الأحد ١٣ ذي القعدة ١٤٤١ هـ المعادل لـ ٥ يوليو/ حزيران ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ إطلاق قسم «الدروس» الشامل لدروس العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى المرتكزة على القرآن والسنّة. * تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى.
loading
السؤال والجواب
 

كان لديّ أسئلة حول علم الغيب:

١ . هل كان للرّسول علم الغيب؟

٢ . هل كان للأئمّة [من أهل البيت] علم الغيب؟

٣ . إن كان لهم علم الغيب وعلمت بأنّ الخليفة يعلم الغيب، كيف يمكنني القيام بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السّيّئة عن اختيار؟ لا يحدث أيّ نموّ هنا.

مع الشكر

إنّ المراد من «علم الغيب» هو العلم بموضوعات لا يمكن العلم بها للإنسان عن طرق طبيعيّة، كالعلم بأحداث في الماضي لم يتمّ نقلها وأحداث في الحاضر تخفى عن بصر الإنسان وسمعه وأحداث في المستقبل ليست أسبابها معلومة في الوقت الحاضر، لا كالعلم بطلوع الشمس غدًا أو حالة الجوّ في الأيّام القليلة القادمة أو الحصاد في موسم من العام والذي يُعلم أسبابه في الوقت الحاضر ولذلك، لا يعتبر علمًا بالغيب.

لذلك، من الواضح أنّ العلم بالغيب للّه وحده؛ لأنّه هو الكامل وحده وبمقتضى كماله عالم بكلّ شيء وهو الأزليّ والأبديّ وحده وهو خالق الأسباب والحوادث وبالتالي يحيط بمخلوقاته في الماضى والحاضر والمستقبل ولا يقع شيء خارج خلقه ليخفي عنه؛ كما قال: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ[١] وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[٢] وقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ[٣] ولذلك، من الطبيعيّ أنّ الإنسان ليس عالمًا بالغيب ولا يمكنه أن يكون؛ لأنّ عقله وحسّه لا يقدران على إدراك أحداث في الماضي لم يتمّ نقلها له أو إدراك أحداث في الحاضر تخفى عن بصره وسمعه أو إدراك أحداث في المستقبل ليست أسبابها معلومة له في الوقت الحاضر وهذا هو مقتضى طبيعته التي خلق عليها ولهذا السبب، قال اللّه على سبيل الإنكار والإستبعاد: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ[٤] وقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ[٥] وبالتالي، ليس هناك فرق بين الرّسل والآخرين في هذا الصدد؛ لأنّ عدم العلم بالغيب مقتضى كونهم بشرًا وكون القوى البشريّة محدودة والذي هو مشترك بين الرّسل والآخرين؛ كما قال اللّه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[٦] وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ[٧] وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ[٨] ولذلك، إنّ الأئمّة من أهل البيت أيضًا غير عالمين بالغيب من باب أولى؛ لأنّهم أيضًا بشر مثل سائر الناس والبشر من حيث أنّه بشر لا يملك القدرة على العلم بالغيب.

نعم، من الممكن أن ينبأ اللّه بشرًا يوحي إليه بحادث في الماضي لم يتمّ نقله له أو حادث في الحاضر يخفى عن بصره وسمعه أو حادث في المستقبل ليست أسبابه معلومة له؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ[٩] وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا[١٠]؛ غير أنّه من جانب ليس إنباء الرّسول بالغيب من قبل اللّه أمرًا دائمًا وقابلًا للتوقّع، بل هو خاصّ بحالات الضرورة أو المصلحة التي اللّه أعلم بها؛ كما هناك العديد من الأمثلة على عدم علم الرّسل بالغيب؛ كعدم علم آدم عليه السلام بنيّة إبليس إذ دعاه إلى الأكل من الشجرة الممنوعة وعدم علم نوح عليه السلام بأنّ ابنه لا ينجو حتّى أدركه الغرق وعدم علم إبراهيم ولوط عليهما السلام بهويّة الملائكة حتّى عرّفوهما أنفسهم وعدم علم يعقوب عليه السلام بمصير يوسف عليه السلام ومكانه حتّى عرّف إخوانه نفسه وعدم علم موسى عليه السلام بخطب الإمرأتين من أهل مدين حتّى سألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا ۖ[١١] وعدم علم أيّوب عليه السلام بأنّ زوجته لم تأت بفاحشة لدرجة أقسم أن يضربها مائة جلدة وعدم علم يونس عليه السلام بأنّ قومه يؤمنون لدرجة تركهم مغاضبًا ومن جانب آخر، لا يعتبر إنباء الرّسول بالغيب من قبل اللّه علمًا بالغيب للرّسول، بل هو علم بالغيب للّه في الواقع؛ لأنّ اللّه قد أنبأ الرّسول به؛ كما لو أنبأ الرّسول الآخرين به، لم يعتبر علمًا بالغيب للآخرين؛ لأنّ الرّسول قد أنبأهم به و«العالم بالغيب» لا يصدق على من أُنبئ بحادث خفيّ من قبل شخص آخر؛ كما أنّ أهل بيت الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كبعض أصحابه، أُنبئوا من قبله ببعض أحداث المستقبل ولكنّهم لم يدّعوا بسبب ذلك العلم بالغيب، بل نفوه عن أنفسهم بصراحة.

كمثال على ذلك، روى أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي من محدّثي القرن الثالث الهجري في كتاب رجاله الذي لخّصه أبو جعفر الطوسي (ت٤٦٠ق) بسند صحيح عن عبد اللّه بن المغيرة أنّه قال: «كنتُ عندَ أبي الحسنِ عليه السلام أنا ويحيى بنُ عبدِ اللّهِ بنِ الحسنِ عليه السلام، فقال يحيى: جُعلتُ فداكَ إنّهم يَزعُمونَ أنّك تَعلمُ الغيب؟ فقال: سبحان اللّه! سبحان اللّه! ضَع يَدَكَ على رأسي، فواللّهِ ما بَقِيَتْ في جسدي شعرةٌ ولا في رأسي إلّا قامَتْ! ثمّ قال: لا واللّهِ ما هي الا وراثةٌ عن رسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله»[١٢].

كذلك روى بسند صحيح عن أبي بصير أنّه قال: «قلتُ لأبي عبدِ اللّهِ عليه السلام: إنّهم يقولون! قال: وما يقولون؟ قلتُ: يقولون تَعلَمُ قَطْرَ المطرِ وعددَ النّجومِ ووَرقَ الشّجرِ ووزنَ ما في البحرِ وعددَ التّراب! فَرفَعَ يدَهُ إلى السّماءِ وقال: سبحان اللّه! سبحان اللّه! لا واللّهِ ما يَعلَمُ هٰذا إلّا اللّه»[١٣].

كذلك روى أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ (ت٣٢٨ق) في الكتاب المشهور الكافي[١٤] بسنده عن سدير الصيرفيّ أنّه قال: «كنتُ أنا وأبو بصير ويحيى البزّازِ وداودُ بنُ كثيرٍ في مجلسِ أبي عبدِ اللّهِ عليه السلام إذ خرجَ إلينا وهو مُغْضَبٌ، فلمّا أَخَذَ مجلسَهُ قال: يا عَجَبًا لِأقوامٍ يَزعمونَ أنّا نَعلَمُ الغيبَ، ما يَعلَمُ الغيبَ إلّا اللّهُ عزّوجلّ، لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَربِ جاريتي فلانةٍ، فَهَرَبَتْ منّي فما عَلِمْتُ في أيِّ بُيوتِ الدّارِ هي»!

