الأربعاء ٢٢ ذي الحجة ١٤٤١ هـ المعادل لـ ١٢ أغسطس/ آب ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٣٦) إنّ اللّه لم يجعل أيّ بدّ من خليفته في الأرض، والإضطرار إليه قضاء محتوم وأبديّ على الناس وبالتالي، فإنّ مجادلتهم لإيجاد بديل عنه لا طائل تحتها. بعبارة أخرى، فإنّ عدم ظهور المهديّ كارثة كبيرة وخسارة لا يمكن تداركها، وجهود الناس لملء شاغره عقيمة. في مثل هذا الوضع الرهيب والمؤسف، من الأفضل للناس، بدلًا من إهدار وقتهم وطاقتهم بمثل هذه المجادلات والجهود غير المثمرة، التمهيد لظهور المهديّ في أقرب وقت ممكن. (السؤال والجواب ٥)
loading
القول
 

ترجمة القول:

أخبرنا بعض أصحابنا، قال: دخلت على المنصور الهاشميّ الخراسانيّ ذات ليلة، فوجدته متوحّدًا ينظر من النافذة إلى نجوم السّماء، فقلت: «جعلت فداك، فيم تفكّر؟» فقال من غير أن يصرف نظره عن نجوم السّماء:

«يا فُلانُ! إِنَّ لِلَّهِ فِي خِضَمِّ هَذَا الزَّمانِ، فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي احْتَجَبَتْ فِيهِ شَمْسُ الدِّينِ خَلْفَ الْغُيُومِ الدَّاكِنَةِ، عِبادٌ هُوَ حاضِرٌ دائِمًا فِي قُلُوبِهِمْ. يُوقِدُونَ فِي أَعْيُنِهِمْ سِراجًا مِنْ نُورِ الْيَقْظَةِ، وَيُذَكِّرُونَ النَّاسَ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَيُنَبِّهُونَهُمْ إِلَى عاقِبَةِ الْأَوَّلِينَ ذاتِ الْعِبْرَةِ. هُمْ كَأَدِلَّاءِ الْفَلَواتِ الْمُرْعِبَةِ الْخالِيَةِ مِنَ الْعَلاماتِ. يُبَشِّرُونَ مَنْ لَحِقَ بِالْحَقِّ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ مالَ إِلَى الْباطِلِ. نَعَمْ، إِنَّ لِلَّهِ فِي أَطْرافِ هَذِهِ الْأَرْضِ الْواسِعَةِ رِجالٌ اسْتَحَبُّوا ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى شَواغِلِ الدُّنْيا، وَلَمْ تُلْهِهِمْ تِجارَةٌ عَنْ إِقامَةِ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِها. يَقْضُونَ النَّهارَ وَاللَّيْلَ فِي عِبادَةِ اللَّهِ، وَيُسْمِعُونَ الْغافِلِينَ تَحْذِيراتِهِ. يَدْعُونَ الآخَرِينَ إِلَى الْعَدْلِ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهِ قَبْلَهُمْ. قَلَعُوا الْقُلُوبَ مِنَ الدُّنْيا، وَانْضَمَّوا إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى. كَأَنَّهُمْ تَرَكُوا هَذَا الْعالَمَ وَراءَهُمْ وَارْتَحَلُوا إِلَى الآخِرَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ ما زالُوا فِي الدُّنْيا وَرَأَوا ما وَراءَ الْحِجابِ. كَأَنَّهُمُ اطَّلَعُوا عَلَى أَحْوالِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ الْخَفِيَّةِ، وَقَضَوا فِيهِ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ. كَأَنَّ الْقِيامَةَ أَظْهَرَتْ لَهُمْ وَجْهَهَا الرَّهِيبَ، أَوْ أَحاطَتْ بِهِمْ نارُ جَهَنَّمَ الْحامِيَةُ. كَأَنَّهُمْ يَرَونَ أَسْرارًا لا يَراهَا الآخَرُونَ، وَيَسْمَعُونَ أَشْياءً لا يَسْمَعُهَا النَّاسُ».

