الخميس ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ٢٦ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٤٨) يجب على كلّ مسلم أن يطلب العلم بعقائد الدّين وأحكامه، ولا يتّبع الظنّ في شيء منها، وهذا ممكن من خلال رجوعه المباشر إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه؛ لأنّ رجوعه غير المباشر، بمعنى تقليده لغير المعصومين، لا يجعله يعلم عقائد الدّين وأحكامه، وإنّما يخلق له ظنًّا؛ باعتبار أنّ توافق فتاوى غير المعصومين مع عقائد الدّين وأحكامه ليس قطعيًّا، بل هو ظنّيّ وعليه، فلا مفرّ من الرّجوع المباشر إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وإن كان يكره ذلك. (الإنتقاد والمراجعة ٢٠)
loading
القول
 

أَخْبَرَنا وَلِيدُ بْنُ مَحْمُودٍ السَّجِسْتانِيُّ، قالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ الْهاشِمِيَّ الْخُراسانِيَّ عَنِ الْعَقْلِ أَهُوَ مَوْهُوبٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ لِلنَّاسِ فِيهِ صُنْعٌ؟ قالَ: بَلْ هُوَ مَوْهُوبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ صُنْعٌ، قُلْتُ: فَلِماذا ذَمَّ اللَّهُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ؟! قالَ: أَيْنَ ذَهَبْتَ يا وَلِيدُ؟! إنَّ اللَّهَ قَدْ وَهَبَ لَهُمْ عَقْلًا وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِعْمالِهِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، فَذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإسْتِعْمالِ، أَما سَمِعْتَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا[١] وَقَوْلَهُ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[٢]؟! قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْدادَ عَقْلًا! قالَ: يا وَلِيدُ، إِنَّكَ لَمْ تَسْتَعْمِلْ عَقْلَكَ كُلَّهُ حَتَّى تَحْتاجَ إِلَى زِيادَةٍ، لا وَاللَّهِ بَلْ لَمْ تَسْتَعْمِلْ مِنْهُ جُزْءًا مِنَ السَّبْعِينَ، فَلَعَلَّكَ إِنْ تَسْتَعْمِلْهُ لَنْ تَحْتاجَ إِلَى زِيادَةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْعَقْلَ عَلَى قَدْرِ حاجَةٍ بِهِ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا مَقْدُورًا، فَاسْتَعْمِلْ عَقْلَكَ يُغْنِيكَ إِنْ شاءَ اللَّهُ، وَإِنِ احْتَجْتَ بَعْدَهُ إِلَى شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ بِعَقْلِ أَخِيكَ، فَإِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ الْعُقُولَ بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ، لِيَسْتَعِينَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وَيَكُونَ بَعْضُها تَبَعًا لِبَعْضٍ، وَجَعَلَ عَقْلَ خَلِيفَتِهِ فِي الْأَرْضِ أَكْمَلَ الْعُقُولِ لِيَكُونَ مَصِيرَها وَمَأْواها، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ حَقَّ اسْتِعْمالِهِ وَاتَّبَعَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ حَقَّ اتِّباعِهِ، لَكانَ كَمَنْ عَقْلُهُ كامِلٌ لا نُقْصانَ فِيهِ وَلا عاهَةَ!

شرح القول:

لقد صوّر هذا الحكيم الإلهيّ في هذه الحكمة المتعالية بكلّ ظرافة، النظام العقليّ الذي يحكم العالم، وبيّن بوضوحٍ مبدأ العقل وقدره ومراتبه وصلته بأقرانه. وفقًا لهذه الحكمة المتعالية، فإنّ العقل له ماهيّة إلهيّة وغير مكتسبة، ولا يستطيع الناس أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئًا، لكنّه قد تمّ إعطاؤه لكلّ واحد منهم بما يتناسب مع حاجته، ولم يتمّ إعطاؤه أكثر أو أقلّ من ذلك. مع هذا، يمكنهم أن يستفيدوا من عقول بعضهم البعض، ويتداركوا بهذه الطريقة النقص النسبيّ لعقولهم وفي هذه الأثناء، فإنّ عقل خليفة اللّه في الأرض هو أكمل من سائر العقول ولذلك، يعتبر مرجعها لتنتهي إليه وبالتالي، فإنّ رمز كمال الآدميّ هو الإستخدام الأقصى لعقله والإتّباع الأقصى لخليفة اللّه في الأرض.

بصراحة، هذه الحِكَم الفريدة هي مثل الماس الثمين الذي قد سقط في طريق الناس، لكنّهم يمرّون عليه ولا يأخذونه من الأرض؛ لأنّهم غافلون ومتكبّرون جدًّا، ولا يعرفون الفرق بين الماس والمدر! إنّه من المؤسف حقًّا أن يوجد بينهم مثل هذا العالم الكامل، لكنّهم لا ينتفعون بعلمه؛ كما كانت الحال مع عليّ بن أبي طالب الذي كان يحمل في صدره علمًا جمًّا ولكنّه لا يجد له حملة؛ لدرجة أنّه كان يتأوّه حسرةً ويقول: «إنَّ هاهُنا لَعِلْمًا جَمًّا لَو وَجَدْتُ لَهُ حَمَلَةً»، وينادي: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني»، وما كان يسمع من أحد جوابًا؛ لأنّ أهل زمانه كانوا لا يقدرونه، ولا يستأهلون إنسانًا مثله. فكانت عاقبة غفلتهم وتكبّرهم وكفرانهم لنعمة اللّه أن سخط اللّه عليهم ورفع ذلك العالم من بين أظهرهم وسلّط عليهم الجهّال بدلًا منه، ليقودوهم بظلمهم إلى الرّدى، حتّى يصبحوا عبرة لمن يأتي من بعدهم!

↑[١] . الأعراف/ ١٧٩.
↑[٢] . محمّد/ ٢٤.
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha