الحديث ٤
هل على المريض البيعة؟
رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [ت٢٣٥هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»[١]، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شَرِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ».
الشاهد ١
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [ت٢٤١هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»[٢]، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مَجْذُومٌ مِنْ ثَقِيفٍ لِيُبَايِعَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «ائْتِهِ فَأَخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُهُ، فَلْيَرْجِعْ».
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ مَخَافَةَ الْعَدْوَى، وَهِيَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَ أَهْلِ الطِّبِّ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَلَمْ تَثْبُتْ رِوَايَتُهُ عَنْ أَحَدٍ كَمَا ثَبَتَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ رَجَعَ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَرَوَى ضِدَّهُ؛ كَمَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ: أَمَا حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا عَدْوَى»؟! فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: «لَمْ أُحَدِّثْكُمُوهُ»، فَقَالَ الْحَارِثُ: «بَلَى!» فَتَمَارَى هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، حَتَّى اشْتَدَّ أَمْرُهُمَا، فَغَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَارِثِ: «أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ؟» قَالَ: «لَا»، قَالَ: «قُلْتُ: أَبَيْتُ». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ[٣]، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ وَصِحَّةِ حَدِيثِهِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنَعَ الْمَجْذُومَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَرَّ بِوَادِي الْمَجْذُومِينَ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ[٤]، وَأَنَّهُ قَالَ: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ»[٥]، وَأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَلَّمَهُ مِنْكُمْ، فَلْيُكَلِّمْهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ»[٦]، وَأَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا»[٧]، وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ أَيْضًا لِمَنْعِ الْعَدْوَى؛ فَإِنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ظَاهِرٍ، فَيَخْرُجُ مَعَهُمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَيَنْتَشِرُ فِي الْأَرْضِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، لِوُرُودِهِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَقَدْ وَرَدَ فِي مَرَضٍ خَاصٍّ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَرَضٍ يُعْدِي، فَزَعَمَ الرُّوَاةُ أَنَّهُ عَامٌّ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا عَدْوَى إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[٨]، وَكَيْفَمَا كَانَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُبَايِعُ الْإِمَامَ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ.
الشاهد ٢
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتَمٍ [ت٣٢٧هـ] فِي «تَفْسِيرِهِ»[٩]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ضَمْرَةُ، مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: «أَخْرِجُونِي مِنْ مَكَّةَ، فَإِنِّي أَجِدُ الْحَرَّ»، فَقَالُوا: «أَيْنَ نُخْرِجُكَ؟» فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ يَعْنِي الْهِجْرَةَ، فَمَاتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[١٠].
الشاهد ٣
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ [ت٤٣٠هـ] فِي «مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ»[١١]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالُ لَهُ: ضَمْرَةُ بْنُ الْعِيصِ لَمَّا أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَعْرُشُوا لَهُ عَلَى سَرِيرٍ، وَيَحْمِلُوهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَفَعَلُوا، فَأَتَاهُ الْمَوْتُ وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الْآيَةَ.
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾[١٢]، يَعْنِي فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَطَاعَ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعَةُ، وَ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[١٣].
