ألم ينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن تمنّي الموت؟ فلماذا قالت فاطمة عليها السلام: «يَا إِلَهِي عَجِّلْ وَفَاتِي سَرِيعًا»؟!
لا يحلّ لأحد أن ينسب إلى النبيّ أو أهل بيته قولًا غير ثابت عنهم، ولم يثبت عن فاطمة عليها السلام قول: «يَا إِلَهِي عَجِّلْ وَفَاتِي سَرِيعًا»؛ لأنّه ورد في خبر واهٍ أورده المجلسيّ (ت١١١١هـ) في «بحار الأنوار»[١]، وقد قال قبل إيراده: «وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ خَبَرًا فِي وَفَاتِهَا عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ مِنْ أَصْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ»[٢]، ولا ندري لماذا أحبّ إيراد ما لا أصل له؟! وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ»[٣]، ولولا إقدام أمثاله على رواية الأخبار الواهية لم يظهر كثير من البدع والضلالات بين المسلمين، ولكنّ الشيطان زيّن لهم، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾[٤].
أمّا تمنّي الموت فلا يبعد جوازه لأولياء اللّه خاصّة؛ كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٦]، وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَثِقَ بِعَمَلِهِ»[٧]، ولكن لا يخفى أنّ أولياء اللّه أيضًا غير واثقين بأعمالهم كلّ الوثوق؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾[٨]، وقد وصفهم اللّه في كتابه بأنّهم ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾[٩]، و﴿يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾[١٠]؛ كما ذمّ قومًا بأنّهم ﴿لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾[١١]، ولذلك لا يجسر أولياء اللّه أيضًا على تمنّي الموت، إلّا الشهادة؛ فإنّها موجبة إن شاء اللّه، ولذلك يجوز تمنّيها لكلّ مؤمن؛ كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾[١٢]، يعني الشهادة، وقد روي أنّ خيثمة أبا سعد قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ»، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بذلك، فقُتل بأُحد شهيدًا[١٣]، ومن هذا الباب ما اشتهر عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، وَمَلَلْتُهُمْ وَمَلُّونِي، فَأَرِحْنِي مِنْهُمْ وَأَرِحْهُمْ مِنِّي، مَا يَمْنَعُ أَشْقَاكُمْ أَنْ يَخْضِبَهَا بِدَمٍ»، ووضع يده على لحيته[١٤]. فلا بأس بتمنّي الشهادة، بل هو حسن، وإنّما يحرم تمنّي الموت جزعًا لمصائب الدّنيا؛ كما ورد في رواية أنس بن مالك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ»[١٥]، وفي رواية خبّاب أنّه قال في مرضه، وقد اكتوى سبع كيّات: «لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ»[١٦]، وذلك لأنّ الواجب في المصائب الصبر، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾[١٧].