الثلاثاء ٥ جمادى الآخرة ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ١٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠٢١ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٥٣) أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَرَوُا النَّهَارَ بِدُونِ الشَّمْسِ وَنَبَاتَ الْأَرْضِ بِدُونِ الْمَاءِ؟! بَلْ سَيَطُولُ لَيْلُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ وَتَكُونُ أَرْضُهُمْ كَالسَّبْخَةِ؛ لِأَنَّ خَلِيفَةَ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ وَأَحْكَامَهُ لَا تَجْرِي بَيْنَهُمْ. فَذَرِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ بِقَوْلِي وَيَلْعَبُونَ فِي خَوْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَنْدَمُونَ كَالْقَاتِلِ نَفْسَهُ وَيَقِيئُونَ كَالْآكِلِ نَجَاسَةً! حِينَئِذٍ فِي طَلَبِي يَقْتَحِمُونَ الْبِحَارَ وَيَعْبُرُونَ عَقَبَاتِ الْجِبَالِ، بَلْ يَلْتَمِسُونَنِي فِي صُدُوعِ الصُّخُورِ وَيَنْشُدُونَ رُعَاةَ السُّهُولِ، لِأُعِيدَ لَهُمْ قَوْلًا لَا يَسْمَعُونَهُ الْيَوْمَ مِنِّي وَأَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا لَا يَقْبَلُونَهُ الْآنَ مِنِّي! [القول ٢ من أقوال المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى]
loading
السؤال والجواب
 

ما رأي العلامة المنصور الهاشمي الخراساني في وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة؟

لا خلاف بين المسلمين في عدم وجوب وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة؛ لأنّ أكثر الروايات الواردة في وصف صلاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خالية من ذكره، ولو كان واجبًا لم تخل من ذكره؛ لأنّه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولكنّهم اختلفوا في حكمه بعد الإتّفاق على عدم وجوبه؛ فرأى أكثرهم أنّه مستحبّ، لوروده في بعض الروايات، ورأى قوم أنّه غير مستحبّ؛ لأنّ الأوجب المصير إلى الروايات التي ليست فيها هذه الزيادة؛ نظرًا لأنّها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنّما هي من باب الإستعانة[١]. ثمّ اختلفوا هؤلاء فيما بينهم؛ فرأى بعضهم -وهم أكثر المالكيّة- أنّه مكروه؛ لأنّه من الإعتماد، والإعتماد في الصلاة مكروه، إلا في النافلة إذا طال القيام، ورأى بعضهم -وهم أكثر الإماميّة- أنّه حرام يبطل الصلاة؛ لما روي عن أهل البيت من النهي عن ذلك؛ كما روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «لَا يَجْمَعُ الْمُسْلِمُ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكُفْرِ»[٢]، وروي عن علي بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: «وَضْعُ الرَّجُلِ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ عَمَلٌ، وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عَمَلٌ»[٣]، وروي مثله عن عليّ عليه السلام[٤]، وروي عن أبي جعفر عليهما السلام أنّه قال: «إِذَا قُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْكَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ، وَلَا تُكَفِّرْ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَجُوسُ»[٥]، وروي عن جعفر عليه السلام أنّه قال: «إِذَا كُنْتَ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ، فَلَا تَضَعْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَلَا الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى، فَإِنَّ ذَلِكَ تَكْفِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ أَرْسِلْهُمَا إِرْسَالًا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَشْغَلَ نَفْسَكَ عَنِ الصَّلَاةِ»[٦]، وروى عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي صَلَاتِهِ، أَيَضَعُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى بِكَفِّهِ أَوْ ذِرَاعِهِ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَعُودُ لَهُ»[٧]، لكنّه كما ترى غير صريح في حرمته، فضلًا عن مبطليّته، بل هو أدلّ على الكراهة التي ذهب إليها أكثر المالكيّة وبعض الإماميّة؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّه لا يخلّ بالقيام ولا ينافي الطمأنينة ولا يفسد هيئة الصلاة ولا يعتبر بدعة فاحشة وعليه، فلا يبقى إلا الكراهة، وهي الحقّ عند السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنِ الْقَبْضِ فِي الصَّلاةِ، فَكَرِهَهُ وَقالَ: أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ فُقَهاءِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: تُرِيدُ مالِكًا؟ قالَ: مالِكًا وَخَيْرًا مِنْ مالِكٍ».

