الثلاثاء ٤ صفر ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ٢٢ سبتمبر/ ايلول ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(١٤) يجب على جميع المسلمين، من جهة، توفير الأرضيّة لفهم القرآن بشكل صحيح وتنفيذه بشكل كامل، من خلال اتّخاذ «العقل» معيارًا للمعرفة، وتزكية الأنفس من الجهل والتقليد والأهواء النفسيّة والنزعة الدنيويّة والتعصّب والتكبّر والنزعة الخرافيّة، ومن جهة أخرى، معرفة خليفة اللّه في الأرض وإظهاره بدعم كافٍ، حتّى يقوم بحلّ خلافاتهم وتصحيح انحرافاتهم. هذا هو باب السعادة وحبل الخلاص، الذي يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني. (الأسئلة والأجوبة)
loading
السؤال والجواب
 

ما هي كيفيّة صلاة الجمعة وصلاة العيدين؟ وما حكمهما في غيبة الإمام المهدي عليه السلام؟

سيتمّ الردّ على سؤالك في جزأين:

١ . أحكام صلاة الجمعة

صلاة الجمعة فريضة مهمّة من فرائض الإسلام؛ لقول اللّه تعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[١]، وهي ركعتان تسقط معها صلاة الظهر بلا خلاف بين المسلمين، وأوّل وقتها زوال الشمس؛ كما روى أنس بن مالك: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ»[٢]، وروى مثله سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد اللّه والزبير بن العوامّ وسعد بن أبي وقّاص، وروى أبو إسحاق: «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ حِينَ مَالَتِ الشَّمْسُ»[٣]. قال الترمذيّ: «حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ وَقْتَ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كَوَقْتِ الظُّهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ صَلَاةَ الجُمُعَةِ إِذَا صُلِّيَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهَا تَجُوزُ أَيْضًا وَقَالَ أَحْمَدُ: <وَمَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةً>»[٤]، وذلك لما روى عبد اللّه بن سيدان السلميّ قال: «شَهِدْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ»[٥]، ولكنّه لا يكفي؛ لأنّه خبر واحد، ولم يذكر صلاة عليّ وخطبته، وتقدّم أنّه خالفهم فيهما.

هذا أوّل وقت صلاة الجمعة، وأمّا آخر وقتها فلم يرد فيه نصّ حاسم. فقال الشافعي وأكثر الشيعة: إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله، وقال أبو حنيفة: إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه، وقال الحسن وإبراهيم: «وَقْتُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ»[٦]، والظاهر أنّهما أرادا امتداده، وبه قال ابن إدريس من الشيعة[٧]، وهو ظاهر الطوسيّ في المبسوط إذ قال: «إِنْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ ما يَأْتِي فِيهِ بِخُطْبَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ صَحَّتِ الْجُمُعَةُ»[٨]، وقال مالك: «تَصِحُّ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ»[٩]، والمرويّ عن أهل البيت أنّ وقتها مضيّق جدًّا، وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «أَوَّلُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ ساعَةٌ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَمْضِيَ ساعَةٌ»[١٠]، والساعة في اللغة تطلق بمعنيين: أحدهما أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة، والثاني أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل، كذا قال ابن منظور في لسان العرب، والأرجح هنا هو الثاني، وقال المنصور حفظه اللّه تعالى أنّ آخر وقت صلاة الجمعة نحو ساعتين بعد الزوال؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ، فَقالَ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ قَدَمانِ، قُلْتُ: وَما قَدَمانِ؟ قالَ: ساعَتانِ مِنْ ساعاتِكُمْ أَوْ أَقَلُّ».

وممّا يدلّ على هذا تواتر الأخبار عن أهل البيت بأنّ وقت صلاة العصر في يوم الجمعة هو وقت صلاة الظهر في سائر الأيام، ووقت صلاة الظهر في سائر الأيام قدمان بعد الزوال، وهذا هو المتيقّن؛ لأنّه لا خلاف في صحّة صلاة الجمعة في هذه الساعة وفي غيرها خلاف، فمن فاتت عنه صلاة الجمعة في هذه الساعة فليصلّ الظهر أربعًا، ويجب قبل صلاة الجمعة خطبتان من قيام؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«قُلْتُ لِلْمَنْصُورِ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ إِنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ قِيامٍ؟ قالَ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ[١١]، قُلْتُ: صَدَقْتَ وَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ إِنَّها قَبْلَ الصَّلاةِ؟ قالَ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ[١٢]، قُلْتُ: صَدَقْتَ إِنَّ عِنْدَكَ عِلْمَ الْكِتابِ، قالَ: عِنْدِي عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ وَإِنَّ عِلْمَ الْكِتابِ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ وَلَوْ جِئْتُمُوهُ لَعَلَّمَكُمْ أَكْثَرَ مِمّا عَلَّمْتُكُمْ، فَسَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: إِنَّما مَثَلِي فِيكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَجَدَ مَعْدِنًا مِنَ الذَّهَبِ فَأَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةً كَبِيرَةً فَجاءَ بِها إِلَى التُّجّارِ فَقالَ لَهُمْ: إِنِّي وَجَدْتُ مَعْدِنًا مِنَ الذَّهَبِ فَأَيُّكُمْ يُعِينُنِي عَلَى اسْتِخْراجِهِ لِيَكُونَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ: كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ وَجَدْتَهُ؟! فَيُرِيهِمُ الْقِطْعَةَ الْكَبِيرَةَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَهُ فَيُعِينُهُ مَنْ يَشاءُ وَيَخْذُلُهُ مَنْ يَشاءُ».

وقال أبو حنيفة: تجزئ الخطبة الواحدة، ولا خلاف في أنّ السنّة خطبتان، وروي أنّ صلاة الجمعة جعلت ركعتين لمكان الخطبتين وعليه، فلا بدّ منهما، ويجب اشتمالهما على ذكر اللّه والصلاة على نبيّه وقراءة كتابه والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما روى سماعة عن جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال: «يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ الَّذِي يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَخْطُبَ وَهُوَ قَائِمٌ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَيَقْرَأُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ صَغِيرَةً ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ»[١٣]، ولا يجوز اشتمال الخطبتين على لغو أو زور مثل الثناء على حكّام الجور والدعوة إلى الشرّ والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، فإن اشتملتا على شيء من ذلك سقطت صلاة الجمعة ووجب على الشاهدين الخروج ما لم يخافوا على أنفسهم؛ كما أنّه إذا علموا أنّ الخطبتين ستشتملان على الزور، لا يجوز لهم الشهود؛ لقول اللّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[١٤] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ[١٥] وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ[١٦] وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ[١٧] وقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[١٨]، بل لا يجوز صلاة الجمعة خلف حكّام الجور وأعوانهم في غير تقيّة؛ لأنّها ركون إلى الذين ظلموا، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[١٩]، وهذا هو السّبب في عدم جواز صلاة الجمعة قبل ظهور المهديّ في بلاد مثل إيران والسعوديّة ممّا يتولّى إقامتها فيه الحكومة؛ لأنّ الأئمّة فيها موظّفو الحكومة وبالتالي، فإنّهم من ناحية ظالمون ولا يجوز الإقتداء بهم، ومن ناحية أخرى يدعون في خطبهم إلى طاعة حكّام الجور وإعانتهم، وهذا لغو وزور يحرم شهوده واستماعه، بل هو مثال على الفاحشة، وقد قال اللّه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ[٢٠]؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقالَ لِي: صَلَّى هَؤُلاءِ جُمُعَتَهُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: لا وَاللَّهِ، ما صَلُّوا وَلَكِنْ لَغَوْا وَنَقَرُوا، قُلْتُ: إِنَّ فُلانًا مِنْ أَصْحابِكَ يَدْخُلُ فِيهِمْ فَيُصَلِّيها مَعَهُمْ، قالَ: وَيَفْعَلُ؟! قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أَلا يَخافُ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ وَهُوَ فِيهِمْ؟!»

وأخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ صَلاةِ الْجُمُعُةِ، فَقالَ: فَرِيضَةٌ، قُلْتُ: لا يُقِيمُهَا الْيَوْمَ عِنْدَنا إِلّا كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، فَقالَ: لا تُصَلِّ مَعَهُمْ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى مَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ، إِلّا أَنْ يَتَّقِيَ مِنْهُمْ تُقاةً، وَكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقالَ الرَّجُلُ: أَما كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يُصَلُّونَها مَعَهُمْ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟! قالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ كانُوا يُصَلُّونَ بَعْدَها أَرْبَعَ رَكَعاتٍ».

أراد حفظه اللّه تعالى أنّ السّلف الصالح ما كانوا يعتدّون بصلاتهم خلف الظالمين، وممّا يدلّ على هذا ما روى زرارة قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّ أُنَاسًا رَوَوْا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ، فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ وَانْصَرَفَ قَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، صَلَّيْتَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ، فَقَالَ: إِنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مُشَبَّهَاتٍ وَسَكَتَ، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلَ مَا قَالَ لَهُ»[٢١]، وروى حمران بن أعين قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّا نُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي الْوَقْتِ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَقَالَ: صَلُّوا مَعَهُمْ، فَخَرَجَ حُمْرَانُ إِلَى زُرَارَةَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أُمِرْنَا أَنْ نُصَلِّيَ مَعَهُمْ بِصَلَاتِهِمْ، فَقَالَ زُرَارَةُ: مَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِتَأْوِيلٍ، فَقَالَ لَه حُمْرَانُ: قُمْ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْهُ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ زُرَارَةُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ حُمْرَانَ زَعَمَ أَنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ مَعَهُمْ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَنَا: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ يُصَلِّي مَعَهُمُ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِذَا فَرَغُوا قَامَ، فَأَضَافَ إِلَيْهِمَا رَكْعَتَيْنِ»[٢٢]، وروى أبو كليب قال: «كَانَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ، فَكَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّاسِ»[٢٣].

ثمّ من شروط صلاة الجمعة وجود جماعة من المؤمنين، وهم خمسة على الأقلّ: الإمام الذي لا غنى عنه، والمؤذّن الذي ينادي للصلاة من يوم الجمعة، لقول اللّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وثلاثة من المؤمنين؛ لأنّهم أقلّ الجمع وقد أمر اللّه تعالى بصيغة الجمع فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ أَقَلِّ عَدَدٍ يَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ، فَقالَ: الْإِمامُ وَالْمُنادِي لِلصَّلاةِ وَثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».

وهذا أصحّ الروايتين عن أهل البيت، وقال أبو حنيفة: أقلّه أربعة، وقال الشافعي وأحمد: أقلّه أربعون، ولم ينقل أصحاب مالك عنه تقديرًا.

ثمّ إنّه لا يجوز إقامة أكثر من جمعة واحدة في مصر واحد؛ لأنّها فرضت لتجميع المؤمنين ولم تفرض لتفريقهم، كما يشعر بذلك قول اللّه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ، والظاهر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يجمّع إلا في مسجد واحد، ولعلّ هذا هو المقصود من قول عليّ عليه السلام: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ»[٢٤]، وقال أبو يوسف: «زَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»[٢٥]، كما روي عن أبي بكر بن محمّد أنه أرسل إلى أهل ذي الحليفة: «أَنْ لَا تُجَمِّعُوا بِهَا، وَأَنْ تَدْخُلُوا إِلَى الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»[٢٦]، إلا أن يكون المصر كبيرًا جدًّا، بحيث يكون في السعي إلى الصلاة بعد سماع النداء عسر أو حرج؛ لقول اللّه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[٢٧] وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ[٢٨]، فحينئذ يجوز إقامة أكثر من جمعة ما لم يتجاوز حدّ الضرورة، والمروي ثلاثة أميال؛ كما روى جابر بن عبد اللّه قال: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: عَسَى رَجُلٌ تَحْضُرُهُ الْجُمُعَةُ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فلَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: عَسَى رَجُلٌ تَحْضُرُهُ الْجُمُعَةُ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فلَا يَحْضُرُهَا، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: عَسَى يَكُونُ عَلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فلَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ، وَيَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»[٢٩]، وروى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «لا يكُونُ بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثَةِ أَمْيالٍ، فَإِذا كانَ بَيْنَ الْجَماعَتَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ ثَلاثَةُ أَمْيالٍ، فَلا بَأْسَ أَنْ يُجَمِّعَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ»[٣٠]، ومن كان عليه عسر أو حرج في السعي لسفر أو مرض أو ضعف سقطت عنه الجمعة؛ كما روى طارق بن شهاب قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ»[٣١]، وروى ابن عمر قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ»[٣٢].

٢ . أحكام صلاة العيدين

اختلف المسلمون في وجوب صلاة العيدين؛ فقال الشيعة والحنفيّة وبعض الشافعيّة أنّها واجب على الأعيان، وقال الحنبليّة أنّها واجب على الكفاية، وقال المالكيّة وأكثر الشافعيّة أنّها مستحبّ مؤكّد، والحقّ أنّها واجب على الأعيان وتسقط عن المعذورين مثل صلاة الجمعة؛ لأنّ اللّه قد أمر بها في كتابه، خلافًا لتصوّر الكثيرين؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ صَلاةِ الْفِطْرِ وَصَلاةِ الْأَضْحَى، فَقالَ: فَرِيضَتانِ، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَوْ كانَتا فَرِيضَتَيْنِ لَنَزَلَ فِيهِمَا الْقُرْآنُ، قالَ: وَهَلْ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟! قُلْتُ: لا، قالَ: فَلَوْ رَجَعُوا إِلَى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ لَعَلَّمُوهُمْ، ثُمَّ سَكَتَ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ، وَهَلْ نَزَلَ فِيهِمَا الْقُرْآنُ؟ قالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعالَى يَقُولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ[٣٣] وَذَلِكَ صَلاةُ الْفِطْرِ وَيَقُولُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[٣٤] وَذَلِكَ صَلاةُ الْأَضْحَى».

ولا شكّ في أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم داوم عليها في حياته، ولو كانت غير واجبة لتركها مرّة واحدة، وكان شديد الإهتمام بها والتحريض عليها؛ كما قالت عائشة: «قَدْ كَانَتْ تَخْرُجُ الْكِعَابُ مِنْ خِدْرِهَا لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ»[٣٥]، وقالت أمّ عطيّة الأنصاريّة: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ»[٣٦]، وقالت أخت عبد اللّه بن رواحة: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَ الْخُرُوجُ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ يَعْنِي فِي الْعِيدَيْنِ»[٣٧].

نعم، يشترط في وجوبها شروط الجمعة، إلا العدد؛ لأنّ اشتراطه مستفاد من قول اللّه تعالى في صلاة الجمعة ولا يجوز القياس؛ لا سيّما بالنظر إلى عدم وجود النداء فيها خلافًا لصلاة الجمعة وعليه، يمكن القول بكفاية أربعة من المؤمنين في صلاة العيدين كما قال أبو حنيفة، بل يمكن القول بكفاية مؤمن واحد في صلاة الأضحى؛ لقول اللّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بصيغة المفرد، وهذا يدلّ على وجوب صلاة الأضحى ولو منفردًا؛ كما قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية: يصليها المنفرد، إلا أنّهما لم يخصّصا صلاة الأضحى، وروي عن جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال: «مَنْ لَمْ يَشْهَدْ جَماعَةَ النَّاسِ فِي العِيدَيْنِ فَلْيَغْتَسِلْ وَيَتَطَيَّبُ بِما وَجَدَ وَلْيُصَلِّ وَحْدَهُ كَما يُصَلِّي فِي الْجَماعَةِ»[٣٨] ويحمل في الفطر على الإستحباب.

وأمّا كيفيّة صلاة العيدين فمثل كيفيّة صلاة الجمعة، إلا في خمسة:

الأول؛ الوقت

وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس إلى زوالها، وبه قال الشافعي، وقال أحمد: حين ترتفع قدر رمح؛ لأنّ ما قبل ذلك تكره فيه الصلاة، وفيه أنّ الصلاة التي تكره فيه هي النافلة، وصلاة العيدين فريضة، ولا خلاف في أنّ وقتها قبل الزوال، فليست بديلًا عن الظهر.

الثاني؛ المكان

السنّة في العيدين الخروج إلى المصلّى وهو مكان واسع تحت السماء؛ كما روي عن عليّ عليه السلام أنّه قال: «الْخُرُوجُ فِي الْعِيدَيْنِ مِنَ السُّنَّةِ»[٣٩]، وروي عن جعفر عليه السلام أنّه قال: «السُّنَّةُ عَلَى أَهْلِ الأَمْصَارِ أَنْ يَبْرُزُوا مِنْ أَمْصَارِهِمْ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»[٤٠]، وقال الشافعيّ: «بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بَعْدَهُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْبُلْدَانِ، إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ صَلَّى بِهِمْ عِيدًا إِلَّا فِي مَسْجِدِهِمْ»[٤١].

الثالث؛ الخطبة

الخطبة في العيدين مستحبّة؛ لأنّ اللّه لم يذكرها في كتابه كما ذكر خطبة الجمعة، وروى عبد اللّه بن السائب قال: «حَضَرْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِنَا الْعِيدَ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ قَضَيْنَا الصَّلَاةَ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ»[٤٢]، وهي بعد الصلاة وتقديمها على الصلاة بدعة مشهورة من بني أميّة؛ كما روى عبد اللّه بن يزيد الخطميّ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَانُوا يَبْدَأُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فَقَدَّمَ مُعَاوِيَةُ الْخُطْبَةَ»[٤٣]، وقيل قدّمها مروان بن الحكم، وقيل قدّمها عثمان في آخر خلافته.

الرابع؛ الأذان والإقامة

ليس قبل صلاة العيدين أذان ولا إقامة؛ كما روى أبو سعيد مولى عبد الرحمن بن عوف «أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فَكُلُّهُمْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ»[٤٤]، وروى عطاء عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ أنّه قال: «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى» وقال: «لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيءَ»[٤٥].

الخامس؛ التكبيرات

يجب في صلاة العيدين مزيد من التكبيرات؛ لقول اللّه تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، ولا يجب عدد معيّن؛ كما روى زرارة «أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَعْيَنَ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الصَّلاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، فقَالَ: الصَّلاةُ فِيهِمَا سَوَاءٌ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ تَكْبِيرَ الصَّلاةِ تَامًّا كَمَا يَصْنَعُ فِي الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَزِيدُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الْأُخْرَى ثَلاثًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الصَّلاةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِنْ شَاءَ ثَلاثًا وَخَمْسًا وَإِنْ شَاءَ خَمْسًا وَسَبْعًا بَعْدَ أَنْ يُلْحِقَ ذَلِكَ إِلَى الْوَتْرِ»[٤٦]، إلا أنّ السنّة اثنتا عشرة تكبيرة، سبع في الأولى وخمس في الثانية؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سُئِلَ الْمَنْصُورُ عَنْ صَلاةِ الْعِيدِ، فَقالَ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ يَعْنِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَعْنِي الْقُنُوتَ، وَلَيْسَ بِواجِبٍ».

والدليل على ذلك أنّ جابر وابن عمر وعائشة وابن عبّاس وعبد اللّه بن عمرو وعمرو بن عوف المزني وأبا واقد الليثي وغيرهم رووا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ»، وقال أبو جعفر عليه السلام: «كانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْأُخْرَى، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ»[٤٧]، وفي اشتمالها على تكبيرة الإفتتاح وتكبيرتي الركوعين خلاف، والمرويّ عن أهل البيت اشتمالها؛ كما روي عن جعفر عليه السلام أنّه قال: «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى اثْنَتَا عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى وَاحِدَةً ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ وَالسَّابِعَةُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ يَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَالْخَامِسَةُ يَرْكَعُ بِهَا»[٤٨]، واختلفوا في موضع التكبيرات الزائدة؛ فقال الشافعي وأحمد: موضعها قبل القراءة، وقال أبو حنيفة: في الأولى قبل القراءة وفي الثّانية بعد القراءة، وأشهر الروايتين عن أهل البيت أنّ موضعها بعد القراءة كما في سائر الصلوات؛ كما روى معاوية بن عمّار قال: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلامُ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ يُكَبِّرُ فِيهِمَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، يَبْدَأُ فَيُكَبِّرُ ويَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَقْرَأُ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، ثُمَّ يُكَبِّرُ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ فَيَكُونُ يَرْكَعُ بِالسَّابِعَةِ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»[٤٩]، وروى مثله أبو بصير ومحمد بن مسلم وإسماعيل الجعفيّ، والقنوت مستحبّ؛ كما قال المنصور حفظه اللّه تعالى: «﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَعْنِي الْقُنُوتَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ»، وموضعه بعد كلّ تكبيرة من التكبيرات الزائدة، وينبغي أن يكون مشتملًا على شكر اللّه تعالى، وممّا يدلّ على ذلك ما روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا يَذْكُرُ اللَّهَ مَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ»[٥٠]، وقال الشافعي: «يَقِفُ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ آيَةٍ، لا طَوِيلَةٍ وَلا قَصِيرَةٍ فَيَقولُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ»، وقال مالك: «يَقِفُ قَدْرَ ذَلِكَ ساكِتًا»، وقال أبو حنيفة: «يُوالِي بَيْنَ التَّكْبِيراتِ»، وما قال المنصور حفظه اللّه تعالى هو المرويّ عن أهل البيت؛ كما روي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ، قَالَ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ أَهْلَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَأَهْلَ الْجُودِ وَالْجَبَرُوتِ وَأَهْلَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ وَأَهْلَ التَّقْوَى وَالْمَغْفِرَةِ، أَسْأَلُكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدًا، وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ذُخْرًا وَمَزِيدًا، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ، وَصَلِّ عَلَى مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ وَرُسُلِكَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الْمُرْسَلُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الْمُرْسَلُونَ»[٥١].

↑[١] . الجمعة/ ٩
↑[٢] . مسند أبي داود الطيالسي، ج٣، ص٥٩٩؛ المنتقى لابن الجارود، ج١، ص٨١؛ موطأ عبد اللّه بن وهب، ص٧٩؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٤٤٥؛ مسند أحمد، ج١٩، ص٣١٠؛ صحيح البخاري، ج٢، ص٧؛ سنن أبي داود، ج١، ص٢٨٤؛ سنن الترمذي، ج٢، ص٣٧٧؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٣، ص٢٧٠
↑[٣] . الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٣، ص٢٦؛ المحلّى لابن حزم، ج٥، ص٤٥
↑[٤] . سنن الترمذي، ج٢، ص٣٧٧
↑[٥] . الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٧، ص٤٣٨؛ مصنف عبد الرزاق، ج٣، ص١٧٤؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٤٤٤؛ سنن الدارقطني، ج٢، ص٣٣٠
↑[٦] . مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٤٤٥؛ الكنى والأسماء للدولابي، ج٢، ص٧٩٩
↑[٧] . السرائر لابن إدريس، ج١، ص٣٠١
↑[٨] . المبسوط للطوسي، ج١، ص١٤٧
↑[٩] . المدونة الكبرى لمالك بن أنس، ج١، ص٢٣٩
↑[١٠] . من لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج١، ص٤١٤؛ مصباح المتهجد للطوسي، ص٣٦٤
↑[١١] . الجمعة/ ١١
↑[١٢] . الجمعة/ ١٠
↑[١٣] . الكافي للكليني، ج٣، ص٤٢١؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص٢٤٣
↑[١٤] . الفرقان/ ٧٢
↑[١٥] . المؤمنون/ ٣
↑[١٦] . القصص/ ٥٥
↑[١٧] . الحج/ ٣٠
↑[١٨] . النساء/ ١٤٠
↑[١٩] . هود/ ١١٣
↑[٢٠] . النمل/ ٥٤
↑[٢١] . الكافي للكليني، ج٣، ص٣٧٤؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص٢٦٦
↑[٢٢] . الكافي للكليني، ج٣، ص٣٧٥
↑[٢٣] . الجمعة وفضلها لأحمد بن علي المروزي، ص٧٩
↑[٢٤] . مصنف عبد الرزاق، ج٣، ص٣٠١؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٤٣٩؛ مسند ابن الجعد، ص٤٣٨؛ شرح مشكل الآثار للطحاوي، ج٣، ص١٨٩؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٣، ص٢٥٤
↑[٢٥] . الآثار لأبي يوسف، ص٦٠
↑[٢٦] . مصنف ابن أبي شيبة، ج١، ص٤٣٩
↑[٢٧] . البقرة/ ١٨٥
↑[٢٨] . المائدة/ ٦
↑[٢٩] . مسند أبي يعلى، ج٤، ص١٤٠؛ شعب الإيمان للبيهقي، ج٤، ص٤٢٢؛ الترغيب والترهيب للمنذري، ج١، ص٢٩٦
↑[٣٠] . الكافي للكليني، ج٣، ص٤١٩؛ من لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج١، ص٤٢٦؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص٢٣
↑[٣١] . سنن أبي داود، ج١، ص٢٨٠؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج١، ص٤٢٥؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٣، ص٢٤٦
↑[٣٢] . سنن الدارقطني، ج٢، ص٣٠٧؛ المعجم الأوسط للطبراني، ج١، ص٢٤٩
↑[٣٣] . البقرة/ ١٨٥
↑[٣٤] . الكوثر/ ٢
↑[٣٥] . مسند أحمد، ج٤٢، ص٣٣٠
↑[٣٦] . صحيح البخاري، ج٢، ص٢٠
↑[٣٧] . مسند أبي داود الطيالسي، ج٣، ص١٩٣؛ مسند إسحاق بن راهويه، ج٥، ص٢٦٧؛ مسند أحمد، ج٤٤، ص٥٦٣؛ مسند أبي يعلى، ج١٣، ص٧٥؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم، ج٦، ص٣٩٤؛ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، ج٦، ص١٩٢؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٣، ص٤٢٩
↑[٣٨] . من لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج١، ص٥٠٧؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص١٣٦
↑[٣٩] . مجموع فيه مصنفات أبي جعفر ابن البختري، ج١، ص٣٢٣؛ معرفة السنن والآثار للبيهقي، ج٥، ص٥٤
↑[٤٠] . الكافي للكليني، ج٣، ص٤٦١؛ من لا يحضره الفقيه لابن بابويه، ج١، ص٥٠٨؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص١٣٨
↑[٤١] . كتاب الأم للشافعي، ج١، ص٢٦٧
↑[٤٢] . سنن ابن ماجة، ج١، ص٤١٠؛ سنن أبي داود، ج١، ص٣٠٠؛ سنن الدارقطني، ج٢، ص٣٩١؛ المنتقى لابن الجارود، ج١، ص٧٧؛ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، ج٢، ص٣٢؛ أحكام العيدين للفريابي، ص٦٤؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج١، ص٤٣٤
↑[٤٣] . مسند الشافعي، ص٧٥
↑[٤٤] . مصنف عبد الرزاق، ج٣، ص٢٧٧
↑[٤٥] . مصنف عبد الرزاق، ج٣، ص٢٧٧؛ صحيح البخاري، ج٢، ص١٨؛ صحيح مسلم، ج٢، ص٦٠٤؛ مستخرج أبي عوانة، ج٧، ص٢٧٩؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٣، ص٤٠٢
↑[٤٦] . الإستبصار للطوسي، ج١، ص٤٤٧
↑[٤٧] . مصنف عبد الرزاق، ج٣، ص٨٥
↑[٤٨] . تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص١٣١
↑[٤٩] . الكافي للكليني، ج٣، ص٤٦٠؛ تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص١٢٩
↑[٥٠] . السنن الصغير للبيهقي، ج١، ص٢٥٧
↑[٥١] . تهذيب الأحكام للطوسي، ج٣، ص١٤٠
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading