الأربعاء ١٦ ذي القعدة ١٤٤١ هـ المعادل لـ ٨ يوليو/ حزيران ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ إطلاق قسم «الدروس» الشامل لدروس العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى المرتكزة على القرآن والسنّة. * تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى.
loading
القول
 
الرقم: ١ الكود: ٢٤
الموضوع:

قول من جنابه في بيان أنّ العقل هو أوّل مخلوق اللّه وأساس خلق العالم.

أَخْبَرَنا أَبُو زَكريّا أَحمدُ بْنُ عَبْدِ الرّحمٰنِ الطّالِقانيُّ قالَ: قُلْتُ لِلْمَنْصورِ في أَوّلِ دَخْلَةٍ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: إِنِّي سائِلُكَ عَنْ أَشْياءَ فَإِنْ أجَبْتَنِي عَنْها عَلِمْتُ أَنَّكَ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وإِنْ لَمْ تُجِبْني عَلِمْتُ أَنَّكَ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ! قالَ: سَلْ! قُلْتُ: أَخْبِرْني عَنِ الْعالَمِ أَهُوَ حادِثٌ؟ قالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: ما كانَ قَبْلَ حُدُوثِهِ؟ قالَ: ما كانَ قَبْلَ حُدُوثِهِ قَبْلٌ! قُلْتُ: فَخَلَقَ الزَّمانَ؟! قالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: مَتىٰ خَلَقَهُ؟! قالَ: ما كانَ إذا خَلَقَهُ مَتىٰ! قُلْتُ: فَكَيْفَ خَلَقَهُ؟! قالَ: خَلَقَهُ بِخَلْقِ الْحَرَكةِ! قُلْتُ: فَالْحَرَكَةُ أَوَّلُ ما خَلَقَ؟! قالَ: لا ولكِنْ أَوَّلُ ما خَلَقَ الْعَقْلُ لِيُعْرَفَ بِهِ فَيُعْبَدَ ثُمَّ قالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَجَعَلَ لَهُ الْحَرَكَةَ! قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ إلىٰ أَيْنَ؟ قالَ: مِنَ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ النَّفْسَ فَجَعَلَها نُورًا وجَعَلَ النُّورَ دَرَجاتٍ يَزِيدُ فَيَكُونُ رُوحًا بِقَدَرِهِ ويَنْقُصُ فَيَكُونُ جِسْمًا بِقَدَرِهِ فَيَنْتَزِعُ مِنْهُ السَّمٰواتُ والْأَرْضُ وما بَيْنَهُما مِنَ الْجِمادِ والنَّباتِ والْحَيْوانِ والْمَلَكِ وكُلٌّ لَهُ نُورٌ ومِقْدار! قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِمَّن أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحينَ وحَسُنَ أُولٰئِكَ رَفيقًا! وَاللّهِ ما رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْكَ! قالَ: صَدَقْتَ ولكِنْ لَو بَقِيتَ مَعِي سَأُرِيكَ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي يُقالُ لَهُ الْمَهْدِيُّ!

شرح القول:

إنّ هذه الحكمة الخالصة هي جوهرة نادرة مليئة بالملاحظات البديعة والمعارف المدهشة وتتضمّن علمًا خاصًا لا يوجد إلّا عند أولياء اللّه من آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولذلك، أقنعت السائل الكيّس أنّ المنصور الهاشمي الخراساني ليس بمدّع جاهل وكذّاب، بل عالم صدّيق ممّن اجتباهم اللّه يهدي إلى الرشد ويفصح عن حقيقة الإسلام ويمهّد لظهور المهديّ. فبالرغم من إمكان الإطناب في شرح هذه الحكمة، بل إمكان تدوين كتاب فيه، لكن هذا المجال المختصر لا يسمح بتفصيله ولذلك، نكتفي بالإجمال فنقول أولًا بناءً على قول جنابه، أنّ الزمان جزء من العالم الحادث وخُلق بتبعه ولذلك، لم يكن موجودًا قبل خلق العالم، وظهر في اللازمان ولذلك، فإنّ السؤال عمّا كان قبله أو في أيّ زمان خُلِق هو سؤال لا معنى له؛ ثانيًا إنّ أوّل شيءٍ صدر من اللّه، هو العقل ليكون مبنى معرفته وعبوديّته؛ ثالثًا أُودعت في طبيعة العقل بأمرٍ تكوينيّ من اللّه حركة جوهريّة بين القوّة والفعل وهذه الحركة الجوهريّة، مظهرة للزمان؛ رابعًا إنّ النفس مخلوقة من العقل ولذلك فهيه مدركة؛ خامسًا إنّ النفس، جعلت نورًا حيث طبيعته نافذة وسارية وتنتشر عبر الزمان في كلّ المكان ولذلك، فإنّ خلق العقل كان انفجار النور وهذا النور، لازال في حال الحركة والتقدّم وأيًّا ما يكون، ففي الحقيقة هو النفس؛ سادسًا إنّ هذا النور العقليّ الذي هو النفس، يضعف ويشتدّ بجعل اللّه التكوينيّ ولذلك، ظهرت النفس الأقوى والنفس الأضعف؛ سابعًا إنّ هذا النور العقليّ والنفسيّ هو الروحانيّة ولذا، كلّما اشتدّ أصبح روحًا وكلّما ضعف صار جسمًا وأنّ ما بينهما يتمتّع بالروحانيّة والجسمانيّة بحسب شدّته وضعفه ولذلك، فإنّ الروح والجسم من جوهر نوراني واحد، بحيث يمكن القول: إنّ الروح هي جسم قويّ والجسم هو روح ضعيفة؛ بمعنى أنّ هذا الجوهر النوراني في الروح أقوى وفي الجسم أضعف؛ ثامنًا إنّ السماوات والأرض وما بينهما من الجمادات والنباتات والحيوانات والملائكة، خلقن على هذا النظام الموحّد وانتزعن من هذا النور العقليّ والنفسيّ؛ إذ بحسب مقدار حظّهن منه الذي له مراتب، تمتّعن بالجسمانيّة المحضة إلى الروحانيّة المحضة وبالطبع فإنّ ماهيّتهنّ «انتزاعية»؛ لأنّ وجودهنّ واحد وله مراتب مختلفة فقطّ ولذلك، فقد اتّخذن لأنفسهنّ ماهيّةً بحسب مقدار وجودهنّ؛ إذ أنَّ لكلّ واحدٍ منها «نور» يعني وجود و«مقدار»؛ كما قال اللّه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ[١].

لا شكّ في أنّ أمثال هذه المعارف الخالصة والحِكَم الثمينة، تُعدّ في نظر العقلاء الفطناء كرامات قوليّة وهي من مصاديق البيّنات؛ لأنّها تنمّ عن حقّانيّة قائلها واتصال قلبه بالمحلّ الأعلى ولذا، فإنّ السائل الحاذق بعد سماعها قال: «أَشْهَدُ أَنَّكَ مِمَّن أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحينَ وحَسُنَ أُولٰئِكَ رَفيقًا! وَاللّهِ ما رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْكَ!» لكنّ العجب هو أنّ هذا الإنسان الأعلم، حين يجد السائل مبهوتًا بعظمة علمه، مباشرةً يلفته إلى عظمة علم المهديّ ليفصح عن ماهيّته الحقيقيّة كممهّد عامل لظهوره عليه السلام في جميع حركاته وسكناته وخلافًا للمدّعين الذين كطبول فارغة وصاخبة بالرغم من فقدان البضاعة العلميّة يدعون الناس لأنفسهم ولا يدعون قول «أنا! أنا!» أبدًا، دعى الناس إلى خليفة اللّه ولم يهمل قول «المهديّ! المهديّ!» أبدًا. هذا هو الفرق بين الحقّ والباطل الذي من الممكن أن يخفى عن عيون السفهاء النوكى، لكن لا يخفى عن عيون العقلاء الأكياس، ألا وهم أصحاب المنصور الذين يعرفون قدره ويهرعون إليه ولو حبوًا على الثلج، ليتربّوا في محضره لنصرة المهديّ ويمهّدوا لحاكميّته على العالم وإنّ العاقبة لهم، لا للمدّعين ولا للسفهاء النوكى؛ ولو امتلأ العالم بالصمّ والبكم!

↑[١] . الرعد/ ٨
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضوًا في النشرة الإخبارية؟