الأربعاء ٥ صفر ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ٢٣ سبتمبر/ ايلول ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٢٩) بالنظر إلى الأخبار المتواترة للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فإنّ الخليفة الوحيد للّه تعالى في آخر الزمان هو المهديّ، ولم يتمّ الإخبار عن أيّ خليفة آخر من دونه في آخر الزمان ولذلك، لا يمكن اليقين بخلافة أحد غيره بعد السلف. (الأسئلة والأجوبة)
loading
السؤال والجواب
 

متى يجوز الكذب؟

«الكذبة» تطلق على الخبر الذي لا يطابق الواقع وعليه، فإنّ «الكذب» يعني الإخبار بهذا الخبر، سواء كان المخبر عالمًا بمخالفته للواقع أو معتقدًا بمطابقته للواقع عن جهلٍ مركّب وفي كلا الحالتين قبحه فطريّ وبديهيّ؛ كما قال اللّه عن الأول: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[١] وقال عن الثاني: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا[٢]، بل قرنه بالشرك من فرط قبحه وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ[٣].

مع ذلك، فإنّ «الكذب» من حيث أنّه إخبار بخبر مخالف للواقع، له حرمة تكليفيّة إذا كان فيه علم بمخالفته للواقع؛ لأنّه إذا لم يكن فيه علم بمخالفته للواقع، لم يمكن اجتنابه بعنوان «الكذب» ولهذا، فإنّ النهي عنه بهذا العنوان يعدّ لغوًا، رغم أنّ تجنّب مقدّماته التي هي أسباب الجهل المركّب ممكن، وبالتالي يصحّ النهي عنها تحت عنوان موانع المعرفة وعليه، فإنّ صفة «الكاذب» تطلق في الحقيقة على من يخبر بخبر مخالف للواقع مع العلم بمخالفته لكي يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا حسب زعمه، لكن من يخبر بهذا الخبر من دون علم بمخالفته للواقع، فهو لا يعدّ «كاذبًا» في الحقيقة، بل يعدّ في ضلال بعيد؛ لأنّه يزعم أنّه صادق وإن كان بسبب تقصيره في تحصيل مقدّمات العلم مذنبًا ومستحقًّا للعقوبة. من هنا يعلم أنّ الكذب لا يقوله الكاذبون فقطّ، بل يقوله الذين يرومون الصدق أيضًا وربما تكون أكاذيب هؤلاء أكبر وأخطر بكثير، كأكاذيب بعض الفقهاء والمحدّثين التي قد حيّرت الأمّة أو أكاذيب بعض المقلّدين التي يقولونها بتقليدهم الأعمى. بناء على هذا، فإنّ حرمة «الكذب» من جانب تعني وجوب اجتناب الإخبار بخبر مخالف للواقع مع العلم بمخالفته، ومن جانب آخر تعني وجوب اجتناب الجهل والتقليد والأهواء النفسانيّة وحبّ الدّنيا والتعصّب والتكبّر والنّزعة الخرافيّة التي تؤدّي إلى الإخبار بمثل هذا الخبر من دون علم بمخالفته للواقع.

نعم، إنّ «الكذب» بمعنى الإخبار بمثل هذا الخبر مع العلم بمخالفته للواقع وإن كان حرامًا في الحالة الأوّليّة، لكنّه قد يكون جائزًا في الحالة الثانويّة وهي الحالة التي تكون فيها مصلحة «الكذب» أكثر من مفسدته في ميزان الشرع ولها أربعة أشكال: التقيّة والحرب والصلح والنصيحة. توضيح ذلك أنّ الإخبار بخبر مطابق للواقع، إذا اقتضى قتل مسلم بغير حقّ أو فتنة أكبر منه، لم يجز؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[٤] والإخبار بخبر مطابق للواقع في زمن الحرب، إذا اقتضى خوف المسلمين أو أمن أعداء الإسلام، لم يجز؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا[٥] والإخبار بخبر مطابق للواقع، إذا ترتّب عليه نشوء أو استمرار النزاع بين شخصين أو طائفتين من المسلمين، لم يجز؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ[٦] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[٧] وقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[٨] والإخبار بخبر مخالف للواقع، إذا كان عن نصيحة ومن أجل تنبيه الغافلين وإرشاد الضالّين، جاز؛ كما قال اللّه عن يوسف عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ[٩]، في حين أنّهم لم يكونوا سارقين ولكنّ يوسف عليه السلام قال ذلك عن نصيحة ومن أجل تنبيههم وقال اللّه عن إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ[١٠]، في حين أنّ الصنم الكبير لم يكن يهدم الأصنام الصغيرة ولكنّ إبراهيم عليه السلام قال ذلك عن نصيحة ومن أجل إرشاد الضالّين.

من هنا يعلم أنّ الإخبار بخبر مخالف للواقع جائز في هذه الحالات الأربعة، لكن بشرط أن لا يكون الصمت أو التورية كافيًا منه؛ لأنّه لو كان الصمت أو التورية كافيًا منه لم يحن دوره. كما لا ينبغي أن يصبح جوازه في هذه الحالات الأربعة ذريعة بيد الحكّام الظالمين وأذنابهم ليَكذِبوا الناس كلّ كذبة ويكتموهم كلّ حقيقة بدافع حفظ نظامهم؛ لأنّ الحكمة من الحكم المذكور، هو يسر للمحسنين من أجل الدفاع عن حقوق المظلومين وتحصيل مصالح المستضعفين وهداية الضالّين إلى اللّه، لا يسر للجبابرة من أجل حفظ حكوماتهم وتضييع حقوق المظلومين وتضليل الناس؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ الْهاشِمِيَّ الْخُراسانِيَّ يَقُولُ: لَيْسَ لِلظّالِمِ قَصْرُ صَلاةٍ وَلا إِفْطارُ صَوْمٍ وَلَا اضْطِرارٌ فِي مَخْمَصَةٍ وَلا كِذْبٌ فِي مَصْلَحَةٍ وَلا تَقَيِّةٌ فِي خِيفَةٍ».

لأنّ جميع هذه الأحكام وضعت رحمة من عند اللّه وإنّ الظالمين لا يستحقّون رحمة اللّه؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ[١١].

↑[١] . آل عمران/ ٧٥
↑[٢] . الكهف/ ٥
↑[٣] . الحج/ ٣٠
↑[٤] . النحل/ ١٠٦
↑[٥] . النساء/ ٨٣
↑[٦] . الأنفال/ ١
↑[٧] . الحجرات/ ١٠
↑[٨] . النساء/ ١١٤
↑[٩] . يوسف/ ٧٠
↑[١٠] . الأنبياء/ ٦٣
↑[١١] . هود/ ١٨
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading