الكاتب: رضا الراضي تاريخ النشر: ١٤٣٧/٦/١

ألم ينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن تمنّي الموت؟ فلماذا قالت فاطمة عليها السلام: «يَا إِلَهِي عَجِّلْ وَفَاتِي سَرِيعًا»؟!

الجواب

لا يحلّ لأحد أن ينسب إلى النبيّ أو أهل بيته قولًا غير ثابت عنهم، ولم يثبت عن فاطمة عليها السلام قول: «يَا إِلَهِي عَجِّلْ وَفَاتِي سَرِيعًا»؛ لأنّه ورد في خبر واهٍ أورده المجلسيّ (ت١١١١هـ) في «بحار الأنوار»[١]، وقد قال قبل إيراده: «وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ خَبَرًا فِي وَفَاتِهَا عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ وَإِنْ لَمْ آخُذْهُ مِنْ أَصْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ»[٢]، ولا ندري لماذا أحبّ إيراد ما لا أصل له؟! وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ»[٣]، ولولا إقدام أمثاله على رواية الأخبار الواهية لم يظهر كثير من البدع والضلالات بين المسلمين، ولكنّ الشيطان زيّن لهم، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾[٤].

أمّا تمنّي الموت فلا يبعد جوازه لأولياء اللّه خاصّة؛ كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٦]، وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَثِقَ بِعَمَلِهِ»[٧]، ولكن لا يخفى أنّ أولياء اللّه أيضًا غير واثقين بأعمالهم كلّ الوثوق؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾[٨]، وقد وصفهم اللّه في كتابه بأنّهم ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾[٩]، و﴿يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾[١٠]؛ كما ذمّ قومًا بأنّهم ﴿لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾[١١]، ولذلك لا يجسر أولياء اللّه أيضًا على تمنّي الموت، إلّا الشهادة؛ فإنّها موجبة إن شاء اللّه، ولذلك يجوز تمنّيها لكلّ مؤمن؛ كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾[١٢]، يعني الشهادة، وقد روي أنّ خيثمة أبا سعد قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ»، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بذلك، فقُتل بأُحد شهيدًا[١٣]، ومن هذا الباب ما اشتهر عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، وَمَلَلْتُهُمْ وَمَلُّونِي، فَأَرِحْنِي مِنْهُمْ وَأَرِحْهُمْ مِنِّي، مَا يَمْنَعُ أَشْقَاكُمْ أَنْ يَخْضِبَهَا بِدَمٍ»، ووضع يده على لحيته[١٤]. فلا بأس بتمنّي الشهادة، بل هو حسن، وإنّما يحرم تمنّي الموت جزعًا لمصائب الدّنيا؛ كما ورد في رواية أنس بن مالك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ»[١٥]، وفي رواية خبّاب أنّه قال في مرضه، وقد اكتوى سبع كيّات: «لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ»[١٦]، وذلك لأنّ الواجب في المصائب الصبر، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾[١٧].

↑[١] . انظر: بحار الأنوار للمجلسي، ج٤٣، ص١٧٧.
↑[٢] . بحار الأنوار للمجلسي، ج٤٣، ص١٧٤
↑[٣] . الجامع لابن وهب، ص٦٤٦؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج٢، ص٢١٧؛ مسند ابن الجعد، ص٤١؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج٥، ص٢٣٧؛ مسند أحمد، ج٢، ص٢٣٥؛ صحيح مسلم، ج١، ص٧؛ سنن ابن ماجه، ج١، ص١٤؛ سنن الترمذي، ج٤، ص٣٩٧؛ مسند البزار، ج٢، ص٢٢٥
↑[٤] . الأنعام/ ١١٢
↑[٥] . الجمعة/ ٦
↑[٦] . البقرة/ ٩٤
↑[٧] . مسند أحمد، ج١٤، ص٢٦٠؛ المتمنين لابن أبي الدنيا، ص٦٧
↑[٨] . الأعراف/ ٩٩
↑[٩] . الأنعام/ ٥١
↑[١٠] . الرّعد/ ٢١
↑[١١] . المدّثّر/ ٥٣
↑[١٢] . آل عمران/ ١٤٣
↑[١٣] . انظر: مغازي الواقدي، ج١، ص٢١٣؛ دلائل النبوة للبيهقي، ج٣، ص٢٤٩.
↑[١٤] . انظر: الجامع لمعمر بن راشد، ج١١، ص٣١٥؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٣، ص٣٢؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج٧، ص٤٤٤؛ أنساب الأشراف للبلاذري، ج٣، ص٢٦٠.
↑[١٥] . الجامع لمعمر بن راشد، ج١١، ص٣١٦؛ الزهد والرقائق لابن المبارك، ص٣٥٨؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج٣، ص٤٩٦؛ مسند ابن الجعد، ص٢١٦؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٤٤؛ مسند أحمد، ج١٩، ص٤١؛ صحيح البخاري، ج٨، ص٧٦؛ صحيح مسلم، ج٨، ص٦٤؛ سنن ابن ماجه، ج٢، ص١٤٢٥؛ سنن الترمذي، ج٢، ص٢٩٢؛ مسند البزار، ج١٣، ص٥٤؛ سنن النسائي، ج٤، ص٣
↑[١٦] . الجامع لمعمر بن راشد، ج١١، ص٣١٤؛ مسند أبي داود الطيالسي، ج٢، ص٣٨٠؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٣، ص١٥٣؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص١٠٧؛ مسند أحمد، ج٣٤، ص٥٤٨؛ صحيح البخاري، ج٧، ص١٢١؛ صحيح مسلم، ج٨، ص٦٤؛ السنن الكبرى للنسائي، ج٢، ص٣٧٩
↑[١٧] . آل عمران/ ١٤٦