الحديث ٢
هل على الصغير البيعة؟
رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [ت٢٤١هـ] فِي «فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ»[١]، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِذٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ:
جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، أَوْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيهِمْ رَهْطٌ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَيَشْرَبُ الْفَرَقَ، فَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ، ثُمَّ دَعَا بِغُمَرٍ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا، وَبَقِيَ الشَّرَابُ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ أَوْ لَمْ يُشْرَبْ، فَقَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَقَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رَأَيْتُمْ، فَأَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَصَاحِبِي؟» قَالَ: فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَقُمْتُ وَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ أَقُومُ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ لِي: «اجْلِسْ»، حَتَّى كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِي.
الشاهد ١
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ [ت٥٧١هـ] فِي «تَارِيخِ دِمَشْقَ»[٢]، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِىُّ بْنُ مُوسَى بْنِ السِّمْسَارِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُعْفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَكَمِ الرَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وُلْدَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُمْ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إِلَّا جَعَلَ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَخًا، وَوَزِيرًا، وَوَارِثًا، وَوَصِيًّا، وَمُنْجِزًا لِعِدَاتِهِ، وَقَاضِيًا لِدَيْنِهِ، فَمَنْ مِنْكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي، وَوَزِيرِي، وَوَصِيِّي، وَمُنْجِزَ عِدَاتِي، وَقَاضِي دِينِي؟» فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَصْغَرُهُمْ، فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ»، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَعَادَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كُونُوا فِي الْإِسْلَامِ رُؤُوسًا، وَلَا تَكُونُوا أَذْنَابًا، فَمَنْ مِنْكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي، وَوَزِيرِي، وَوَصِيِّي، وَقَاضِي دِينِي، وَمُنْجِزَ عِدَاتِي؟» فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَعَادَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَ، فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَبَايَعَهُ بَيْنَهُمْ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: بِئْسَ مَا جَبَرْتَ بِهِ ابْنَ عَمِّكَ إِذْ أَجَابَكَ إِلَى مَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ، مَلَأْتَ فَاهُ بُصَاقًا!
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَ عَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا فِي الْمَشْهُورِ، وَلَيْسَ عَلَى الصَّغِيرِ الْبَيْعَةُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ»، فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَوْ يَقْبَلَ مِنْهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا:
الشاهد ٢
رَوَى النَّسَائِيُّ [ت٣٠٣هـ] فِي «سُنَنِهِ»[٣]، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: «مَدَدْتُ يَدِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَامٌ لِيُبَايِعَنِي، فَلَمْ يُبَايِعْنِي».
الشاهد ٣
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ [ت٣١٧هـ] فِي «مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ»[٤]، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، بَايَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا ابْنَا سَبْعِ سِنِينَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَآهُمَا تَبَسَّمَ وَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعَهُمَا.
الشاهد ٤
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ [ت٢١١هـ] فِي «مُصَنَّفِهِ»[٥]، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ الْأَسْوَدَ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْقَلَةَ[٦]، فَجَاءَهُ النَّاسُ: الصِّغَارُ، وَالْكِبَارُ، وَالنِّسَاءُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ، قُلْتُ: وَمَا الشَّهَادَةُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ [ت٣٥٤هـ]: «كَانَ يُخْطِئُ»[٧]، فَلَعَلَّهُ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: «الصِّغَارُ».
الشاهد ٥
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ [ت٣٢٨هـ] فِي «الْعِقْدِ الْفَرِيدِ»[٨]، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُمْ صِغَارٌ، وَلَمْ يُبَايِعْ قَطُّ صَغِيرٌ إِلَّا هُمْ.
