الثلاثاء ١٠ محرم ١٤٤٦ هـ الموافق لـ ١٦ يوليو/ حزيران ٢٠٢٤ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الأسئلة والأجوبة: ما حكم قيام الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين إذا كان المكان ضيّقًا؟ اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ١١. اضغط هنا لقراءته. جديد الأقوال: ثلاثة أقوال من جنابه في حكم التأمين. اضغط هنا لقراءتها. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «مقال حول كتاب <تنبيه الغافلين على أنّ في الأرض خليفة للّه ربّ العالمين> للعلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى» بقلم «حسن الميرزائي». اضغط هنا لقراءتها. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الشبهات والردود: يقول السيّد المنصور في كتاب «العودة إلى الإسلام» (ص٢١٦) بوجوب عرض الروايات على القرآن، كما جاء في الحديث؛ لأنّه يرى أنّ الروايات ليس لها أن تنسخ القرآن أو تخصّصه أو تعمّمه. فهل حديث عرض الروايات على القرآن ثابت وفق معايير أهل الحديث؟ اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الكتب: تمّ نشر الطبعة الخامسة من الكتاب القيّم «الكلم الطّيّب؛ مجموعة رسائل السّيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
موانع العودة إلى الإسلام؛ الإختلاط بالأمم والثقافات غير الإسلاميّة

إنّ السّبيل الوحيد لنجاة المسلمين هو كسر الإعتماد على الكفّار وكسب الإستقلال الثقافيّ والإقتصاديّ، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلّا بإزالة الحدود المصطنعة والتوحّد بينهم تحت راية خليفة اللّه في الأرض؛ لأنّه إذا كان الكفّار متّحدين مع بعضهم البعض، فإنّ المسلمين المتشتّتين لا يقدرون على مقاومتهم، وهذا قانون طبيعيّ من قوانين اللّه. [العودة إلى الإسلام، ص١٥١]

موانع العودة إلى الإسلام؛ الإختلاط بالأمم والثقافات غير الإسلاميّة

إنّ إنشاء دولة إسلاميّة واسعة من خلال دمج كلّ بلاد المسلمين فيها، تحت راية الحاكم الذي سمّاه اللّه وعيّنه، هو السّبيل الوحيد لنجاح المسلمين وسيطرتهم على العالم. بالرّغم من أنّه يمكن قبل ذلك التفكير في طرق أقصر، مثل تشكيل اتّحاد من الدّول الإسلاميّة بعملة واحدة وجيش واحد، كمقدّمة لتأسيس الحكومة الإسلاميّة الواحدة؛ لأنّ الإنتقال المباشر للمسلمين من المرحلة الحاليّة إلى المرحلة المثاليّة، حتّى في ظلّ ثورة عامّة في البلاد الإسلاميّة مثل الثورة المعروفة باسم «الربيع العربيّ» التي حدثت مؤخّرًا في بعض الدّول العربيّة، هو أمر بالغ الصّعوبة. لذلك، يبدو أكثر عمليًّا أن يتمّ في المقام الأوّل إنشاء اتّحاد كبير مثل الإتّحاد الأوروبيّ، مع عضويّة جميع الدّول الإسلاميّة ووضع حدود مفتوحة وعملة مشتركة وجيش مشترك، وفي المقام الثاني، إنشاء اتّحاد أعمق بينهم في شكل حكومة إسلاميّة شاملة وقائمة على اتّباع خليفة اللّه في الأرض. هذا بالتأكيد سبيل خلاص المسلمين ووصولهم إلى سعادة الدّنيا والآخرة. [العودة إلى الإسلام، ص١٥١ و١٥٢]

موانع العودة إلى الإسلام؛ رواج النّزعة الحديثيّة

سبب آخر لعدم إقامة الإسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما راج بعده من النّزعة الحديثيّة. المراد بالنّزعة الحديثيّة هو بناء العقائد والأعمال على أقوال وأفعال منسوبة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشكل غير متواتر بواسطة رجال يحتمل كذبهم أو خطأهم أو نسيانهم، وبالتّالي فإنّ صحّتها غير قطعيّة؛ لأنّه من المحسوس أنّ خبر واحد غير معصوم، حتّى إذا كان ظاهره الصّدق، يمكن أن يكون صحيحًا ويمكن أن يكون غير صحيح... بهذا يتّضح أنّ أخبار الآحاد لا توجب اليقين، بل هي في أحسن حالة ممكنة توجب الظنّ، وهذا أمر متّفق عليه بين أهل النّظر من المسلمين، بل العقلاء كافّة. في حين أنّ الظنّ لا يصلح لأن يكون أساس عقيدة المسلمين وعملهم، والإسلام مبنيّ على اليقين فقطّ؛ كما قال اللّه مرارًا وصراحة: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. [العودة إلى الإسلام، ص١٥٢-١٥٤]

موانع العودة إلى الإسلام؛ رواج النّزعة الحديثيّة

كذلك اتّخذ المسلمون من بعده [يعني بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم] أحد المنهجين: اتّباع كتاب اللّه وأهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، واتّباع كتاب اللّه وحده، فكان هذان المنهجان هما المنهجين الوحيدين بينهم، ولم يكن بينهم منهج ثالث. إنّما ظهر المنهج الثالث في العقود التالية بعد غلبة المنهج الثاني على المنهج الأوّل، بدافع ملء فراغ أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بين المسلمين، وكان ذلك اتّباع كتاب اللّه وحديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، في حين أنّ المسلمين الأوائل لم يكن لديهم مثل هذا المنهج، ولم يكونوا يوافقون على وضع حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بجانب كتاب اللّه، بل كانوا يعارضون ذلك ويكافحونه بقوّة؛ لأنّ ما سمّي الحديث كان مجرّد روايات ظنّيّة وخالية من القرائن اللازمة لفهم كامل وصحيح لم تكن صالحة لأن توضع بجانب كتاب اللّه وتسدّ فراغ أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وكان يُخشى إن انتشر أن يفسح المجال فقطّ لظهور الإختلاف بين الأمّة في العقائد والأعمال الإسلاميّة وافتراقهم عن كتاب اللّه. لذلك، فإنّهم كانوا يمنعون بجدّيّة من كتابة الحديث وروايته، وحتّى يقومون بجمع الكتب والأجزاء الحديثيّة وطمسها. [العودة إلى الإسلام، ص١٥٦]

موانع العودة إلى الإسلام؛ رواج النّزعة الحديثيّة

على الرّغم من أنّهم [يعني الصحابة] كانوا يختلفون في ضرورة الرّجوع إلى أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كمرجع حيّ ويقينيّ لمعرفة الإسلام، إلّا أنّهم لم يكونوا يختلفون في عدم ضرورة الرّجوع إلى أخبار الآحاد، وكانوا بأجمعهم مخالفين لتدوينها وترويجها كأساس دينيّ. في غضون ذلك، لم يكن يهتمّ برواية الحديث إلّا عناصر شابّة ذات رتب دنيا منهم كأبي هريرة، ولهذا السّبب امتلأت كتب الحديث برواياتهم، وإلّا فإنّ كبراء مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير وسلمان وأبي ذرّ وعمّار وغيرهم، قلّما كانوا يروون حديثًا، وكانوا أيضًا يمنعون أمثال أبي هريرة من كثرة الرّواية، ولهذا السّبب توجد روايات قليلة منهم في كتب الحديث. طبعًا لم يكن نهجهم هذا بسبب كراهيتهم للأقوال والأفعال التي سمعوها ورأوها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولكنّه كان فقطّ بسبب أنّهم علموا أنّ أساس الإسلام هو اليقين، واليقين لا يتحصّل من خلال خبر الواحد، ولذلك فإنّ الإهتمام به غير صالح، بل قد يكون ضارًّا؛ لأنّه يمنع الإهتمام باليقينيّات، وبالتّالي يسبّب اختلاف المسلمين في آرائهم وأعمالهم في المستقبل؛ كما وقع ذلك. [العودة إلى الإسلام، ص١٥٧-١٦٠]

رسالة من جنابه فيها يأمر بالعدل ويدعو إلى أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

جَاءَ الْأَنْبِيَاءُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ بِالْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَبَيَّنُوا لِكُلِّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَنَادَوْا بِالْعَدْلِ فِي الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعِةِ لِهَذِهِ الْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ مِنَ الْجَبَلِ وَالصَّحْرَاءِ وَالْغَابَةِ وَالْبَحْرِ، وَكَافَحُوا الظُّلْمَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ، وَلَكِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ نَسُوا عَهْدَ اللَّهِ فِي يَوْمِ النَّفْيِ وَفَقَدُوا مِفْتَاحَ الْفَلَاحِ، كَذَّبُوهُمْ وَلَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ أَقْدَارَهُمْ، وَلَا يَرْضَوْنَ بِمَوَاضِعِهِمْ، وَيَسْتَعْلِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَأْلِفُونَ الظُّلْمَ وَالْفَسَادَ، وَيَتَّبِعُونَ كُبَرَاءَهُمْ، وَكَانَ كُبَرَاؤُهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ لِيَتَخَطَّفُوا الْأَنْبِيَاءَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّهُمْ قَدْ قَعَدُوا فِي مَقَاعِدِ الْآخَرِينَ، وَلَوِ انْقَادُوا لِلْعَدْلِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْقِيَامِ مِنْ مَقَاعِدِهِمْ وَتَرْكِ الْكُبْرِ لِلَّذِينَ أَكْبَرَهُمُ اللَّهُ؛ الَّذِينَ قَدِ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَاضْطُهِدُوا بِأَيْدِيهِمْ! فَلَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا أَنْكَرَهُ كُبَرَاءُ النَّاسِ وَوَقَفُوا فِي وَجْهِهِ لِكَيْ لَا يَتَقَدَّمَ؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّ مَا أُرْسِلَ بِهِ الْمُنْذِرُونَ كَانَ هُوَ «الْعَدْلَ» الَّذِي لَمْ يَكُنْ كُبَرَاءُ الْقُرَى يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَمْ يَزَلْ يُضِرُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَيَنْفَعُ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَيَضَعُ هَؤُلَاءِ وَيَرْفَعُ هَؤُلَاءِ! فَتَعَاطَوْا فَذَبَحُوا بَعْضًا، وَحَرَّقُوا بَعْضًا، وَأَلْقَوْا بَعْضًا إِلَى الْأُسْدِ الْجَائِعَةِ، وَرَمَوْا بَعْضًا مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ الشَّاهِقِ، وَاسْتَفَزَّوْا بَعْضًا مِنَ الْأَرْضِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَحْتَمِلُونَ الْعَدْلَ وَيَخَافُونَ قِيَامَهُ! [الرسالة الحادية عشرة]

رسالة من جنابه فيها يأمر بالعدل ويدعو إلى أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

جَاءَ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى الْعَدْلِ، فَكُذِّبُوا وَظُلِمُوا، حَتَّى جَاءَ دَوْرُ خَاتَمِهِمْ وَوَارِثِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ يَأْتِ فِيهَا نَبِيٌّ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهَا وَحْيٌ؛ كَانَ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ قَدْ حُرِّفَتْ، وَالسُّنَنُ الْحَسَنَةُ قَدْ بُدِّلَتْ، وَسُبُلُ النَّجَاةِ قَدْ خَفِيَتْ، وَأَعْلَامُ الْهُدَى قَدْ سَقَطَتْ؛ النَّاسُ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَتِيهُونَ فِي ظُلُمَاتِ الْخُرَافَاتِ وَالْأَوْهَامِ؛ يَعِيشُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَمُوتُونَ فِيهَا؛ لَا يَعْرِفُونَ أَقْدَارَهُمْ، وَيَعْتَدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ، بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ. فَبَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ كَمَا يَجِبُ، وَاسْتَقَامَ عَلَى طَرِيقَتِهِ كَمَا يَحِقُّ؛ أَدَّى مَا وُكِّلَ بِهِ مِنْ دَعْوَةِ الْعَدْلِ، وَأَخَذَ فِيمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْعَدْلِ... فَدَعَا إِلَى الْعَدْلِ، وَجَهَدَ فِي إِقَامَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ... حَتَّى رَضِيَ اللَّهُ لَهُ جِوَارَهُ، وَقَبَضَ إِلَيْهِ رُوحَهُ الطَّيِّبَةَ، وَأَلْحَقَهَا بِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ... كَانَ هَذَا انْتِهَاءَ سِلْسِلَةِ النُّبُوَّةِ، وَانْغِلَاقَ بَوَّابَةِ الْوَحْيِ، وَلَكِنْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا أَنْ لَا يَتْرُكَ الْأَرْضَ يَوْمًا وَاحِدًا بِغَيْرِ خَلِيفَةٍ لَهُ فِيهَا يَجْعَلُ الْعَدْلَ فِيهَا مُمْكِنًا؛ كَمَا قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. فَلَمْ يَذْهَبْ بّنَبِيِّهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَخْبَرَ النَّاسَ بِقَدْرِهِمْ وَمَوْضِعِهِمْ، لِيَكُونُوا أَدِلَّاءَ الْعَدْلِ، وَالْمُقِيمِينَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِيُتِمُّوا عَمَلَهُ، وَيُنْتِجُوا جُهُودَهُ، وَكَانُوا هُمْ عِتْرَتَهُ أَهْلَ بَيْتِهِ، الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْ إِرَادَتِهِ لِتَطْهِيرِهِمْ، وَفَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ مَوَدَّتَهُمْ، إِذْ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ، وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا. [الرسالة الحادية عشرة]

جزء من رسالة جنابه في ذمّ مدّعي الولاية الشرعيّة من حكّام الجور وأتباعهم

إِنَّ هَؤُلَاءِ صَاحُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا، وَطَارُوا قَبْلَ أَنْ يَرِيشُوا، وَغَطَسُوا فِي الْبَحْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السِّبَاحَةَ! فَلَبِسُوا ثَوْبًا أَكْبَرَ مِنْهُمْ وَحِذَاءً يَسْقُطُ مِنْ أَقْدَامِهِمْ! تَنَاوَلُوا لُقْمَةً لَا تَسَعُهَا أَفْوَاهُهُمْ، وَأَكَلُوا طَعَامًا لَا تَحْوِيهِ بُطُونُهُمْ، فَتُوشِكُ أَضْلَاعُهُمْ أَنْ تَتَفَكَّكَ! يَرْتَدُونَ مِثْلَ الرُّهْبَانِ وَيُفَكِّرُونَ مِثْلَ الْكُفَّارِ، وَيَقُولُونَ قَوْلَ الصَّالِحِينَ وَيَفْعَلُونَ فِعْلَ الْجَبَابِرَةِ! كَأَنَّهُمْ حَيَّاتٌ جَمِيلَةٌ تَحْمِلُ فِي بُطُونِهَا سَمًّا! يَخْرُجُونَ فِي الصَّبَاحِ لِلظُّلْمِ، وَيَعُودُونَ فِي الْمَسَاءِ لِلْمَكْرِ السَّيِّءِ! قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْكِبْرِ وَالْحِرْصِ، وَلَا هَمَّ لَهُمْ سِوَى حِفْظِ مَا مُتِّعُوا بِهِ مِنَ السُّلْطَةِ! يَذُمُّونَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَهُمْ مِنْ زُمْرَتِهِمْ، وَيُكَذِّبُونَ الْأَدْعِيَاءَ وَلَهُمْ مِثْلُ ادِّعَائِهِمْ! قَدْ ضَحَّوْا بِالدِّينِ لِلسِّيَاسَةِ، وَشَرَوُا الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا! قَدِ ارْتَكَبُوا ذُنُوبًا كَبِيرَةً، وَابْتَدَعُوا بِدَعًا قَبِيحَةً! قَدْ مَنَحُوا غَيْرَ الْأَكْفَاءِ الْمَنَاصِبَ، وَحَمَلُوا السِّفْلَةَ عَلَى الْمَنَاكِبِ! قَدْ عَزَلُوا الصَّالِحِينَ، وَشَوَّهُوا سُمْعَةَ النَّاصِحِينَ! [الرسالة الثانية عشرة]

جزء من رسالة جنابه في ذمّ مدّعي الولاية الشرعيّة من حكّام الجور وأتباعهم

لِمَاذَا لَمْ يَدْعُ الَّذِينَ مُكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَى خَلِيفَةِ اللَّهِ فِيهَا، وَلَمْ يُؤْتُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ، حَتَّى يُمَكَّنَ لَهُ فِيهَا كَمَا مُكِّنَ لَهُمْ؟! أَخَافُوا أَنْ يَنْقُصَ مِنْ مَكِنَتِهِمْ شَيْءٌ؟! لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَ مَكِنَتَهُمْ فِيهَا كُلَّهَا، حِينَ يَصِلُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِيهَا إِلَى الْمَكِنَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُهُمْ فِيهَا مَنْ يَرْعَى غَنَمَ قَرْيَةِ أَبِيهِ! أَلَا يُوجَدُ فِي الدُّنْيَا مَلِكٌ يَشْرِي مُلْكَهُ فِيهَا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ فِي الْجَنَّةِ؟! إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُمُ الْمُلْكَ قَهْرًا، لَكِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِ طَائِعِينَ. [الرسالة الثانية عشرة]

رسالة من جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من رذائل الأخلاق.

أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأَنْ تَذْكُرَهُ ذِكْرًا كَثِيرًا؛ فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِهِ دِرْعٌ مَنِيعٌ أَمَامَ الذُّنُوبِ، وَأُوصِيكَ بِمَعْرِفَةِ الدِّينِ وَفِقْهِ عَقَائِدِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِعَقَائِدِهِ يُورِثُ الضَّلَالَ، وَالْجَهْلَ بِأَحْكَامِهِ يُورِثُ الْعِصْيَانَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالدِّينِ فَهُوَ أَقْوَى عَلَى إِقَامَتِهِ، وَأُوصِيكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّذِينَ أَمَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لَهُمْ سَبَبٌ لِعِمَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَخَيْرٌ وَصَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ. [الرسالة الثالثة عشرة]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ شَيْئًا لَا يَسَعُ النَّاسَ الْقِيَامُ بِهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ فِيهِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَلَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ يَسْأَلُهُ النَّاسُ عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ فَيُجِيبُهُمْ بِالصَّوَابِ، وَلَئِنْ قُلْتَ لِهَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ: اعْرِفُوا هَذَا الرَّجُلَ وَاسْأَلُوهُ لَيَقُولُنَّ: «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْتَدِعُونَ»! قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ كُلَّهُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ، فَقَالَ: أَكُلُّهُمْ يُصِيبُونَ فِي الْجَوَابِ إِذَا سُئِلُوا؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِسُؤَالِ قَوْمٍ قَدْ لَا يُصِيبُونَ فِي الْجَوَابِ! [الفقرة ١٧ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ [يعني المنصور] فِي مَسْجِدٍ وَكَانَ مَعَنَا رِجَالٌ مِنَ السَّلَفِيَّةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ لَكُمْ ذِكْرًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السَّلَفَ، فَإِنَّ السَّلَفَ لَمْ يَتَّبِعُوا السَّلَفَ، وَلَكِنِ اتَّبَعُوا ذِكْرَهُمْ، وَإِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى سَلَفٍ وَلَمْ يَتَّبِعْ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذِكْرٍ فَقَدْ قَطَعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ! قَالَ رَجُلٌ مِنَ السَّلَفِيَّةِ: أَلَيْسَ كُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةً؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: الْبِدْعَةُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ فِي الدِّينِ، وَالذِّكْرُ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، قَالَ الرَّجُلُ: وَمَا ذِكْرٌ مُحْدَثٌ؟! قَالَ: إِمَامٌ يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي كُلِّ قَرْنٍ يَهْدِي بِأَمْرِهِ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُحِقَّ الْقَوْلَ عَلَى الْكَافِرِينَ، قَالَ الرَّجُلُ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، إِنْ هَذَا إِلَّا بِدْعَةٌ! قَالَ: وَيْحَكَ، أَتَأْبَى إِلَّا أَنْ تُضَاهِئَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا؟! قَالُوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ! وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ مُسْلِمًا يَقُولُ بِهَذَا حَتَّى سَمِعْتُكُمْ تَقُولُونَ بِهِ يَا مَعْشَرَ السَّلَفِيَّةِ! [الفقرة ١٨ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ رَجُلٍ عَادِلٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وَهَذَا عَهْدٌ عَهِدَهُ اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذِ ابْتَلَاهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، فَمَاذَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ الضُّلَّالُ الْمَفْتُونُونَ؟! أَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ضَلُّوا؟! ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»! فَمَاذَا يُنْكِرُونَ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِهِ؟! أَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ قَدْ أَخْطَؤُوا؟! وَقَدْ أَخْطَأَ أَكْثَرُهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، إِذْ يُصْعِدُونَ وَلَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ فَأَثَابَهُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، إِذْ أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَهُمْ يَرْوُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُنَحَّوْنَ عَنِ الْحَوْضِ فَلَأَقُولَنَّ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى»، فَمَاذَا يُنْكِرُونَ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِهِ؟! أَمِ اتَّخَذُوا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا اتَّخَذَ الْيَهُودُ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ؟! ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ! [الفقرة ٢٠ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، فَقَالَ: شَهَادَةُ اللَّهِ كِتَابُهُ، وَإِنَّ بَيْنَ الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ شَهِيدَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، وَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِيهِمْ بَعْدَ الرَّسُولِ، وَلَا تَعْدِمُهُمَا أُمَّتُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، قُلْتُ: جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ، فَقَدْ أَظْهَرْتَ لِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا يُخْفُونَهُ! قَالَ: لَا يُخْفُونَهُ، وَلَكِنْ لَا يَتَدَبَّرُونَهُ، أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا! فَأَخَذَنِي الْبُكَاءُ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟! قُلْتُ: آسَفُ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَكَ، وَإِنَّهُ الْحِكْمَةُ وَفَصْلُ الْخِطَابِ، وَلَوْ سَمِعُوهُ لَاهْتَدَوْا، فَقَالَ: لَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ! [الفقرة ٢١ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالُوا: كُنَّا جَمَاعَةً عِنْدَ الْمَنْصُورِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ شَهِيدَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، وَلَا يَكْفِيهِمْ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّهِ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَيَّنْتُ؟! فَدَاخَلَنَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، لِيَكُونَا شَهِيدَيْنِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَأُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَوْلُهُ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ نَظْرَةً أُخْرَى فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ وَفَّيْتُ؟! فَأَخَذْنَا نَرْتَعِدُ مِنْ هَيْبَتِهِ لَمَّا قَالَ هَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا! [الفقرة ٢٢ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: زَعَمَ بَعْضُ الْكَارِهِينَ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ هُمْ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُوَافِقُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَيُوَافِقُ الْعَقْلَ، كَمَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ [ت٤٩٥ه‍] فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، وَالْمَوْضُوعُ حَدِيثٌ صَحَّحُوهُ لِيُعَارِضُوا بِهِ الْحَقَّ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»، وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَيُخَالِفُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِـ«مَا يُوعَدُونَ» الْعَذَابَ أَوِ السَّاعَةَ فَلَمْ يَأْتِيَا أُمَّتَهُ إِذْ ذَهَبَ أَصْحَابُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِخْتِلَافَ فَقَدْ أَتَاهُمْ وَأَصْحَابُهُ فِيهِمْ، بَلْ أَصْحَابُهُ أَسَّسُوا بُنْيَانَهُ بِاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَقُلْهُ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ يُبْغِضُ عَلِيًّا وَيُوَالِي أَعْدَاءَهُ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَالظَّنُّ أَنَّهُ حَرَّفَ الْحَدِيثَ بُغْضًا لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالْجَاهِلُ مَنْ أَمِنَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. [الباب ١، الدرس ٨٢]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

دروس السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى غايتها تزكية الناس وتعليمهم الكتاب والحكمة، وأساسها ومحورها القرآن والسنّة، وموضوعها العقائد والأحكام والأخلاق الإسلاميّة، وقد اخترنا منها ما يتعلّق بأهمّ القضايا وأشدّها ابتلاءً في زماننا، ورتّبناها بما يسهّل على القارئ المراجعة والمطالعة، وعلّقنا عليها بذكر المصادر وشيء من التوضيح عند الإقتضاء. [المقدّمة]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

كلّ درس يتعلّق بقضيّة عقائديّة أو فقهيّة أو أخلاقيّة، ويتألّف من ثلاثة أبواب:

• الباب الأوّل بيان ما نزل في القرآن ممّا يتعلّق بالقضيّة، وفيه تفاسير قيّمة من السيّد العلامة حفظه اللّه تعالى استخرجناها من أقواله الطيّبة، تبيّن معاني الآيات بما يشفي الصدور ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.

• الباب الثاني بيان ما صحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ممّا يتعلّق بالقضيّة، مع ذكر شواهده ومتابعاته، وفيه نكات دقيقة وتوضيحات مفيدة من السيّد العلامة حفظه اللّه تعالى، تبيّن معاني الأحاديث وحال الرواة وأقوال العلماء.

• الباب الثالث بيان ما صحّ عن أهل البيت ممّا يتعلّق بالقضيّة، مع ذكر شواهده ومتابعاته، وفيه مثل ما في الباب الثاني. [المقدّمة]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أمّا قاعدة السيّد العلامة حفظه اللّه تعالى فهي حجّيّة الخبر المتواتر وعدم حجّيّة خبر الواحد، والخبر المتواتر عنده ما يرويه في كلّ طبقة أكثر من أربعة رجال، بشرط أن لا يكونوا قرناء، ولا يتناقضوا في المعنى، ولا يكون ما يروونه مخالفًا لكتاب اللّه أو الثابت من سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو العقل السليم، وأمّا ما يرويه في كلّ طبقة أربعة رجال فهو عنده في حكم المتواتر أيضًا، بشرط أن يكونوا عدولًا، بالإضافة إلى الشروط السابقة، وهذا ما يوجب النظر في حال الرواة إذا لم يتجاوزوا أربعة رجال، وأمّا النظر في حالهم إذا كانوا أقلّ من ذلك أو أكثر فهو ما يفعله السيّد العلامة حفظه اللّه تعالى على سبيل الإلزام؛ لأنّ جمهور المسلمين يقولون بحجّيّة خبر الواحد إذا كان ثقة أو صدوقًا، وربما لا يعتبرون خبر خمسة رجال متواترًا، فيختار السيّد العلامة حفظه اللّه تعالى ما يرويه ثقاتهم وأهل الصدق عندهم ليكون حجّة عليهم ولعلّهم يهتدون. [المقدّمة]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أمّا شرطه في اختيار الأحاديث، فهو بعد موافقة معناها لكتاب اللّه والثابت من السنّة والعقل السليم، اشتهار رواتها بالوثاقة أو الصدق عند أصحابهم دون مخالفيهم؛ كما يبيّن ذلك بالتفصيل في ترجمة جابر بن يزيد الجعفيّ، فيقول: «الْمُعْتَمَدُ حَالُ الرَّجُلِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ سَائِرِ النَّاسِ إِذَا خَالَفَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْعَدُ مِنْهُ وَقَدْ يَقُولُونَ فِيهِ شَنَآنًا لِمَذْهَبِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ: <أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟> فَقَالُوا: <خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَعَالِمُنَا وَابْنُ عَالِمِنَا>، فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، فَوَقَعُوا فِيهِ وَقَالُوا: <شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا>، فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمْ فِيهِ بَعْدَ أَنْ خَالَفُوهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَوْ قُبِلَ قَوْلُ الْمُخَالِفِينَ فِي الْمَذْهَبِ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ يُسِيئُونَ الْقَوْلَ فِي الْأُخْرَى؛ كَمَا تَرَى الشِّيعَةَ لَا يُبَالُونَ بِمَا يَرْوِيهِ السُّنَّةُ إِلَّا مَا يَتَّخِذُونَهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَتَرَى السُّنَّةَ لَا يَنْظُرُونَ فِيمَا يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ إِلَّا تَعَجُّبًا وَاسْتِهْزَاءً، وَكِلَاهُمَا قَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِكُلِّ مَا يَرْوِيهِ الْمُسْلِمُونَ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ إِذَا كَانُوا مِنَ الْمَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ عِنْدَ أَصْحَابِهِمْ دُونَ تَعَصُّبٍ لِأَحَدٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ». [المقدّمة]

منهج الإمام المهديّ في تعريف أهل العالم بالإسلام هو منهج جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ومنهج جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو دعوتهم إلى أحد الثلاثة:

١ . اعتناق الإسلام الحقيقيّ وترك الدّيانات الباطلة

٢ . الخضوع لحكم الإسلام الحقيقيّ مع بقائهم على دياناتهم

٣ . القتال

طبعًا من الواضح أنّه نظرًا لعلمه الكامل بما أنزل اللّه بمقتضى كونه خليفة اللّه في الأرض، وطهارته الكاملة من أيّ رجس بمقتضى كونه من أهل البيت، يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة عندما يكون داعيًا، ويحكم بالعدل عندما يكون حاكمًا، ويراعي جميع أحكام اللّه فيما يتعلّق بالقتال والسّلم والجزية والأمان والأسرى والغنائم عندما يكون مقاتلًا، ولا يظلم أحدًا في أحد من الثلاثة. [السؤال والجواب ٦٧]

لقاء المهديّ، على القول بوجوده في الوقت الحاضر، ممكن لكلّ من يواجهه، لكنّ معرفته قبل ظهوره غير ممكنة إلا لمن لديه حظّ كافٍ من العقل والتقوى ولا يعرّضه للخطر بعلم أو بغير علم. لذلك، من المحتمل أن كان من رآه أكثر المدّعين للقاء المهديّ في حالات غير عاديّة وظنّوا أنّه المهديّ غير المهديّ، كملك أو جنّيّ أو رجل من الصالحين. ثمّ لا شكّ أنّ أنفع لقاء مع المهديّ ممكن بعد ظهوره وسلطنته ولذلك، ينبغي للذين يأملون لقاءه أن يلحقوا بالممهّد لظهوره ويعينوه على تسليطه، بدلًا من تعذيب أنفسهم في زوايا البيوت بالعبادات التي لم يكتبها اللّه تعالى عليهم! [السؤال والجواب ٧٣]

لقاء الإمام المهديّ عليه السلام مع الذين يدّعون لقاءه وهم متلبّسون بظلم أو ضلال بيّن بعيد للغاية؛ لأنّ لقاءه معهم، من جانب يخالف الإحتياط والمصلحة ومن جانب آخر، لا يمكن إلا مع زجرهم عن ظلمهم وضلالهم؛ كما أنّ ادّعاء الذين ينسبون إلى الإمام المهديّ عليه السلام قولًا أو فعلًا مخالفًا ليقينيّات الإسلام هو مجرّد كذب وافتراء عليه، وهذا ظلم شائع جدًّا بين الأدعياء وأتباعهم؛ لدرجة أنّ بعضهم لإثبات عقائدهم وأعمالهم المخالفة للعقل والشرع يدّعون أنّهم قد لقوا الإمام المهديّ عليه السلام وأنّه هو الذي قد أمرهم بها، في حين أنّ هذا الإدّعاء هو مجرّد كذب وافتراء عليه. من الواضح أنّ من علّم هؤلاء عقائد وأعمالًا مخالفة للعقل والشرع لم يكن الإمام المهديّ عليه السلام، بل كان الشيطان الذي يتراءى لأوليائه في صور مختلفة ويضلّهم عن سبيل العقل والشرع، وهذه حقيقة مفزعة كشف عنها المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في بعض حِكمه... [السؤال والجواب ٧٣ التعليقات]

لم يرد في الروايات ما يفيد العلم بما سيحدث بعد المهديّ كما بيّنّا ذلك، ولكن ورد فيها ما يفيد احتمالات أربعة:

١ . تقوم الساعة.

٢ . يرجع بعض الخلفاء السابقين إلى الدّنيا.

٣ . يقوم بالأمر رجال مهديّون.

٤ . يقوم بالأمر عيسى بن مريم عليه السلام، ... وهو أقرب الإحتمالات وأقواها؛ لدلالة القرآن والسنّة على نزول عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة، وتواتر الروايات في وقوع ذلك على عهد المهديّ، وعدم وجود دليل على موته قبل موت المهديّ، بل روي ما يدلّ على أنّه يعيش بعد المهديّ. [السؤال والجواب ١٠٨ التعليقات]

لا خلاف بين المسلمين في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام وذلك لما صحّ عندهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ» ولكنّهم اختلفوا في أنّه حسنيّ أو حسينيّ. فقال الجمهور أنّه حسنيّ لما رواه أبو داود... لكنّه منقطع؛ لأنّ أبا داود قال: «حدّثت» بصيغة المجهول ولم يبيّن من حدّثه واحتمل المنصور حفظه اللّه تعالى وقوع التصحيف فيه فقال: «لكنّه تصحيف على الأرجح؛ كما يوجد اختلاف في نسخه، وفي بعضها <الحسين>»، وعليه فلا تقوم به حجّة وقال الإماميّة أنّه حسينيّ لما رووا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفي أخبار الجمهور ما يؤيّده؛ كما رواه داود بن عبد اللّه الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد اللّه بن حسن فتذاكرنا المهديّ، فقال عبد اللّه بن حسن: المهديّ من ولد الحسن بن علي، فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك، وقال النجاشي (ت٤٥٠ه‍) في ترجمة أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني نزيل مصر: «ذكر أصحابنا أنه وقع إليهم من كتبه كتاب كبير في ذكر من روى من طرق أصحاب الحديث أنّ المهديّ من ولد الحسين عليه السلام»، وهذا ما اختاره المنصور حفظه اللّه تعالى... ثمّ حاول الجمع بين الروايتين فقال: «... يمكن اعتبار المهديّ حسينيًّا من جهة الأب وحسنيًّا من جهة الأمّ، وبهذه الطريقة يُجمع بين الأخبار والأقوال»، ويؤيّده ما رواه الطبراني، ... عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذكر الحسن والحسين في شكاته التي قبض فيها فقال: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ مِنْهُمَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ». [السؤال والجواب ٣٧٤]

إنّ الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين ليسا من جهة واحدة حتّى يكونا متناقضين، ولكنّهما من جهتين مختلفتين؛ كما هو الحال في اجتماع الأمر والنهي الشرعيّين في موضوع واحد، إذ يجتمع عمل واجب مثل الصلاة مع عمل حرام مثل الغصب، كمن يغصب مكان رجل بالصلاة فيه؛ لأنّه من الواضح أنّ الصلاة في هذه الحالة محرّمة من جهة أنّها غصب وواجبة من جهة أنّها عبادة مفترضة، وليس هناك أيّ تناقض لاختلاف الجهتين، وهذه هي الحال في الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين، والأشبه أنّها هي من باب حرمة القيام بذي المقدّمة قبل القيام بالمقدّمة؛ كما أنّ الصلاة واجبة ولكنّها غير جائزة لمن ليس على طهارة، بحيث أنّه إذا صلّى بغير طهارة فقد أثم، وليس في هذا أيّ تناقض؛ لأنّ حرمة الصلاة في نفس الوقت الذي هي واجبة فيه أمر حدث بسوء اختيار من المكلّف. [الشبهة والرّدّ ٨]

يعتقد السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني أنّ وجوب إقامة الحدود الإسلاميّة على المسلمين هو «وجوب ضمنيّ»؛ بمعنى أنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام وليست واجبة بمفردها؛ مثل الركوع الذي يجب إتيانه في ضمن الصلاة ولا يعتبر واجبًا في غير الصلاة، إلا أنّ الصلاة واجبة، وبالتالي فإنّ الركوع واجب. لذلك، لو أنّ رجلًا تاركًا للصلاة ركع، فإنّه لم يصلّ بقدر ركوعه ولم يحصل على ثواب الركوع، بل ركوعه باطل ولا يغني من الصلاة شيئًا؛ لأنّه قد تمّ تشريعه باعتباره جزءًا من الصلاة. هذه هي الحال في إقامة الحدود الإسلاميّة؛ فإنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام ولا تعتبر واجبة في غيرها، إلا أنّ إقامة كلّ الإسلام واجبة، وبالتالي فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة واجبة. لذلك، لو أنّ رجلًا أقام حدًّا قبل أن يقيم أحكام الإسلام التمهيديّة، فإنّه لم يعدل ولم يؤجر، بل ظلم وأثم؛ لأنّ الحدّ قد تمّ تشريعه باعتبار أنّه أحد أحكام الإسلام المتناسبة وأنّه سيتمّ إقامته مع إقامتها... الحاصل أنّه يجب على المسلمين إقامة الحدود الإسلاميّة بإظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكومة، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة من قبلهم تشبه الصلاة بغير وضوء. [الشبهة والرّدّ ٨]

من الواضح أنّ كلّ من يؤمن بوحدانيّة اللّه في التكوين والتشريع والتحكيم، ويؤمن بنبيّه الخاتم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ينكر شيئًا من أركان دينه مثل الكتاب والملائكة والقيامة والقبلة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، هو مسلم وإن لم يكن في سائر عقائده يفكّر مثلك وكان لديه تفسير مختلف، وهذه حقيقة معلومة من كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة واتّفق عليها السلف الصالح، لدرجة أنّها قد تعتبر من واضحات الإسلام وينسب منكرها إلى الجهل والضلال. لذلك، من الواضح أنّ «جميع الشيعة» لا يعتبرون كفّارًا ومشركين؛ لأنّ معظمهم يؤمنون بوحدانيّة اللّه ونبيّه الخاتم وأركان دينه، وعليه فإنّ اعتبار جميعهم كفّارًا ومشركين حتّى لو كان ذلك بسبب بعض انحرافاتهم وأخطائهم، هو تحكّم وتعسّف محض. [الشبهة والرّدّ ١١]

إنّ تفسير آية التطهير بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعدم تفسيرها بأمّهات المؤمنين، هو تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد رواه عنه العديد من أصحابه مثل عبد اللّه بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقّاص، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد اللّه، وأبي هريرة، وأبي حمراء، وأبي برزة، وأمّ سلمة، وعائشة، وصفيّة، وغيرهم، وقد جاء في رواية بعضهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال بصراحة: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، وجاء في رواية بعضهم أنّ بعض أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ» وفي رواية أخرى: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ» وفي رواية أخرى: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»، فبيّن بذلك أنّ أزواجه لسن من أهل بيته المقصودين في آية التطهير. [الشبهة والرّدّ ١١]

روى زيد بن أرقم وجعفر بن أبي طالب وواثلة وأمّ سلمة وصفيّة أنّ فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا نزلت مفردة في بيت أمّ سلمة كقضيّة خارجيّة ولم تنزل مع فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وهذا يدلّ على أنّهما آيتان منفصلتان، وإنّما تمّ جمعهما في الكتابة؛ نظرًا إلى أنّ ترتيب كتابة الآيات لا يلازم ترتيب نزولها، وممّا يقوّي هذا اختلاف الضمير في الفقرتين؛ فإنّ الضمير في فقرة ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ... هو ضمير مخاطب لجمع المؤنّث والضمير في فقرة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هو ضمير مخاطب لجمع المذكّر؛ كما أشار إلى ذلك الطحاويّ (ت٣٢١ه‍) في شرح مشكل الآثار إذ قال بعد ذكر الروايات: «دَلَّ مَا رَوَيْنَا مِمَّا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادِينَ بِمَا فِيهَا هُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ الْمَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ أَنَّ الَّذِي تَلَاهُ إِلَى آخِرِ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ خِطَابٌ لِأَزْوَاجِهِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِخِطَابِهِ لِأَهْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ فَجَاءَ عَلَى خِطَابِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ وَهَكَذَا خِطَابُ الرِّجَالِ، وَمَا قَبْلَهُ فَجَاءَ بِهِ بِالنُّونِ وَكَذَلِكَ خِطَابُ النِّسَاءِ فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ خِطَابٌ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنَ الرِّجَالِ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ تَشْرِيفَهُ لَهُمْ وَرِفْعَتَهُ لِمِقْدَارِهِمْ أَنْ جَعَلَ نِسَاءَهُمْ مَنْ قَدْ وَصَفَهُ لِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِمَّا فِي الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ قَبْلَ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِهِ تَعَالَى»، وهذا لم يكن قول الطحاويّ فقطّ، بل نسبه ابن عطيّة (ت٥٤٢ه‍) إلى الجمهور وقال بعد الإشارة إلى الروايات: «وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ: <عَنْكُمُ وَيُطَهِّرَكُمْ> بِالْمِيمِ، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ خَاصَّةً لَكَانَ عَنْكُنَّ». [الشبهة والرّدّ ١١]

نظرة في كتاب «العودة إلى الإسلام» للمنصور الهاشمي الخراساني
السيّد محمّد صادق جواديان

في مكان آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام»، يعتبر الخراسانيّ أنّ إقامة الإسلام مفيدة وفعّالة فقطّ في شكلها الخالص والكامل، ويعتقد أنّ إقامة جزء منه بمفرده أو مختلطًا مع غيره ليست فقطّ غير مفيدة وغير فعّالة، بل قد تكون ضارّة وخطيرة، وهذا مخالف لتصوّر معظم المسلمين الذين يحسبون أنّ إقامة جزء من الإسلام أيضًا مرغوب فيها. إنّه يشبّه الإسلام بنظام واحد ذي أجزاء مترابطة إذا لم يعمل أحد أجزاءها تفقد الأجزاء الأخرى كفاءتها ويفشل النظام بأكمله. لذلك، ليس أمام المسلمين خيار سوى إقامة الإسلام كلّه في شكله الخالص، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا في ظلّ تعليم خليفة اللّه في الأرض. القضيّة الأساسيّة والمهمّة الأخرى في هذا الكتاب هي أنّ المؤلّف يعتبر تطبيق الحدود والعقوبات الإسلاميّة مشروطًا بتطبيق جميع الأحكام العامّة والسياسيّة للإسلام، ويعتقد أنّ تشريع هذه الحدود والعقوبات تمّ بالنظر إلى حكومة خليفة اللّه في الأرض وبالتناسب مع الزمان والمكان الذي يتمّ فيه تطبيق سائر أحكام الإسلام كعوامل رادعة. لذلك، فإنّ تطبيق هذه الحدود والعقوبات في زمان ومكان آخر غير عادل وغير مناسب؛ خاصّة بالنظر إلى أنّ أحكام الإسلام، من وجهة نظر المؤلّف، مترابطة ومتشابكة وتؤثّر على بعضها البعض وتتأثّر ببعضها البعض. [المقالة ١]

نظرة في كتاب «العودة إلى الإسلام» للمنصور الهاشمي الخراساني
السيّد محمّد صادق جواديان

المنصور الهاشمي في جزء آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام» يعتبر اختلاف المسلمين وحاكميّة غير اللّه والإختلاط بالأمم والثقافات غير الإسلاميّة وظهور المذاهب وتنافس بعضها مع بعض والإنحطاط الاخلاقيّ ومنع الأعداء من أهمّ موانع إقامة الإسلام الخالص والكامل من بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى الآن، ويتحدّث عن كلّ واحد بالتفصيل وبنظرة تاريخيّة وباثولوجيّة ومتحرّرة من المذاهب. كما يعتبر النزعة الحديثيّة أحد موانع معرفة الإسلام الخالص والكامل وإقامته من قبل المسلمين؛ لأنّه في رأيه، الحديث بمعنى خبر ظنّيّ عن سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، نظرًا لعدم حجّيّة الظنّ في الإسلام، ليس معتبرًا ولا يكفي الإستناد إليه لاستنباط عقيدة أو حكم. إنّه يعتقد أنّ استثناء الظنّ الناشئ عن الحديث من سائر الظنون لا دليل له؛ لأنّ عدم حجّيّة الظنّ من الأحكام العقليّة، والأحكام العقليّة لا تقبل استثناء. لذلك، ليس هناك اعتبار إلا للحديث المتواتر الذي كثر رواته وأدّى إلى اليقين، وهذا في حين أنّ مثل هذا الحديث قليل جدًّا وغير متاح بما فيه الكفاية. مع ذلك، من وجهة نظر المؤلّف، فإنّ حلّ هذه المعضلة ليس الرجوع إلى الحديث غير المتواتر، بل الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وإذا لم يكن من الممكن الرجوع إليه في الوقت الحاضر، فذلك بسبب تقصير الناس في توفير مقدّماته، ومن ثمّ ليس عذرًا مبرّرًا لهم للرجوع إلى الحديث غير المتواتر. يعتقد الهاشمي الخراساني أنّ الناس بتقصيرهم في اتّخاذ الترتيبات اللازمة للوصول إلى خليفة اللّه في الأرض قد أوقعوا أنفسهم في مأزق حتّى صاروا كمن لا خيار له، وليست حالتهم هذه من عند اللّه حتّى تكون في تعارض مع لطفه. مع ذلك، فإنّه يعتقد أنّ الناس يمكنهم الخروج من هذه الحالة؛ لأنّ وصولهم إلى خليفة اللّه في الأرض ممكن عندما يضمنون أمنه؛ كما أنّ حاكميّته عليهم ممكنة عندما يضمنون نصرته وطاعته. [المقالة ١]

نظرة في كتاب «العودة إلى الإسلام» للمنصور الهاشمي الخراساني
السيّد محمّد صادق جواديان

المؤلّف في هذا الجزء من كتابه، بعد تعريف النبيّ الخاتم وإثبات نبوّته، يبيّن مكانة القرآن والسنّة وينبّه على نكات مهمّة وأساسيّة جدًّا في هذا الصدد. إحدى هذه النكات هي عدم إمكان نسخ القرآن وتخصيصه وتعميمه بالسنّة؛ نظرًا لأنّ شأن السنّة هو تبيين القرآن فحسب ولا يمكن أن تتعارض معه بأيّ وجه من الوجوه؛ كما أنّها ظنّيّة في أكثر الحالات وليس لديها القدرة على التعارض مع القرآن اليقينيّ، بل في الحالات التي يمكن اعتبارها متواترة أيضًا، ليست متواترة بقدر القرآن ولذلك، لا تصل إلى مستواه حتّى تنسخه أو تخصّصه أو تعمّمه. يعتبر المؤلّف في جزء آخر من كتاب «العودة إلى الإسلام» أنّ سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حجّة وقابلة للاتّباع إلى الأبد، لكنّه يعتقد أنّ الوصول إليها بشكل يقينيّ كان في أكثر الأحيان ممكنًا لأهل زمانه وليس ممكنًا للأجيال القادمة، ومن ثمّ فإنّ الأجيال القادمة يحتاجون إلى مرجع آخر للتيقّن من سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خليفة اللّه في الأرض الذي يعتبر خليفة النبيّ في تنفيذ أوامر اللّه وهو بطبيعة الحال متاح دائمًا للناس مثل القرآن. [المقالة ١]

نظرة في كتاب «العودة إلى الإسلام» للمنصور الهاشمي الخراساني
السيّد محمّد صادق جواديان

المؤلّف، بعد فحص النصوص الإسلاميّة القطعيّة المشتملة على آيات القرآن وأحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، يثبت بطريقة متقنة وقابلة للقبول من قبل جميع المسلمين وبعيدة عن أيّ توجّه مذهبيّ، أنّ الخلفاء بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اثنا عشر رجلًا من أهل بيته أوّل ثلاثة منهم عليّ والحسن والحسين وآخرهم المهديّ. ثمّ يقوم بدراسة قضيّة المهديّ ودوره في تحقيق المثل الأعلى للإسلام وهو العدل العالميّ، ويقدّم في هذا الصدّد تفاصيل دقيقة وعميقة هي بديعة وغير مسبوقة بالكامل. على سبيل المثال، فإنّه خلافًا للآخرين الذين يعتقدون أنّ ظهور المهديّ يعتمد أولًا على إرادة اللّه وفعله ويتوقّف على حكمته، يعتقد أنّه يعتمد أولًا على إرادة الناس وفعلهم ويتوقّف على استعدادهم ويؤكّد بشكل صريح وحاسم أنّ وصولهم إلى المهديّ ممكن، وبالتالي يجب عليهم أن يفكّروا فقطّ في حفظه ودعمه وطاعته وأن لا يشتغلوا بالحفظ والإعانة والطاعة لأحد غيره كائنًا من كان. [المقالة ١]

نظرة في كتاب «العودة إلى الإسلام» للمنصور الهاشمي الخراساني
السيّد محمّد صادق جواديان

يبيّن الهاشميّ في تكملة كتابه أهمّ مبدأ في الاسلام وهو التوحيد ويقسّمه إلى ثلاثة أقسام: التوحيد في التكوين والتوحيد في التشريع والتوحيد في التحكيم أو الحكم شارحًا لكلّ منها بالتفصيل. ثمّ يقوم بتبيين سائر أصول عقائد الإسلام وأحكامه ويعيد تعريف كلّ منها بطريقة بديعة؛ كما يفتح أبوابًا جديدة في الزكاة والحجّ والجهاد لأهل الفقه، ينفتح من كلّ باب أبواب أخرى. بهذه الطريقة، فإنّه مستندًا إلى القواعد العقليّة الواضحة ومستشهدًا بالنصوص الشرعيّة القطعيّة التي ليست سوى آيات القرآن وأحاديث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، يعيد تعريف عقائد الإسلام وأحكامه ويقدّم قراءة جديدة ومختلفة له يمكن اعتبارها مدرسة وأيديولوجية إسلاميّة قادرة على إحداث ثورة في موقف ونهج مسلمي العالم وتمهيد الطريق لوحدتهم وتقاربهم في المستقبل القريب وتغييرات كبيرة وأساسيّة في هياكلهم السياسيّة والثقافيّة. نحن نوصي جميع مسلمي العالم وخاصّة أهل العلم بقراءة هذا الكتاب الهامّ والمؤثّر، ونتوقّع منهم ومن مسؤولي الدّول الإسلامية التحلّي بالصبر والحلم اللازمين في التعامل معه، مراعاة لحرّيّة الفكر والتعبير، والتزامًا بالأخلاق الإسلاميّة وآداب المناقشة العلميّة، وتجنّبًا للمواجهات المتسرّعة واللاعقلانية مع الفكر والمفكّرين. [المقالة ١]