إنّ أساس الحاكميّة في الإسلام إنّما يُعرف استنادًا إلى الإسلام نفسه، لا إلى أقوال بعض المسلمين وأفعالهم، كما هي الحال في سائر العقائد والأعمال، والحاكميّة في الإسلام نوعان لا ثالث لهما: أحدهما حاكميّة اللّه، والآخر حاكميّة الطاغوت. أمّا حاكميّة اللّه فهي حاكميّة من يحكم بأمر اللّه؛ كحاكميّة آل إبراهيم عليه السّلام الذين قال اللّه فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، وأمّا حاكميّة الطاغوت فهي حاكميّة من يحكم بغير أمر اللّه؛ كحاكميّة آل فرعون الذين قال اللّه فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. بناء على هذا، فإنّ حاكميّة من عيّنه اللّه فيها هي حاكميّة اللّه، وحاكميّة من لم يعيّنه اللّه فيها هي حاكميّة الطاغوت، وهذه قاعدة بسيطة وبيّنة للغاية. [العودة إلى الإسلام، ص١٧٩]
من الواضح أنّ الولاية في الإسلام للّه وحده؛ كما قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾... لأنّه وحده، بمقتضى علمه الكامل وقدرته الفريدة، أهل للولاية، ومن ثمّ لا يجوز اتّخاذ وليّ غيره، بل يُعتبر ذلك شركًا؛ كما قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾... من الواضح أنّ اختصاص الولاية باللّه يعني أنّها ناشئة من اللّه وحده، واللّه مؤتيها، وعلى هذا فإنّ اتّخاذ وليّ من دونه يعني قبول ولاية من لم يؤته اللّه من عنده ولاية؛ كما قال بصراحة: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. [العودة إلى الإسلام، ص١٨١-١٨٢]
إنّ البيعة في الإسلام للّه وحده، وليست من الجائز مبايعة غيره، وكلّ من بويع له من دونه فهو طاغوت، وطبعًا تتحقّق مبايعة اللّه من خلال مبايعة من أمر اللّه بمبايعته؛ كما أمر بمبايعة نبيّه وقال اعتبارًا لذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ كما أنّ مبايعة الآخرين، بالنّظر إلى أنّ اللّه لم يأمر بمبايعتهم، تُعتبر مبايعة الشيطان وقبول ولاية ذلك الملعون المطرود بدلًا من ولاية اللّه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. [العودة إلى الإسلام، ص١٨٢]
إنّ الحكّام الحاليّين في الأرض، بما أنّهم لم يُعيَّنوا من عند اللّه، فقد عُيّنوا من عند الشيطان، وحكمهم في اتّجاه تحقيق سيطرته على الأرض، سواء علموا ذلك أم لم يعلموا. كما أنّ رجالًا من المسلمين في البلاد الإسلاميّة، قد وجدوا السّاحة فارغة والفرصة سانحة في هذه الأيّام، وبدعم من بعض الحديد وأناس اجتمعوا حولهم، يدعون المسلمين إلى بيعتهم ويسمّون أنفسهم خليفة أو أميرًا لهم، ليسوا على شيء، ويخدمون الشيطان قصدًا أو دون قصد؛ لأنّ اللّه لم يعيّنهم لهذا الأمر ولم يأمرهم به، وهم واقفون على هذه الحقيقة ومقرّون بها. [العودة إلى الإسلام، ص١٨٣]
إنّ الشيطان لم يزل في معارضة اللّه... وقد كان مقصده من هذه المعارضة منع حاكميّة اللّه وإقامة حاكميّته بدلًا منها، ليحول دون تسلّط اللّه على الأرض ويتسلّط عليها بزعمه؛ لأنّ شخصًا واحدًا فقط يمكنه التسلّط على الأرض، وهو إمّا اللّه وإمّا الشيطان، وليس من الممكن تسلّطهما معًا على الأرض، وأيّهما يتسلّط على الأرض ينفّذ أحكامه فيها ويمنع تنفيذ أحكام الآخر فيها. أمّا تسلّط أحدهما على الأرض فتتحقّق عندما يتسلّط عليها شخص من جانبه ويحكمها بأمره، ومن ثمّ يحاول اللّه من جهة والشيطان من جهة أخرى أن يسلّط كلّ منهما صاحبه على الأرض، والنّاس في هذه المعركة هم جنودهما الذين يتنازعون بينهم تبعًا لهما. [العودة إلى الإسلام، ص١٨٤]
أَلَا يَحْتَاجُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الذَّهَبَ الْأَصْلِيَّ مِنَ الْمُزَيَّفِ إِلَى مِحَكٍّ مُسْتَقِيمٍ لِيُمَيِّزَ بِهِ؟! أَوْ لَا يَحْتَاجُ مَنْ لَا يَفْرُقُ بَيْنَ الطَّرِيقِ وَالْمَضَلَّةِ إِلَى دَلِيلٍ عَارِفٍ بِالطَّرِيقِ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ؟! أَوْ لَا يَحْتَاجُ مَنْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ مُظْلِمٍ إِلَى شَمْعَةٍ مُضِيئَةٍ لِتُضِيءَ مَا حَوْلَهُ؟! أَوْ لَا يَحْتَاجُ مَنْ فَقَدَ بَصَرَهُ إِلَى قَائِدٍ بَصِيرٍ لِيَأْخُذَ بِيَدِهِ؟! أَوْ لَا يَحْتَاجُ مَنْ يَغْرَقُ إِلَى مُسْتَمْسَكٍ وَثِيقٍ لِيَتَمَسَّكَ بِهِ؟! أَوْ هَلْ يُوجَدُ عَاقِلٌ يَقْتَحِمُ الْبَحْرَ بِدُونِ زَوْرَقٍ؟! أَوْ هَلْ يُوجَدُ أَعْمَى يَرْحَلُ الْبِلَادَ بِدُونِ مُرَافِقٍ؟! كَذَلِكَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ يَحْتَاجُ إِلَى مِعْيَارٍ لِيُمَيِّزَ بِهِ، وَمَنْ لَا يَفْرُقُ بَيْنَ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالَةِ يَحْتَاجُ إِلَى هَادٍ لِيُوقِفَهُ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَمَنْ حُبِسَ فِي ظُلْمَةِ الشُّبُهَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى شَمْعَةٍ لِتُضِيءَ لَهُ، وَمَنْ عَمِيَ عَنِ الصَّوَابِ وَالْخَطَإِ يَحْتَاجُ إِلَى قَائِدٍ لِيَأْخُذَ بِيَدِهِ، وَمَنْ يَغْرَقُ فِي بَحْرِ الْجَهْلِ يَحْتَاجُ إِلَى مُسْتَمْسَكٍ لِيَتَمَسَّكَ بِهِ. لَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِدُونِ مِعْيَارٍ، وَلَا الْهِدَايَةُ بِدُونِ هَادٍ، وَلَا الرُّؤْيَةُ بِدُونِ ضِيَاءٍ، وَلَا رِحْلَةُ الْأَعْمَى بِدُونِ مُرَافِقٍ، وَلَا نَجَاةُ الْغَرِيقِ بِدُونِ مُسْتَمْسَكٍ، وَلَا عُبُورُ الْبَحْرِ بِدُونِ زَوْرَقٍ. [الرسالة الخامسة]
انْظُرُوا فِي سِيرَةِ الْأَوَّلِينَ، وَاعْتَبِرُوا بِعَاقِبَتِهِمْ؛ الَّذِينَ نَسُوا أَيَّامَ اللَّهِ وَكَفَرُوا بِآلَائِهِ، فَهَوَى سَيْفُ الشَّقَاءِ عَلَى رِقَابِهِمْ، وَوَقَعَ سَهْمُ الرَّدَى عَلَى صُدُورِهِمْ، فَدُمِّرُوا تَدْمِيرًا كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ فِي الْعَالَمِ! الْآنَ قَدْ سَكَنْتُمْ فِي أَرَاضِيهِمْ، وَبَنَيْتُمُ الْبُيُوتَ عَلَى أَطْلَالِهِمْ، فَلَا تَسْلُكُوا مَسَالِكَهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا سُنَنَهُمْ، فَيُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَتُصْبِحُونَ عِبْرَةً لِلَّذِينَ مِنْ بَعْدِكُمْ، كَمَا هُمْ أَصْبَحُوا عِبْرَةً لَكُمْ! [الرسالة السادسة]
أَنْبِئُونِي عَنْ زُهُورِ الْأَرْضِ، هَلْ تَنْمُو إِذَا غَشِيَهَا الْأَشْوَاكُ وَالْأَعْشَابُ الضَّارَّةُ؟! كَذَلِكَ أَنْتُمْ لَا تَنْمُونَ مَا دُمْتُمْ مُبْتَلِينَ بِالنَّزَوَاتِ وَالتَّعَلُّقَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُوهِنُ قُوَّتَكُمْ، وَتُضِيعُ وَقْتَكُمْ... كَمَا لَا يُسْكَبُ اللَّبَنُ فِي الْأَوْعِيَةِ الْقَذِرَةِ، لَا تُوضَعُ الْمَعْرِفَةُ فِي الْقُلُوبِ الْمُلَوَّثَةِ، وَكَمَا لَا يُلْقَى الْجَوْهَرُ فِي مَلْقَى الزُّبَالَةِ، لَا تُودَعُ الْحِكْمَةُ فِي الصُّدُورِ الْمُدَنَّسَةِ؛ لِيَحْصُلَ الَّذِينَ نَبَذُوا الْفِكْرَ السَّيِّءَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَيَصِلَ الَّذِينَ طَرَدُوا الشَّكَّ مِنْ صُدُورِهِمْ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَيَبْقَى الَّذِينَ لَدَيْهِمْ شُكُوكٌ وَأَفْكَارٌ سَيِّئَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ. [الرسالة السادسة]
اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي لِتَكْسِبُوا الْمَعْرِفَةَ، وَتَدَبَّرُوا فِيهِ لِتُؤْتَوُا الْحِكْمَةَ؛ فَإِنِّي أُرَبِّيكُمْ بِهِ كَمَا يُرَبِّي الْبُسْتَانِيُّ أَشْجَارَ الْفَاكِهَةِ، حَتَّى أَجْعَلَكُمْ جَمْعًا كَافِيًا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، وَلَمْ تُخْلَقُوا لِلدُّنْيَا؛ فَاعْمَلُوا لِلْآخِرَةِ، وَلَا تَعَلَّقُوا بِالدُّنْيَا. إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَاكِبِ الْبَحْرِ، إِذْ حَطَمَ الطُّوفَانُ سَفِينَتَهُ؛ فَتَعَلَّقَ بِخَشَبَةٍ، حَتَّى نُبِذَ بِجَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ. فَلَمَّا اسْتَعَادَ وَعْيَهُ وَسَارَ فِيهَا، عَلِمَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، وَفِيهَا وُحُوشٌ ضَارِيَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْمَاءُ وَالْغِذَاءُ إِلَّا نَزْرًا. أَتَرَوْنَهُ يَخْلُدُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَيَتَلَهَّى بِتَشْيِيدِ الصُّرُوحِ كَأَنَّهُ سَيَبْقَى فِيهَا أَبَدًا، أَمْ يَكْتَفِي بِاتِّخَاذِ مَأْوًى وَيَشْتَغِلُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وَجَمْعِ الزَّادِ لِيُنْجِيَ نَفْسَهُ؟! [الرسالة السادسة]
إِنَّا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ زِينَةُ الدُّنْيَا وَعَمَّتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلْوَى. لَقَدْ نَسِيَ النَّاسُ اللَّهَ وَنَسِيَهُمْ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ، إِنَّمَا يُغَيِّرُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الدُّنْيَا... إِذَا انْشَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، فَانْشَغِلُوا أَنْتُمْ بِالْآخِرَةِ لِتَمْتَازُوا عَنْهُمْ. لَا تَحْزَنُوا عَلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا تَحْزَنُ عَلَيْكُمْ. دَعُوهَا لِتَكُونَ مَرْعَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلَا يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ. هُمْ لَهَا وَهِيَ لَهُمْ. مَثَلُهُمْ فِيهَا كَمَثَلِ طِفْلٍ يَلْعَبُ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَبْنِي لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّمَالِ صُرُوحًا وَيَحْسَبُ أَنَّهَا سَتَبْقَى، فَيَأْتِيهَا مَوْجٌ بَغْتَةً وَيَهْدِمُهَا جَمِيعًا، فَيَأْسِفُ الطِّفْلُ وَيَنْظُرُ إِلَى الرِّمَالِ بِحَسْرَةٍ، كَمْ تَجَشَّمَ الْعَنَاءَ هَدَرًا! [الرسالة السادسة]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، أَيُّهُمَا حَقٌّ؟ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا فُلَانُ؟! قُلْتُ: لَا، جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَلَكِنْ أَرْهَقَنِي التَّنَازُعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرَى أَنَّ الْحَقَّ كُلَّهُ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ مِنْهُ نَصِيبٌ! قَالَ: ذَرْهُمَا؛ فَإِنَّهُمَا أَهْلُ التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ! قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَكْتُبَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: اكْتُبْ: أَمَّا السُّنَّةُ فَهَجَرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَعَرَفُوا شَيْئًا مِنَ الْحَقِّ فَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا حَتَّى صَارُوا مِنْهُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَالنُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى، يَلْحَقُ بِنَا التَّالِي وَيَرْجِعُ إِلَيْنَا الْغَالِي! [الفقرة ٢ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ رَجُلٌ وَقَالَ لَهُ: أَشِيعِيٌّ أَنْتَ أَمْ سُنِّيٌّ؟! فَقَالَ: إِنِّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ عَنِّي بِهَذَا الْقَوْلِ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ! ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [الفقرة ٣ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قَرَأْتُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ﴾، قَالَ: أَتَعْلَمُ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَوَلِيُّهُ أَعْلَمُ! قَالَ: هُمُ السُّنَّةُ وَالشِّيعَةُ! قَالَتِ السُّنَّةُ لَيْسَتِ الشِّيعَةُ عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَتِ الشِّيعَةُ لَيْسَتِ السُّنَّةُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ! قُلْتُ: إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَنْتَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ هَذَا بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْمَهْدِيُّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. [الفقرة ٦ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ الْمَنْصُورِ الشِّيعَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ كُلَّهُمْ كُفَّارٌ! فَغَضِبَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ وَقَالَ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَفَّرَ مُسْلِمًا بَاءَ بِهَا؟! فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَقَامَ عَنْهُ الْمَنْصُورُ غَضَبًا وَقَالَ: لَوِ امْتَلَأَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ تَعَصُّبًا، اللَّهُمَّ أَخْزِ الْمُتَعَصِّبِينَ! ثُمَّ ذَهَبَ، فَأَدْرَكَهُ الرَّجُلُ مِنْ خَلْفِهِ وَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَسُبُّونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ الْمَنْصُورُ: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَسُبُّونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟! قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقْذِفُونَنَا وَيَقُولُونَ لَنَا أَوْلَادَ الزِّنَا! فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَلْ هُمْ إِلَّا جَاهِلُونَ يُخَاطِبُونَكُمْ؟! فَقُولُوا لَهُمْ سَلَامًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ! قَالَ الرَّجُلُ: أَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ كَمَا أَمَرَنَا؟! قَالَ الْمَنْصُورُ: بَلَى، أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْكُمْ فَعَصَوْهُ، فَهَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْصَوْهُ كَمَا عَصَوْهُ فَتَكُونُوا سَوَاءً؟! ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، قَالَ الرَّجُلُ: وَمَا أَمْرُهُ؟ قَالَ: خَلِيفَتُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا جَاءَ بَيَّنَ لَكُمْ وَلَهُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ. [الفقرة ٧ من القول ٣٨]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعَ الْمَنْصُورُ رَجُلًا يُكَفِّرُ رَجُلًا مِنَ الشِّيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، هَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ كَمَا أَنْتَ تُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ؟! فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَضَّلَ الشَّافِعِيَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كَافِرًا، فَكَيْفَ بِمَنْ فَضَّلَ عَلَيْهِ عَلِيًّا؟! إِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ يُفَضِّلُ الْكَافِرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، فَقَالَ الرَّجُلُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَلَكِنَّهُ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ! قَالَ: هَذَا إِثْمٌ، وَلَا يُكَفِّرُ الرَّجُلَ بِالْإِثْمِ إِلَّا حَرُورِيٌّ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا أَبَا بَرْزَةَ! إِنَّهَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ! [الفقرة ٨ من القول ٣٨]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، انْتَهَى قَوْلُهُ، وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! فَهَلْ يَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا قَوْلَنَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا؟! وَلَا نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ آبَاؤُنَا، وَلَكِنْ لِمَا نَجِدُ مِنْ فَضْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا نُنْكِرُ فَضْلَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَاحَبَ نَبِيَّنَا، وَلَكِنْ لَا يُقَاسُ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا أَحَدٌ؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا عَدَّدْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: وَيْحَكَ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، وَهَذَا قَوْلٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٤١ه]، وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ التَّشَيُّعُ؛ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبِي، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، ... وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ كُلُّ عَالِمٍ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ نَحْنُ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنَ الرَّافِضَةِ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! [الباب ١، الدرس ٥٤]
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ [ت٣٨١ه] فِي «كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ»، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فَقَالَ: كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ فِي زَمَانِهِمْ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَامٌّ يَشْمُلُ كُلَّ قَوْمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَوْمُ قَرْنٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٩٠ه] فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى «الْمُسْنَدِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرُ، وَالْهَادِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّجُلِ نَفْسَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ وَأَرَادَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَادِيًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. [الباب ١، الدرس ٥١]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِمَامِ «خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذِهِ نِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: «رُوحُ اللَّهِ» وَ«بَيْتُ اللَّهِ» وَ«أَرْضُ اللَّهِ»، وَقَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُهَا عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَدِيثِ «الرَّايَاتِ»، وَلَكِنَّ الْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نِسْبِةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَحَّحَ حَدِيثَ الرَّايَاتِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَذْكُرُ «خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ»، وَقَدْ بَالَغَ أَجْهَلُهُمْ فِي مَنْعِهَا حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهَا إِلَى الْفُجُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ إِلَّا مَنْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، وَاللَّهُ لَا يَغِيبُ وَلَا يَمُوتُ، وَبِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «لَسْتُ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ»، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْخَلِيفَةِ إِلَى اللَّهِ هِيَ نِسْبَةُ تَمْلِيكٍ وَتَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُوحِي﴾ وَ﴿بَيْتِي﴾ وَ﴿أَرْضِي﴾، وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَذَا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ بَعِيدٌ كَبُعْدِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ اللَّهِ؛ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ النَّاسُ، ... وَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بِـ«خَلِيفَةِ اللَّهِ»، ... كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا نَادَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: «يَا خَلِيفَة اللَّهِ فِي الْأَرْضِ!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَهْ! ... لَمَّا وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ سَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ نَادَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَجَبْتُكَ، وَأَمَّا خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَلَسْتُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ خُلَفَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ دَاوُدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشِبْهُهُ»... وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْمَهْدِيِّ «خَلِيفَةَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ يَهْدِي بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مِثَالِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ... [الباب ١، الدرس ٥٠]
رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَلَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ إِلَّا بِذَلِكَ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِهَذَا نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَدْعُو، وَقَالَ: لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْإِمَامِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. [الباب ١، الدرس ٦٨]
رَوَى عَلِيُّ بْنُ بَابَوَيْهِ [ت٣٢٩ه] فِي «الْإِمَامَةِ وَالتَّبْصِرَةِ»، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ وَصَفْوَانِ بْنِ يَحْيَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَيْرَةِ وَعَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ كُلِّهِمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعِ الْأَرْضَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ يَعْلَمُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَإِذَا زَادَ الْمُؤْمِنُونَ رَدَّهُمْ وَإِنْ نَقَصُوا أَكْمَلَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: خُذُوهُ كَامِلًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمْرُهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَقُولُ لِلنَّاسِ: خُذُوا الدِّينَ كَامِلًا لَا نُقْصَانَ فِيهِ وَخَالِصًا لَا زِيَادَةَ مَعَهُ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ النَّارِ إِنِ ازْدَادَتْ حَرَّقَتِ الطَّعَامَ وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ تَطْبَخْهُ. [الباب ١، الدرس ٧٣]
وأمّا مسجد جمكران في قم فمن المساجد المستحدثة، وليس للصلاة فيه فضل خاصّ، بل نسب بنائه إلى المهديّ استنادًا إلى حكاية غير معتبرة عن رجل مجهول يقال له حسن بن مثلة الجمكراني، بمنزلة الكذب عليه، والكذب عليه يعتبر إثمًا كبيرًا، وقيل أنّ الحكاية كانت مذكورة في كتاب «تاريخ قم» للحسن بن محمّد بن الحسن القمي نقلًا عن كتاب «مؤنس الحزين في معرفة الحقّ واليقين» لمحمّد بن علي بن بابويه، قاله المجلسيّ والنوريّ، ولم يُذكر لمحمّد بن علي بن بابويه كتاب بهذا الإسم، ولم يبق كتاب تاريخ قم للحسن بن محمّد، والموجود ترجمته بالفارسيّة للحسن بن علي بن الحسن بن عبد الملك القمي المتوفّى سنة ٨٠٥، ولا توجد فيها تلك الحكاية، ولا يوجد فيها ذكر من مسجد بجمكران، إلا قوله: «يقال أنّ أوّل مسجد بني في هذه المنطقة قبل ورود العرب عليها مسجد قرية جمكران، وقد بناه رجل من المسلمين اسمه خطّاب بن الأسديّ وكان يصلّي فيه وحده»، ومن الواضح أنّ هذا لا صلة له بتلك الحكاية، وممّا يدلّ على كذب النسبة إلى محمّد بن علي بن بابويه ما روي عن حسن بن مثلة من قوله في صدر الحكاية: «كنت ليلة الثلاثا السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ٣٩٣ نائمًا في بيتي، فلمّا مضى نصف من الليل فإذا بجماعة من النّاس على باب بيتي، فأيقظوني وقالوا: قم وأجب الإمام المهدي صاحب الزمان، فإنّه يدعوك»؛ لأنّ محمّد بن علي بن بابويه مات سنة ٣٨١، فليس من الممكن ذكره لهذه الحكاية! [السؤال والجواب ٥٩]
لا يجوز صلاة الجمعة خلف حكّام الجور وأعوانهم في غير تقيّة؛ لأنّها ركون إلى الذين ظلموا، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وهذا هو السّبب في عدم جواز صلاة الجمعة قبل ظهور المهديّ في بلاد يتولّى إقامتها فيها الحكومة، مثل إيران والسعوديّة؛ لأنّ الأئمّة فيها موظّفو الحكومة، وبالتالي فإنّهم من ناحية ظالمون ولا يجوز الإقتداء بهم، ومن ناحية أخرى يدعون في خطبهم إلى طاعة حكّام الجور وإعانتهم، وهذا لغو وزور يحرم شهوده واستماعه، بل هو مثال على الفاحشة، وقد قال اللّه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. [السؤال والجواب ٥٤]
ليس هناك خلاف في جواز زيارة قبور الصالحين للتسليم عليهم والدّعاء لهم بالخير، وكيف يكون فيه خلاف بعد ما تواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله وفعله الدالّ على جواز زيارة قبور المسلمين؟! إنّما الخلاف في شدّ الرّحال بمعنى السفر لزيارة قبورهم، فإنّ السلفيّين يمنعون من ذلك، آخذين بما رواه جماعة من الصحابة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، والحقّ أنّه لا يدلّ على حرمة شدّ الرحال لزيارة القبور، كما لا يدلّ على حرمة شدّ الرحال لغيرها من المقاصد المشروعة؛ لأنّ المستثنى فيه ثلاثة مساجد، والظاهر أنّ المستثنى منه هو من جنسها؛ نظرًا لأنّ المستثنى هو من جنس المستثنى منه، ولو لا ذلك لكان مجازًا، ولا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذّر حمله على الحقيقة، ولو سلّمنا بأنّ الحقيقة فيه جميع الأمكنة لتعذّر حمله عليها؛ لأنّ جواز شدّ الرحال إلى أمكنة غير المساجد الثلاثة أمر مسلّم به في الجملة، وإذا علمنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يرد منه عمومه قطعًا لا بدّ لنا من حمله على خصوص المساجد؛ لأنّه هو القدر المتيقّن، والزائد عن ذلك ظنيّ، وعليه فإنّ الحديث يعني لا تشدّ الرحال إلى مسجد إلا مسجد الحرام ومسجد النبيّ والمسجد الأقصى؛ لأنّ جميع المساجد في الفضل سواء إلا هذه المساجد الثلاثة ولذلك، يجوز شدّ الرحال إلى الأمكنة الأخرى للتجارة والسياحة والزيارة وسائر المقاصد المشروعة، وهذا ظاهر جدًّا، لو لا تعصّب القوم لابن تيميّة! [السؤال والجواب ٥٠]
السجود على الأرض سنّة؛ لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولفعله الذي داوم عليه؛ لأنّ أكثر سجوده كان على الأرض؛ كما روي عن وائل بن حُجر قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ»، وعن أبي سعيد الخدري قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ»، وعن عائشة قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَّقِيًا وَجْهَهُ بِشَيْءٍ -تَعْنِي فِي السُّجُودِ»، والأرض تراب ورمل وحصى وحجر ومدر، ويلحق بها ما ينبت منها؛ لما روى ابن عبّاس وأنس وابن عمر وعائشة وأمّ سلمة وميمونة وغيرهم: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ»، وهي حصيرة أو سجادة صغيرة تنسج من سعف النخل. [السؤال والجواب ٤٥]
هل يجوز السجود على غير الأرض وغير ما ينبت منها مثل الطنافس والبسط؟ فيه خلاف؛ فقد كان أبو بكر يسجد على الأرض مفضيًا إليها، وكان ينهى عن الصلاة على البراذع، وروي أنّه رأى قومًا يصلّون على بسط، فقال لهم: «أَفْضُوا إِلَى الْأَرْضِ»، وكان ابن مسعود لا يسجد إلا على الأرض، وكان عبادة بن صامت إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته، وكان عبد اللّه بن عمر إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتّى يضع جبهته بالأرض، ... وكان ابن سيرين وسعيد بن المسيّب يقولان: «الصَّلَاةُ عَلَى الطَّنْفَسَةِ مُحْدَثٌ»، وكان جابر بن زيد يكره الصلاة على كلّ شيء من الحيوان ويستحبّ الصلاة على كلّ شيء من نبات الأرض، ... وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والإدام ... وقال المروذي: «كَانَ أَحْمَدُ لَا يَرَى السُّجُودَ عَلَى ثَوْبٍ وَلَا خِرْقَةٍ إِلَّا مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ»، وهذه إحدى الروايتين عنه، وكان عطاء وعبيدة السلماني يتشدّدان في ذلك... وروي عن ابن عبّاس وأبي الدّرداء والحسن وغيرهم جواز السجود على الطنافس والبسط وهو قول جمهور السنّة، وممّا يدلّ على القول الأوّل ما روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَيَعْمِدُ أَحَدُنَا إِلَى قَبْضَةٍ مِنَ الْحَصَى، فَيَجْعَلُهَا فِي كَفِّهِ هَذِهِ، ثُمَّ فِي كَفِّهِ هَذِهِ، فَإِذَا بَرَدَتْ سَجَدَ عَلَيْهَا»، ...والحقّ أنّه لو جاز السجود على ثوب لكان ذلك أسهل، وما روى خبّاب بن الأرتّ قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شِدَّةَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا»، وما روى خالد الحذّاء قال: «رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صُهَيْبًا يَسْجُدُ كَأَنَّهُ يَتَّقِي التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: تَرِّبْ وَجْهَكَ يَا صُهَيْبُ»، ...وبه قال الأئمّة من أهل البيت. [السؤال والجواب ٤٥]
انظر حولك؛ كم ترى من أضاع أفضل سنوات شبابه في دعم ألعاب سياسيّة حمقاء أو ادّعاءات كاذبة جنونيّة، ولكن لا يخصّص ساعة للتعرّف على النهضة العقلانيّة والقرآنيّة «العودة إلى الإسلام» ودعم زعيمها العالم الذي لا يدّعي لنفسه شيئًا! انظر حولك مرّة أخرى؛ كم ترى من يلقي بثروات طائلة في بحر الأوهام والأماني، أملًا في كسب الأجر وخدمة الإسلام، لكنّه لا ينفق فلسًا في سبيل التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام وملء الأرض قسطًا وعدلًا! أولئك الذين أخبر اللّه تعالى عنهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. طبعًا لا شكّ أن هذا المكتب في سبيل استمرار رسالته العقليّة والشرعيّة، لا يعتمد على دعم أيّ شخص في العالم إلا ربّه، وسيستمرّ في طريقه المستقيم على الرغم من كلّ المتاعب والصعوبات المتصوّرة، حتى يصل إلى مثله الأعلى المقدّس، وهو إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكم. فذر الذين يملكون السلطة والثروة في الحياة الدنيا ولا ينفقونها في سبيل اللّه، يغترّوا بسلطتهم وثروتهم؛ لأنّنا لسنا في حاجة إليهم، وليست سلطتهم وثروتهم أكثر قيمة عندنا من ميتة كلب. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وليست لأصحاب السلطة والثروة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. [الشبهة والرّدّ ١٤]
إنّ المنصور الهاشمي الخراساني هو مجرّد عالم مسلم، نهض بهدف إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى السلطة، ويدعو المسلمين إلى مبايعته بدلًا من مبايعة الآخرين، وبهذه الطريقة يمهّد لإقامة الإسلام الخالص والكامل في العالم ولهذا السبب، يجب على كلّ مسلم نصره. مع ذلك، إن تبيّن لك ولبعض المسلمين الآخرين، لأيّ سبب من الأسباب، أنّه موعود أيضًا بالإضافة إلى هذه الصّفة العينيّة والمشهودة، فإنّ نصره واجب عليكم من باب أولى؛ كما أنّ نصره واجب على المسلمين الذين لم يتبيّن لهم هذا الأمر؛ لأنّ هذا العالم المسلم يدعو إلى المهديّ عليه السلام ويمهّد لظهوره بشكل عينيّ ومشهود، وهذا يكفي لنصرته من قبل أيّ مسلم يخاف اللّه واليوم الآخر؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾... لا يأخذ المنصور الهاشمي الخراساني لنفسه بيعة من أيّ مسلم؛ لأنّه يرى أنّ البيعة للّه وحده، ويريد بذلك أنّ البيعة لمن قد أمر اللّه بمبايعته، وما هو في زماننا هذا إلا المهديّ الذي يجب على كلّ مسلم مبايعته. بناءً على هذا، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ البيعة من مسلمي العالم للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ منهم عهدًا وموثقًا على أنّهم إن ظهر لهم المهديّ سيحفظونه وينصرونه ويطيعونه، ولا يخذلونه كما خذله الذين من قبلهم. هذا هو موضوع الميثاق الذي يأخذه المنصور الهاشمي الخراساني من كلّ مسلم، وإذا واثقه عدد كافٍ من المسلمين على هذا الموضوع، فسيتمّ تهيئة الظروف لظهور المهديّ إن شاء اللّه. [الشبهة والرّدّ ١٥]
الرسالة الرئيسيّة والواضحة لهذا الكتاب العظيم [كتاب «العودة إلى الإسلام»]، ليست فقطّ «نفي الآخرين»، بل «إثبات المهديّ» و«نفي الآخرين»، وهذا هو مظهر «لا إله إلا اللّه» وتأويل «البيعة للّه» وشعار المنصور الهاشمي الخراساني وركيزة دعوته. كلّ كلام هذا العالم المصلح والمجاهد هو أنّه لا حكومة إلا للّه، ومراده بحكومة اللّه، على عكس مراد الخوارج السخيف والخاطئ، ليس عدم حكومة الإنسان، بل حكومة إنسان اختاره اللّه ونصّ عليه بواسطة كتابه وسنّة نبيّه المتواترة أو بواسطة آية بيّنة، وهو «المهديّ» الذي يعيش الآن بين الناس، لكنّه غائب أي مستتر، وسبب غيبته، خلافًا لتصوّر أكثر الناس، ليس إرادة اللّه وفعله الإبتدائيّين، بل إرادة الناس وفعلهم الإبتدائيّين، إذ أخافوه على نفسه ولم يوفّروا الظروف المناسبة لحكومته ولذلك، فهم مسؤولون عن جميع عواقب وتبعات غيبته، وإن اعُتبرت هذه العواقب والتبعات «طريقًا مسدودًا في أمّة آخر الزمان»؛ لأنّ هذا «الطريق المسدود» لا يُنسب إلى «الإسلام» حتّى يتعارض مع «كماله»، بل يُنسب إلى الناس الذين سبّبوه بسوء اختيارهم؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. [الشبهة والرّدّ ١٦]
استراتيجيّة المنصور الهاشمي الخراساني لظهور المهديّ وحكومته هي استراتيجيّة شاملة ذات أبعاد أمنيّة وثقافيّة وسياسيّة؛ لأنّه من أجل ظهور المهديّ بمعنى إمكانيّة الوصول إليه، يرى من الضروريّ وجود عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة؛ نظرًا لأنّه يرى أنّ السبب الوحيد لعدم ظهوره بمعنى عدم إمكانيّة الوصول إليه، هو خوفه من القتل أو الأسر، ويعتقد أنّه إذا تمّ ضمان سلامته من قبل هذا العدد من المسلمين فإنّ ظهوره بمعنى إمكانيّة الوصول إليه أمر محتوم. بناء على هذا، فإنّه بمقتضى وجوب التمهيد لظهور المهديّ عقلًا وشرعًا، يسعى لجمع عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي هذا العالم الصدّيق، سيكون ظهور المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كان أمنه مضمونًا، حتّى لو لم تكن حكومته ممكنة؛ إذ ليس هناك تلازم بين ظهوره وحكومته، وظهوره بدون حكومته مفيد أيضًا، بل ظهوره مقدّمة لحكومته؛ لأنّ حكومة من ليس بظاهر صعبة، وعليه فإنّ التمهيد لظهوره مقدّمة للتمهيد لحكومته. [الشبهة والرّدّ ١٦]
يرى المنصور الهاشمي الخراساني أنّ شرط حكومة المهديّ هو اجتماع عدد كافٍ من الناس على إعانته وطاعته، ويعتقد أنّ قيامه بالحكومة سيكون أمرًا محتومًا إذا تعهّد هذا العدد منهم بهذه الإعانة والطاعة؛ لأنّ الحكومة ليست حقًّا للمهديّ فحسب، بل تكليف له أيضًا، بحيث أنّه لو لم يقم بها بعد توفّر الشروط لكان من الحقّ أن يُضرب عنقه؛ كما جاء في الرواية عن عليّ عليه السلام: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ»؛ نظرًا لأنّه في هذه الحالة سيكون هو المسؤول الوحيد عن جميع المفاسد والمظالم الجارية على الأرض. لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني، بينما يجمع عددًا كافيًا من المسلمين لحماية المهديّ، يجمع عددًا كافيًا منهم لإعانته وطاعته، ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي فريد دهره هذا، ستكون حكومة المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كانت إعانته وطاعته مضمونة، وهذا الضمان يسمّى في الإسلام «البيعة». لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ من مسلمي العالم بيعة للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ ميثاقهم أنّه مهما جاءهم المهديّ سيعينونه ويطيعونه، ولا يخذلونه ولا يعصونه كما فعلوا مع خلفاء اللّه من قبله، وبالتالي إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على الإعانة والطاعة للمهديّ سيتحقّق لهم حكومته بإذن اللّه؛ كما إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على حماية المهديّ سيتحقّق لهم ظهوره بإذن اللّه. هذه خطّة كاملة ودقيقة صادرة من العقل توافق كتاب اللّه وسنّة نبيّه ولذلك، كلّ من استنكف عن قبولها فهو في ضلال بعيد. [الشبهة والرّدّ ١٦]
مجموعة من الناس هم الذين قد قرؤوا الكتاب وأدركوا الحقائق الموجودة فيه، لكن بسبب القمع والضغط الحاكمين على البيئة السياسية في بلدهم قد يخافون أن يتكلّموا حوله! ما يجب ذكره لهؤلاء الناس، هو الخوف من اللّه ويوم القيامة؛ لأنّ محتوى هذا الكتاب ليس إلا الإسلام الخالص والكامل القائم على أساس اليقينيّات أعني آيات القرآن والسنّة المتواترة والبراهين العقليّة المحكمة وهو مثال واضح على المعروف. لذلك، إنّ الدعوة إليه هي مثال واضح على الأمر بالمعروف وبالتالي واجبة. بناء على هذا، إنّ من يخاف مؤاخذة الحكومات أكثر ممّا يخاف مؤاخذة اللّه، ليس بشخص ذكيّ وحكيم، بل هو خاطئ وسيصبح خاسرًا ونادمًا. [المقالة ٣]
إنّ بعض الناس يقرؤون الكتاب ويفهمونه، لكنّهم لا يقبلونه ولا يستحسنونه أو بعض أجزائه على الأقلّ، نظرًا إلى كونه جديدًا بديعًا واختلافه الواضح عن القرائات الرائجة والمشهورة. هذه الطريقة أيضًا طريقة غير صحيحة؛ لأنّ كلّ شيء ما سوى اللّه سبحانه حادث وتمّ إيجاده في زمان ما وهذا لا يدلّ على كونه باطلًا! في الواقع، إنّ نفس العقائد والأعمال القديمة التي يعتبرها الناس صحيحة وقد اعتادوها، لم تكن موجودة من اليوم الأوّل وتعتبر جديدة وبديعة بالنسبة إلى العقائد والأعمال السابقة عليها وإن قبلنا هذه الطريقة فلا يبقى أيّ حقّ! من الواضح أنّ هذه عادة خاطئة ولها جذور نفسية وذهنيّة وتجب إزالتها. إنّ الطريقة الصحيحة التي مدحها القرآن هي استماع جميع الأقوال بغضّ النظر عن زمانها ومكانها وقائلها ثمّ اتّباع أحسنها استنادًا إلى العقل بصفة معيار المعرفة بمعزل عن موانع المعرفة. [المقالة ٣]
فريق آخر من الناس هم بعض العلماء والمشاهير الذين بلغهم خبر الكتاب، لكن بما أنّهم يحسبون أنفسهم عالمين بكلّ شيء وأبرياء من كلّ عيب ونقص وأغنياء من السؤال والتعلّم، لا يقرؤون الكتاب أو يقرؤونه ولكن لا يسمح لهم تكبّرهم بأن يخضعوا أمام حقائقه ويتحدّثوا حوله. بالطبع هؤلاء الأشخاص قد أخطؤوا في حساباتهم من جهات شتّى؛ لأنّه من جانب، الإذعان بالخطأ والإقرار بالجهل ليس فحسب لا يحطّ من قدر شخص وإن كان جليل المنزلة، بل العكس يرفعه ومن جانب آخر، العظيم الحقيقيّ هو من كان عند اللّه عظيمًا لا عند الناس والمشهور الحقيقيّ هو من كان في السّماء مشهورًا لا في الأرض والعظماء عند اللّه والمشاهير في السّماء هم الذين يخشون اللّه ويتّقونه ويرون الحقّ ويسمعونه وينطقون به ويتّبعونه ويدعون إليه، لكنّ أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة مع الأسف. بالإضافة إلى ذلك أنّ الحقّ يشقّ طريقه ويصل إلى المنزل المقصود شاء هؤلاء العظماء والمشاهير أم أبوا ويومئذ لا يبقى لهم شيء سوى الخزي! لهذا يحكم العقل بأن يتدبّروا اليوم لغد ويطئوا اليوم تكبّرهم لئلا يتمّ غدًا وطئ جميع ما لديهم! [المقالة ٣]
أناس آخرون أيضًا ينظرون في الكتاب بتصوّراتهم المسبّقة. يكذّبون الكتاب ويعتبرونه باطلًا ويتّهمونه بكلّ سوء ولمّا يقرؤوه! هؤلاء الذين قد اتّخذوا موقفهم من قبل وإن قرؤوا الكتاب فلا يقرؤونه للدراية والرشد، بل يقرؤونه لتتبّع العثرة وطلب الذريعة والإستهزاء ولا يبتغون الحكمة والهداية. هؤلاء سيعلمون في يوم تشخص فيه الأبصار أنّهم استعجلوا في الحكم وغرّهم الشيطان وخسروا المعركة... فريق آخر متعصّبون لدرجة إذا رأوا في الكتاب أدنى اختلاف عن الأشياء التي يقبلونها أو الأشخاص الذين يحبّونهم، يفقدون عنان الإختيار ويطلقون اللسان بالسبّ واللعن والإهانة والبهتان. هذا الفريق أيضًا سيعرفون الحقّ في يوم يدخلون النار مع محبوبيهم ومعبوديهم؛ النار التي أوقدها تعصّبهم الأعمى وحميّتهم الجاهليّة. ذلك اليوم يوم الحسرة ويجب اللجوء إلى اللّه من ذلك اليوم... فريق آخر مقلّدون لدرجة لا يشربون حتّى الماء بدون إذن مرجع تقليدهم، ناهيك عن قراءة كتاب مهمّ مثل «العودة إلى الإسلام» والإلتزام به! هؤلاء أيضًا إذا يواجهون هذا الكتاب يغلقون أعينهم ويكتفون بما قال مرجع تقليدهم حوله. هؤلاء أيضًا في يوم عسير لا يغيثهم فيه مرجع تقليدهم سيلقون حسرة عظيمة. [المقالة ٣]
فريق آخر يقرؤون هذا الكتاب القيّم ويدركون معارفه، لكنّهم في بحبوحة الفتنة والفوضى والتهميش والغوغاء والإعلانات السامّة لأعداء اللّه يصبحون مخدوعين ومتشائمين وتصبح قلوبهم مظلمة وينشغلون بالحاشية بدلًا من النصّ وينحرفون في النهاية عن الحقّ. بالطبع هذا الإثم الكبير هو أولًا في عنق الفتّانين الذين يصدّون عن سبيل اللّه. هؤلاء المهاذير بالرغم من انفتاح باب النقد العلميّ والمنطقيّ، بما أنّهم لا يملكون أيّ برهان وحجّة، يحاولون إثارة الجوّ وتلويثه، لكن ليعلم مخاطبو هذا الكتاب أنّ حركة جميع الأنبياء والأولياء في التاريخ أيضًا قد واجهت الإهانة والبهتان وإثارة الفتنة من قبل المستبدّين والمستكبرين والجبّارين وكان أعداء اللّه يلوّثون الجوّ ويصدّون الناس عن سبيل اللّه بأسوء طريقة ممكنة. فلم يحدث حادث جديد ويجب على مخاطبي هذا الكتاب النظر في أدلّته وبراهينه بحرّيّة وإنصاف والعثور على الحقّ والعمل بمقتضاه بمنأى عن المشاعر العابرة والعواطف الكاذبة إن شاء اللّه. [المقالة ٣]
كتاب «العودة إلى الإسلام»
كتاب «هندسة العدل»
كتاب «تنبيه الغافلين على أنّفي الأرض خليفة للّه ربّ العالمين»
كتاب «الدّرّ المنضودفي طرق حديث الرّايات السّود»
كتاب «الكلم الطّيّب»
كتاب «مناهج الرّسولصلّى اللّه عليه وآله وسلّم»
كتاب «التنبيهات الهامّة على ما فيصحيحي البخاري ومسلم من الطامّة»
كتاب «فصل الخطاب في الردّ على المدّعي الكذّاب»