ثمّ نظر إليّ فتأوّه والدّموع تنهمل من عينيه، فواصل قائلًا:

«يا فُلانُ! لَوْ عَثَرْتَ عَلَيْهِمْ وَرَأَيْتَ دَرَجاتِهِمُ الْعُلَى كَيْفَ نَشَرُوا كِتابَ أَعْمالِهِمْ وَتَهَيَّأُوا لِلْحِسابِ؛ يَتَفَكَّرُونَ كَمْ مِنْ أَعْمالٍ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا فِيها، وَكَمْ مِنْ أَعْمالٍ نُهُوا عَنْها فَارْتَكَبُوها! يَشْعُرُونَ بِثِقْلِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ حَمْلِها وَسَقَطُوا عَلَى رُكَبِهِمْ، يَبْكُونَ وَيَتَمَلْمَلُونَ كَمَنْ بِهِ وَجَعٌ. كَمْ مِنْ لَيالٍ لا يَسْتَطِيعُونَ فِيهَا النَّوْمَ، فَيَجْسِلُونَ فِي زاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ وَخالِيَةٍ وَيَحْتَضِنُونَ رُكْبَةَ التَّأَمُّلِ! تارَةً يَقُومُونَ إِلَى الصَّلاةِ وَتارَةً يَسْجُدُونَ، وَأَحْيانًا يَحْدِقُونَ إِلَى السَّماءِ بِأَعْيُنٍ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، كَأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ شَيْءٍ بَيْنَ نُجُومِها. فَلَوْ كُشِفَ الْغِطاءُ عَنْ عَيْنَيْكَ لَرَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ قَدْ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ وَأَحاطَتْ بِهِمْ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ.

آهٍ، ما أَشْوَقَنِي إِلَيْهِمْ! فَإِنَّهُمْ إِخْوانِيَ الَّذِينَ عاقَهُمْ عَنِّي الزَّمانُ وَحالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمُ الْمَكانُ، وَلَكِنْ سَرْعانَ ما يَسْمَعُونَ نِدائِي كَصَفِيرِ صاحِبِ الْحَمائِمِ، وَيُهْرَعُونَ إِلَيَّ مِنْ أَطْرافِ هَذِهِ الْأَرْضِ، لِيُرافِقُونِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي اتَّخَذْتُهُ وَيُعِينُونِي إِلَى الْمَقْصِدِ الَّذِي قَصَدْتُهُ. حِينَئِذٍ تَجِدُهُمْ لِي رُفَقاءَ راسِخِينَ وَأَعْوانًا مُخْلِصِينَ؛ يَحْمِلُونَ عِلْمِي وَيَحْفَظُونَهُ مِنَ السَّرِقَةِ، وَيُفَجِّرُونَ يَنابِيعَهُ وَيَتَسابَقُونَ فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَعْيُنًا مُبْصِرَةً وَأُذُنًا واعِيَةً، وَيَعْرِفُونَ قَدْرَ الْعالِمِ. لا أَغْبِياءُ وَلا أَبْذِياءُ، ولا وُهُنٌ ولا رُعُنٌ. لا يُساوِرُهُمُ الشَّكُّ، وَلا يُداهِمُهُمْ سُوءُ الظَّنِّ. يَتَراحَمُونَ وَيَتَلاءَمُونَ. قَدْ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ السَّجِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَادَّخَرَهُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ الْمُبارَكِ. أُولَئِكَ كَالْبُذُورِ الْمُغَرْبَلَةِ وَالْسُّحُبِ الْمُمْطِرَةِ الَّتِي انْضَمَّتْ مِنْ هُنا وَهُناكَ. الآنَ إِنْ كانَ لَكَ سُؤالٌ فَاسْأَلْ»!

قلت: جعلت فداك، علّمني دعاءً أدعو به في هذا الزّمان المليء بالفتن، فقال:

«قُلْ عِنْدَ الصَّباحِ وَالْمَساءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ، وَمِنْ تَحْوِيلِ عافِيَتِكَ، وَمِنْ فُجاءَةِ نَقِمَتِكَ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقاءِ، وَمِنْ شَرِّ ما قُدِّرَ وقُضِيَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِزَّةِ مُلْكِكَ، وَشِدَّةِ قُوَّتِكَ، وَبِعَظِيمِ سُلْطانِكَ، وَبِقُدْرَتِكَ عَلَى خَلْقِكَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تُعِيذَنِي مِنْ فِتْنَةٍ عَمْياءَ مُضِلَّةٍ يَسُوقُها إِلَيَّ الشَّيْطانُ وَحِزْبُهُ وَيَسُوقُها إِلَيَّ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»!

لقراءة القول باللغة الأصليّة، انقر هنا.
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha