إِلَّا هُوَ؟! أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ نُمْرُودَ، وَنَبَذَ آلَ فِرْعَوْنَ فِي الْيَمِّ، وَأَزَالَ عَادًا وَثَمُودَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالَّذِينَ كَانَ يَسْجُدُ لَهُمْ سَبْعَةُ مُلُوكٍ وَيَحْمِلُ عُرُوشَهُمْ خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَعْنَاقٌ رَفِيعَةٌ وَصُدُورٌ ضَخِيمَةٌ، وَيَصِلُونَ بِالذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ، وَيُجَهِّزُونَ جُنُودًا كَثِيفَةً، وَيَتَبَخْتَرُونَ فِي الْأَرْضِ وَيُغَنُّونَ: «نَحْنُ أَشَدُّ قُوَّةً وَأَعْلَى مَكَانًا، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْلِبَنَا؟!»، فَغَلَبَهُمْ وَأَرْغَمَ أُنُوفَهُمْ، حَتَّى أَصْبَحُوا يَرْتَكِمُ عَلَى لُحُومِهُمُ الْخَنَافِسُ، وَيَبُولُ عَلَى عِظَامِهُمُ الْكِلَابُ! [الرسالة التاسعة عشرة]
فَالْآنَ مَنْ جَرَّأَكُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَخْضَعُونَ لَهُ، حِينَ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ لِتَنْقَادُوا لِحُكْمِهِ، فَلَا تَلْتَفِتُونَ إِلَيَّ، وَأَفْوَاهُكُمْ مِنِّي ضَاحِكَةٌ؟! هَلْ طَائِرَاتُكُمْ إِلَّا كِذِبَّانٍ تَثِبُ، وَهَلْ صَوَارِيخُكُمْ إِلَّا كَبَعُوضٍ تَلْسَعُ، وَهَلْ جُنُودُكُمْ إِلَّا كَنِمَالٍ تَدُبُّ؟! بِزَلْزَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَنْهَارُ قُصُورُكُمْ، وَبِعَاصِفَةٍ وَاحِدَةٍ تَتَسَوَّى مُدُنُكُمْ، وَبِسَيْلٍ وَاحِدٍ يَنْطَمِسُ آثَارُكُمْ! أَيُّ سُلْطَةٍ تُنْجِيكُمْ وَأَيُّ جُنْدٍ وَسِلَاحٍ يَنْفَعُكُمْ، إِذَا شَاعَتْ بَيْنَكُمُ الْأَمْرَاضُ الْمُهْلِكَةُ، أَوْ غَارَتْ مِيَاهُكُمْ فِي الْأَرْضِ، أَوْ جَفَّتْ آبَارُ نَفْطِكُمْ وَغَازِكُمْ؟! إِنْ لَمْ يَنْزِلِ الْمَطَرُ فِيمَا بَعْدُ فَمَاذَا تَشْرَبُونَ، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتِ النَّبَاتُ فِيمَا بَعْدُ فَمَاذَا تَأْكُلُونَ؟! إِنْ غَلَبَ عَلَى بُيُوتِكُمُ الْآفَةُ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمُ الْخَوْفُ فَكَيْفَ تَرْقُدُونَ؟! كَيْفَ تُهَدِّئُونَ أَطْفَالَكُمْ، وَكَيْفَ تُسَلُّونَ نِسَاءَكُمْ؟! [الرسالة التاسعة عشرة]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: لَوِ اسْتَطَعْتُ لَمَحَوْتُ الْحَدِيثَ كُلَّهُ إِلَّا «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»، فَإِنَّ فِيهِ كِفَايَةً، وَلَوْ كُنْتُ مُبْقِيًا سِوَاهُ لَأَبْقَيْتُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»! [الفقرة ٣ من القول ١٧]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَالِمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: خَيْرُ حَدِيثٍ حَدَّثَ النَّاسُ بِهِ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»! قُلْتُ: ...مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ؟! فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: ...إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ قَوْلًا إِلَّا وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ، قَبِلَهُ مَنْ قَبِلَهُ وَرَفَضَهُ مَنْ رَفَضَهُ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»؟! قُلْتُ: بَلَى... وَلَكِنْ مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ قُرَيْشٍ؟! فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ! قَالَ: مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»؟! قُلْتُ: بَلَى... وَلَكِنْ مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ عِتْرَتِهِ أَهْلِ بَيْتِهِ؟! فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَعْرِفُونَهُمْ! قَالَ: دَعِ النَّاسَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ لَا يَعْرِفُوهُمْ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يَقْسِمُ الْمَالَ وَلَا يَعُدُّهُ»؟! وَقَوْلَهُ: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ»؟! فَالْمَهْدِيُّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مِنْ عِتْرَتِهِ أَهْلِ بَيْتِهِ! فَمَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَطَاعَ أَمْرَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا فَلَا أَرْغَمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَنْفِهِ، أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ! [الفقرة ٤ من القول ١٧]
يُخْبِرُونَ عَمَّا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُونَ عِلْمًا صَحِيحًا بِعَقَائِدِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِقْهًا كَبِيرًا فِي حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَكَلِمَاتُهُمُ الْقِصَارُ مُبْهَمَةٌ وَفَارِغَةٌ كَنَعِيقِ الْغُرَابِ! لَا جَذْرَ لَهُمْ فِي أَرْضِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا نَجْمَ لَهُمْ فِي سَمَاءِ التَّقْوَى! يُضِلُّونَ أَحَدًا بِحُلْمٍ لَمْ يَرَوْهُ، وَآخَرَ بِهَاتِفٍ لَمْ يَسْمَعُوهُ! يُلْقُونَ أَحَدًا فِي الْبِئْرِ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ، وَآخَرَ بِرِوَايَةٍ لَمْ تَصْدُرْ! يَخْدَعُونَ أَحَدًا بِكَلَامٍ لَاغٍ، وَآخَرَ بِطِلَسْمٍ مُعَقَّدٍ! وَهَكَذَا، لَا يَتْرُكُونَ بَابًا مَفْتُوحًا إِلَى الْمَهْدِيِّ إِلَّا وَيُغْلِقُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا قَصِيرًا لِأَنْصَارِهِ إِلَّا وَيَسُدُّونَهُ، وَلَا مَنْزِلًا طَيِّبًا لِمُحِبِّيهِ إِلَّا وَيُنَجِّسُونَهُ! كُلَّ يَوْمٍ يَتَّخِذُونَ لَوْنًا وَيَدَّعُونَ ادِّعَاءً وَيَكْتَشِفُونَ شَيْئًا جَدِيدًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِأَمَانِيِّهِمْ وَمُبَالَغَاتِهِمْ. يَشُوبُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَلُوثُونَ الصِّدْقَ بِالْكِذْبِ، حَتَّى لَا تَبْقَى لِلْحَقِّ حُرْمَةٌ وَلَا لِلصِّدْقِ قِيمَةٌ! عِنْدَمَا تُرْفَعُ رَايَةُ الْحَقِّ مَنْ يَعْرِفُهَا؟! وَعِنْدَمَا تُقَالُ كَلِمَةُ الصِّدْقِ مَنْ يَقْبَلُهَا؟! عَمِيَتِ الْأَبْصَارُ وَصَمَّتِ الْآذَانُ وَتَعِبَتِ الْأَيْدِي، وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ صَبْرٌ لِلْمُقَايَسَةِ وَالْإِسْتِقْصَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدْعِيَاءَ قَدْ بَثَّوْا بَذْرَ سُوءِ الظَّنِّ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَثَارُوا غُبَارَ التَّشَاؤُمِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَلَغُوا بِالنَّفْسِ إِلَى الْحُلْقُومِ وَبِالسِّكِّينِ إِلَى الْعَظْمِ. [القول ١٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قُلْتُ لِلْمَنْصُورِ: إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ فُلَانٌ الْيَمَانِيُّ يُنَادِي فِي النَّاسِ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، إِنَّهُ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ! ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَنْ نَادَى فِي النَّاسِ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ قَبْلَ وُقُوعِ الصَّيْحَةِ وَالْخَسْفِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، قُلْتُ: وَمَا الصَّيْحَةُ وَالْخَسْفُ؟ قَالَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِهِ وَخَسْفٌ بِجَيْشٍ مِنْ أَعْدَائِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَبِهِمَا يُعْرَفُ الْمَهْدِيُّ. [الفقرة ٣ من القول ١٩]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: مَنْ خَرَجَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عَصَبِيَّةٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ! قُلْتُ: وَمَا دُعَاؤُهُ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ؟ قَالَ: دُعَاؤُهُ إِلَى سُلْطَانِ قَوْمِهِ، أَوْ سُلْطَانِ حِزْبِهِ، أَوْ سُلْطَانِ مَذْهَبِهِ! ثُمَّ قَالَ: كُلُّ دُعَاءٍ غَيْرَ دُعَائِي هَذَا فَهُوَ كُفْرٌ وَضَلَالٌ وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ [يعني دعاءه إلى المهديّ خالصة]. [الفقرة ٩ من القول ١٩]
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ [ت٢٩٠ه] فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحُجْرِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، قَالَ: هُمُ الْأَئِمَّةُ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مُنَاسِبٌ لِلْأَئِمَّةِ، إِذْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَهْدُوا النَّاسَ وَيَعْدِلُوا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، ... وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ إِمَامٍ هَادٍ عَادِلٍ بِالْحَقِّ؛ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ عُقَلَاءُ الْقَوْمِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا؛ مِثْلُ الْجُبَّائِيِّ [ت٣٠٣ه] إِذْ قَالَ: «هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ الْبَتَّةَ عَمَّنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَالنَّحَّاسِ [ت٣٣٨ه] إِذْ قَالَ: «دَلَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْقُرْطُبِيِّ [ت٦٧١ه] إِذْ قَالَ: «دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخَلِّي الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْخَازِنِ [ت٧٤١ه] إِذْ قَالَ: «فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ قَائِمٍ بِالْحَقِّ يَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَقَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، ... وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! [الباب ١، الدرس ٥٤]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، انْتَهَى قَوْلُهُ، وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! فَهَلْ يَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا قَوْلَنَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا؟! وَلَا نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ آبَاؤُنَا، وَلَكِنْ لِمَا نَجِدُ مِنْ فَضْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا نُنْكِرُ فَضْلَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَاحَبَ نَبِيَّنَا، وَلَكِنْ لَا يُقَاسُ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا أَحَدٌ؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا عَدَّدْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: وَيْحَكَ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، وَهَذَا قَوْلٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٤١ه]، وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ التَّشَيُّعُ؛ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبِي، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، ... وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ كُلُّ عَالِمٍ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ نَحْنُ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنَ الرَّافِضَةِ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! [الباب ١، الدرس ٥٤]
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ [ت٣٨١ه] فِي «كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ»، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فَقَالَ: كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَامٌّ يَشْمُلُ كُلَّ قَوْمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَوْمُ قَرْنٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٩٠ه] فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى «الْمُسْنَدِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَالْهَادِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَادِيًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. [الباب ١، الدرس ٥١]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِمَامِ «خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذِهِ نِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: «رُوحُ اللَّهِ» وَ«بَيْتُ اللَّهِ» وَ«أَرْضُ اللَّهِ»، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَدِيثِ «الرَّايَاتِ»، وَلَكِنَّ الْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نِسْبِةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَحَّحَ حَدِيثَ الرَّايَاتِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَذْكُرُ «خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»، وَقَدْ بَالَغَ أَجْهَلُهُمْ فِي مَنْعِهَا حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهَا إِلَى الْفُجُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ إِلَّا مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، وَاللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ، وَبِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ»، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْخَلِيفَةِ إِلَى اللَّهِ هِيَ نِسْبَةُ تَمْلِيكٍ وَتَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُوحِي﴾ وَ﴿بَيْتِي﴾ وَ﴿أَرْضِي﴾، وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ بَعِيدٌ كَبُعْدِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ اللَّهِ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ النَّاسُ، ... وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِـ«خَلِيفَةِ اللَّهِ»، ... كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَادَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: «يَا خَلِيفَة اللَّهِ فِي الْأَرْضِ!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَهْ! ... لَمَّا وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ سَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ نَادَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَجَبْتُكَ، وَأَمَّا خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَلَسْتُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ خُلَفَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ دَاوُدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشِبْهُهُ»،... وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمَهْدِيِّ «خَلِيفَةَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مِثَالِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ... [الباب ١، الدرس ٥٠]
رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَلَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ إِلَّا بِذَلِكَ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِهَذَا نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَدْعُو، وَقَالَ: لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. [الباب ١، الدرس ٦٨]
هل يجوز السجود على غير الأرض وغير ما ينبت منها مثل الطنافس والبسط؟ فيه خلاف؛ فقد كان أبو بكر يسجد على الأرض مفضيًا إليها، وكان ينهى عن الصلاة على البراذع، وروي أنّه رأى قومًا يصلّون على بسط، فقال لهم: «أَفْضُوا إِلَى الْأَرْضِ»، وكان ابن مسعود لا يسجد إلا على الأرض، وكان عبادة بن صامت إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته، وكان عبد اللّه بن عمر إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتّى يضع جبهته بالأرض، ... وكان ابن سيرين وسعيد بن المسيّب يقولان: «الصَّلَاةُ عَلَى الطَّنْفَسَةِ مُحْدَثٌ»، وكان جابر بن زيد يكره الصلاة على كلّ شيء من الحيوان ويستحبّ الصلاة على كلّ شيء من نبات الأرض، ... وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والإدام ... وقال المروذي: «كَانَ أَحْمَدُ لَا يَرَى السُّجُودَ عَلَى ثَوْبٍ وَلَا خِرْقَةٍ إِلَّا مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ»، وهذه إحدى الروايتين عنه، وكان عطاء وعبيدة السلماني يتشدّدان في ذلك... وروي عن ابن عبّاس وأبي الدّرداء والحسن وغيرهم جواز السجود على الطنافس والبسط وهو قول جمهور السنّة، وممّا يدلّ على القول الأوّل ما روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَيَعْمِدُ أَحَدُنَا إِلَى قَبْضَةٍ مِنَ الْحَصَى، فَيَجْعَلُهَا فِي كَفِّهِ هَذِهِ، ثُمَّ فِي كَفِّهِ هَذِهِ، فَإِذَا بَرَدَتْ سَجَدَ عَلَيْهَا»، ...والحقّ أنّه لو جاز السجود على ثوب لكان ذلك أسهل، وما روى خبّاب بن الأرتّ قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا»، وما روى خالد الحذّاء قال: «رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صُهَيْبًا يَسْجُدُ كَأَنَّهُ يَتَّقِي التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: تَرِّبْ وَجْهَكَ يَا صُهَيْبُ»، ...وبه قال الأئمّة من أهل البيت. [السؤال والجواب ٤٥]
وأمّا اتّخاذ شيء من الأرض للسجود عليه في البيوت والمساجد مثل ما يفعل الشيعة فليس أمرًا محدثًا؛ فقد روى أبو الوليد قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَمَّا كَانَ بَدْءُ هَذِهِ الْحَصْبَاءِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: نَعَمْ، مُطِرْنَا مِنَ اللَّيْلِ فَخَرَجْنَا لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلَى الْبَطْحَاءِ فَيَجْعَلُ فِي ثَوْبِهِ مِنَ الْحَصْبَاءِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَاكَ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْبِسَاطَ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَدْئِهِ»، وكان عمر بن عبد العزيز يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه، وكان مسروق بن الأجدع من أصحاب ابن مسعود إذا خرج يخرج بلبنة يسجد عليها في السفينة، وكذلك اتّخاذ شيء من الأرض التي جعل اللّه فيها بركة للسجود عليه تبرّكًا؛ كما روى رزين مولى ابن عبّاس قال: «كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِلَوْحٍ مِنْ حِجَارَةِ الْمَرْوَةِ أَسْجُدُ عَلَيْهِ»، ولعلّ أوّل من فعل ذلك حرملة بن زفر من بني مالك بن ربيعة؛ فإنّه وفد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأخذ قبضة من تراب من تحت قدمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقدم بها على أهله فجعلها في صرّة، ثمّ جعلها في مسجده، فجعل يصلّي عليها، وكذلك اتّخاذ شيء من تراب قبر النبيّ وأهل بيته وأصحابه الصالحين على سبيل التبرّك؛ فقد روي عن عليّ بن أبي طالب أنّه لما رمس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جاءت فاطمة فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعته على عينها... وروى المطّلب أنّ الناس كانوا يأخذون من تراب قبر النبيّ حتّى أمرت عائشة بجداره فضرب عليهم، وروى محمّد بن شُرحبيل أنّ رجلًا أخذ قبضة من تراب قبر سعد بن معاذ يوم دفن فذهب بها، ثمّ نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ» حتّى عرف ذلك في وجهه... [السؤال والجواب ٤٥]
يجب الإعتقاد بإمكان رجعة بعض الموتى إلى الدّنيا قبل يوم القيامة، ولكن لا يجب الإعتقاد بأنّها واقعة حتمًا؛ لأنّ وقوعها الحتميّ أمر لا يُعرف من القرآن والسنّة المتواترة، ولا يدرك العقل ضرورته، على الرغم من أنّه يسلّم بإمكان وقوعها نظرًا إلى أنّ اللّه على كلّ شيء قدير، وقد فرّط أهل السنّة، فأنزلوه منزلة المحالات تعصّبًا وتشنيعًا على الشيعة؛ كما أنّ الشيعة أفرطوا، فجعلوه من ضروريّات المذهب، والطريقة الوسطى هي إمكانه وعدم حتميّته، واللّه تعالى أعلم. [السؤال والجواب ٣٩]
الإدّعاء بأنّ الإسلام قد تمّ تقديمه إلى العالمين بالسّيف ليس ادّعاء صحيحًا؛ لأنّ الإسلام قد تمّ تقديمه إليهم أوّلًا وقبل كلّ شيء، بالكتب التي كتبها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى الملوك بعد صلح الحديبيّة، ودعاهم فيها إلى دين الحقّ. بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيضًا لم ينتصر المسلمون على إيران والروم بالإعتماد على قوّة سيوفهم فقطّ؛ لأنّ قوّة سيوفهم لم تكن أشدّ من قوّة سيوف تلك القوى العملاقة وبطبيعة الحال، لم يكن من الممكن أن تؤدّي إلى انتصارهم على كسرى وقيصر بمفردها. لذلك، فمن الإنصاف أنّ العامل الأكثر أهمّيّة في تأثير الإسلام وانتشاره وبقائه في مختلف البلدان، كان تعاليمه الجذّابة والبديعة والمنمّية للبشر، التي لا تزال تسبّب تأثيره وانتشاره وبقاءه في مختلف البلدان؛ كما نبّه العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في مبحث «الطريقة المناسبة لمواجهة الكافرين» من كتاب «العودة إلى الإسلام» على هذه النقطة المهمّة... لذلك، يبدو أنّ ادّعاء تأثير الإسلام وانتشاره وبقائه في مختلف البلدان اعتمادًا على السيف هو إغراق وتعسّف واضح، قد نشأ من إيحاءات أعداء الإسلام فحسب. بالطبع، ليس هناك شكّ في أنّ المسلمين قاموا بحروب في بلدان مختلفة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، لكنّ هذه الحروب لم تكن مع شعوب هذه البلدان في الغالب، بل كانت مع حكّامها الكافرين والظالمين الذين غالبًا ما كانوا هم أنفسهم قد استولوا على هذه البلدان من خلال الحروب واضطهدوا أهلها، وعليه ينبغي اعتبار حروب المسلمين جهادًا منهم في سبيل تحرير هذه البلدان من احتلال الكافرين والظالمين. [السؤال والجواب ٦٨]
إنّ أمر اللّه تعالى بقتال الكافرين والظالمين، هو فقط لغرض القضاء على الكفر والظلم وإنقاذ المستضعفين والمظلومين في العالم، لا النهب والاعتداء وغزو البلدان؛ كما قال بصراحة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ لأنّ اللّه تعالى لا يحتاج إلى نهب واعتداء وغزو للبلدان، لكنّه لا يقرّ الكفر والظلم في العالم؛ كما قال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾. من الغريب أنّ الكافرين والظالمين طوال تاريخهم، قد حاربوا المستضعفين والمظلومين دائمًا ولم يألوا أيّ نهب واعتداء وغزو للبلدان لغرض نشر الكفر والظلم في العالم، ولكنّهم يعتبرون حروب المسلمين لغرض نشر التوحيد والعدل في جميع أرجاء العالم وإنقاذ المستضعفين والمظلومين مثالًا على النهب والاعتداء وغزو البلدان! من الواضح أنّ هذا كيد شيطانيّ منهم لأجل السيطرة على العالم؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. [السؤال والجواب ٦٨]
الحديث المعروف بين أهل الحديث بـ«حديث الرايات»، هو أقدم وأشهر وأصحّ ما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه وأهل بيته في باب علامات ظهور المهديّ عليه السلام، بحيث أنّه كان مصدر إلهام لكثير من الثورات في تاريخ الإسلام، كثورة عبد الرحمن بن الأشعث (ت٨٥هـ) ضدّ عبد الملك بن مروان، وثورة حارث بن سريج (ت١٢٨هـ) ضدّ نصر بن سيّار، وثورة أبي مسلم الخراسانيّ (ت١٣٧هـ) ضدّ بني أميّة، وانعكس في كتب جميع المذاهب الإسلاميّة... كما روى كثير منهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نظر يومًا إلى فتية من بني هاشم، فتغيّر لونه واغرورقت عيناه، فقيل: يا رسول اللّه، لا نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه، فقال: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ لَنَا اللَّهُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَوْنَ بَعْدِي بَلَاءً وَتَشْرِيدًا وَتَطْرِيدًا، حَتَّى يَأْتِيَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ -أَوْ قَالَ: مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ- مَعَهُمْ رَايَاتٌ سُودٌ يَسْأَلُونَ الْحَقَّ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَيُقَاتِلُونَ فَيُنْصَرُونَ، فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا، فَمَنْ أَدْرَكَهُمْ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ أَعْقَابِكُمْ، فَلْيَأْتِهِمْ وَلْيُبَايِعْهُمْ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّهَا رَايَاتُ هُدًى، يَدْفَعُونَهَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»، وهذا حديث صحيح الإسناد؛ لأنّ رواته من الرجال المشهورين والمرضيّين بين المسلمين... بل الحقّ أنّ هذا الحديث بالغ مبلغ التواتر... والحقّ أنّه لا يوجد في هذا الباب حديث آخر له مثل هذه القدمة والشهرة والأسناد والتأثيرات التاريخيّة. [الشبهة والرّدّ ٢٣]
وفقًا لهذا الحديث [حديث الرايات]، يجب على كلّ مسلم اللحوق بنهضة تظهر في خراسان الكبرى من شرق دار الإسلام مع رايات سود، فتدعو إلى أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عمومًا وإلى المهديّ عليه السلام خصوصًا وتمهّد لحكومة المهديّ عليه السلام، وهي نهضة يعتقد كثير من أهل العلم أنّها نهضة المنصور الهاشمي الخراساني؛ لأنّ نهضة هذا العالم الصالح الجليل قد ظهرت في خراسان الكبرى من شرق دار الإسلام مع رايات سود، فتدعو إلى أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عمومًا وإلى المهديّ عليه السلام خصوصًا وتمهّد لحكومة المهديّ عليه السلام، ولم تظهر قبلها في هذه المنطقة نهضة بهذه الصفة، ولو ظهرت بعدها في هذه المنطقة نهضة بهذه الصفة فرضًا ستكون لا محالة تابعة ومواصلة لها؛ لأنّها ستفعل ما بدأته من قبل، ولا معنى لإعادة بدئه كما هو واضح، وعليه فلا يمكن ظهور نهضة أخرى في هذه المنطقة بهذه الصفة إلا أن تكون تابعة لنهضة المنصور، ولا شكّ أنّ اللحوق بالمتبوع أولى من اللحوق بالتابع، بل ليس من المعقول أن لا يأمر اللّه بلحوق المتبوع ثمّ يأمر بلحوق التابع؛ كما قال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾... لذلك، يعتقد المتعقّلون من أهل العلم أنّه لو لم تكن نهضة المنصور الظاهرة في هذه المنطقة للدعوة إلى المهديّ والتمهيد لظهوره تأويل هذا الحديث، فلن تكون أيّ نهضة بعدها تأويل هذا الحديث؛ لأنّ كلّ نهضة ظهرت بعدها في هذه المنطقة لن تخلو من إحدى الحالتين: إمّا ستكون مثلها داعية إلى المهديّ وممهّدة لظهوره، فلن تكون تأويل هذا الحديث مثلها، أو ستكون غير داعية إلى المهديّ وغير ممهّدة لظهوره، فلن تكون تأويل هذا الحديث من باب أولى؛ لأنّ هذا الحديث قد جعل الدعوة إلى المهديّ والتمهيد لظهوره أهمّ صفة تأويله، فإذا لم تكن النهضة التي تدعو إلى المهديّ وتمهّد لظهوره تأويله، فكيف تكون النهضة التي لا تدعو إلى المهديّ ولا تمهّد لظهوره تأويله؟! [الشبهة والرّدّ ٢٣]
لا يُحكم على قائل نظرًا إلى اسمه واسم أبيه وبلده وسنّه وصورته وقامته ولباسه وغير ذلك من أوصافه الشخصيّة الظاهريّة، ولكن يُحكم عليه نظرًا إلى ما يقول. فإن كان ما يقول موافقًا للعقل والشّرع فهو صادق يجب تصديقه وكذلك نصره إن احتاج إلى نصر، بغضّ النظر عن اسمه واسم أبيه وبلده وسنّه وصورته وقامته ولباسه وغير ذلك من أوصافه الشخصيّة الظاهريّة؛ لقول اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾... وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وإن كان ما يقول مخالفًا للعقل والشّرع فهو كاذب يجب تكذيبه وكذلك نهيه ومنعه، بغضّ النظر عن اسمه واسم أبيه وبلده وسنّه وصورته وقامته ولباسه وغير ذلك من أوصافه الشخصيّة الظاهريّة؛ لقول اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾... وقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ومن الواضح أنّ ما يقول السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليس به خفاء؛ لأنّ كتبه ورسائله وأقواله ودروسه وما يتعلّق بها من الأسئلة والأجوبة والشبهات والردود والمقالات والملاحظات منشورة في موقعه الإعلاميّ، ويمكن لكلّ عاقل أن ينظر فيها حتّى تتبيّن له موافقة ما يقول للعقل والشّرع. فمن توقّف في الحكم عليه بعدها لعدم الإطّلاع على اسمه واسم أبيه وبلده وسنّه وصورته وقامته ولباسه وغير ذلك من أوصافه الشخصيّة الظاهريّة، فلا يخلو من إحدى الخصلتين: إمّا سفيه يحكم على الرّجال بالنظر إلى أوصافهم الشخصيّة الظاهريّة، فإن استحسنها مال إليهم، وإن لم يستحسنها أعرض عنهم، وكفى بذلك سفاهة، أو عدوّ لهذا العبد الصالح يتجسّسه ابتغاء السوء والفتنة، ويستطلع أوصافه الشخصيّة التي تمكّنه من الوصول إليه ليقتله أو يأخذه، من فرط بغضه وبغض ما يقول، ومن الواضح أنّه لا وجه لإعانته على ما يريد في أيّ من الحالتين؛ لأنّها إعانة على الإثم والعدوان، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. [الشبهة والرّدّ ٢٤]
لا يخفى على ذي علم شرعيّة التقيّة في الإسلام لقول اللّه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وقوله في رجل مؤمن من آل فرعون ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، وذلك من فروع قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. فمن زعم أنّ التقيّة والكتمان لا وجه لهما ولا يحلّان مشكلة، فقد ناقض اللّه في قوله وادّعى أنّه شرع باطلًا! لا شكّ أنّ التقيّة والكتمان مشروعان نافعان للمؤمن المحسن الذي يخاف على دينه أو نفسه من الظالمين، والسيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى هو مثال كامل لهذا المؤمن، بل لا نعرف اليوم مؤمنًا أولى منه بالتقيّة والكتمان؛ لأنّه يدعو الناس إلى ترك طاعة كلّ حاكم أو إمام أو شيخ غير خليفة اللّه في الأرض، ولذلك يبغضه أتباع جميع الحكّام والأئمّة والشيوخ في العالم، ويتظاهرون عليه بكلّ ما في وسعهم، ولا يرتاحون حتّى يأخذوه أو يقتلوه، ولذلك لم يبق له خيار إلّا العمل سرًّا. [الشبهة والرّدّ ٢٤]
من كان يريد معرفة المزيد عن سيرة هذا العبد الصالح وسلوكه وأوصافه فله طريق واحد فقطّ، وهو أن يلحق بأصحابه على بصيرة وإخلاص، ثمّ يصبر نفسه معهم ناصحًا مناصرًا، حتّى تتبيّن لهم أهليّته، فيدخلوه عليه، أو يخبروه بالمزيد عن سيرته وسلوكه وأوصافه. غنيّ عن القول أنّه ليس في جزيرة من جزائر البحر أو مغارة من مغارات الجبل، بل هو يعيش في الناس، ويعاشرهم بالمعروف، ويعود مرضاهم، ويحضر جنائزهم، ويدخل مجالسهم، ويمشي في أسواقهم، ويصلّي في مساجدهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إلا أنّهم لا يعرفونه حقّ معرفته، وليسوا على علم بحركته العالميّة، وإنّما هو عندهم رجل غريب له علم وصلاح، وأعرفهم به من يعتبره عالمًا صالحًا معتزلًا عن الدّنيا وأهلها له مجالس درس يعلّم فيها القرآن والسنّة والأخلاق الحسنة، وهو مع ذلك كثير التنقّل في الأرض لكي لا تطول إقامته في مكان فيُعرف، وذلك لأنّ له هيبة وجلالة وفضيلة ظاهرة لا تكاد تخفى على أحد، بحيث أنّه كلّما خرج على الناس مدّوا إليه الأعناق وأشاروا إليه بالأصابع لما يجدون في سيمائه من أمارات الطهارة والكمال، وهو يكره ذلك لفراره من الشهرة. هو كنز مخفيّ يظهره اللّه لمن يشاء، وما التوفيق إلّا باللّه، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [الشبهة والرّدّ ٢٤]
في مكان آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام»، يعتبر الخراسانيّ أنّ إقامة الإسلام مفيدة وفعّالة فقطّ في شكلها الخالص والكامل، ويعتقد أنّ إقامة جزء منه بمفرده أو مختلطًا مع غيره ليست فقطّ غير مفيدة وغير فعّالة، بل قد تكون ضارّة وخطيرة، وهذا مخالف لتصوّر معظم المسلمين الذين يحسبون أنّ إقامة جزء من الإسلام أيضًا مرغوب فيها. إنّه يشبّه الإسلام بنظام واحد ذي أجزاء مترابطة إذا لم يعمل أحد أجزاءها تفقد الأجزاء الأخرى كفاءتها ويفشل النظام بأكمله. لذلك، ليس أمام المسلمين خيار سوى إقامة الإسلام كلّه في شكله الخالص، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا في ظلّ تعليم خليفة اللّه في الأرض. القضيّة الأساسيّة والمهمّة الأخرى في هذا الكتاب هي أنّ المؤلّف يعتبر تطبيق الحدود والعقوبات الإسلاميّة مشروطًا بتطبيق جميع الأحكام العامّة والسياسيّة للإسلام، ويعتقد أنّ تشريع هذه الحدود والعقوبات تمّ بالنظر إلى حكومة خليفة اللّه في الأرض وبالتناسب مع الزمان والمكان الذي يتمّ فيه تطبيق سائر أحكام الإسلام كعوامل رادعة. لذلك، فإنّ تطبيق هذه الحدود والعقوبات في زمان ومكان آخر غير عادل وغير مناسب؛ خاصّة بالنظر إلى أنّ أحكام الإسلام، من وجهة نظر المؤلّف، مترابطة ومتشابكة وتؤثّر على بعضها البعض وتتأثّر ببعضها البعض. [المقالة ١]
المنصور الهاشمي في جزء آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام» يعتبر اختلاف المسلمين وحاكميّة غير اللّه والإختلاط بالأمم والثقافات غير الإسلاميّة وظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض والإنحطاط الاخلاقيّ ومنع الأعداء من أهمّ موانع إقامة الإسلام الخالص والكامل من بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى الآن، ويتحدّث عن كلّ واحد بالتفصيل وبنظرة تاريخيّة وباثولوجيّة ومتحرّرة من المذاهب. كما يعتبر النزعة الحديثيّة أحد موانع معرفة الإسلام الخالص والكامل وإقامته من قبل المسلمين؛ لأنّه في رأيه، الحديث بمعنى خبر ظنّيّ عن سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، نظرًا لعدم حجّيّة الظنّ في الإسلام، ليس معتبرًا ولا يكفي الإستناد إليه لاستنباط عقيدة أو حكم. إنّه يعتقد أنّ استثناء الظنّ الناشئ عن الحديث من سائر الظنون لا دليل له؛ لأنّ عدم حجّيّة الظنّ من الأحكام العقليّة، والأحكام العقليّة لا تقبل استثناء. لذلك، ليس هناك اعتبار إلا للحديث المتواتر الذي كثر رواته وأدّى إلى اليقين، وهذا في حين أنّ مثل هذا الحديث قليل جدًّا وغير متاح بما فيه الكفاية. مع ذلك، من وجهة نظر المؤلّف، فإنّ حلّ هذه المعضلة ليس الرجوع إلى الحديث غير المتواتر، بل الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وإذا لم يكن من الممكن الرجوع إليه في الوقت الحاضر، فذلك بسبب تقصير الناس في توفير مقدّماته، ومن ثمّ ليس عذرًا مبرّرًا لهم للرجوع إلى الحديث غير المتواتر. يعتقد الهاشمي الخراساني أنّ الناس بتقصيرهم في اتّخاذ الترتيبات اللازمة للوصول إلى خليفة اللّه في الأرض قد أوقعوا أنفسهم في مأزق حتّى صاروا كمن لا خيار له، وليست حالتهم هذه من عند اللّه حتّى تكون في تعارض مع لطفه. مع ذلك، فإنّه يعتقد أنّ الناس يمكنهم الخروج من هذه الحالة؛ لأنّ وصولهم إلى خليفة اللّه في الأرض ممكن عندما يضمنون أمنه؛ كما أنّ حاكميّته عليهم ممكنة عندما يضمنون نصرته وطاعته. [المقالة ١]
المؤلّف في هذا الجزء من كتابه، بعد تعريف النبيّ الخاتم وإثبات نبوّته، يبيّن مكانة القرآن والسنّة وينبّه على نكات مهمّة وأساسيّة جدًّا في هذا الصدد. إحدى هذه النكات هي عدم إمكان نسخ القرآن وتخصيصه وتعميمه بالسنّة؛ نظرًا لأنّ شأن السنّة هو تبيين القرآن فحسب ولا يمكن أن تتعارض معه بأيّ وجه من الوجوه؛ كما أنّها ظنّيّة في أكثر الحالات وليس لديها القدرة على التعارض مع القرآن اليقينيّ، بل في الحالات التي يمكن اعتبارها متواترة أيضًا، ليست متواترة بقدر القرآن ولذلك، لا تصل إلى مستواه حتّى تنسخه أو تخصّصه أو تعمّمه. يعتبر المؤلّف في جزء آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام» أنّ سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حجّة وقابلة للاتّباع إلى الأبد، لكنّه يعتقد أنّ الوصول إليها بشكل يقينيّ كان في أكثر الأحيان ممكنًا لأهل زمانه وليس ممكنًا للأجيال القادمة، ومن ثمّ فإنّ الأجيال القادمة يحتاجون إلى مرجع آخر للتيقّن من سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خليفة اللّه في الأرض الذي يعتبر خليفة النبيّ في تنفيذ أوامر اللّه وهو بطبيعة الحال متاح دائمًا للناس مثل القرآن. [المقالة ١]
المؤلّف، بعد فحص النصوص الإسلاميّة القطعيّة المشتملة على آيات القرآن وأحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، يثبت بطريقة متقنة وقابلة للقبول من قبل جميع المسلمين وبعيدة عن أيّ توجّه مذهبيّ، أنّ الخلفاء بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اثنا عشر رجلًا من أهل بيته أوّل ثلاثة منهم عليّ والحسن والحسين وآخرهم المهديّ. ثمّ يقوم بدراسة قضيّة المهديّ ودوره في تحقيق المثل الأعلى للإسلام وهو العدل العالميّ، ويقدّم في هذا الصدّد تفاصيل دقيقة وعميقة هي بديعة وغير مسبوقة بالكامل. على سبيل المثال، فإنّه خلافًا للآخرين الذين يعتقدون أنّ ظهور المهديّ يعتمد أولًا على إرادة اللّه وفعله ويتوقّف على حكمته، يعتقد أنّه يعتمد أولًا على إرادة الناس وفعلهم ويتوقّف على استعدادهم ويؤكّد بشكل صريح وحاسم أنّ وصولهم إلى المهديّ ممكن، وبالتالي يجب عليهم أن يفكّروا فقطّ في حفظه ودعمه وطاعته وأن لا يشتغلوا بالحفظ والإعانة والطاعة لأحد غيره كائنًا من كان. [المقالة ١]
يبيّن الهاشميّ في تكملة كتابه أهمّ مبدأ في الاسلام وهو التوحيد ويقسّمه إلى ثلاثة أقسام: التوحيد في التكوين والتوحيد في التشريع والتوحيد في التحكيم أو الحكم شارحًا لكلّ منها بالتفصيل. ثمّ يقوم بتبيين سائر أصول عقائد الإسلام وأحكامه ويعيد تعريف كلّ منها بطريقة بديعة؛ كما يفتح أبوابًا جديدة في الزكاة والحجّ والجهاد لأهل الفقه، ينفتح من كلّ باب أبواب أخرى. بهذه الطريقة، فإنّه مستندًا إلى القواعد العقليّة الواضحة ومستشهدًا بالنصوص الشرعيّة القطعيّة التي ليست سوى آيات القرآن وأحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، يعيد تعريف عقائد الإسلام وأحكامه ويقدّم قراءة جديدة ومختلفة له يمكن اعتبارها مدرسة وأيديولوجية إسلاميّة قادرة على إحداث ثورة في موقف ونهج مسلمي العالم وتمهيد الطريق لوحدتهم وتقاربهم في المستقبل القريب وتغييرات كبيرة وأساسيّة في هياكلهم السياسيّة والثقافيّة. نحن نوصي جميع مسلمي العالم وخاصّة أهل العلم بقراءة هذا الكتاب الهامّ والمؤثّر، ونتوقّع منهم ومن مسؤولي الدّول الإسلامية التحلّي بالصبر والحلم اللازمين في التعامل معه، مراعاة لحرّيّة الفكر والتعبير، والتزامًا بالأخلاق الإسلاميّة وآداب المناقشة العلميّة، وتجنّبًا للمواجهات المتسرّعة واللاعقلانية مع الفكر والمفكّرين. [المقالة ١]
كتاب «العودة إلى الإسلام»
كتاب «هندسة العدل»
كتاب «تنبيه الغافلين على أنّفي الأرض خليفة للّه ربّ العالمين»
كتاب «الدّرّ المنضودفي طرق حديث الرّايات السّود»
كتاب «الكلم الطّيّب»
كتاب «مناهج الرّسولصلّى اللّه عليه وآله وسلّم»
كتاب «التنبيهات الهامّة على ما فيصحيحي البخاري ومسلم من الطامّة»
كتاب «فصل الخطاب في الردّ على المدّعي الكذّاب»