هل يشرع مسح الأذنين في الوضوء؟
ليس في آية الوضوء ذكر من الأذنين، وإنّما ذُكر فيها الوجه واليدان والرأس والرجلان، ومن الواضح أنّ الأذنين ليستا من اليدين والرجلين، فهل هما من الوجه أو من الرأس حتّى يشرع غسلهما أو مسحهما؟ فيه ثلاثة أقوال: الأوّل أنّهما من الرأس، وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد اللّه بن زيد، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، وعطاء، والحسن، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، وعليه فيشرع مسحهما مع الرأس، والثاني أنّهما من الوجه والرأس جميعًا، وبه قال الشعبيّ، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحكم، والحسن بن صالح، وعليه فيشرع غسلهما مع الوجه ومسحهما مع الرأس، وقال بعضهم: «مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا فَمِنَ الْوَجْهِ، وَمَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا فَمِنَ الرَّأْسِ»[١]، وعليه فيشرع غسل بطنهما مع الوجه ومسح ظهرهما مع الرأس، والثالث أنّهما ليستا من الوجه ولا من الرأس، وبه قال ابن عبّاس؛ كما روي أنّه قال: «الْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنَ الْوَجْهِ، وَلَيْسَتَا مِنَ الرَّأْسِ، وَلَوْ كَانَتَا مِنَ الرَّأْسِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْلَقَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ، وَلَوْ كَانَتَا مِنَ الْوَجْهِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ ظُهُورُهُمَا وَبُطُونُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ»[٢]، وهو قول أهل البيت؛ كما روي عن جعفر بن محمّد أنّه قال: «الْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنَ الْوَجْهِ، وَلَا مِنَ الرَّأْسِ»[٣]، وروى زرارة بن أعين، قال: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ أَنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ بَطْنَ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ، وَظَهْرَهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمَا غَسْلٌ وَلَا مَسْحٌ»[٤]، وهو قول أبي ثور، واختاره الشافعيّ أيضًا، إلّا أنّه قال باستحباب مسحهما على حدة[٥]، والقول عندنا ما قال أهل البيت؛ لأنّ الأذنين ليستا ممّا يظهر ويتبادر من الوجه والرأس، بل ينصرف عنهما الذهن عند الإطلاق، فلا بدّ من ذكرهما إذا كان إلى غسلهما أو مسحهما حاجة، ولم تُذكرا في الآية، ولا يجوز عندنا تعميم القرآن بالروايات[٦]؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّها غير صحيحة في هذا الباب؛ كما قال البيهقيّ: «مَا مِنْهَا إِسْنَادٌ إِلَّا وَلَهُ عِلَّةٌ»[٧]، يعني الروايات الواردة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»، وأقوى الروايات في هذا الباب ما رواه محمّد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم «مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ»[٨]؛ كما قال ابن منده: «لَا يُعْرَفُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ، إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ»[٩]، مع أنّ محمّد بن عجلان فيه مقال من قبل حفظه[١٠]، وذكره البخاريّ في الضعفاء[١١]. ثمّ إنّها -بغضّ النظر عن ضعفها- ظاهرة في أنّ الأذنين ليستا من الرأس، كما ليستا من الوجه؛ إذ قالت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم «مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ»، وفي هذا الفصل دلالة على أنّهما ليستا من الرأس؛ مع أنّهما لو كانتا من الرأس أيضًا لم يكن مسحهما واجبًا؛ إذ لا يجب مسح الرأس كلّه؛ لدلالة الآية على التبعيض؛ فإنّها قالت: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾[١٢]، ولم تقل: «امسحوا رؤوسكم»، والباء للتبعيض؛ كما في الآية الأخرى: ﴿أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾[١٣]، يعني مقدّم رأسه، وقد روى زرارة، قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: أَلَا تُخْبِرُنِي مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ وَقُلْتَ إِنَّ الْمَسْحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ وَبَعْضِ الرِّجْلَيْنِ؟ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: يَا زُرَارَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ بِهِ الْكِتَابُ مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْوَجْهَ كُلَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثُمَّ فَصَّلَ بَيْنَ الْكَلَامِ فَقَالَ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، فَعَرَفْنَا حِينَ قَالَ: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ أَنَّ الْمَسْحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ لِمَكَانِ الْبَاءِ، ثُمَّ وَصَلَ الرِّجْلَيْنِ بِالرَّأْسِ كَمَا وَصَلَ الْيَدَيْنِ بِالْوَجْهِ، فَقَالَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فَعَرَفْنَا حِينَ وَصَلَهَا بِالرَّأْسِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى بَعْضِهَا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ فَضَيَّعُوهُ»[١٤]، وقد أجمع أهل العلم عدا إسحاق وأحمد في رواية عنه وبعض الزيديّة على أنّ مسح الأذنين غير واجب[١٥]، وفي استحبابه أيضًا إشكال؛ إذ يظهر من بعض الروايات أنّ مسحهما لم يكن أمرًا مألوفًا بين المسلمين في الصّدر الأوّل؛ كما روى حُميد الطويل، قال: «تَوَضَّأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَمَسَحَ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ نَظَرِنَا إِلَيْهِ قَالَ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَأْمُرُ بِالْأُذُنَيْنِ»[١٦]، وهذا يدلّ على أنّهم أنكروا واستغربوا مسحه الأذنين، حتّى اضطُرّ إلى تبريره، والنكتة أنّه لم يبرّره بروايته عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، بل بإسناده إلى ابن مسعود، مع أنّه كان خادمًا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عشر سنين، ولو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يفعله لرآه مرّة لا محالة، ولم يكن بحاجة إلى أمر ابن مسعود، ولعلّ هذا ما أوهم زائدة بن قدامة أو بعض من روى عنه، حتّى قام بتحريف الرواية، فقال: «إِنَّ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ وَظَاهِرَهُمَا، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بِذَلِكَ»[١٧]، ولكنّه كما ترى تحريف مبين؛ إذ لا معنى للاستناد إلى أمر ابن مسعود بعد القول بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فعل ذلك، وقد رواه إسماعيل بن جعفر، و مروان بن معاوية، وسفيان بن سعيد في رواية الحسين بن حفص، جميعًا عن حُميد، عن أنس، بدون ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فخالفهم زائدة ورواه عن سفيان بزيادة يأباها السياق، فهي مردودة عليه لا محالة، ولذلك يحتمل أن يكون مسح الأذنين أمرًا محدثًا، وإذا جاء هذا الاحتمال فالأولى اجتناب ذلك؛ لأنّ العبادات توقيفيّة، والأصل فيها عدم الشرعيّة، وترك البدعة أولى من فعل السنّة، إلّا أن يؤتى ذلك من باب التنظيف أحيانًا؛ فلا يكون به بأس إن شاء اللّه؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:
سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: أَرْبَعٌ فِي الْوُضُوءِ لِلتَّنْظِيفِ، فَلَا تَلْتَزِمُوهَا: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّؤُونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ قَذَرًا، فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ بِهَا قَذَرٌ فَلَمْ تُغْسَلْ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَيْسَ عَلَيْهَا غَسْلٌ.