هذه أمثلة على الروايات التي قد ورد معناها عن أئمّة أهل البيت بشكل متواتر وهي موافقة لكتاب اللّه والعقل السليم ولهذا السبب، قد أقرّ بها كبار علماء الشيعة واعتبروا الإعتقاد بعلم الغيب لأئمّة أهل البيت مصداق الغلوّ فيهم وحتّى الكفر والشرك؛ كما على سبيل المثال، قال محمّد بن عليّ بن بابويه المعروف بالشيخ الصّدوق (ت٣٨١ق) من كبار علماء الشيعة في كتاب كمال الدّين وتمام النعمة[١٥]: «مَن يَنحَلُ لِلأئمةِ علمَ الغَيبِ، فهٰذا كفرٌ بِاللّهِ وخروجٌ عَنِ الإسلامِ عندَنا» وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب[١٦]: «و الغيبُ لا يَعلَمُهُ إلّا اللّهُ وما ادّعاهُ لِبشرٍ إلّا مشركٌ كافر». كذلك قال محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت٤١٣ق) من كبار علماء الشيعة في كتاب أوائل المقالات[١٧]: «فأمّا إطلاقُ القَولِ عليهم بأنّهم يَعلمونَ الغَيبَ فهو مُنْكَرٌ بيّنُ الفَسادِ، لأنَّ الوَصفَ بذلكَ إنّما يَسْتَحِقُّهُ مَن عَلِمَ الأشياءَ بِنَفسِهِ لا بِعلمٍ مُستَفادٍ وهٰذا لا يكونُ إلّا اللّهُ عزّوجل وعلىٰ قولي هٰذا جماعةُ أهلِ الإمامةِ إلّا مَن شَذَّ عنهم مِنَ المُفوِّضَةِ ومَنِ انتَمىٰ إليهم مِنَ الغُلاة».

من هنا يعلم أنّ العلم بالغيب للّه وحده ولا ينسب إلى أحد غيره وهذا محلّ إجماع المسلمين من جميع المذاهب الإسلاميّة ما عدا شرذمة من غلاة الشيعة وصوفيّة السنّة وأساسه هو كتاب اللّه والسنّة المتواترة في ضوء العقل السليم، لا هذا التوهّم بأنّه لو كان لخليفة اللّه في الأرض علم بالغيب لزال اختيار المكلّف؛ لأنّه لا أساس لمثل هذا التوهّم؛ نظرًا إلى أنّ علم خليفة اللّه بالغيب ليس بأكبر من علم اللّه به ولذلك، إذا لا يتنافى علم اللّه به مع اختيار المكلّف، فلا يتنافى معه علم خليفته به من باب أولى وبالطبع إنّ علم اللّه بالغيب كاف لاجتناب المكلّف الذنوب؛ كما قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا[١٨] ولو لم يبال شخص بعلم اللّه، فإنّ مبالاته بعلم الآخرين لا تنفعه؛ كما قال اللّه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا[١٩].

هذا هو الإسلام الخالص الذي قد نُسي على مرّ القرون ويذكّر به المنصور الهاشمي الخراساني لعلّ المسلمين يتذكّروا به والعاقبة للمتّقين.

↑[١] . يونس/ ٢٠
↑[٢] . الأنعام/ ٥٩
↑[٣] . النمل/ ٦٥
↑[٤] . النجم/ ٣٥
↑[٥] . الطور/ ٤١
↑[٦] . فصّلت/ ٦
↑[٧] . الأنعام/ ٥٠
↑[٨] . الأعراف/ ١٨٨
↑[٩] . آل عمران/ ١٧٩
↑[١٠] . الجن/ ٢٦ و٢٧
↑[١١] . القصص/ ٢٣
↑[١٢] . الطوسي، اختيار معرفة الرّجال، ج٢، ص٥٨٧؛ المفيد، الأمالى، ص٢٣
↑[١٣] . الطوسي، اختيار معرفة الرّجال، ج٢، ص٥٨٨
↑[١٤] . ج١، ص٢٥٧
↑[١٥] . ص١٠٦
↑[١٦] . ص١١٦
↑[١٧] . ص٦٧
↑[١٨] . الإسراء/ ١٧
↑[١٩] . النساء/ ١٠٨
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضوًا في النشرة الإخبارية؟