الحديث ٣
هل على العبد البيعة؟
رَوَى مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ [ت٢٦١هـ] فِي «صَحِيحِهِ»[١]، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ؛ وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ:
جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟».
الشاهد ١
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ [ت٣٦٥هـ] فِي «الْكَامِلِ»[٢]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ -فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُبَايِعُ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ مُفَارَقَةُ سَيِّدِهِ، فَتُبْطِلُ حَقَّهُ، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ، وَأَمَّا الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا يَسْتَطِيعُ فَوَاجِبَةٌ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا:
الشاهد ٢
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ [ت٣٥٤هـ] فِي «صَحِيحِهِ»[٣]، قَالَ:أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدًا بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَأَتَاهُ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا عَلَى الْهِجْرَةِ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟».
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا مُقَيَّدٌ؛ إِذْ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا عَلَى الْهِجْرَةِ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟»، وَلَمْ يُطْلِقِ الْبَيْعَةَ.
الشاهد ٣
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [ت٢٤١هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»[٤]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعَهُ، فَجَاءَهُ مَوْلَاهُ فَعَرَّفَهُ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ أَحَدًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ؟».
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا مُطْلَقٌ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيُقَالُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ يَهِمُ فِي الْحَدِيثِ[٥]، فَلَعَلَّهُ مِمَّا وَهِمَ فِيهِ.
الشاهد ٤
وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ [ت٢٨٢هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»[٦]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَمَرَّ بِأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَاتَّبَعَهُ عَبْدٌ لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَفُلَانٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: أُجَاهِدُ مَعَكَ، قَالَ: «أَذِنَتْ لَكَ سَيِّدَتُكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ مَثَلَكَ مَثَلُ عَبْدٍ مَاتَ لَا يُصَلِّي إِنْ مُتَّ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهَا، وَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ»، فَرَجَعَ عَلَيْهَا، وَقَرَأَ عَلَيْهَا السَّلَامَ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ، لَهُوَ أَمَرَكَ أَنْ تَقْرَأَ عَلَيَّ السَّلَامَ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْجِعْ، فَجَاهِدْ مَعَهُ.
الشاهد ٥
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ [ت٢٥٦هـ] فِي «صَحِيحِهِ»[٧]، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ»، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ.
ملاحظة
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الذَّيْلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ جِهَادٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا إِنْفَاقٌ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْهِجْرَةَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِهِ هِجْرَةٌ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَحْذَى مَمَالِيكَ حَضَرُوا بَدْرًا، وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: غُلَامٌ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَغُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَغُلَامٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَاسْتُعْمِلَ شُقْرَانُ غُلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَسْرَى، فَأَحْذَوْهُ مِنْ كُلِّ أَسِيرٍ مَا لَوْ كَانَ حُرًّا مَا أَصَابَهُ فِي الْمَقْسَمِ[٨]، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ الْمَوَالِي»[٩]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