وبهذا قال عبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وعطاء، وابن جريج، وليث بن سعد، ومحمّد بن سيرين، وغيرهم، وروي «أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَاضِعًا إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فَذَهَبَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا»[٨]، والدليل على ذلك -كما تقدّم- هو أنّ أكثر الروايات الواردة في وصف صلاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خالية من ذكره، بل لم يرد ذكره في رواية صحيحة، والروايات التي ورد فيها ذكره إمّا ضعيفة أو مرسلة أو موقوفة، ولذلك لم يخرج البخاري في صحيحه إلا واحدة منها، وهي رواية أبي حازم عن سهل بن سعد أنّه قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي»[٩]، وهي كما ترى موقوفة، وفيها من الظنّ والإبهام ما يسقطها؛ كما قال أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في أطراف الموطأ: «هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَحُسْبَانٌ»[١٠]، وممّا يزيدها وهنًا أنّ أوّل من أخرجها مالك، وهو ممّن قال بالكراهة، وهذا يعني أنّه لم يرها معتبرة، ولذلك لم يخرجها مسلم في صحيحه، وإنّما أخرج رواية أخرى، وهي رواية علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ»[١١]، ولكنّها مرسلة على الأرجح؛ كما قال ابن أبي خيثمة: «سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِيْنٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: مُرْسَلٌ»[١٢]، وقال الترمذي: «سَأَلْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، هَلْ سَمِعَ مِنَ أَبِيهِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ»[١٣]، بالإضافة إلى ما يُرى فيها من التناقض؛ لأنّ فيها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم التحف بثوبه وأدخل يديه فيه، فكيف علم الراوي أنّه وضع يده اليمنى على اليسرى وهما تحت الثوب؟! فلعلّ ذلك شبّه له، أو لعلّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخذ طرفي الثوب لئلّا يسقط أو ينفرج عنه، أو فعل ذلك لبرد أصابه أو وجع في يده؛ كما يظهر هذا من قول مالك؛ فإنّه قال في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: «لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ -وَكَانَ يَكْرَهُهُ- وَلَكِنْ فِي النَّوَافِلِ إذَا طَالَ الْقِيَامُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ يُعِينُ بِهِ نَفْسَهُ»[١٤] وعليه، فلا تقوم بهذه الرواية حجّة.

نعم، لم ينفرد بها علقمة بن وائل؛ لأنّ عاصم بن كليب أيضًا روى عن أبيه، عن وائل بن حجر أنّه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَأَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ»[١٥]، ولكن حكي عن عليّ بن المديني أنّه قال في عاصم بن كليب: «لا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ»[١٦] وهذا تضعيفه، وروي عن الحسن بن عبيد اللّه أنّه قال: «قُلْتُ لِعَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ: إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ»[١٧]، وقيل إنّه كان مرجئًا[١٨]، وإن صحّت روايته فهي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأنّها تنتهي إلى وائل بن حجر، وهو لم ير النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا أيّامًا قليلة في قدومه عليه، ولو كان هذا الفعل معروفًا من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في صلواته بالليل والنهار لاشتهر وتواتر عن أصحابه، مع أنّه لم يصحّ عن أحدهم ما صحّ عن وائل بن حجر، والمحتمل أنّ رواية عاصم بن كليب هي مختصرة من الرواية السابقة، وتقدّم ما في الرواية السابقة من التناقض، وهكذا سائر الروايات الواردة في ذلك؛ فإنّها أضعف سندًا أو دلالة ممّا ذكرناه.

هكذا ما روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ مِنَ السُّنَّةِ»[١٩]، وما روي عن عقبة بن ظبيان عن عليّ عليه السلام أنّه قال في قول اللّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[٢٠]: «وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ»[٢١]، فإنّهما لا تصحّان؛ لأنّ الرواية الأولى فيها زياد بن زيد، وهو لا يعرف، والرواية الثانية فيها عاصم الجَحدَريّ، وهو من القرّاء و«قِرَاءَتُهُ شَاذَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ» كما قال الذهبيّ[٢٢]، ومن كانت قراءته هكذا فإنّ روايته أكثر شذوذًا وأقلّ ثبوتًا، ولذلك لم يعتبره الهيثمي ثقة إذ قال بعد حديث من طريقه: «فِيهِ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ، وَهُوَ قَارِئٌ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: قِرَاءَتُهُ شَاذَّةٌ، وَفِيهَا مَا يُنْكَرُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ»[٢٣]، بالإضافة إلى أنّ روايته عن عقبة بن ظبيان غير ثابتة؛ كما قال ابن أبي حاتم: «رَوَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ ظَبْيَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ»[٢٤]، ولا يعرف أبوه، بل جعل المَاتُرِيديّ هذه الرواية من قول عاصم، ولم يسندها إلى عليّ عليه السلام[٢٥]. ثمّ ما يزيد روايته هذه ضعفًا أنّها معارضة لما روي عن عليّ عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أنّه قال: «النَّحْرُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَ الْوَجْهِ»[٢٦]، وفي رواية أخرى أنّه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أَمَرَنِي بِهَا رَبِّي؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ، وَلَكِنَّهَا رَفْعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ»[٢٧]، وبهذا قال الأئمّة من أولاد عليّ عليه السلام؛ كما قال البيهقي: «رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ»[٢٨]، وروي مثله عن جعفر بن محمّد[٢٩]، ولا يبعد أن يكون هذا ما قد بلغ عاصم الجحدري من عليّ عليه السلام، فغلط فيه فحمل رفع اليدين في الصلاة على وضع اليمين على الشمال؛ كما غلط فيه القاضي حسين في التعليقة إذ قال: «لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجِبْرِيلَ: مَا هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أَمَرَنِي بِهَا رَبِّي؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ نَحَائِرِكُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ النَّحْرِ»[٣٠]. ثمّ إنّها معارضة لما روي عن عليّ عليه السلام من طريق أولاده أنّه قال: «لَا يَجْمَعُ الْمُسْلِمُ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكُفْرِ»، وهذا الذي جاء في روايته ورواية أولاده من كراهية ذلك لأنّه تشبّه بأهل الكفر هو حجّة قاطعة؛ لأنّه لا خلاف بين المسلمين في كراهية التشبّة بأهل الكفر، ولا شكّ في أنّ قبض اليدين تشبّه بأهل الكفر؛ لأنّه ظاهر فيما بقي من آثار آل فرعون؛ كما يمكنك مشاهدته على تماثيلهم في الصورة أدناه:

حكم قبض اليدين في الصلاة

هذا ما أشار إليه السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى بصراحة فيما أخبرنا به بعض أصحابه، قال:

«سَأَلْتُهُ عَنِ التَّكْفِيرِ فِي الصَّلاةِ، فَقالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَأَكْرَهُ أَنْ أَتَشَبَّهَ بِآلِ فِرْعَوْنَ، أَلا تَنْظُرُونَ إِلَى تَماثِيلِهِمْ كَيْفَ يُكَفِّرُونَ؟! قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ سُنَّةٌ! قالَ: سُنَّةٌ لِآلِ فِرْعَوْنَ! ثُمَّ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُ يَدَيْهِ فِي الصَّلاةِ وَكانَ لا يَتَصَنَّعُ كَما تَتَصَنَّعُونَ».

والتصنّع تكلّف حسن السمت، وقد يتمثّل في الإهتمام بجعل الأعضاء على هيئة مخصوصة ليست عليها في الحالة العاديّة إظهارًا للخشوع أو غيره ممّا ينبغي وجوده في القلب، بغضّ النظر عمّا إذا كان موجودًا فيه بالفعل أم لا، وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ خُشُوعِ النِّفَاقِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا خُشُوعُ النِّفَاقِ؟ قَالَ: خُشُوعُ الْبَدَنِ وَنِفَاقُ الْقَلْبِ»[٣١] وقال أبو الدرداء في تفسير ذلك: «أَنْ تَرَى الْجَسَدَ خَاشِعًا وَالْقَلْبَ لَيْسَ بِخَاشِعٍ»[٣٢]، وفي رواية أخرى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «مَا زَادَ خُشُوعُ الْجَسَدِ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ فَهُوَ عِنْدَنَا نِفَاقٌ»[٣٣]، ولذلك قال الفضيل بن عياض: «كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُرَى عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْخُشُوعِ أَكْثَر مِمَّا فِي قَلْبِهِ»[٣٤]، وذكر عن عمر بن الخطاب أنّه رأى رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: «يَا صَاحِبَ الرَّقَبَةِ! ارْفَعْ رَقَبَتَكَ، لَيْسَ الْخُشُوعُ فِي الرِّقَابِ، إِنَّمَا الْخُشُوعُ فِي الْقُلُوبِ»[٣٥]، وقال ابن القيّم: «رَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلًا خَاشِعَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالْبَدَنِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، الْخُشُوعُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ، لَا هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى مَنْكِبَيْهِ»[٣٦]، وحكى أبو الحسن اللخمي عن بعضهم القول بكراهية قبض اليدين في الصلاة «خِيفَةَ أَنْ يَظْهَرَ بِجَوَارِحِهِ مِنَ الْخُشُوعِ مَا لَمْ يُضْمِرْهُ بِقَلْبِهِ»[٣٧]، وهذا هو الوجه.

↑[١] . انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، ج١، ص١٤٦.
↑[٢] . الخصال لابن بابويه، ص٦٢٢؛ تحف العقول عن آل الرسول لابن شعبة الحراني، ص١١٢
↑[٣] . قرب الإسناد للحميري، ص٢٠٨
↑[٤] . مسائل علي بن جعفر، ص١٧٠
↑[٥] . الكافي للكليني، ج٣، ص٢٩٩؛ علل الشرائع لابن بابويه، ج٢، ص٣٥٨
↑[٦] . دعائم الإسلام لابن حيّون، ج١، ص١٥٩
↑[٧] . مسائل علي بن جعفر، ص١٧٠
↑[٨] . مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٣٤٤؛ الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر، ج٣، ص٩٢؛ شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج٢، ص٣٥٨
↑[٩] . صحيح البخاري، ج١، ص١٤٨
↑[١٠] . التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن، ج٦، ص٦٣٨ نقلًا عن أطراف الموطأ للداني
↑[١١] . صحيح مسلم، ج١، ص٣٠١
↑[١٢] . تاريخ ابن أبي خيثمة (السفر الثاني)، ج٢، ص٩٧٠
↑[١٣] . العلل الكبير للترمذي، ص٢٠٠
↑[١٤] . المدونة الكبرى لمالك بن أنس، ج١، ص١٦٩
↑[١٥] . سنن ابن ماجة، ج١، ص٢٦٦
↑[١٦] . ديوان الضعفاء للذهبي، ص٢٠٤
↑[١٧] . الضعفاء الكبير للعقيلي، ج٣، ص٣٣٤
↑[١٨] . من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال، ص٤٦؛ الضعفاء الكبير للعقيلي، ج٣، ص٣٣٤
↑[١٩] . مسند أحمد، ج٢، ص٢٢٢؛ سنن أبي داود، ج١، ص٢٠١؛ سنن الدارقطني، ج٢، ص٣٤؛ الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر، ج٣، ص٩٤؛ أحكام القرآن للطحاوي، ج١، ص١٨٥؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٢، ص٤٨
↑[٢٠] . الكوثر/ ٢
↑[٢١] . مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٣٤٣؛ جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري، ج٢٤، ص٦٩٠؛ سنن الدارقطني، ج٢، ص٣٢
↑[٢٢] . تاريخ الإسلام للذهبي، ج٣، ص٤٣٧
↑[٢٣] . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، ج٧، ص١٥٦
↑[٢٤] . الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ج٦، ص٣٤٩
↑[٢٥] . تفسير الماتريدي، ج١٠، ص٦٢٩
↑[٢٦] . دعائم الإسلام لابن حيّون، ج١، ص١٥٦
↑[٢٧] . تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، ج١٠، ص٤٧٠؛ معجم ابن الأعرابي، ج٢، ص٤٩٨؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج٢، ص٥٨٦؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٢، ص١١٠؛ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج١٦، ص٦٠٥؛ من مجالس أبي سعيد النقاش رواية أبي مطيع الصحاف، ص٥؛ الجزء السادس من المشيخة البغدادية لأبي طاهر السلفي، ص٣؛ الأمالي للطوسي، ص٣٧٧
↑[٢٨] . معرفة السنن والآثار للبيهقي، ج١٤، ص١٩
↑[٢٩] . تهذيب الأحكام للطوسي، ج٢، ص٦٦؛ مجمع البيان للطبرسي، ج١٠، ص٤٦٠
↑[٣٠] . التعليقة للقاضي حسين، ج٢، ص٧٣٣
↑[٣١] . شعب الإيمان للبيهقي، ج٩، ص٢٢٠؛ نوادر الأصول للحكيم الترمذي، ج٣، ص٢١٠
↑[٣٢] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٧، ص٢٤٣؛ الزهد والرقائق لابن المبارك، ج١، ص٤٦؛ الزهد لأحمد بن حنبل، ص١١٧؛ شعب الإيمان للبيهقي، ج٩، ص٢٢٠
↑[٣٣] . الكافي للكليني، ج٢، ص٣٩٦
↑[٣٤] . الرسالة القشيرية لعبد الكريم القشيري، ج١، ص٢٧٧؛ مدارج السالكين لابن القيّم، ج١، ص٥١٧
↑[٣٥] . إحياء علوم الدين للغزالي، ٣، ص٢٩٦؛ مدارج السالكين لابن القيّم، ج١، ص٥١٧؛ الكبائر للذهبي، ص١٤٤؛ الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، ج١، ص٦٩
↑[٣٦] . مدارج السالكين لابن القيّم، ج١، ص٥١٧
↑[٣٧] . التبصرة للخمي، ج١، ص٢٩٦
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading