الأحد ٥ رمضان ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ١٨ أبريل/ نيسان ٢٠٢١ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٦٩) وَلِيدُ بْنُ مَحْمُودٍ السَّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ الْهَاشِمِيَّ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: فَرِيقَانِ أَفْسَدَا عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ: أَهْلُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ! قُلْتُ: أَمَّا أَهْلُ الرَّأْيِ فَقَدْ عَلِمْتُ، فَمَا بَالُ أَهْلِ الْحَدِيثِ؟! قَالَ: إِنَّهُمْ حَدَّثُوا بِأَحَادِيثَ مَكْذُوبَةٍ، زَعَمُوا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَجَعَلُوهَا مِنَ الدِّينِ، وَمَا افْتَرَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَرِيقٌ مِثْلَ مَا افْتَرَى أَهْلُ الْحَدِيثِ، يَقُولُونَ: «قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» وَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، وَلَئِنْ قَالَ رَجُلٌ هَذَا رَأْيٌ رَأَيْتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ كَاذِبٌ. [نبذة من القول ٨ من أقوال المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى]
loading
التعريف
( ١ )

السيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ أيّده اللّه تعالى، يدعو الناس إلى التوحيد في التكوين والتشريع والتحكيم. التوحيد في التكوين يعني أنّ اللّه تعالى هو الخالق والرازق والمدبّر الوحيد للعالم ولا يستحقّ العبادة إلا هو، والتوحيد في التشريع يعني أنّ اللّه تعالى هو المقنّن الوحيد في العالم ولذلك، لا يجوز اعتبار غيره مقنّنًا، ولا يجوز الإعتراف بأيّ قانون غير قانونه، ولا يجوز اتّباع أيّ قانون غير قانونه، حتّى لو كان ذلك ما رضيه أكثر الناس، والتوحيد في التحكيم يعني أنّ اللّه تعالى هو الحاكم الوحيد على العالمين ولذلك، لا يجوز اعتبار غيره حاكمًا، ويجب تسليم الحكم إلى من اختاره، ولا يجوز الخضوع لحكم من لم يعيّنه؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ الْهَاشِمِيَّ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ فِي الْخَلْقِ وَالرَّزْقِ وَتَدْبِيرِ الْعَالَمِ وَشَهِدَ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ فَقَدْ أَسْلَمَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْحُكْمِ وَالْمُلْكِ لَا يُصْدِرُ حُكْمًا وَلَا يَبْعَثُ مَلِكًا إِلَّا هُوَ، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ جَحَدَهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ».

وأخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَقَدْ أَسْلَمَ وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ لَا حَرَامَ غَيْرُهُ وَأَنَّ الْإِمَامَ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا لَا إِمَامَ غَيْرُهُ، فَإِنْ جَهِلَهُمَا فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِنْ دُعِيَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَنْكَرَهُمَا فَقَدْ أَشْرَكَ».

وأخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«قَالَ الْمَنْصُورُ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا حُكْمَ إِلَّا مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَلَا حَاكِمَ إِلَّا مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ بِآيَةٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ وَصِيَّةٍ مِنْ رَسُولِهِ، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ وَخَسِرَ وَإِنْ أُلْقِيَ إِلَيْهِ فَأَبَى فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ».

وأخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: إِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ هَذِهِ الْقِبْلَةَ ثَلَاثَةٌ: مَنْ سَمِعَ دَعْوَتِي إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ فِي الشَّرْعِ وَالْمُلْكِ فَأَجَابَهَا وَاجْتَنَبَ الْجِبْتَ وَالطَّاغُوتَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ سَمِعَهَا فَلَمْ يُجِبْهَا فَهُوَ مُنَافِقٌ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسْلِمٌ ضَالٌّ حَتَّى يَسْمَعَهَا أَوْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَلَيْسَ هَذَا مُسْتَضْعَفًا؟ قَالَ: إِنْ أَخْلَدَ فِي الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ فَهُوَ مُسْتَضْعَفٌ وَإِنْ دَخَلَ السُّوقَ وَجَالَسَ النَّاسَ وَأَحَسَّ الْإِخْتِلَافَ فَلَيْسَ بِمُسْتَضْعَفٍ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَنَادَى: أَلَا إِنَّ دَعْوَتِي هَذِهِ لَبَيَانٌ، فَلَا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَبَّنَا لَمْ يَأْتِنَا بَيَانٌ!».

(راجع: اثني عشر قولًا مهمًّا من جنابه في تبيين الشرك والتوحيد والإسلام والإيمان)

( ٢ )

القضية الأساسيّة والمهمّة التي تناولها المنصور الهاشمي الخراساني في كتابه المختلف والمثير للجدل «العودة إلى الإسلام»، هي قضيّة الحكومة الإسلاميّة. في رأيه، الحكم على الناس للّه وحده، ولا حقّ لأحد غيره في الحكم عليهم، وهو يمارس حكمه عليهم من خلال اتّخاذ نائب عنه يسمّى «خليفة». لذلك، فإنّ أساس تشكيل الحكومة الإسلاميّة وشرعيّتها السياسيّة هو إذن اللّه الخاصّ والمحقّق الذي لا يوجد لأيّ من الحكّام الحاليّين في العالم الإسلاميّ وبالتالي، فإنّ حكومة أيّ منهم لا تعتبر حاليًّا حكومة إسلاميّة. إنّه يعتبر أنّ احتياج الحكومة الإسلاميّة إلى تعيّن الحاكم من عند اللّه بشكل عينيّ وقطعيّ هو من القضايا الواضحة والضروريّة في الإسلام والأديان الإبراهيميّة الأخرى، بحيث أنّه لا مجال للجدال في ذلك. بالطبع، يعتقد المؤلّف، على عكس جميع علماء المسلمين من جميع المذاهب الإسلاميّة، أنّه من الممكن للناس الوصول إلى مثل هذا الحاكم؛ لأنّ سبب عدم تمكّنهم من الوصول إلى مثل هذا الحاكم، خلافًا لتصوّرهم، ليس حكمة اللّه، ولكن تقصيرهم في توفير الشروط اللازمة للوصول إليه، وكلّما استوفوا هذه الشروط في عمليّة عاديّة وطبيعيّة تمامًا، يتحقّق لهم الوصول إليه. لذلك، فإنّ عدم وصولهم إليه لا يعتبر عذرًا مبرّرًا لاختيار حاكم غيره من قبلهم؛ لأنّه، من ناحية، نظرًا لإمكانيّة وصولهم إلى حاكم عيّنه اللّه، لا توجد حاجة لاختيار حاكم غيره، ومن ناحية أخرى، فإنّ عدم وصولهم إلى هذا الحاكم يرجع إلى تقصيرهم وبالتالي، لا يمكن أن يكون عذرًا مبرّرًا لاختيار حاكم غيره من قبلهم، وإن كان الظاهر عدم محيص لهم من ذلك. بناء على هذا، لا يمكن الحكومة الإسلاميّة إلا بحكومة خليفة اللّه في الأرض، ولا يمكن حكومة خليفة اللّه في الأرض إلا بإرادة وفعل من الناس. [نبذة من مقالة «نظرة في كتاب العودة إلى الإسلام للمنصور الهاشمي الخراساني» المكتوبة بواسطة السيّد محمّد صادق جواديان]

( ٣ )

يعتقد السيّد المنصور الهاشميّ الخراسانيّ أنّ المشكلة الرئيسيّة في العالم الإسلامي هي عدم حاكميّة اللّه عليه والتي قد تجلّت في عدم حاكميّة خليفته عليه؛ لأنّ عدم حاكميّة اللّه على العالم، يتسبّب في عدم معرفة وتطبيق أحكامه، وعدم معرفة وتطبيق أحكامه، يتسبّب في ظهور الفساد في البرّ والبحر؛ كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[١]؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّ عدم حاكميّة اللّه على العالم يتلازم مع حاكميّة غيره عليه؛ لأنّ العالم مجتمع إنسانيّ، والمجتمع الإنسانيّ يحتاج إلى حاكم، وبسبب حاجته هذه لا يُترك بدون حاكم وبالتالي، إذا لم يحكم اللّه عليه، فسيحكم عليه غيره لا محالة، في حين أنّ حكم غيره عليه سيؤدّي إلى الفساد في الأرض وهلاك الحرث والنسل؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[٢].

هذه هي الحال اليوم؛ فإنّ الذين يحكمون العالم من دون اللّه، لا يدّخرون أيّ جهد للإفساد فيه، ويتنافسون في الإبادة الجماعية وتدمير الأراضي المعمورة. كم من نساء ورجال أبرياء يحترقون في نار حروبهم، وكم من مدن وقرى معمورة تصبح خِربة بسبب هجومهم! هذه هي النتيجة القسريّة لحاكميّة غير اللّه على العالم؛ لأنّ العالم الذي لا يحكمه اللّه هو وادي إبليس، ولا يوجد فيه سوى الجهل والكفر والفساد والظلم. هذا هو مصير الإنسان الذي خضع لحاكميّة غير اللّه، وكلّ من يخضع لحاكميّة غير اللّه محكوم عليه بالدّمار. هذا هو السبب في أنّه لا تنطفئ نار حروبهم، ولا تنقص ذلّتهم ومسكنتهم؛ لأنّ اللّه لا يحكمهم، وحكومتهم في أيدي الآخرين؛ بل لا تزال تشتدّ حروبهم، وتزداد ذلّتهم ومسكنتهم؛ لأنّ اللّه ليس حاكمهم، وحاكمهم هو الطاغوت؛ كما يقول عبد اللّه المنصور الهاشميّ الخراسانيّ:

«أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَرَوُا النَّهَارَ بِدُونِ الشَّمْسِ وَنَبَاتَ الْأَرْضِ بِدُونِ الْمَاءِ؟! بَلْ سَيَطُولُ لَيْلُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ وَتَكُونُ أَرْضُهُمْ مِثْلَ السَّبْخَةِ؛ لِأَنَّ خَلِيفَةَ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ وَأَحْكَامَهُ لَا تَجْرِي بَيْنَهُمْ. فَذَرِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ بِقَوْلِي وَيَلْعَبُونَ فِي خَوْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَنْدَمُونَ كَالْقَاتِلِ نَفْسَهُ وَيَقِيئُونَ كَالْآكِلِ نَجَاسَةً! حِينَئِذٍ فِي طَلَبِي يَقْتَحِمُونَ الْبِحَارَ وَيَعْبُرُونَ عَقَبَاتِ الْجِبَالِ، بَلْ يَلْتَمِسُونَنِي فِي صُدُوعِ الصُّخُورِ وَيَنْشُدُونَ رُعَاةَ السُّهُولِ، لِأُعِيدَ لَهُمْ قَوْلًا لَا يَسْمَعُونَهُ الْيَوْمَ مِنِّي وَأَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا لَا يَقْبَلُونَهُ الْآنَ مِنِّي!».[٣]

القول الذي لا يسمعونه منه اليوم، هو ما يقول لهم في كتاب «العودة إلى الإسلام»، والطريق الذي لا يقبلونه منه الآن، هو ما يدعوهم إليه من التمهيد لظهور خليفة اللّه المهديّ. [نبذة من السؤال والجواب ١٧]

↑[١] . الروم/ ٤١
↑[٢] . البقرة/ ٢٠٥
( ٤ )

يعتقد المنصور الهاشمي الخراساني أنّ أكبر خطأ في العالم الحاليّ هو تسليم حكومة البلاد إلى جميع الذين لم يعتبرهم خالق العالم أهلًا للحكومة؛ بالنظر إلى أنّ خالق العالم هو الشخص الأكثر استحقاقًا لإدارته، وهو يفعل ذلك بتقديم «الإنسان الكامل» كخليفة له.

نعم، بالطبع إن كنت لا تؤمن بوجود اللّه، فعليك أن تؤمن بوجوده نظرًا إلى آياته في السماء والأرض والنظام الذي وسع كلّ شيء والحركات الإيقاعيّة التي تحكم الطبيعة، ولكن إن كنت تؤمن بوجوده فعليك أن تذعن بهذه الحقيقة المحقّقة أنّ حكم العالم له وحده، وأنّ الإنسان لا يستحقّ أن يحكم الإنسان. إنّ تحقيق العدالة في العالم هو مرهون بتحقيق حاكميّة اللّه عليه، وتتحقّق حاكميّة اللّه عليه عندما يستولي خليفته فيها على الحكم، ويستولي خليفته فيها على الحكم عندما يترك أمثالك رجال الدّين ورجال غير الدّين، ويكفّون عن التردّد بينهما -بين الجبت والطاغوت-، ويحوّلون وجوههم منهما إلى «الإنسان الكامل» -خليفة اللّه في الأرض-، ويمدّون يد الحاجة إلى عتبة بابه، ويخضعون له معترفين بعجزهم، ويطلبون منه أن يمنّ عليهم بالعفو عن تقصيرهم الذي أصرّوا عليه لأكثر من ألف عام، ويقبل الحكم عليهم ليخلّصهم من الذلّة والمسكنة، ويقودهم إلى العزّة والسعادة.

هذا هو السبيل الوحيد لنجاتكم، وأيّ سبيل آخر هو سبيل الهلاك، سواء كنتم تسمّونه دينًا أو كفرًا؛ لأنّه بدون اللّه وخليفته في الأرض، لا يوجد فرق ملحوظ بين الدّين والكفر، ومن لا يبايع اللّه وخليفته في الأرض، فليبايع إن شاء رجال الدّين وإن شاء رجال غير الدّين، بل إن شاء فحجرًا وإن شاء فخشبًا؛ لأنّ ذلك سواء بالنسبة له! [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٥]

( ٥ )

يجب على جميع المسلمين، من جهة، توفير الأرضيّة لفهم القرآن بشكل صحيح وتنفيذه بشكل كامل، من خلال اتّخاذ «العقل» معيارًا للمعرفة، وتزكية الأنفس من الجهل والتقليد والأهواء النفسيّة والنزعة الدنيويّة والتعصّب والتكبّر والنزعة الخرافيّة، ومن جهة أخرى، معرفة خليفة اللّه في الأرض وإظهاره بدعم كافٍ، حتّى يقوم بحلّ خلافاتهم وتصحيح انحرافاتهم. هذا هو باب السعادة وحبل الخلاص، الذي يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني. (الأسئلة والأجوبة)

( ٦ )

اعتبر السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في مباحث مهمّة من الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام»، مثل مبحث «اختلاف المسلمين»[١] ومبحث «حاكميّة غير اللّه»[٢] ومبحث «توحيد اللّه في التحكيم»[٣]، أنّ أساس «الحكومة الإسلاميّة» هو إذن اللّه تعالى وتعيّن الحاكم من قبله؛ كما قال على سبيل المثال:

«إنّ الحاكميّة في الإسلام مصيرها إلى إذن اللّه، بل لا شرعيّة لأمر من الأمور إلّا بانتهائه إلى إذنه، وهذه من أهمّ القواعد الأساسيّة في الإسلام؛ كما قال مرارًا وتأكيدًا: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[٤] ... من هنا يعلم أنّ الحكومة في الإسلام شرعيّة فقطّ لمن اختاره اللّه وعيّنه لها كنائب لنفسه، وليس هذا شيئًا غريبًا أو جديدًا، بل هو سنّة من سننه التي جرت في الأمم السّالفة، ولا تزال جارية ما دامت الدّنيا؛ كما قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[٥]. نعم، الحقّ هو أنّ ضرورة تعيين الحاكم من قبل اللّه تعالى، وتعريفه من قبل نبيّه أو من خلال آية بيّنة، هي من الواضحات والضروريّات في جميع الأديان الإلهيّة، ولم يتمّ التّشكيك فيها ولا التنازع عليها في أيّ من الأمم السّابقة، وإنّما تمّ التّشكيك فيها والتنازع عليها في هذه الأمّة»[٦].

وقال في نبذة أخرى من هذا الكتاب:

«أنّ الحاكميّة في الإسلام نوعان لا ثالث لهما: أحدهما حاكميّة اللّه والآخر حاكميّة الطاغوت. أمّا حاكميّة اللّه فهي حاكميّة من يحكم بأمر اللّه؛ مثل حاكميّة آل إبراهيم عليه السّلام الذين قال اللّه تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٧] وأمّا حاكميّة الطاغوت فهي حاكميّة من يحكم بغير أمر اللّه؛ مثل حاكميّة آل فرعون الذين قال اللّه تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ[٨]. هكذا، فإنّ حاكميّة من عيّنه اللّه لها هي حاكميّة اللّه، وحاكميّة من لم يعيّنه اللّه لها هي طاغوت، وهذه قاعدة بسيطة وبيّنة للغاية»[٩].

بناءً على هذا، فإنّ الحكومة التي ينبغي تشكيلها في العالم لتكون إسلاميّة، هي فقطّ حكومة من أذن اللّه له فيها وعيّنه لها، وهو في الوقت الحاضر المهديّ وفقًا للأدلّة القطعيّة العقليّة والشرعيّة، وهذا يعتبر الرأي الرسميّ للإسلام. [نبذة من السؤال والجواب ٢٦]

↑[٤] . الشّورى/ ٥٣
↑[٥] . الأحزاب/ ٦٢
↑[٧] . الأنبياء/ ٧٣
↑[٨] . القصص/ ٤١
( ٧ )

الإمام المهديّ عليه السلام، حسب خبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواتر، هو خليفة اللّه في الأرض وبالتالي، يعتبر الوسيلة الوحيدة لتحقيق حكومة اللّه تعالى وإقامة الدين الخالص في العالم، وليس هناك أيّ بديل له يمكن أن يغني عنه ولذلك، يجب على جميع المسلمين اتّخاذه وسيلة، وإن كان مستلزمًا للتمهيد لظهوره، وهذه هي النقطة التي بيّنها السيّد المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى بالتفصيل في مبحث «وجوب إظهار المهديّ على النّاس» من الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام»[١]. [نبذة من السؤال والجواب ٣٠]

( ٨ )

إنّ دأب القرآن هو تبيين الأصول والقواعد؛ لأنّه بمثابة الدستور في الإصطلاح المعاصر وقد فوّض تبيين الفروع والتفاصيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[١] ولذلك أمر بالصلاة ولم يبيّن عدد ركعاتها وترتيب أعمالها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالزكاة ولم يبيّن متعلّقاتها ونُصُبها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالحجّ ولم يبيّن كثيرًا من تفاصيله حتّى بيّنها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بطاعة أولي الأمر ولم يبيّن من هم حتّى بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ[٢] وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ[٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[٤] ولم يبيّن من هم حتّى بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقال: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللَّهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا»[٥] وقال: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَخُلُقُهُ خُلُقِي، يَمْلأُهَا عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا»[٦] وقال: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ، يَسْقِيهِ اللَّهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ، وَتَعْظُمُ الأُمَّةُ»[٧] وقال: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي، عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَزَلَازِلَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ، وَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى، فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: مَنْ لَهُ فِي الْمَالِ حَاجَةٌ؟ قَالَ: فَيَقُومُ رَجُلٌ، فَيَقُولُ: أَنَا، فَيُقَالُ لَهُ: إِيتِ السَّادِنَ يَعْنِي الْخَازِنَ، فَقُلْ لَهُ: قَالَ لَكَ الْمَهْدِيُّ: أَعْطِنِي، قَالَ: فَيَأْتِي السَّادِنَ فَيَقُولُ لَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: احْتَثِي، فَيَحْتَثِي، فَإِذَا أَحْرَزَهُ قَالَ: كُنْتُ أَجْشَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَفْسًا أَوَ عَجَزَ عَنِّي مَا وَسِعَهُمْ؟! فَيَنْدَمُ، فَيَأْتِي بِهِ السَّادِنَ، فَيَقُولُ لَهُ: لَا نَقْبَلُ شَيْئًا أَعْطَيْنَاهُ»[٨] وهذه أخبار متواترة روى مضامينها أكثر من أربعين صحابيًّا منهم عبد اللّه بن مسعود وطلحة بن عبيد اللّه وعبد الرحمن بن عوف وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمر وجابر بن عبد اللّه وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وأنس بن مالك وعمران بن حصين وعوف بن مالك وأبو أيّوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري وسلمان الفارسي وجابر الصدفي وأبو هريرة وأبو أمامة وثوبان وأمّ سلمة وعائشة وصرّح بصحّتها وتواترها كثير من أئمّة الحديث منهم الترمذي والإبري والحاكم والبيهقي والبغوي وابن الأثير والقرطبي والمزّي والذّهبي والهيثمي والسّخاوي والسّيوطي وابن حجر والكتاني والألباني ولذلك لا يشكّ في صدورها عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا من انسلخ عن العلم وارتطم في الوهم والوسوسة.

بناء على هذا، فإنّ كلّ مسلم يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحجّ البيت ويطيع أهل البيت على النحو الذي بيّنه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الأخبار المتواترة، فلا بدّ له من أن يؤمن بظهور المهديّ وحكومته وملئه الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا؛ لأنّ المخبر عن ذلك هو المخبر عن عدد ركعات الصلاة وترتيب أعمالها ومتعلّقات الزكاة ونُصُبها وتفاصيل الحجّ ومصاديق أولي الأمر. فإن لم يؤمن، كان من الذين عاتبهم اللّه تعالى فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[٩]، إلا أن يكون من الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يحجّون البيت ولا يطيعون أهل البيت على النحو الذي بيّنه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الأخبار المتواترة؛ كالفرقة القرآنيّة التي تنكر حجّيّة سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتستحلّ معصيته، خلافًا للقرآن الذي يناديهم: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[١٠] ويناديهم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[١١] ويناديهم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[١٢]. فإن كان من هؤلاء فلا نتوقّع منه أن يؤمن بظهور المهديّ وحكومته وملئه الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، بل لا نكلّمه في ذلك بكلمة؛ لأنّه عندنا منافق لا يرجع إلى خير أبدًا؛ كما أخبرنا بذلك المنصور حفظه اللّه تعالى حيث قال:

«إِذا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِسُنَّةٍ مُتَواتِرَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقالَ لَكَ: دَعْنا مِنْ هَذِهِ وَآتِنا آيةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُنافِقٌ لا يَرْجِعُ إِلَى خَيْرٍ أَبَدًا».

وليس هذا رأي رآه ولكنّه ما استنبطه من القرآن إذ فضح المنافقين فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[١٣]، فجعل أمارة نفاقهم صدّهم عن الرسول وقولهم بكفاية ما أنزل اللّه يعني القرآن؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، قالَ: إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلَى كِتابِ اللَّهِ وَإِلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ، رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سُنَّةِ الرَّسُولِ صُدُودًا، يَقُولُونَ: حَسْبُنا كِتابُ اللَّهِ». [نبذة من السؤال والجواب ١١٩]

↑[١] . النحل/ ٤٤
↑[٢] . المائدة/ ٥٤
↑[٣] . النور/ ٥٥
↑[٤] . الأنبياء/ ١٠٥
↑[٥] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٨، ص٦٧٩؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣١٠
↑[٦] . صحيح ابن حبان، ج١٥، ص٢٣٨؛ المعجم الكبير للطبراني، ج١٠، ص١٣٧
↑[٧] . المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج٤، ص٥٥٨
↑[٨] . مسند أحمد، ج٣، ص٣٧
↑[٩] . البقرة/ ٨٥
↑[١٠] . النور/ ٥٦
↑[١١] . الحشر/ ٧
↑[١٢] . النور/ ٦٣
↑[١٣] . النساء/ ٦١
( ٩ )

يوجد إشارات كثيرة إلى الإمام المهديّ عليه السلام وعصر حكومته في التوراة والإنجيل وليس ذلك بعجيب؛ لأنّ اللّه تعالى أنزلهما كما أنزل القرآن وفيهما كلامه وإن وقع فيهما بعض التحريفات من قبل الكاتبين والمترجمين والمفسّرين ونحن نقوم بسرد بعض إشاراتهما فيما يلي:

جاء في كتاب إِشَعْياء[١]: «يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، وَيُعْطَى لَنَا ابْنٌ، تَكُونُ السُّلْطَةُ فِي يَدِهِ، وَيُدْعَى مُشِيرًا عَجِيبًا، رَبًّا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلَامِ؛ تَمْتَدُّ سُلْطَتُهُ وَسَلَامُهُ بِلَا نِهَايَةٍ، عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ وَمَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَسْنُدَهَا بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ، مِنَ الْآنَ إِلَى الْأَبَدِ. غِيرَةُ اللَّهِ الْقَدِيرِ تَصْنَعُ هَذَا.»

جاء في كتاب إشعياء[٢]: «يَطْلَعُ فَرْعٌ مِنْ سَاقِ يَسَّى، وَيَنْمُو غُصْنٌ مِنْ جُذُورِهِ؛ يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ اللّهِ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ اللّهِ. فَيَفْرَحُ بِمَخَافَةِ اللّهِ، وَلَا يَقْضِي بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ، وَلَا يَحْكُمُ بِحَسَبِ مَا يَسْمَعُهُ بِأُذُنَيْهِ؛ إِنَّمَا يَقْضِي لِلْفُقَرَاءِ بِالْعَدْلِ، وَيَحْكُمُ لِمَسَاكِينِ الْأَرْضِ بِالْإِنْصَافِ؛ يُعَاقِبُ النَّاسَ بِأَمْرٍ مِنْ فَمِهِ، وَبِنَفْخَةٍ مِنْ شَفَتَيْهِ يَقْتُلُ الْأَشْرَارَ؛ يُقَوِّيهِ الصَّلَاحُ وَالْأَمَانَةُ كَحِزَامٍ حَوْلَ وَسَطِهِ. فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْحَمَلِ، وَيَرْقُدُ النِّمْرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَيَأْكُلُ الْعِجْلُ مَعَ الشِّبْلِ، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَقُودُهَا، وَتَرْعَى الْبَقَرَةُ مَعَ الدُّبَّةِ، وَتَرْقُدُ أَوْلَادُهُمَا مَعًا، وَالْأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالثَّوْرِ، وَيَلْعَبُ الصَّغِيرُ عَلَى جُحْرِ الْأَفْعَى، وَيَمُدُّ الطِّفْلُ يَدَهُ فِي وَكْرِ الثُّعْبَانِ. لَا أَحَدَ يُؤْذِي، وَلَا أَحَدَ يَضُرُّ فِي كُلِّ جَبَلِيَ الْمُقَدَّسِ. لِأَنَّ الْأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللّهِ كَمَا تَغْمُرُ الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَكُونُ سَلِيلُ يَسَّى رَايَةً تَلْتَفُّ الشُّعُوبُ حَوْلَهَا، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَظِيمًا.» ...

جاء في كتاب إشعياء[٣]: «هُوَذَا بِالْعَدْلِ يَمْلِكُ مَلِكٌ، وَرُؤَسَاءُ بِالْحَقِّ يَتَرَأَّسُونَ. وَيَكُونُ إِنْسَانٌ كَمَخْبَأٍ مِنَ الرِّيحِ وَسِتَارَةٍ مِنَ السَّيْلِ، كَسَوَاقِي مَاءٍ فِي مَكَانٍ يَابِسٍ، كَظِلِّ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ فِي أَرْضٍ مُعْيِيَةٍ. وَلَا تَحْسِرُ عُيُونُ النَّاظِرِينَ، وَآذَانُ السَّامِعِينَ تَصْغَى، وَقُلُوبُ الْمُتَسَرِّعِينَ تَفْهَمُ عِلْمًا، وَأَلْسِنَةُ الْعَيِيِّينَ تُبَادِرُ إِلَى التَّكَلُّمِ فَصِيحًا. وَلَا يُدْعَى اللَّئِيمُ بَعْدُ كَرِيمًا، وَلَا الْمَاكِرُ يُقَالُ لَهُ نَبِيلٌ... إِلَى أَنْ يُسْكَبَ عَلَيْنَا رُوحٌ مِنَ الْعَلَاءِ، فَتَصِيرَ الْبَرِّيَّةُ بُسْتَانًا، وَيُحْسَبَ الْبُسْتَانُ وَعْرًا. فَيَسْكُنُ فِي الْبَرِّيَّةِ الْحَقُّ، وَالْعَدْلُ فِي الْبُسْتَانِ يُقِيمُ. وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلَامًا، وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الْأَبَدِ. وَيَسْكُنُ شَعْبِي فِي مَسْكَنِ السَّلَامِ، وَفِي مَسَاكِنَ مُطْمَئِنَّةٍ وَفِي مَحَلَّاتٍ أَمِينَةٍ.»

جاء في كتاب إشعياء[٤]: «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلْأُمَمِ. لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. لَا يَقْصِفُ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً، وَلَا يُطْفِئُ فَتِيلَةً خَامِدَةً. يُجْرِي الْحَقَّ بِأَمَانَةٍ. لَا تَرْتَخِي عَزِيمَتُهُ وَلَا تَثْبُطُ هِمَّتُهُ، إِلَى أَنْ يُثَبِّتَ الْحَقَّ عَلَى الْأَرْضِ. تَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ. هَكَذَا يَقُولُ اللّهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الْأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: <أَنَا اللَّهُ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلْأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، وَتُخْرِجَ الْأَسْرَى مِنَ السِّجْنِ، وَتُحَرِّرَ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ. أَنَا اللَّهُ هَذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لِآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. هُوَذَا الْأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَحْدُثَ أُخْبِرُكُمْ بِهَا.>» ...

جاء في زبور داود ما أخبر اللّه تعالى عنه إذ قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[٥]، فجاء فيه[٦]: «إِنَّ الْأَشْرَارَ يُنْزَعُونَ، أَمَّا الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ اللَّهَ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ. عَنْ قَرِيبٍ يَذْهَبُ الشِّرِّيرُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، تَبْحَثُ عَنْهُ فَلَا تَجِدُهُ. أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ وَيَتَمَتَّعُونَ بِسَلَامٍ عَظِيمٍ. الشِّرِّيرُ يَتَآمَرُ ضِدَّ الصَّالِحِ، وَيَصِرُّ عَلَيْهِ بِأَسْنَانِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَارِفٌ أَنَّ يَوْمَ عِقَابِهِ آتٍ. الَّذِينَ يُبَارِكُهُمُ اللَّهُ يَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَالَّذِينَ يَلْعَنُهُمْ يُنْزَعُونَ مِنْهَا. اُبْعُدْ عَنِ الشَّرِّ وَاعْمَلِ الْخَيْرَ، فَتَحْيَا إِلَى الْأَبَدِ. لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَدْلَ، وَلَا يَنْسَى عَبِيدَهُ الْأَوْفِيَاءَ بَلْ يَحْفَظُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ. أَمَّا نَسْلُ الْأَشْرَارِ فَيَنْقَرِضُ. الصَّالِحُونَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا إِلَى الْأَبَدِ. اِنْتَظِرِ اللَّهَ وَاسْلُكْ فِي طَرِيقِهِ، فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ الْأَرْضَ، وَتُشَاهِدَ انْقِرَاضَ الْأَشْرَارِ.» ...

جاء في إنجيل متّى[٧]: «وَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، جَاءَ إِلَيْهِ التَّلَامِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ وَقَالُوا لَهُ: <قُلْ لَنَا: مَتَى سَيَحْدُثُ هَذَا؟ وَمَا هِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَجِيئِكَ وَنِهَايَةِ الزَّمَانِ؟> أَجَابَهُمْ عِيسَـى: <اِحْذَرُوا مِنْ أَنْ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. لِأَنَّهُ سَيَأْتِي كَثِيرُونَ بِاسْمِي وَيَقُولُونَ: ’أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ‘، وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. وَسَتَسْمَعُونَ عَنْ حُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَنْزَعِجُوا، لِأَنَّ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ، لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ النِّهَايَةَ. فَتَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ، وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَحْدُثُ مَجَاعَاتٌ وَزَلَازِلُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ. كُلُّ هَذِهِ هِيَ مُجَرَّدُ بِدَايَةِ الْآلَامِ. ثُمَّ يُعَذِّبُونَكُمْ وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكْرَهُكُمْ كُلُّ الشُّعُوبِ بِسَبَبِي. فَيَرْتَدُّ كَثِيرُونَ، وَيَخُونُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَكْرَهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَيَظْهَرُ كَثِيرُونَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. وَيَعُمُّ الشَّرُّ، فَتَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ. لَكِنَّ الَّذِي يَثْبُتُ إِلَى النِّهَايَةِ يَنْجُو. وَتَنْتَشِرُ الْبُشْرَى بِمَمْلَكَتِي فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ وَتَصِلُ الشَّهَادَةُ لِكُلِّ الشُّعُوبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْآخِرَةُ. فَمَتَى رَأَيْتُمُ الَّذِي اسْمُهُ ’النَّجَاسَةُ وَالْخَرَابُ‘ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ النَّبِيُّ دَانِيَالُ، مَوْجُودًا فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ، اِفْهَمْ هَذَا أَيُّهَا الْقَارِئُ، فَالَّذِينَ فِي مِنْطَقَةِ يَهُوذَا يَجِبُ أَنْ يَهْرُبُوا إِلَى الْجِبَالِ. وَمَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ، فَلَا يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مَا فِي دَارِهِ. وَمَنْ كَانَ فِي الْحَقْلِ، فَلَا يَرْجِعْ لِيَأْخُذَ ثَوْبَهُ. يَا شَقَاءَ الْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، صَلُّوا إِذَنْ لِكَيْ لَا يَحْدُثَ هَرَبُكُمْ فِي الشِّتَاءِ أَوْ يَوْمِ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ سَيَحِلُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَحْدُثْ مِثْلَهُ مُنْذُ بِدَايَةِ الْعَالَمِ إِلَى الْيَوْمِ، وَلَنْ يَتَكَرَّرَ أَبَدًا. وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الْأَيَّامُ، مَا أَمْكَنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْجُوَ، وَلَكِنْ لِأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ سَتُقَصَّرُ تِلْكَ الْأَيَّامُ. فَإِنْ قَالَ لَكُمْ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ: ’الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ.‘ فَلَا تُصَدِّقُوا؛ لِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمُ الْمَسِيحُ وَمَنْ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ، وَيَعْمَلُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَمُعْجِزَاتٍ لِكَيْ يُضِلُّوا الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللّهُ، لَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ. فَانْتَبِهُوا، لَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مُسَبَّقًا. فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: ’هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ‘، فَلَا تَخْرُجُوا إِلَى هُنَاكَ. أَوْ: ’هُوَ فِي الْبُيُوتِ مِنَ الدَّاخِلِ‘، فَلَا تُصَدِّقُوا. لِأَنَّ مَجِيءَ ابْنِ الْإنْسانِ سَيَكُونُ مِثْلَ الْبَرْقِ الَّذِي يُضِيءُ مِنَ الشَّرْقِ إِلَى الْغَرْبِ. حَيْثُ تَكُونُ الْجُثَّةُ، تَجْتَمِعُ الْجَوَارِحُ. وَفِي الْحَالِ، بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لَا يُضِيءُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْأَجْرَامُ السَّمَائِيَّةُ تَرْتَجُّ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَظْهَرُ فِي السَّمَاءِ آيَةُ ابْنِ الْإنْسانِ، فَتَنْتَحِبُ كُلُّ شُعُوبِ الْأَرْضِ. وَيَرَاهُ النَّاسُ آتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِكُلِّ عِزَّةٍ وَجَلَالٍ. وَيُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ وَمَعَهُمْ بُوقٌ عَظِيمٌ، فَيَجْمَعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَالشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ تَحْتَ السَّمَاءِ. تَعَلَّمُوا هَذَا الدَّرْسَ مِنْ شَجَرَةِ التِّينِ: مَتَى لَانَتْ أَغْصَانُهَا وَطَلَعَ الْوَرَقُ، تَعْرِفُونَ أَنَّ الصَّيْفَ قَرِيبٌ. كَذَلِكَ مَتَى رَأَيْتُمْ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ، اِعْرِفُوا أَنَّ ابْنَ الْإنْسانِ قَرِيبٌ، بَلْ عَلَى الْأَبْوَابِ. أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ، كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَتَحْدُثُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الْجِيلُ. السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، أَمَّا كَلَامِي فَلَا يَزُولُ. لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَتَى يَحِينُ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ، لَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الِابْنُ، إِنَّمَا الْرَّبُّ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ. وَكَمَا حَدَثَ فِي أَيَّامِ نُوحَ، سَيَحْدُثُ عِنْدَ مَجِيءِ ابْنِ الْإنْسانِ. كَانَ النَّاسُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي سَبَقَتِ الطُّوفَانَ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحُ إِلَى الْفُلْكِ. وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ بِمَا سَيَحْدُثُ، حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَهُمْ جَمِيعًا. فَعِنْدَ مَجِيءِ ابْنِ الْإنْسانِ سَيَحْدُثُ نَفْسُ الشَّيْءِ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، يَكُونُ رَجُلَانِ فِي الْحَقْلِ، يُؤْخَذُ وَاحِدٌ وَيُتْرَكُ الْآخَرُ. وَامْرَأَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الطَّاحُونَةِ، تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ وَتُتْرَكُ الْأُخْرَى. فَاسْهَرُوا إِذَنْ، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ فِي أَيِّ يَوْمٍ يَأْتِي سَيِّدُكُمْ. اِفْهَمُوا هَذَا: لَوْ عَلِمَ صَاحِبُ الدَّارِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يَجِيءُ اللِّصُّ، لَظَلَّ سَاهِرًا وَلَمْ يَتْرُكْ دَارَهُ تُنْقَبُ. فَكُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لِأَنَّ ابْنَ الْإنْسانِ يَجِيءُ فِي سَاعَةٍ لَا تَتَوَقَّعُونَهُ فِيهَا. مَنْ هُوَ الْعَبْدُ الْأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يَثِقُ فِيهِ سَيِّدُهُ، لِيُعْطِيَ الْعَبِيدَ الْآخَرِينَ طَعَامَهُمْ فِي وَقْتِهِ؟ هُوَ الَّذِي عِنْدَمَا يَرْجِعُ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. هَنِيئًا لِذَلِكَ الْعَبْدِ. أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ، إِنَّ سَيِّدَهُ يُقِيمُهُ عَلَى كُلِّ أَمْلَاكِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ شِرِّيرًا وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: ’سَيِّدِي سَيَتَأَخَّرُ.‘ وَأَخَذَ يَضْرِبُ الْعَبِيدَ زُمَلَاءَهُ، وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ السِّكِّيرِينَ، يَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لَا يَتَوَقَّعُهُ، وَفِي سَاعَةٍ لَا يَعْلَمُهَا، فَيُعَاقِبُهُ عِقَابًا شَدِيدًا، وَيَجْعَلُ مَصِيرَهُ مَعَ الْمُنَافِقِينَ. هُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الْأَسْنَانِ.>»

بالإضافة إلى ذلك، يوجد في التوراة والإنجيل ما يبدو أنّه إشارة إلى الممهّد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام الذي يبعثه اللّه تعالى من المشرق، ليعدّ الطريق لحكومته؛ كما جاء في كتاب إشعياء[٨]:

«إِنِّي أَنَا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرِي. أَنَا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ مِثْلِي. أُخْبِرُ عَنِ النِّهَايَةِ مِنَ الْبِدَايَةِ، وَعَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ قَبْلِ مَا يَأْتِي. أَقُولُ: قَصْدِي يَتِمُّ، وَأَفْعَلُ كُلَّ مَشِيئَتِي. أَدْعُو مِنَ الْمَشْرِقِ رَجُلًا كَطَيْرٍ جَارِحٍ، يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، فَيُتَمِّمُ قَصْدِي. قَدْ تَكَلَّمْتُ فَأُجْرِيهِ. قَضَيْتُ فَأَفْعَلُهُ.»

إذ ينبّأ بأنّه «رجل كطير جارح يأتي من أرض بعيدة في المشرق فيتمّم قصد اللّه» وهذه صفة المنصور الذي أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّه يخرج من خراسان، فيدعو إلى خليفة اللّه المهديّ ويخزي الحكّام الظالمين؛ كما جاء في كتاب إشعياء[٩]:

«قَدْ أَنْهَضْتُهُ مِنَ الشَّمَالِ، فَسَيَأْتِي مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. يَدْعُو بِاسْمِي. يَأْتِي عَلَى الحُكَّامِ كَمَا عَلَى الْمِلَاطِ، وَكَخَزَّافٍ يَدُوسُ الطِّينَ. مَنْ أَخْبَرَ مِنَ الْبَدْءِ حَتَّى نَعْرِفَ، وَمِنْ قَبْلُ حَتَّى نَقُولَ: هُوَ صَادِقٌ؟ لَا مُخْبِرٌ وَلَا مُسْمِعٌ وَلَا سَامِعٌ أَقْوَالَكُمْ.»

بل لا تقلّ هذه الإشارة عن التصريح؛ لأنّ القول بأنّه «سيأتي من مشرق الشمس» معادل للقول بأنّه «سيأتي من خراسان»؛ نظرًا إلى أنّ «خراسان» يعني في اللغة الفارسيّة «مشرق الشمس»؛ حيث أنّه مؤلّف من «خور» بمعنى الشمس و«آسان» بمعنى المشرق كما قاله كثير من أهل اللغة وعليه، لو أردنا أن نترجم العبارة إلى اللغة الفارسيّة، لصحّ أن نقول إنّه «سيأتي من خراسان»؛ لأنّهما مترادفان في اللغة، بل يوجد في التوراة ما يبدو أنّه إشارة إلى لقب هذا الخراسانيّ الموعود؛ كما جاء في كتاب إشعياء[١٠]:

«مَنْ أَنْهَضَ مِنَ الْمَشْرِقِ الَّذِي يُلَاقِيهِ النَّصْرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ؟ دَفَعَ أَمَامَهُ أُمَمًا وَسَلَّطَهُ عَلَى مُلُوكٍ. جَعَلَهُمْ كَالتُّرَابِ بِسَيْفِهِ، وَكَالْقَشِّ الْمُنْذَرِي بِقَوْسِهِ. طَرَدَهُمْ. مَرَّ سَالِمًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهُ مِنْ قَبْلُ. مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دَاعِيًا الْأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أَنَا اللَّهُ مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى الْآخِرِ، أَنَا هُوَ».

إذ يصف الناهضَ من المشرق بأنّه «يلاقيه النّصر»، فهو لا جرم «منصور» وهذا إن لم يكن إشارة إلى اسمه «المنصور»، فهو وجه تسميته به في الروايات الإسلاميّة؛ لأنّ اللّه تعالى ينصره على الأمم والملوك، حتّى يعدّ الطريق لحكومته؛ كما جاء في زبور داود[١١] بعد التبشير بحكومة اللّه تعالى:

«العَدلُ يَسِيرُ أَمامَهُ ويُمَهِّدُ سَبِيلًا لِخُطُواتِهِ‌.»

وجاء في كتاب ملاخي[١٢] بصراحة:

«أَنَا أَبْعَثُ رائِدِي، لِكَيْ يُعِدَّ الطَّرِيقَ أَمَامِي. ثُمَّ الْمَوْلَى الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ يَأْتِي فَجْأَةً إِلَى بَيْتِهِ.»

وجاء في كتاب إشعياء[١٣] في نعت هذا الرائد:

«صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لِإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ».

وجاء فيه[١٤] محرّضًا على نهضته التمهيديّة المقدّسة:

«وَيَقُولُ اللَّهُ: أَعِدُّوا، أَعِدُّوا وَمَهِّدُوا الطَّرِيقَ، أَزِيلُوا الْعَقَبَاتِ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي.»

وجاء فيه[١٥] مشيرًا إلى رايته المباركة التي وصفها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّها راية الهدى:

«اُعْبُرُوا، اعْبُرُوا بِالْأَبْوَابِ، مَهِّدُوا طَرِيقَ الشَّعْبِ. أَعِدُّوا، أَعِدُّوا السَّبِيلَ، نَقُّوهُ مِنَ الْحِجَارَةِ، ارْفَعُوا رَايَةً لِلْأُمَمِ.»

وجاء في كتاب حزقيال[١٦] مشيرًا إلى قدومه بيت المقدس:

«رَأَيْتُ جَلَالَ اللَّهِ يَأْتِي مِنَ الْمَشْرِقِ، وَصَوْتُهُ كَهَدِيرِ مِيَاهٍ غَزِيرَةٍ، وَأَضَاءَتِ الْأَرْضُ مِنْ جَلَالِهِ. فَدَخَلَ جَلَالُ اللَّهِ إِلَى الْبَيْتِ مِنَ الْبَابِ الْمُتَّجِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ. ثُمَّ رَفَعَنِي الرُّوحُ وَأَخَذَنِي إِلَى السَّاحَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، فَمَلَأَ جَلَالُ اللَّهِ الْبَيْتَ.»

إذ يقول: «رَأَيْتُ جَلَالَ اللَّهِ يَأْتِي مِنَ الْمَشْرِقِ» ويقول: «فَدَخَلَ جَلَالُ اللَّهِ إِلَى الْبَيْتِ مِنَ الْبَابِ الْمُتَّجِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ» وهذا موافق لما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «تَخْرُجُ رَايَاتٌ سُودٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلْيَاءَ» وفي رواية أخرى: «يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ، لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ» يعني بيت المقدس[١٧]. واللّه تعالى أعلم. [نبذة من السؤال والجواب ١٢٢]

↑[١] . ٧-٩:٦
↑[٢] . ١٠-١١:١
↑[٣] . ١٨-٥,١٥-٣٢:١
↑[٤] . ٩-٤٢:١
↑[٥] . الأنبياء/ ١٠٥
↑[٦] . ٢٩,٣٤-١٣,٢٢,٢٧-٣٧:٩
↑[٧] . ٥١-٢٤:٣
↑[٨] . ١١-٤٦:٩
↑[٩] . ٢٦-٤١:٢٥
↑[١٠] . ٤-٤١:٢
↑[١١] . ٨٥:١٤
↑[١٢] . ٣:١
↑[١٣] . ٥-٤٠:٣
↑[١٤] . ٥٧:١٤
↑[١٥] . ٦٢:١٠
↑[١٦] . ٥-٤٣:٢,٤
↑[١٧] . انظر: مسند أحمد، ج٢، ص٣٦٥؛ سنن الترمذي، ج٣، ص٣٦٢؛ المعجم الأوسط للطبراني، ج٤، ص٣١؛ الفتن لابن حماد، ص١٢٢؛ الكامل لابن عدي، ج٣، ص٨٥؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج٣٢، ص٢٨١
( ١٠ )

لا خلاف بين المسلمين في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام وذلك لما صحّ عندهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فاطِمَةَ»[١] ولكنّهم اختلفوا في أنّه حسنيّ أو حسينيّ. فقال الجمهور أنّه حسنيّ لما رواه أبو داود، قال: حدّثت عن هارون بن المغيرة، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال عليّ رضي اللّه عنه ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا»[٢] لكنّه منقطع؛ لأنّ أبا داود قال: «حدّثت» بصيغة المجهول ولم يبيّن من حدّثه واحتمل المنصور حفظه اللّه تعالى وقوع التصحيف فيه فقال: «لكنّه تصحيف على الأرجح؛ كما يوجد اختلاف في نسخه، وفي بعضها <الحسين>[٣]»[٤] وعليه، فلا تقوم به حجّة وقال الإماميّة أنّه حسينيّ لما رووا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفي أخبار الجمهور ما يؤيّده؛ كما رواه داود بن عبد اللّه الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد اللّه بن حسن فتذاكرنا المهديّ، فقال عبد اللّه بن حسن: المهديّ من ولد الحسن بن علي، فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك[٥] وقال النجاشي (ت٤٥٠ق) في ترجمة أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني نزيل مصر: «ذكر أصحابنا أنه وقع إليهم من كتبه كتاب كبير في ذكر من روى من طرق أصحاب الحديث أنّ المهديّ من ولد الحسين عليه السلام»[٦] وهذا ما اختاره المنصور حفظه اللّه تعالى واستدلّ عليه بقول اللّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ[٧] وتقرير ذلك أنّ الأمر صار إلى الحسين عليه السلام بعد أخيه؛ لاشتراكه في الفضل وتأخّره في الولادة وكان أولى الناس بالحسين عليه السلام أولاده لا أولاد أخيه؛ لقول اللّه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فانتقل الأمر إلى أولاد الحسين عليه السلام[٨] ولذلك قال حفظه اللّه تعالى: «لا يمكن اعتباره -يعني خبر أبي داود- ناقضًا للقاعدة القرآنيّة والعقليّة الدّالّة على أولويّة الأولاد من أولاد الأخ»[٩]. ثمّ حاول الجمع بين الروايتين فقال: «نعم، إذا وصل نسب المهديّ إلى <الحسين> من طريق أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، فإنّه يعتبر أيضًا من ولد <الحسن>؛ لأنّ والدة أبي جعفر كانت فاطمة بنت الحسن[١٠] بناء على هذا، يمكن اعتبار المهديّ حسينيًّا من جهة الأب وحسنيًّا من جهة الأمّ، وبهذه الطريقة يُجمع بين الأخبار والأقوال»[١١] ويؤيّده ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن رزيق بن جامع المصري، ثنا الهيثم بن حبيب، ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذكر الحسن والحسين في شكاته التي قبض فيها فقال: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ مِنْهُمَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ»[١٢].

وأمّا ولادة الإمام المهديّ عليه السلام ففيها خلاف مشهور بين المسلمين؛ إذ قال الجمهور أنّه لم يولد بعد وقال الإماميّة أنّه ولد في سنة مائتين وخمسة وخمسين للهجرة وهو ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ووافقهم على ذلك جماعة منهم القندوزي الحنفيّ في ينابيع المودّة[١٣] وابن صبّاغ المالكي في الفصول المهمّة[١٤] ومحمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول[١٥] ومحمّد بن يوسف الشافعي في البيان[١٦] والشبلنجي الشافعي في نور الأبصار[١٧] والشبراوي الشافعي في الإتحاف[١٨] وسبط بن الجوزي الحنبلي في تذكرة الخواص[١٩] وعبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر[٢٠] وحكاه عن ابن عربيّ صاحب الفتوحات المكّيّة واستدلّوا على ذلك بما رووا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وبأنّه الخلف الثاني عشر منهم وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»[٢١] وردّ عليهم الجمهور بأنّ والد الإمام المهديّ عليه السلام اسمه عبد اللّه؛ لما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي»[٢٢] ولو كان ابن الحسن هو الإمام المهديّ عليه السلام للزم أن يكون عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وأجاب الإماميّة بأنّ كثيرًا من الروايات خالية من اسم أبيه وهذا ما يوهن بنيانه وليس طول العمر ممّا يدفعه العقل أو الشرع وقد روى الجمهور أنّ الدّجّال حيّ يعيش في جزيرة من جزائر البحر منذ زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم[٢٣] وهذا يعني أنّ عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وقد كره المنصور حفظه اللّه تعالى الخوض في هذا الموضوع ولم يتعرّض له في كتاب «العودة إلى الإسلام»؛ لأنّ المهمّ عنده التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام وذلك غير متوقّف على الإعتقاد بوجوده في الوقت الحاضر؛ لأنّه لو كان غير موجود لوُجد بعد التمهيد لظهوره بفضل اللّه وحكمته[٢٤]. نعم، قال في بعض دروسه أنّ الإحتياط يقتضي الإكتفاء بما ورد في جميع الروايات وأجمع عليه المسلمون وهو اسم الإمام المهديّ عليه السلام؛ لأنّه القدر المتيقّن وقال بأنّ الإمام المهديّ عليه السلام موجود في الوقت الحاضر، سواء كان اسم أبيه الحسن أو عبد اللّه واستدلّ على ذلك بقول اللّه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ[٢٥]؛ لأنّه يدلّ على أنّ الأرض لا تخلو من خليفة اللّه؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:

«سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ الْهاشِمِيَّ الْخُراسانِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[٢٦]، فَقالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لا تَخْلُو مِنْ خَلِيفَةٍ اللَّهُ جاعِلُهُ، وَلَوْ خَلَتْ لَساخَتْ بِأَهْلِها، وَمَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ هَذا الْخَلِيفَةَ فَقَدْ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً! ثُمَّ سَكَتَ ساعَةً حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقالَ: لا يَزالُ اللَّهُ يَجْعَلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً مُنْذُ قالَهُ، وَلَوْ قالَ: <إِنِّي أَجْعَلُ> لَكانَ مِنْهُ جَعْلٌ واحِدٌ، وَلَكِنَّهُ قالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ وَالْجاعِلُ مَنْ يَسْتَمِرُّ مِنْهُ الْجَعْلُ، وَكُلُّ خَلِيفَةٍ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ مَهْدِيٌّ إِلَى ما خَلَقَ اللَّهُ فِيها لِيَضَعَهُ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى مَهْدِيِّ زَمانِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا»[٢٧].

بناء على هذا، يجب على المسلمين أن ينتهوا عن التنازع الذي لا طائل تحته ويأخذوا في التشاور والتعاون على التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام؛ لأنّه ليس إمام الشيعة أو إمام السنّة، بل هو إمام جميع المسلمين وهم جميعًا مكلّفون بطلبه ونصره وهذا ما يمكن أن يجمعهم تحت راية واحدة لو لا التعصّب وضيق العقول. [نبذة من السؤال والجواب ٩٠]

↑[١] . سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٦٨؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣١٠؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج٤، ص٥٥٧
↑[٢] . سنن أبي داود، ج٢، ص٣١١
↑[٣] . انظر: ينابيع المودة للقندوزي، ج٣، ص٢٥٩ نقلًا عن سنن أبي داود.
↑[٥] . تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزّي، ج٢٥، ص٤٦٨
↑[٦] . رجال النجاشي، ص٨٦
↑[٧] . الأحزاب/ ٦
↑[١٠] . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٥، ص٣٢٠؛ أنساب الأشراف للبلاذري، ج٣، ص١٤٧؛ الشجرة المباركة في أنساب الطالبيّة لفخر الدين الرازي، ص٧٣.
↑[١٢] . المعجم الكبير للطبراني، ج٣، ص٥٧
↑[١٣] . ج٣، ص١٣١
↑[١٤] . ص١٠٩٥
↑[١٥] . ص٤٨٠
↑[١٦] . ص٥٢١
↑[١٧] . ص١٨٦
↑[١٨] . ص١٧٨
↑[١٩] . ص٣٦٣
↑[٢٠] . ص١٤٣
↑[٢١] . مسند ابن الجعد، ص٣٩٠؛ مسند أحمد، ج٥، ص١٠٦؛ صحيح ابن حبان، ج١٥، ص٤٣
↑[٢٢] . سنن أبي داود، ج٢، ص٣٠٩
↑[٢٣] . صحيح مسلم، ج٨، ص٢٠٤؛ سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٥٥؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣١٩؛ سنن الترمذي، ج٣، ص٣٥٥
↑[٢٥] . البقرة/ ٣٠
↑[٢٦] . البقرة/ ٣٠
( ١١ )

الإمام المهديّ عليه السلام هو إمام جميع المسلمين ولا ينتمي إلى مذهب خاصّ، ولكن بعض المذاهب الإسلاميّة قد تكون أكثر معرفة به. في الواقع، علاقته بالمسلمين هي علاقة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي يقبله الجميع كخليفة، لكنّ البعض يعتبره الخليفة الرابع والبعض يعتبره الخليفة الأول. بل هناك اختلاف أقلّ بينهم حول الإمام المهديّ عليه السلام؛ لأنّهم جميعًا يعتبرونه الخليفة الثاني عشر ومنصّبًا من عند اللّه ورسوله، ولا يختلفون إلا في اسم والده ووقت ولادته، وهذا اختلاف لا يضرّ بضرورة التمهيد لظهوره؛ لأنّ ضرورة التمهيد لظهوره لم تنشأ من اسم والده ولا وقت ولادته، لكن من ضرورة ظهوره كخليفة اللّه ورسوله، سواء كان اسم والده عبد اللّه أو حسن وسواء كان قد ولد من قبل أو ولد في وقت لاحق. [نبذة من السؤال والجواب ٢٨]

( ١٢ )

التمهيد لظهور المهديّ يعني دعوة الناس إلى طاعته بدلًا من طاعة غيره، وتحريضهم على إنشاء وصيانة حكمه بدلًا من إنشاء وصيانة حكم الآخرين. (الأسئلة والأجوبة)

( ١٣ )

يعتقد المنصور الهاشمي الخراساني، بغضّ النظر عن الفرق والمذاهب الإسلاميّة واستنادًا فقطّ إلى مصادر الإسلام الأصليّة واليقينيّة، أنّ الأرض لا تخلو أبدًا من «خليفة للّه»، والدليل على هذا الإعتقاد هو، من ناحية، الضرورة العقليّة لوجود خليفة للّه تعالى في الأرض لتعليم الإسلام كلّه وإقامته بشكل خالص وكامل، بالنظر إلى أنّ هذا التعليم والإقامة ضروريّان وليسا ممكنين إلا إذا كان هناك خليفة للّه في الأرض، ومن ناحية أخرى، قول اللّه تعالى الذي قال بصراحة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[١] وهذا من وعده الذي لا يمكن خلفه؛ كما قال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ[٢] ومن سنّته التي لا يمكن تبدّلها؛ كما قال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[٣]، في حين أنّ الخليفة الوحيد للّه تعالى في آخر الزمان، حسب الأحاديث المتواترة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، هو المهديّ وبالتالي، لا يمكن اليقين بخلافة أيّ شخص آخر غيره بعد السلف، في حين أنّه لا شيء سوى اليقين يعتبر كافيًا في الإسلام، وهذا يعني أنّه لا يمكن خلافة أيّ شخص غير المهديّ في الوقت الحاضر. بناءً على هذا، يمكن الإعتقاد بوجود المهديّ وحياته في الوقت الحاضر، وهذا الإعتقاد لا يعتبر مخالفًا للإسلام أو مخالفًا للعقل، وإن كان مستلزمًا للإعتقاد بطول عمره؛ لأنّ طول العمر ليس أمرًا مستحيلًا عقلًا أو شرعًا، بل ليس أمرًا غريبًا بالنسبة لخلفاء اللّه تعالى في الأرض بعد قول اللّه تعالى في نوح عليه السلام: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا[٤] ومن المعلوم ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٥].

مع ذلك، يجب الإنتباه إلى أنّ المنصور الهاشميّ الخراسانيّ لم يؤسّس دعوته إلى التمهيد لظهور المهديّ على الإعتقاد بوجوده وحياته في الوقت الحاضر، بل صرّح في كتابه بأنّ التمهيد لظهوره، حتّى مع عدم وجوده وحياته في الوقت الحاضر، أمر ضروريّ؛ بالنظر إلى أنّ في هذه الحالة، سيكون وجوده وحياته منوطًا بقابليّة الناس بمعنى استعدادهم، وإن كان منوطًا بفاعليّة اللّه تعالى بمعنى خلقه، وسوف يخلقه اللّه تعالى في وقت يتمكّن فيه من الظهور لهم. لذلك، إذا لم يكن هو موجودًا وحيًّا في الوقت الحاضر، فمن الضروريّ التمهيد لوجوده وحياته، مثل التمهيد لظهوره، وهذا يرجع إلى قول اللّه تعالى إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ[٦].

الحاصل أنّه سواء كان المهديّ موجودًا وحيًّا في الوقت الحاضر أم لا، فمن الواجب على جميع المسلمين التمهيد لظهوره، والمراد بذلك اتّخاذ الترتيبات اللازمة لتأمين سلامته وتحقيق حكومته، كما بيّن المنصور تفاصيلها في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام»[٧]. [نبذة من السؤال والجواب ٦]

↑[١] . البقرة/ ٣٠
↑[٢] . الرّوم/ ٦
↑[٣] . فاطر/ ٤٣
↑[٤] . العنكبوت/ ١٤
↑[٥] . البقرة/ ١٠٦
↑[٦] . الرّعد/ ١١
( ١٤ )

لقد كشف المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام»[١]، عن وجود شبكة شيطانيّة سرّيّة وواسعة في العالم، تحاول تحت إشراف وإدارة الشيطان نفسه، ومن خلال تحالف غير رسميّ مع أعظم الأقوياء المفسدين والأثرياء الملحدين من جانب، وكهنة اليهود والسحرة العابدين للشيطان من جانب آخر، تمهيد الطريق لتحقيق حكومة الشيطان المعلنة على العالم. تتحقّق حكومة الشيطان المعلنة على العالم عندما يصل خليفته في العالم إلى الحكومة، لينفّذ أحكامه على العالم نيابة عنه. إنّ «خليفة الشيطان» هذا، هو إنسان يقال له «الدّجّال»، على الرغم من أنّه في الأصل من «ذرّيّة الشيطان»؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا[٢].

في مقابل هذه الشبكة الشيطانيّة السرّيّة والواسعة التي، مع وجود مركز لها في الغرب، تحاول تمهيد الطريق لتحقيق حكومة «الدّجّال» على العالم بصفة «خليفة الشيطان»، يتمّ تشكيل شبكة إلهيّة سرّيّة وواسعة، مع وجود مركز لها في الشرق، تحاول تمهيد الطريق لتحقيق حكومة «المهديّ» على العالم بصفة «خليفة اللّه». ستدخل هاتان الشبكتان قريبًا في منافسة مريرة ومرهقة، كتسابق فرسي رهان، للوصول إلى منطقة مهمّة من العالم؛ لأنّ أيّهما تصل إلى تلك المنطقة في وقت سابق ستكون فائزة في هذه المنافسة، وطوبى لمن ينضمّ إلى الشبكة الإلهيّة حتّى لو فشلت في هذه المنافسة، وويل لمن ينضمّ إلى الشبكة الشيطانيّة حتّى لو فازت في هذه المنافسة!

لقد قال المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى في بعض حِكَمه: «إِنَّ الدَّجّالَ لَقَبٌ كَفِرْعَوْنَ يَتَوارَثُهُ رِجالٌ مِنْ آلِ إِبْلِيسَ»[٣] وهذا يعني أنّ «الدّجّال» في علم هذا العالم ليس الإسم الظاهر لـ«خليفة الشيطان»، بل هو لقب عامّ مثل «فرعون» يتمّ إطلاقه في كلّ زمان على أعلى منصب في الشبكة الشيطانيّة ولذلك، لا يوجد زمان بدون «الدّجّال»؛ كما لا يوجد زمان بدون «المهديّ»؛ لأنّ «الدّجّال» خليفة من الشيطان في مقابل خليفة من اللّه، وكلّ خليفة من اللّه يعتبر «مهديًّا»؛ بالنظر إلى أنّ «المهديّ» ليس الإسم الظاهر لـ«خليفة اللّه»، بل هو لقب عامّ مثل «الإمام» يتمّ إطلاقه في كلّ زمان على أعلى منصب في الشبكة الإلهيّة؛ كما قال اللّه تعالى في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ[٤] وهذا يعني أنّهم جميعًا كانوا «مهديّين». بناء على هذا، من الممكن أن يكون ابن صيّاد دجّال زمانه، كما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان مهديّ زمانه، لكن من الواضح أنّ ابن صيّاد ليس دجّال زماننا، كما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس مهديّ زماننا، بل دجّال زماننا هو إمام الشبكة العالميّة الشيطانيّة الذي يمهّد فريق في الغرب لظهوره؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ[٥]، ومهديّ زماننا هو إمام الشبكة العالميّة الإلهيّة الذي يمهّد فريق في الشرق لظهوره؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٦]، وسيستمرّ الصّراع بينهما، أحدهما من المشرق والآخر من المغرب، حتى يعود «مسيح اللّه» إلى العالم ويحكم بينهما بالحقّ. [نبذة من السؤال والجواب ١٥]

↑[٢] . الكهف/ ٥٠
↑[٤] . الأنعام/ ٨٤
↑[٥] . القصص/ ٤١
↑[٦] . الأنبياء/ ٧٣
( ١٥ )

المنصور الهاشمي الخراساني يقوم بدراسة قضيّة المهديّ ودوره في تحقيق المثل الأعلى للإسلام وهو العدل العالميّ، ويقدّم في هذا الصدّد تفاصيل دقيقة وعميقة هي بديعة وغير مسبوقة بالكامل. على سبيل المثال، فإنّه خلافًا للآخرين الذين يعتقدون أنّ ظهور المهديّ يعتمد أولًا على إرادة اللّه وفعله ويتوقّف على حكمته، يعتقد أنّه يعتمد أولًا على إرادة الناس وفعلهم ويتوقّف على استعدادهم ويؤكّد بشكل صريح وحاسم أنّ وصولهم إلى المهديّ ممكن وبالتالي، يجب عليهم أن يفكّروا فقطّ في حفظه ودعمه وطاعته وأن لا يشتغلوا بالحفظ والإعانة والطاعة لأحد غيره كائنًا من كان. [نبذة من مقالة «نظرة في كتاب العودة إلى الإسلام للمنصور الهاشمي الخراساني» المكتوبة بواسطة السيّد محمّد صادق جواديان]

( ١٦ )

من أهمّ الحقائق المبيّنة في الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام»، التي يمكن اعتبارها الأساس النظريّ لثورة المهديّ ونقطة الإنطلاق نحو ظهوره، هي إمكانية ظهوره في حالة اجتماع عدد كاف من المسلمين لحمايته ودعمه. بناءً على ذلك، فإنّ هدف السيّد المنصور هو تشكيل هذا الإجتماع وتوصيله إلى المهدي حتّى يتمكّن من الظهور بمساعدته. لذلك، فإنّ الحكومة التي يحاول السيّد المنصور تشكيلها هي حكومة المهديّ التي، مثل أيّ حكومة أخرى، يمكن تشكيلها إذا تحقّقت أسبابها، وشرعيّة تحقيق أسبابها من خلال تشكيل الإجتماع المذكور، هي من لوازم شرعيّة حكومة المهديّ؛ بمعنى أنّه عندما تكون حكومة المهديّ شرعيّة، فإنّ التمهيد لها هو أيضًا شرعيّ، وذلك من باب تحصيل مقدّمة الواجب، الذي يعتبر واجبًا عقليًّا، لدرجة أنّه لا يمكن منعه من قبل الشارع؛ لأنّ النهي عن الواجب العقليّ قبيح، مثل النهي عن تحضير الماء للغسل والسير على الطريق للحجّ، وهذا بغضّ النظر عمّا إذا كان إذن شرعيّ خاصّ قد وصل إلى السيّد المنصور أم لا...

تشكيل الحكومة الإسلاميّة في غيبة المهديّ، إذا كان بمعنى تشكيل حكومته من خلال التمهيد لها على الترتيب الذي تمّ تبيينه في الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام»، فإنّه ممكن؛ إلا أنّه في هذه الحالة لا يعتبر تشكيل الحكومة الإسلاميّة في غيبة المهديّ، ولكن تشكيلها من خلال إزالة غيبته، وإذا كان بمعنى تشكيل حكومة غير حكومة المهديّ، فإنّه غير ممكن، وعدم إمكانه هذا هو من نتائج تقصير الناس في حمايته ودعمه ممّا تسبّب في غيبته وبالتالي، فإنّ المسؤوليّة عن عواقبه تقع على عاتقهم. الحاصل أنّ تشكيل الحكومة الإسلاميّة ممكن في أيّ وقت من خلال إظهار المهديّ ولذلك، فإنّ تشكيل الحكومة الإسلاميّة في غيبته لا معنى له. [نبذة من السؤال والجواب ٢٦]

( ١٧ )

ممّا لا شكّ فيه أنّ عدم إمكان حكومة مثل هذا الشخص، الذي يعتبر أساس شرعيّة الحكومات الأخرى، هو مجرّد وهم؛ لأنّ عدم إمكان حكومته ينبع فقطّ من تقصير المسلمين في التمهيد لها، وإذا زال تقصيرهم، زال عدم إمكانها بسهولة. بالطبع، ليس من الممكن إزالة هذا التقصير من خلال الحكومات الأخرى؛ لأنّها تستلزم الدّور والتناقض؛ بالنظر إلى أنّ الحكومات الأخرى هي نفسها نتيجة لهذا التقصير وبالتالي، لا يمكن أن تكون سببًا لإزالته. علاوة على ذلك، فإنّ حكومة المهديّ لا تختلف عن الحكومات الأخرى من حيث أنّها حكومة وبالتالي، إذا كان من الممكن إنشاء وصيانة الحكومات الأخرى، فمن الممكن إنشاء وصيانة حكومة المهديّ، وإذا كان من الممكن إنشاء وصيانة حكومة المهديّ، فلا داعي إلى إنشاء وصيانة الحكومات الأخرى. هذا يعني «انسداد باب الشرعيّة» على الحكومات الأخرى، والطريقة الوحيدة لدخولها من هذا الباب هي الإنسحاب التدريجيّ من السلطة لصالح المهديّ وبداية عمليّة نقل السلطة إليه، الأمر الذي يمكن بالتأكيد أن يُفسح المجال لظهوره وحكومته؛ لأنّه وفقًا لطهارته من كلّ رجس ورغبته في إقامة الإسلام الخالص والكامل، يترصّد الظهور والحكومة، وإذا تمّ توفير الظروف اللازمة لذلك من خلال الإستعداد الحقيقيّ لأحد الحكّام المسلمين للإنسحاب من السلطة وتركها له، سيقوم بذلك دون أدنى شكّ، لكنّ الحقيقة هي أنّه لم يكن أحد من الحكّام المسلمين مستعدًّا لذلك ولم يبدوا أيّ ميل لترك القوّة الحلوة، بل حافظوا على حكومتهم باستخدام كلّ مواردهم السياسيّة والثقافيّة والإقتصاديّة ولم يتحمّلوا أيّ طمع فيها من أيّ شخص حتّى لو كان هو المهديّ. من الواضح أن حكومتهم، ما داموا يلتزقون بها إلى هذا الحدّ ولا يخطّطون لنقلها إلى المهديّ، ستمنع ظهوره، في حين أنّهم إذا رغبوا عنها وقدّموها إليه بشكل واقعيّ وجدّيّ كما فعل الأنصار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، لا كرياء وخدعة كما فعل المأمون العبّاسيّ مع عليّ بن موسى الرضا، سيقبلها منهم وسيقوم بالحكم عليهم كما فعل عليّ بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، ومن خلال ذلك سيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.

بناءً على هذا، فإنّ الإنسحاب التدريجيّ من السلطة لصالح المهديّ وبداية عمليّة نقل السلطة إليه، يمكن أن يكون ممهّدًا لظهوره وحكومته، وهذا إجراء يمكن اتّخاذه في أيّ بلد إسلامي؛ لأنّ أيّ بلد إسلاميّ يمكن أن يصبح إذا فعل ذلك مضيفًا للمهديّ ومركزًا لحكومته، ولكن بالطبع أيّ بلد إسلاميّ سبق إلى هذا الأمر سيعتبر سابقًا بالخير وسيحرز الفضل والشرف في ذلك وسيحصل على العديد من الإمتيازات الدنيويّة والأخرويّة بعد استقرار حكومة المهديّ.

على أيّ حال، فإنّ انسحاب الحكّام المسلمين من السلطة ونقل الحكومة إلى المهديّ شيء لا بدّ منه ويجب أن يتمّ عاجلًا أم آجلًا. لذلك، ينصحهم المنصور الهاشمي الخراسانيّ بالمبادرة إلى ذلك في أقرب وقت ممكن بشكل سلميّ وتحت إشرافه وإرشاده كمراقب خبير ومحايد؛ لأنّهم أحد طرفي النزاع مع المهديّ ومن هذه الناحية، يعتبرون مستفيدين وغير موثوق بهم، ولا يمكن القعود والإنتظار لألف عام آخر على أمل عملهم المستقلّ والطوعيّ، في حين أنّ المنصور الهاشمي الخراساني ليست لديه حكومة ولا يريدها ولا يقبلها وبالتالي، يمكنه كوسيط ومنسّق أن يقوم بدور محفّز وفعّال في نقل السلطة إلى المهديّ. لذلك، يجب على الحكّام المسلمين، إن أرادوا حقًا حكومة المهديّ، أن يتخلّوا عن تكبّرهم وعجرفتهم، وأن يستخدموا، دون خوف أو قلق، توجيهات هذا العالم في هذا الصدد كمستشار وخبير ومرشد إلى ظهور المهديّ، وأن يسلكوا هذا الطريق الوعر والمتعرّج المؤدّي إلى سعادة الدنيا والآخرة متوكّلين على اللّه تعالى. هذا منظور يمكن تصويره للحكومات الإسلاميّة فيما يتعلّق بالمهديّ، ويبدو أنّ أيّ منظور آخر غير هذا هو مجرّد حلم وخيال. [نبذة من السؤال والجواب ٩]

( ١٨ )

لا شكّ في أنّ أعلم هذه الأمّة في كلّ زمان إمامها فيه من عترة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وهو في هذا الزمان المهديّ الذي قال فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي»[١]، ولكنّه مغمور مستتر؛ لأنّه يخاف على نفسه من الظالمين، ولا يزال كذلك حتّى يشعر بالأمان نظرًا لاجتماع القلوب والألسنة والأيدي على نصرته؛ كما بيّن ذلك المنصور في كتبه المنيرة وأقواله الطيّبة. [نبذة من السؤال والجواب ٥٦]

↑[١] . سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٦٨؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣١٠؛ تاريخ ابن أبي خيثمة (السفر الثالث)، ج٢، ص١١٨؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، ج٤، ص٥٥٧؛ شرح السنة للبغوي، ج١٥، ص٨٦؛ السنن الواردة في الفتن للداني، ج٥، ص١٠٦١
( ١٩ )

إنّ المسلمين يعلمون جميعًا أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهذا اعتقاد صحيح لهم نشأ من الأحاديث النبويّة المتواترة، لكنّ الإعتقاد الصّحيح لا ينجي الإنسان من الخسران إذا لم يكن معه عمل صحيح؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[١]. إنّ العلم من دون عمل لا ينفع وهو حجّة على صاحبه ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتعوّذ منه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ»[٢]. إنّ مَثَل صاحب هذا العلم كمثل مريض يعرف الدواء الذي يشفيه، لكنّه رغم معرفته به لا يطلبه ولا يتناوله، بل يلجأ إلى غيره من الأشياء التي يتوهّم بجهله أو تقليده أنّها شافية أيضًا، فيكون بذلك كمن لا يعرف الدواء أصلًا، حيث أنّهما يهلكان جميعًا!

إنّ المسلمين في هذا العصر هم كذلك المريض؛ حيث أنّهم لا يشكّون في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الوحيد الذي يقيم الدين الخالص وينشر العدل في العالم، لكنّهم لا يحاولون التمهيد لحكومته من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة لها، بل يجهدون لتشكيل وحفظ الحكومات الأخرى ببذل أموالهم وأنفسهم وهذا ما أوقعهم في الذلّة والمسكنة وسوف يؤدّي بهم إلى الهلاك إن لم يتوقّف عاجلًا؛ كما ورد عن السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى أنّه قال لأحمد بن عبد الرّحمن -رجل من أصحابه-:

«يا أَحْمَدُ! أَتَعْرِفُ إِمامَ زَمانِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، كَما أَعْرِفُ اللَّيْلَ والنَّهارَ! قالَ: اعْرَفْهُ! فَإِنَّ الْحَيْرَةَ والذِّلَّةَ والْمَسْكَنَةَ والْخِزْيَ والضَّلالَةَ والْهَلاكَ لِمَن لا يَعْرِفُ إِمامَ زَمانِهِ! ثُمَّ قالَ: يا أَحْمَدُ! أَتُطِيعُ إِمامَ زَمانِكَ؟ قُلْتُ: رُبَّما ولَعَلَّ! قالَ: أَطِعْهُ! فَإِنَّ مَنْ يَعْرِفُ الْإِمامَ ولا يُطِيعُهُ كَمَنْ يَعْرِفُ السَّبِيلَ ولا يَسْلُكُهُ، فَما أَحْرَى بِهِ أَنْ يَكُونَ هالِكًا! ثُمَّ قالَ: يا أَحْمَدُ! إِنَّ النّاسَ أَمْواتٌ وما حَياتُهُمْ إِلّا الْمَعْرِفَةُ، والطّاعَةُ مِيزانُ الْمَعْرِفَةِ! يا أَحْمَدُ! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِمامَ زَمانِهِ كُتِبَ فِي قَلْبِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وأَنَّ مَنْ عَرَفَهُ ولَمْ يُطِعْهُ كانَ مِنَ الْخاسِرينَ؟! يا أَحْمَدُ! إِنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ إمامِ زَمانِهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ لا يُبالِي فِي أَيِّ وادٍ هَلَكَ! يا أَحمَدُ! إِنَّ مَنْ يَنْتَظِرُ إِمامَ زَمانِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَمَنْ يُجاهِدُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ! يا أحْمَدُ! أَتَدْرِي كَيْفَ انْتِظارُهُ؟! قُلْتُ: ذِكْرُهُ كَثِيرًا والدُّعاءُ لَهُ! قالَ: إِنَّ هَذَا لَصالِحٌ، ولَكِنَّ انْتِظارَهُ الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ والتَّمْكِينُ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ! إِنَّ اللَّهَ تَعالَى يَقُولُ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ، أَيْ فِي غَيْبَتِهِمْ؛ كَما قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزيزِ إِذَا حَصْحَصَ الْحَقُّ ويُوسُفُ غائِبٌ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أيْ فِي غَيْبَةِ يوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ»[٣].

نعم، إنّ المسلمين يعرفون إمام زمانهم -الإمام المهديّ عليه السلام- ولكنّهم غافلون عنه ومنشغلون بمن لا يغنيهم عنه من الحكّام والفقهاء والكذّابين؛ فتكون عاقبتهم كعاقبة المريض الذي يعرف الدواء ولكنّه لا يطلبه ولا يتناوله؛ كما حذّرهم عنها المنصور حفظه اللّه تعالى فقال:

«إِنَّما جَعَلَ اللَّهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ لِيُظْفَرَ بِهِ، ومَنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ كانَ كَمَنْ أَصابَهُ الْعَطَشُ ولَمْ يَظْفَرْ بِالْماءِ، أَرَأَيْتَ الرَّمْلَ والحَصاةَ يُغْنِيانِ عَنْهُ شَيْئًا؟! لا واللَّهِ، بَلْ يَمُوتُ عَطَشًا ولا يَنْتَطِحُ فِيهِ عَنْزانِ!»[٤]

من أجل ذلك، لا بدّ للمسلمين من ترك اتّباع الحكّام والفقهاء والكذّابين والإقبال على اتّباع خليفة اللّه المهديّ؛ لأنّه هو الطريق الوحيد الذي يقودهم الى النجاة من الخسران؛ كما قال المنصور حفظه اللّه تعالى:

«المَهْدِيُّ سَبيلٌ مَنْ سَلَكَ غَيْرَهُ هَلَكَ وذلِكَ مِنْ قَولِ اللّهِ تَعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[٥].

نعم، لا بدّ للمسلمين من التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة له وهذا ما يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليلًا ونهارًا في ضوء الأدلّة اليقينيّة من القرآن الكريم والسنّة النبويّة المتواترة والعقل السليم من موانع معرفة الحقّ ولا شكّ أنّ كلّ من تعلّق قلبه بالإسلام وينصح له ويأمل انتصاره على الكفر والنفاق، يبادر لإجابة هذه الدعوة المباركة ونصرها بكلّ ما في وسعه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. [مقالة «علم بلا عمل» المكتوبة بواسطة أبي كميل النخعي]

↑[١] . العصر/ ١-٣
↑[٢] . مسند أحمد، ج٢، ص١٦٧؛ صحيح مسلم، ج٨، ص٨٢؛ سنن ابن ماجة، ج١، ص٩٢؛ سنن أبي داود، ج١، ص٣٤٥؛ سنن الترمذي، ج٥، ص١٨١؛ سنن النسائي، ج٨، ص٢٥٥
( ٢٠ )

مشاكل العالم كلّها متجذّرة في عدم حاكميّة اللّه عليه، وحاكميّة اللّه عليه تتحقّق بحاكميّة المهديّ عليه، وحاكميّة المهديّ عليه تصبح ممكنة من خلال التمهيد لها، والتمهيد لها يعتمد على اجتماع عدد كافٍ من الناس لدعمه، والسيّد المنصور الهاشمي الخراساني هو في سبيل إنشاء هذا الإجتماع، وكلّ من لا يعينه قدر استطاعته هو مساهم في خلق مشاكل العالم، سواء كان حاكمًا أو مواطنًا. [نبذة من السؤال والجواب ٥٧]

( ٢١ )

الحلّ الرئيسيّ هو الوصول إلى خليفة اللّه في الأرض الذي هو في طليعة المهامّ، ويصبح ممكنًا من خلال التمهيد لظهوره، والتمهيد لظهوره يقوم على الإجتماع عند المنصور الهاشميّ الخراسانيّ الذي يدعو المسلمين إلى الإجتماع لنصرة المهديّ؛ لأنّه كلّما اجتمع عدد كاف من المسلمين لنصرة المهديّ، فإنّ ظهوره يكون أمرًا محتومًا بحسب وعد اللّه تعالى وسنّته. [نبذة من السؤال والجواب ٢٣]

( ٢٢ )

ما هو قطعيّ ويجب عليكم الإعتقاد به هو أنّ المهديّ عليه السلام غائب في الوقت الحاضر، وغيبته ترجع إلى تقصيركم في طلبه وحراسته وإعانته، وإذا زال هذا التقصير من خلال تغيير كافٍ في عقائدكم وأعمالكم، فستزول غيبته كنتيجة محتومة، وهذا مصداق لقول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ[١]؛ كما يجب أن تعلموا أنّ المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى لا يدّعي النيابة عن المهديّ عليه السلام، ولا الإتّصال المستمرّ به، ولكن يمهّد فقطّ لظهوره على أساس كتاب اللّه وسنّة نبيّه المتواترة، وهذا ليس ادّعاء من جانبه، بل واقع عينيّ على الأرض يمكن إدراكه عن طريق الحسّ؛ بالنظر إلى أنّ دعوته إلى المهديّ عليه السلام بطريقة تقتضي ظهوره، يمكن رؤيتها وسماعها وبالتالي، لا حاجة لتصديقها إلى شيء أكثر من الإلتفات إليها. [نبذة من السؤال والجواب ١٦]

↑[١] . الرّعد/ ١١
( ٢٣ )

الأخبار المشيرة إلى خروج رجل من خراسان الكبرى مع الرايات السود يقال له «المنصور» يدعو إلى المهديّ ويوطّئ لحكومته، لا تقتصر على هذا الخبر الواحد، مع ذلك فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني، على الرغم من أنّه قد خرج من خراسان الكبرى مع رايات سود ويدعو إلى المهديّ عليه السلام ويوطّئ لحكومته، لا يدّعي أنّه هو ذلك الرّجل الموعود؛ لأنّ حركته ليست حركة وهميّة ومصطنعة حتّى تحتاج إلى أمثال هذه الإدّعاءات، لكنّها حركة تقوم على الحقائق العينيّة والواقعيّة؛ كما أنّ خروجه من خراسان الكبرى هو أمر محسوس، وراياته السود هي أمر محسوس، ودعوته إلى المهديّ والتمهيد لحكومته هي أمر محسوس، وكتابه الكبير «العودة إلى الإسلام» هو هندسة ثقافيّة وأيديولوجيّة للثورة العالميّة. لذلك، ما أقصر نظر أولئك الذين يريدون فتح باب أمثال هذه الإدّعاءات على هذه النهضة العينيّة والواقعيّة، ليضرّوا بمتانتها ورصانتها من خلال هذا الأسلوب غير المدروس، ويجعلوا عباد اللّه القلقين والمتشائمين يشكّون فيها، ويعينوا المتذرّعين والإنتهازيّين عليها، في حين أنّهم لو كانوا يبحثون عن الحقّ سوف يرونه بأعينهم، ولو كانوا يبحثون عن الواقع سوف يسمعونه بآذانهم، وحينئذ لن يتركوا المحكمات من أجل المتشابهات! كما أخبرنا عدّة من أصحابنا، قالوا: جاء رجل من أرض بعيدة إلى المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، وبعد كلام جرى بينهما أمسك بيده وقال: «أشهد أنّك الممهّد الموعود للمهديّ الذي أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بنصره»! فلمّا سمع المنصور هذا، سحب يده على الفور من يد الرجل وقال له معاتبًا إيّاه:

«دَعْنِي مِنْ هَذَا يا أَخِي! أَقَطَعْتَ كُلَّ هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ أَرْضِكَ لِتَأْتِيَنِي فَتَخْدَعَنِي عَنْ دِينِي؟! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُمَهِّدُ لِظُهُورِ الْمَهْدِيِّ وَلَكِنْ لا أُبالِي بِأَيِّ الْأَسْماءِ تُسَمِّينِي؛ فَإِنِّي لَمْ أَجْعَلِ السَّماءَ سَقْفِي وَالْأَرْضَ بِساطِي، وَلَمْ أَرْمِ نَفْسِي فِي مُحِيطِ الْبَلاءِ كَقِطْعَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، لِتَأْتِيَنِي أَنْتَ مِنْ أَرْضِكَ فَتُسَمِّيَنِي الْمَوْعُودَ! أَلَسْتُ ابْنَ الْإِنْسانِ؟! فَسَمِّنِي ابْنَ الْإِنْسانِ وَصاحِبْنِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي أَسْلُكُهُ؛ فَإِنِّي ذاهِبٌ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَسَوْفَ أَصِلُ إِلَيْهِ مَعَكَ أَوْ بِدُونِكَ».

ثمّ نهض ليذهب، فقال بصوت عال:

«أَنَا مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمَهْدِيِّ يُنادِي: افْتَحُوا الطَّرِيقَ»[١]! [نبذة من السؤال والجواب ١٤]

( ٢٤ )

على الرغم من أنّ بعض المسلمين من أهل العلم يعتبرونه الممهّد الموعود لظهور المهديّ عليه السلام ويعتقدون أنّ هذا واضح بالنظر إلى خصائصه الفكريّة والعمليّة والظاهريّة وليس هناك حاجة إلى التشكيك والمجادلة، إلا أنّه لا يصرف همّه إلى مثل هذا الإدّعاء، ويمارس فقطّ التمهيد العمليّ والواقعيّ لظهور المهديّ عليه السلام، ويعتقد أنّ الضرورة العقليّة والشرعيّة لمرافقته في هذا الصّدد تعتمد على نفس هذا التمهيد العمليّ والواقعيّ، ولا تعتمد على ادّعائه أنّه موعود؛ لأنّ هناك العديد من الذين يدّعون أنّهم موعودون، ولكن لا يوجد ممهّد عمليّ وواقعيّ واحد لظهوره! بالنظر إلى أنّ المدّعين ليس لهم همّ سوى إثبات ادّعائهم، ولا يمارسون شيئًا سوى المجادلة في أنّه من هم وما مرتبتهم وفضيلتهم، في حين أنّه من الواضح أنّ شأن المنصور الهاشمي الخراساني أجلّ من مثل هذه الأعمال الأنانيّة، وقد شغله عنها عمل أكثر أهمّيّة، وهو تعليم الإسلام الخالص والكامل لمسلمي العالم، وتدريب عدد كاف منهم لنصرة المهديّ عليه السلام؛ العمل الذي إذا تمّ من قبله، سوف يتحقّق ظهور المهديّ عليه السلام، وإن لم يعتبره أحد الممهّد الموعود لذلك.

هذه رحمة من اللّه تعالى ليخفّف عن الذين يرغبون في نصرة المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره، ويخافون من مرافقة المدّعين بسبب غلبة الكذب عليهم؛ لأنّ الشيطان ظنّ أنّه قادر على منع ظهور الصادقين وتعرّف المسلمين عليهم من خلال تكثير المدّعين الكاذبين؛ فأبطل اللّه تعالى مكره وأظهر الصادقين بدون ادّعاء، ليتيسّر للمسلمين التعرّف عليهم ويفتضح المدّعون الكاذبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ[١] وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ[٢]. كذلك يهدي اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[٣]. هذا تدبير حكيم من الممهّد لظهور المهديّ عليه السلام لكي لا يكون على الراغبين في نصرة المهديّ عليه السلام والخائفين من الفتنة حرج في دينهم، ولا يضيق عليهم طريق التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام، وليكون نصيب الذين يدّعون بغير حقّ خزيًا في الحياة الدنيا وعذابًا شديدًا في الآخرة. بناء على هذا، يمكن القول أنّ كلّ من يعتبرون أنفسهم الآن موعودين ويدعون المسلمين إلى أنفسهم بهذا الإدّعاء، هم كذّابون دجّالون وليس فيهم صادق، وإن كان هناك صادق فهو في من ليس لديهم ادّعاء. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٢]

↑[١] . إبراهيم/ ٤٦
↑[٢] . النمل/ ٥٠
↑[٣] . البقرة/ ٢١٣
( ٢٥ )

إنّ المنصور الهاشمي الخراساني هو مجرّد عالم مسلم، نهض بهدف إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى السلطة، ويدعو المسلمين إلى مبايعته بدلًا من مبايعة الآخرين، وبهذه الطريقة يمهّد لإقامة الإسلام الخالص والكامل في العالم ولهذا السبب، يجب على كلّ مسلم نصره. مع ذلك، إن تبيّن لك ولبعض المسلمين الآخرين، لأيّ سبب من الأسباب، أنّه موعود أيضًا بالإضافة إلى هذه الصّفة العينيّة والمشهودة، فإنّ نصره واجب عليكم من باب أولى؛ كما أنّ نصره واجب على المسلمين الذين لم يتبيّن لهم هذا الأمر؛ لأنّ هذا العالم المسلم يدعو إلى المهديّ عليه السلام ويمهّد لظهوره بشكل عينيّ ومشهود، وهذا يكفي لنصرته من قبل أيّ مسلم يخاف اللّه واليوم الآخر؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ۖ[١]. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٩]

↑[١] . المائدة/ ٢
( ٢٦ )

السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني أيّده اللّه تعالى هو الممهّد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام، وليس له ادّعاء آخر. إنّ التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام أيضًا ليس رتبة له، بل عمل صالح منه يتمّ على شكل جمع وتدريب ما يكفي من المسلمين لحماية ودعم الإمام المهدي عليه السلام، وهو واقع ملموس على الأرض. لذلك، فإنّ إعانته واجبة بحكم ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ۖ[١]، ولا شكّ في أنّ ترك الواجب معصية تستوجب العقاب.

نسأل اللّه تعالى أن يوفّقكم لأداء هذا الواجب ولا يجعلكم من العاصين. [نبذة من السؤال والجواب ٢٩]

↑[١] . المائدة/ ٢
( ٢٧ )

اتّضح ممّا تقدّم أنّ المنصور الهاشمي الخراساني، لا يدعو إلى «نفسه»، بل يدعو إلى «المهديّ» بأوضح طريقة ممكنة؛ لأنّ دعوته إلى التضامن من أجل حماية «المهديّ» وإعانته وطاعته، لا تعتبر بأيّ تقرير دعوة منه إلى «نفسه»، وتسميتها بالدّعوة إلى نفسه تشبه تسمية النهار بالليل، وهي مجرّد تحكّم وتعسّف في التسمية. إنّما يدعون إلى أنفسهم الذين يرون لأنفسهم حقًّا في الحكومة، ويفرضون على الناس حمايتهم وإعانتهم وطاعتهم، ولا همّ لهم سوى صيانة حكومتهم، أو عبّاد أنفسهم الذين قد انغمروا في مستنقع الإدّعاءات، ولا حديث لهم إلا «أنا كذا وكذا»، ولا يهتمّون بشيء سوى إثبات مقاماتهم المزعومة؛ الذين يقرنون أنفسهم بخلفاء اللّه ويتسمّون بأسمائهم، في حين أنّهم أهون على اللّه من الخنافس! [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ٢٠]

( ٢٨ )

إنّ قافلة الخراسانيّين قد خرجت في طلب المهديّ، وقائدها قد كفّ لسانه عن الإدّعاء، وكلّ من لديه عقل في رأسه فهو يسارع إليها ولو حبوًا على الثلج. إنّ السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى لا يدّعي أنّه المهديّ، ولا يدّعي أنّه ابنه، ولا يدّعي أنّه نائبه، ولا يدّعي أنّه رسوله، ولكنّه يدعو إليه في الممارسة العمليّة، ويمهّد لظهوره على أرض الواقع. [نبذة من السؤال والجواب ٤، التعليق ١]

( ٢٩ )

أنّ حقّانيّة هذا المنادي الصّادق ليست قائمة على اسمه وعمره وجنسيّته وخصائصه الظاهرية، بل على أفكاره وتعاليمه ومُثُله الخالصة والكاملة، وهذه هي التي تميّزه عن الآخرين؛ وإلا فإنّه لا يدّعي أنّه ملك، ولا يدّعي أنّه مختلف عن الآخرين، لكنّه مجرّد داع إلى آل محمّد وممهّد لظهور المهديّ، وإذا تبعه أحد فيجب أن يكون ذلك بالنظر إلى هذا الواقع، لا بالنظر إلى اسمه وعمره وجنسيّته وخصائصه الظاهريّة، وإن كانت مطابقة للنّبوءات الإسلاميّة. [نبذة من السؤال والجواب ١٩]

( ٣٠ )

الشيء الذي ينفعك معرفته، ليس نسب السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى، ولكن أفكاره وأقواله وأعماله؛ لأنّها تدلّك على أنّه حقّ أو باطل بلا مرية، وإن لم تكن عارفًا بنسبه، وهذه هي الحال بالنسبة لأسماء أصحابه؛ نظرًا لأنّ وجود رجل في أصحابه اسمه أو لقبه شعيب لا يدلّ على أنّه هو الممهّد الموعود لظهور المهديّ عليه السلام؛ لأنّ المسمّين بهذا الإسم كثير، وليس كلّهم الرجل الموعود؛ كما أنّ عدم وجود رجل في أصحابه اسمه أو لقبه شعيب لا يدلّ على أنّه ليس الممهّد الموعود لظهور المهديّ عليه السلام؛ لأنّ ما ورد في ذلك لا يبلغ حدّ التواتر، وإن صحّ فمن الممكن أن يلتحق به في وقت لاحق.

بناء على هذا، فإنّا نوصيك أن تدع الخوض في أمثال هذه المسائل، وتقرأ الآثار المنشورة من السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى في هذا الموقع، حتّى تتعرّف على أفكاره وأقواله وأعماله الصالحة التي تتمركز في التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام وفقًا للعقل والشرع، بمنأى عن أيّ ادّعاء لنفسه؛ لأنّه حفظه اللّه تعالى ليس من المتكلّفين، ويكره التشبّه بالمدّعين الكاذبين، وإنّما يسير بمنأى عن أيّ قول زائد عن الحاجة في طريقه المستقيم، ويؤدّي واجبه العقليّ والشرعيّ، ويقوم بتعليم الإسلام الحقيقيّ وإصلاح عقائد وأعمال المسلمين، اعتمادًا على كتاب اللّه وسنّة نبيّه المتواترة وما يقتضيه العقل السليم، وإنّما يفعل ذلك عمليًّا وبدون أيّ ادّعاء؛ لأنّه لا يحتاج مع العمل إلى الإدّعاء، ويترك الإدّعاء لمن لا عمل له، على الرغم من أنّه يرجو فضل اللّه عليه ولا يقنط من رحمته؛ لأنّ اللّه ذو فضل عظيم ويختصّ برحمته من يشاء، ولا يقنط من رحمته إلّا الضّالّون، ولكنّه حفظه اللّه تعالى لا يخوض في ذلك[١]؛ على عكس الذين أصمّ طبل ادّعاءاتهم آذان العالمين، ولكنّهم لا يمهّدون لظهور المهديّ عليه السّلام بشكل عمليّ، وما هم إلا بهالين متجوّلون يجمعون حولهم حفنة من الجهلة وأهل الخرافات، وينفقون عمرهم ومالهم وعرضهم على أوهامهم وأباطيلهم؛ الذين بادّعاءاتهم المفرطة وألقابهم الغريبة وكراماتهم الموهومة وأحلامهم الملقّنة ورواياتهم الموضوعة، قصموا ظهر المهديّ عليه السلام وحوّلوا يوم المنصور حفظه اللّه تعالى -هذا الممهّد الصدّيق لظهوره- إلى ليلة باردة ومظلمة؛ كما وصفهم في بعض خطبه، فقال:

«يُخْبِرُونَ عَمَّا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُونَ عِلْمًا صَحِيحًا بِعَقَائِدِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِقْهًا كَبِيرًا فِي حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَكَلِمَاتُهُمُ الْقِصَارُ مُبْهَمَةٌ وَفَارِغَةٌ كَنَعِيقِ الْغُرَابِ! لَا جَذْرَ لَهُمْ فِي أَرْضِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا نَجْمَ لَهُمْ فِي سَمَاءِ التَّقْوَى! يُضِلُّونَ أَحَدًا بِحُلْمٍ لَمْ يَرَوْهُ، وَآخَرَ بِهَاتِفٍ لَمْ يَسْمَعُوهُ! يُلْقُونَ أَحَدًا فِي الْبِئْرِ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ، وَآخَرَ بِرِوَايَةٍ لَمْ تَصْدُرْ! يَخْدَعُونَ أَحَدًا بِكَلَامٍ لَاغٍ، وَآخَرَ بِطِلَسْمٍ مُعَقَّدٍ! وَهَكَذَا، لَا يَتْرُكُونَ بَابًا مَفْتُوحًا إِلَى الْمَهْدِيِّ إِلَّا وَيُغْلِقُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا قَصِيرًا لِأَنْصَارِهِ إِلَّا وَيَسُدُّونَهُ، وَلَا مَنْزِلًا طَيِّبًا لِمُحِبِّيهِ إِلَّا وَيُنَجِّسُونَهُ! كُلَّ يَوْمٍ يَتَّخِذُونَ لَوْنًا وَيَدَّعُونَ ادِّعَاءً جَدِيدًا وَيَصِلُون إِلَى اكْتِشَافٍ جَدِيدٍ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِمَطَامِعِهِمْ وَمُبَالَغَاتِهِمْ. يَخْلِطُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُلَوِّثُونَ الصِّدْقَ بِالْكِذْبِ، حَتَّى لَا تَبْقَى لِلْحَقِّ حُرْمَةٌ وَلَا لِلصِّدْقِ قِيمَةٌ! عِنْدَمَا تُرْفَعُ رَايَةُ الْحَقِّ مَنْ يَعْرِفُهَا؟! وَعِنْدَمَا تُقَالُ كَلِمَةُ الصِّدْقِ مَنْ يَقْبَلُهَا؟! عَمِيَتِ الْأَبْصَارُ وَصَمَّتِ الْآذَانُ وَتَعِبَتِ الْأَيْدِي، وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ صَبْرٌ لِلتَّأَمُّلِ وَالْإِسْتِقْصَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدْعِيَاءَ قَدْ بَثَّوْا بَذْرَ سُوءِ الظَّنِّ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَثَارُوا غُبَارَ التَّشَاؤُمِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَلَغُوا بِالنَّفْسِ إِلَى الْحُلْقُومِ وَبِالسِّكِّينِ إِلَى الْعَظْمِ»[٢]. [نبذة من السؤال والجواب ١٢]

↑[١] . انظر: القولين ٣ و١٠ من أقواله الطيّبة.
( ٣١ )

قاتل اللّه المدّعين الكذبة الذين هم أكبر أعداء الإمام المهديّ عليه السلام وأكبر أعداء أنصاره الحقيقيّين الذين يدعون إليه بدون ادّعاء أو قول باطل؛ لأنّهم من خلال التسمّي بأسماء هؤلاء الكرام، والتلاعب بكلماتهم الرئيسيّة، وخلق التشابهات الظاهريّة معهم لأجل إغواء الجهلة، يبتذلون قولهم وينفّرون الناس من دعوتهم ويعسّرون عليهم إصلاح أمور المسلمين وإقامة الإسلام الخالص والكامل؛ مثل قصّة الراعي الكذّاب الذي أكثر على الناس الإدّعاء الكاذب وكرّر عليهم النداء الباطل، حتّى فقدوا اهتمامهم بمثل هذا الإدّعاء، ولم يبق لهم أيّ ثقة بمثل هذا النداء، وصاروا لا يبالون بمن يستغيث بهم من الرّعاة وإن كان من الصادقين!

فلعن اللّه هؤلاء الدجّالين ودفع شرّهم عن دينه وخليفته المهديّ والممهّد لظهور خليفته المنصور الذي يدعو إليه بدون ادّعاء وقول باطل، ووفّق جميع المسلمين لمعرفة الحقّ من الباطل، والصّحيح من الخطأ، والصّدق من الكذب، والحكمة من السفاهة؛ فإنّه أرحم الراحمين. [نبذة من السؤال والجواب ٤]

( ٣٢ )

إنّ سرّ اتّخاذ المنصور الهاشميّ الخراسانيّ للرايات السّود أربعة:

الأول أنّه سنّة؛ لأنّ راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت سوداء؛ كما روى ذلك ابن عبّاس وبريدة وجابر وعائشة وغيرهم وروى يونس بن عبيد مولى محمّد بن القاسم قال: «بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِمِ إِلَى البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ»[١] وروي عن أبي هريرة أنّه قال: «كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةٌ قَطِيفَةٌ سَوْدَاءُ كَانَتْ لِعَائِشَةَ»[٢] وروت عمرة بنت عبد الرّحمن قالت: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ مِنْ مِرْطٍ لِعَائِشَةَ مُرَحَّلٍ»[٣] وروى مثله سعيد بن المسيّب[٤] وروى الحارث بن حسّان قال: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِلَالٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّايَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا» وفي رواية أخرى: «عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ»[٥] وروى ابن سعد عن رجاله قالوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ فَرَسًا وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ»[٦] وروى قتادة عن أنس: «أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَتْ مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»[٧] وروي أنّ الزبير بن العوامّ دخل مكّة يوم الفتح في خمسمائة منهم مهاجرون وأفناء العرب ومعه راية سوداء[٨] وقال يزيد بن أبي حبيب: «كَانَتْ رَايَاتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سُودًا»[٩] وقال الحسن: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ»[١٠] وروي هذا عن أبي هريرة[١١] وروي عن عروة بن الزبير أنّه قال: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ تُدْعَى الْعُقَابَ»[١٢] وروي عن أمّ الحسين بنت عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن الحسين أنّها قالت في حديث: «قالَ لِي عَمِّي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يا بُنَيَّةُ! هَذِهِ رايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْعُقابُ، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً سَوْداءَ، ثُمَّ وَضَعَها عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَعْطانِيها فَوَضَعْتُها عَلَى عَيْنَيَّ وَوَجْهِي»[١٣] وكذلك كانت راية عليّ بن أبي طالب في مشاهده؛ كما روى حُرَيث بن مَخْش قال: «إِنَّ رَايَةَ عَلِيٍّ كَانَتْ يَوْمَ الْجَمَلِ سَوْدَاءَ»[١٤] وروي عن عليّ أنّه قال في يوم صفّين مشيرًا إلى صاحب رايته أبي ساسان الحُضَين بن المنذر الرَّقاشيّ:

«لِمَنْ رَايَةٌ سَوْدَاءُ يَخْفِقُ ظِلُّهَا ... إِذَا قِيلَ قَدِّمْها حُضَيْنُ تَقَدَّمَا

يُقَدِّمُهَا لِلْمَوْتِ حَتَّى يُزِيرَهَا ... حِيَاضَ الْمَنَايَا يَقْطُرُ الْمَوْتَ وَالدَّمَا

أَذَقْنَا ابْنَ حَرْبٍ طَعْنَنا وَضِرابَنا ... بِأَسْيافِنا حَتَّى تَوَلَّى وَأَحْجَما

جَزَى اللَّهُ قَوْمًا قَاتَلُوا عَنْ إِمَامِهِمْ ... لَدَى الْمَوْتِ قُدْمًا مَا أَعَفَّ وَأَكْرَمَا»[١٥]

واحتمل بعض العلماء أنّ إيثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للأسود كان من باب الفأل، فقال: «إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِيثارِ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الْفَتْحِ الْإِشارَةُ إِلَى ما مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالَى بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ السُّؤْدُدِ الَّذِي لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِياءِ قَبْلَهُ، وَإِلَى سُؤْدُدِ الْإِسْلامِ وَأَهْلِهِ»[١٦] وليس ذلك ببعيد؛ لأنّ «السّؤدد» يعني العظمة والمجد والشرف و«المُسَوَّدُ» هو السيّد؛ كما في حديث قيس بن عاصم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَسَوِّدُوا أَكبَرَكم»[١٧] وفي حديث ابن عمر: «ما رَأَيْتُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ مِنْ فُلانٍ»[١٨] وقد روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يعجبه الفأل وكان يتفأل بالأسماء الحسنة[١٩]، وكيفما كان، فإنّ اتّخاذ المنصور الهاشميّ الخراسانيّ للراية السّوداء هو استنان بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وسنّة خليفته الراشد عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وليس هذا شيئًا غريبًا؛ لأنّه يستنّ بسنّتهما في كلّ شيء، ويواصل حركتهما المباركة لإقامة الدين الخالص وملء الأرض قسطًا وعدلًا، ولا شكّ أنّ أنسب راية لمن يفعل ذلك وينادي بالعودة إلى الإسلام ويوطّئ للمهديّ سلطانه هي راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليّ بن أبي طالب عليه السلام.

الثاني أنّه أكثر نفعًا للمؤمنين يوم يجتمعون ويوم يجاهدون في سبيل اللّه؛ كما قال السرخسيّ في شرح السير الكبير: «إِنَّمَا اسْتُحِبَّ فِي الرَّايَاتِ السَّوَادُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِأَصْحَابِ الْقِتَالِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عِنْدَ رَايَتِهِمْ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي حَالِ الْقِتَالِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى رَايَتِهِمْ، وَالسَّوَادُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَبْيَنُ وَأَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ خُصُوصًا فِي الْغُبَارِ، فَلِهَذَا اسْتُحِبَّ ذَلِكَ»[٢٠].

الثالث أنّه عمل شائع ومتعارف عليه بين أولئك الذين أصيبوا بمصيبة عظيمة؛ لدرجة أنّه يدلّ عرفًا على وقوع حدث مؤسف جليل، ويعتبر نوعًا من إعلان المأساة، ومن المحتمل أن يكون هذا أحد الأشياء التي دفعت المنصور الهاشميّ الخراسانيّ إلى اتّخاذ الرايات السّود؛ لأنّه قد أصيب بمصيبة عظيمة لم تكن في الأرض منذ أسكنها اللّه بني آدم مصيبة مثلها، وهي غيبة خليفة اللّه في الأرض التي قد أدّت إلى ملء الأرض جهلًا وكفرًا وظلمًا وفسقًا، وهذه مصيبة قد أغفلها الناس رغم شمولها وعظمتها ولذلك، قد اتّخذ المنصور الهاشميّ الخراسانيّ الرايات السّود لينبّههم إليها وبالتالي، لن يخفض هذه الرايات أبدًا حتّى تنتهي هذه المصيبة إن شاء اللّه.

الرابع أنّه معارضة واضحة مع فرقة ظالمة ومفسدة تسمّى «داعش»؛ لأنّها ظهرت في الشام والعراق قبل ظهور المنصور الهاشميّ الخراسانيّ في خراسان بقليل، واتّخذت رايات سودًا للدّعوة إلى حكومة رجل ضالّ مضلّ يقال له أبو بكر البغدادي، فلمّا رأى ذلك المنصور الهاشميّ الخراسانيّ اتّخذ رايات سودًا للدّعوة إلى حكومة المهديّ، حتّى يقابل بذلك هذا الإنحراف الكبير والخطير عن طريق الإسلام؛ كما قال هو نفسه في جزء من كتابه الشريف «العودة إلى الإسلام» مشيرًا إلى هذه الفرقة المشؤومة:

«فأردت أن أحول دون هذه الفتنة ولا أترك المجال لأمثاله، وقد سمعت أنّه رُفع نداء باطل في المغرب، فأحببت أن يُرفع نداء حقّ في المشرق، حتّى لا يُسمع في العالم نداء باطل فقطّ، فيجتمع المسلمون على الباطل، فينزل عليهم عذاب اللّه؛ لأنّ الحكومة للّه وحده، وهو يؤتيها من يشاء من عباده، ولم يشأ إلا المهديّ الفاطميّ الذي هو الرّضا من آل محمّد والرّضا من جميع المسلمين»[٢١].

هذا هو سرّ اتّخاذ المنصور الهاشميّ الخرسانيّ للرّايات السّود. [نبذة من السؤال والجواب ١٠]

↑[١] . مسند أحمد، ج٣٠، ص٥٨٩؛ التاريخ الكبير للبخاري، ج٨، ص٤٠٣؛ سنن أبي داود، ج٣، ص٣٢؛ السنن الكبرى للنسائي، ج٨، ص١٩؛ سنن الترمذي، ج٤، ص١٩٦؛ سنن البيهقي، ج٦، ص٥٨٩؛ مسند أبي يعلى، ج٣، ص٢٥٥؛ مسند الروياني، ج١، ص٢٧٣؛ أخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني، ج٢، ص٤١٣
↑[٢] . الكامل لابن عدي، ج٣، ص٤٥٧؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج٤، ص٢٢٥
↑[٣] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٥٣٢؛ أخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني، ج٢، ص٤١٨؛ شرح السنة للبغوي، ج١٠، ص٤٠٤ و«المرط» كساء من صوف أو خزّ أو كتّان يؤتزر به، وقيل كلّ ثوب غير مخيط.
↑[٤] . تاريخ خليفة بن خياط، ص٦٧؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج٤٢، ص٧٣
↑[٥] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٥٣٢؛ تاريخ المدينة لابن شبة، ج١، ص٣٠١؛ مسند أحمد، ج٢٥، ص٣٠٣؛ سنن الترمذي، ج٥، ص٢٤٥؛ سنن البيهقي، ج٦، ص٥٩٠؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني، ج٢، ص٧٩١؛ تاريخ الطبري، ج١، ص٢١٧؛ العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني، ج٤، ص٣٢٠؛ المعجم الكبير للطبراني، ج٣، ص٢٥٥
↑[٦] . الطبقات الكبرى لابن سعد، ج٢، ص١٦٤؛ مغازي الواقدي، ج٣، ص٩٨٤
↑[٧] . رواه النسائي في السنن الكبرى (ج٨، ص١٩) بهذا اللفظ.
↑[٨] . مغازي الواقدي، ج٢، ص٨١٩
↑[٩] . الطبقات الكبرى لابن سعد، ج١، ص٣٥٢
↑[١٠] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٥٣٣؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، ج١، ص٣٥٢؛ الأنوار في شمائل النبيّ المختار للبغوي، ص٥٩٢
↑[١١] . رواه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (ج٥، ص٤٧٥).
↑[١٢] . شرح السير الكبير للسرخسي، ص٧١ ومثله في مغازي الواقدي (ج٢، ص٦٤٩).
↑[١٣] . بصائر الدرجات للصفار، ص٢٠٧
↑[١٤] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٥٣٣؛ المؤتلف والمختلف للدارقطني، ج٤، ص٢٠٨٧
↑[١٥] . الفتوح لابن أعثم، ج٣، ص٢٨؛ تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٧؛ تجارب الأمم لابن مسكويه، ج١، ص٥٣٢؛ أنساب الأشراف للبلاذري، ج٢، ص٢٧٠؛ مروج الذهب للمسعودي، ج٣، ص٤٨؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج٢، ص٦٥٠؛ بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم، ج٦، ص٢٨٣٤
↑[١٦] . منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول للّحجى، ج١، ص٥١٧ ونسبه إلى العلماء.
↑[١٧] . مسند أحمد، ج٣٤، ص٢١٧؛ الأدب المفرد للبخاري، ص١٨٨؛ شعب الإيمان للبيهقي، ج٥، ص٤١
↑[١٨] . السنة لأبي بكر بن الخلال، ج٢، ص٤٤٢؛ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، ج١، ص٣٧٩؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني، ج٥، ص٢٤٩٦؛ المعجم الكبير للطبراني، ج١٢، ص٣٨٧
↑[١٩] . انظر: سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٧٠؛ شرح مشكل الآثار للطحاوي، ج٥، ص٩٩؛ صحيح ابن حبان، ج١٣، ص٤٩٣.
↑[٢٠] . شرح السير الكبير للسرخسي، ص٧٢
( ٣٣ )

الإتّصال بالإمام المهديّ عليه السلام بمعنى الإلتقاء الطارئ معه، بناءً على القول بوجوده في الوقت الحاضر، ممكن عقلًا وشرعًا، ويبدو أنّه قد حدث لبعض المسلمين، إلا أنّ السيّد المنصور الهاشميّ الخراسانيّ لا يدّعي ذلك، وهذا يعني أنّه ليس لديه اتّصال بالإمام المهديّ عليه السلام، أو لديه اتّصال به ولكنّه لا يعلن ذلك. على أيّ حال، سواء كان لديه اتّصال بالإمام المهديّ عليه السلام أم لا، ليس هناك شكّ في أنّه إذا قبل حاكم إحدى الدّول الإسلاميّة اقتراحه بالإنسحاب من السّلطة ونقلها إلى الإمام المهديّ عليه السلام بصدق وجدّيّة، واتّخذ الخطوات العمليّة اللازمة لإثبات صدقه وجدّيّته وتسهيل ظهور الإمام المهديّ عليه السلام بالترتيب الموضّح في كتاب «العودة إلى الإسلام»، سيفتح اللّه عليه طريق ذلك بواسطة من يشاء؛ لأنّه ليس ظالمًا لعباده؛ كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١] وأنّه لا يغيّر شيئًا لقوم إلا إذا مهّدوا هم أنفسهم لتغييره؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[٢] وأنّه غير عاجز عن فعل ما هو ضروريّ لهم؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ[٣] وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ[٤]، بل الحقّ أنّه بعد أن تمّت هذه التحضيرات من قبل حاكم مسلم تحت إشراف المنصور الهاشميّ الخراسانيّ كخبير محايد وجدير بالثقة في إطار عمل مشترك، لن تكون هناك حاجة إلى اتّصالهم بالإمام المهديّ عليه السلام؛ لأنّ الإمام المهديّ عليه السلام سيتّصل بهم بنفسه؛ بالنظر إلى أنّ هدايتهم في تلك المرحلة ستكون من واجب اللّه تعالى، وحركة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ نحوها في الوقت الحاضر تتمّ وفقًا لقاعدة ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ[٥]؛ كما قال هو نفسه في جزء من الكتاب العظيم «العودة إلى الإسلام»[٦] مشيرًا إلى ذلك:

«نعم، من الإنصاف أنّ النّاس لا يستطيعون الوصول إلى المهديّ إذا أزالوا المانع من ذلك دون إرشاد منه؛ لأنّهم ليسوا على علم بوجوده أو مكانه في حالة وجوده وبالتّالي، لا يكادون يجدونه من خلال البحث عنه، ولو بالإعتماد على العلامات المرويّة له. لذلك، يجب على المهديّ تمكين النّاس من الوصول إليه بعد إزالتهم لمانع ذلك، ويمكن أن يتمّ ذلك بإرسال سفير أو كتابة كتاب إليهم، أو بطريقة أخرى حسب الإمكانيّة والمناسبة. بناء على هذا، يجب على النّاس إزالة مانع الوصول إلى المهديّ، وهو أوّلًا وقبل كلّ شيء عدم توفّر الأمن اللازم له. فإذا فعلوها، وجب على المهديّ تسهيل وصولهم إليه، وهو يفعل ذلك بمقتضى طهارته من أيّ رجس وعدم افتراقه عن كتاب اللّه، وعدم قيامه بذلك حتّى الآن دليل على أنّ النّاس لم يزيلوا مانع الوصول إليه ولو يوفّروا الأمن اللازم له حتّى الآن».

من الواضح أنّ هذا ليس وعد المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حتّى يكون هناك احتمال خلفه، بل هو وعد اللّه تعالى، وتحقّق وعد اللّه تعالى أمر محتوم، وإن كانت كيفيّة ذلك غير معلومة لأكثر الناس؛ كما قال: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ[٧]؛ تمامًا مثل تحقّق وعد اللّه تعالى بيوم القيامة؛ فإنّه أمر محتوم وإن كان وقته غير معلوم لأكثر الناس؛ كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ[٨] وقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ[٩].

لذلك، فإنّ الحقّ هو أنّه يجب علينا أن نقوم بالتمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام مؤمنين بوعد اللّه تعالى، وأن لا نشكّ في ضرورة ذلك وفائدته بسبب الجهل ببعض تفاصيله الكمّيّة والكيفيّة، ولا نتّهم الداعي إلى ذلك بقول غير منطقيّ. على أيّ حال، فإنّ معضلة غياب المهديّ عليه السلام هي معضلة معقدة، ويحاول المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حلّها علميًّا وعمليًّا، وفي هذه المهمّة الصّعبة والمرهقة، يحتاج إلى دعم إحدى الدّول الإسلاميّة على الأقلّ. [نبذة من السؤال والجواب ١١]

↑[١] . آل عمران/ ١٨٢
↑[٢] . الرعد/ ١١
↑[٣] . الطلاق/ ٣
↑[٤] . المائدة/ ٦٤
↑[٥] . الصافّات/ ٩٩
↑[٧] . يونس/ ٥٥
↑[٨] . سبأ/ ٢٩ و٣٠
↑[٩] . الملك/ ٢٥ و٢٦
( ٣٤ )

الرسالة الرئيسيّة والواضحة لهذا الكتاب العظيم، ليست فقطّ «نفي الآخرين»، بل «إثبات المهديّ» و«نفي الآخرين»، وهذا هو مظهر «لا إله إلا اللّه» وتأويل «البيعة للّه» وشعار المنصور الهاشمي الخراساني وركيزة دعوته. كلّ كلام هذا العالم المصلح والمجاهد هو أنّه لا حكومة إلا للّه، ومراده بحكومة اللّه، على عكس مراد الخوارج السخيف والخاطئ، ليس عدم حكومة الإنسان، بل حكومة إنسان اختاره اللّه ونصّ عليه بواسطة كتابه وسنّة نبيّه المتواترة أو بواسطة آية بيّنة، وهو «المهديّ» الذي يعيش الآن بين الناس، لكنّه غائب أي مستتر، وسبب غيبته، خلافًا لتصوّر أكثر الناس، ليس إرادة اللّه وفعله الإبتدائيّين، بل إرادة الناس وفعلهم الإبتدائيّين، إذ أخافوه على نفسه ولم يوفّروا الظروف المناسبة لحكومته ولذلك، فهم مسؤولون عن جميع عواقب وتبعات غيبته، وإن اعُتبرت هذه العواقب والتبعات «طريقًا مسدودًا في أمّة آخر الزمان»؛ لأنّ هذا «الطريق المسدود» لا يُنسب إلى «الإسلام» حتّى يتعارض مع «كماله»، بل يُنسب إلى الناس الذين سبّبوه بسوء اختيارهم؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ[١]...

استراتيجيّة المنصور الهاشمي الخراساني لظهور المهديّ وحكومته هي استراتيجيّة شاملة ذات أبعاد أمنيّة وثقافيّة وسياسيّة؛ لأنّه من أجل ظهور المهديّ بمعنى إمكانيّة الوصول إليه، يرى من الضروريّ وجود عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة؛ نظرًا لأنّه يرى أنّ السبب الوحيد لعدم ظهوره بمعنى عدم إمكانيّة الوصول إليه، هو خوفه من القتل أو الأسر، ويعتقد أنّه إذا تمّ ضمان سلامته من قبل هذا العدد من المسلمين فإنّ ظهوره بمعنى إمكانيّة الوصول إليه أمر محتوم. بناء على هذا، فإنّه بمقتضى وجوب التمهيد لظهور المهديّ عقلًا وشرعًا، يسعى لجمع عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي هذا العالم الصدّيق، سيكون ظهور المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كان أمنه مضمونًا، حتّى لو لم تكن حكومته ممكنة؛ إذ ليس هناك تلازم بين ظهوره وحكومته، وظهوره بدون حكومته مفيد أيضًا، بل ظهوره مقدّمة لحكومته؛ لأنّ حكومة من ليس بظاهر صعبة وعليه، فإنّ التمهيد لظهوره مقدّمة للتمهيد لحكومته.

ثمّ يرى المنصور الهاشمي الخراساني أنّ شرط حكومة المهديّ هو اجتماع عدد كافٍ من الناس على إعانته وطاعته، ويعتقد أنّ قيامه بالحكومة سيكون أمرًا محتومًا إذا تعهّد هذا العدد منهم بهذه الإعانة والطاعة؛ لأنّ الحكومة ليست حقًّا للمهديّ فحسب، بل تكليف له أيضًا، بحيث أنّه لو لم يقم بها بعد توفّر الشروط لكان من الحقّ أن يُضرب عنقه؛ كما جاء في الرواية عن عليّ عليه السلام: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ»[٢]؛ نظرًا لأنّه في هذه الحالة سيكون هو المسؤول الوحيد عن جميع المفاسد والمظالم الجارية على الأرض. لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني، بينما يجمع عددًا كافيًا من المسلمين لحماية المهديّ، يجمع عددًا كافيًا منهم لإعانته وطاعته، ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي فريد دهره هذا، ستكون حكومة المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كانت إعانته وطاعته مضمونة، وهذا الضمان يسمّى في الإسلام «البيعة». لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ من مسلمي العالم بيعة للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ ميثاقهم أنّه مهما جاءهم المهديّ سيعينونه ويطيعونه، ولا يخذلونه ولا يعصونه كما فعلوا مع خلفاء اللّه من قبله وبالتالي، إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على الإعانة والطاعة للمهديّ سيتحقّق لهم حكومته بإذن اللّه؛ كما إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على حماية المهديّ سيتحقّق لهم ظهوره بإذن اللّه. هذه خطّة كاملة ودقيقة صادرة من العقل توافق كتاب اللّه وسنّة نبيّه ولذلك، كلّ من استنكف عن قبولها فهو في ضلال بعيد، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[٣]. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ٢٠]

↑[١] . الحشر/ ٢
↑[٢] . الغيبة للنعماني، ص٢٢٣؛ الغيبة للطوسي، ص١٩٠
↑[٣] . البقرة/ ١١٤
( ٣٥ )

العلامة المنصور الهاشمي الخراساني هو نفسه واحد من علماء المسلمين وبالتالي، يرى لهم نفس الدّور الذي يراه لنفسه، وذلك هو التمهيد لإقامة الإسلام الخالص والكامل في العالم من خلال الإنشاء والصيانة لحكومة خليفة اللّه في الأرض على النحو الذي بيّنه في الكتاب القيّم «العودة إلى الإسلام». لذلك، في رأيه، يجب على علماء المسلمين الدعوة إلى خليفة اللّه في الأرض بدلًا من الدعوة إلى أنفسهم، والإنشاء والصيانة لحكومته بدلًا من الإنشاء والصيانة لحكومتهم؛ لأنّ ذلك أمر ممكن إذا استوفى المسلمون شروطه المسبقة، وشروطه المسبقة هي إلى حدّ كبير نفس الشروط المسبقة لإنشاء وصيانة الحكومات الأخرى. بهذه الطريقة، كلّ عالم يأمر المسلمين بمبايعة المهديّ وينهاهم عن مبايعة غيره، يؤدّي واجبه الإسلاميّ، ويجب على المسلمين إجابة دعوته ومساعدته في هذا العمل، ولكنّ العلماء الذين لا يأمرون المسلمين بمبايعة المهديّ ولا ينهونهم عن مبايعة غيره، لا يؤدّون واجبهم الإسلاميّ، ويجب على المسلمين أن يحذروا منهم. [نبذة من السؤال والجواب ٧]

( ٣٦ )

لا يأخذ المنصور الهاشمي الخراساني لنفسه بيعة من أيّ مسلم؛ لأنّه يرى أنّ البيعة للّه وحده، ويريد من ذلك أنّ البيعة لمن قد أمر اللّه بمبايعته، وما هو إلا المهديّ الذي يجب على كلّ مسلم مبايعته. بناءً على هذا، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ البيعة من مسلمي العالم للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ منهم عهدًا وموثقًا على أنّهم إن ظهر لهم المهديّ سيحفظونه وينصرونه ويطيعونه، ولا يخذلونه كما خذله الذين من قبلهم. هذا هو موضوع الميثاق الذي يأخذه المنصور الهاشمي الخراساني من كلّ مسلم، وإذا واثقه عدد كافٍ من المسلمين على هذا الموضوع، فسيتمّ تهيئة الظروف لظهور المهديّ إن شاء اللّه. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٩]

( ٣٧ )

في رأي هذا العالم العظيم، يجب «الإجتهاد» على كلّ مسلم بمعنى «المعرفة اليقينيّة بعقائد الإسلام وأحكامه»، لا بمعنى «المعرفة الظنّيّة بها، ولو بالإعتماد على أخبار الآحاد ومزاعم مثل الإجماع»، ومن الواضح أنّه لا يمكن الحصول على «المعرفة اليقينيّة بعقائد الإسلام وأحكامه» إلا بالرّجوع المباشر إلى المصادر اليقينيّة انتماؤها إلى الإسلام، وهي كتاب اللّه وروايات نبيّه المتواترة وخليفته الحيّ في الأرض، ممّا يكون الرّجوع المباشر إليه أسهل من الرّجوع المباشر إلى روايات الآحاد والمتناقضة في الكتب المتفرّقة؛ لأنّ كتاب اللّه متاح للجميع، وروايات نبيّه المتواترة معدودة ومشهورة، وخليفته الحيّ في الأرض بشر مثل سائر الناس يمكن للمرء بطبيعة الحال أن يذهب إليه ويأخذ منه عقائد الدّين وأحكامه، وإن كان ذلك غير عمليّ في الوقت الحاضر بسبب تقصير الناس في حمايته ويتطلّب تأمينه من قبلهم. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ٢١]

( ٣٨ )

في الوضع الحاليّ الذي لا يظهر فيه المهديّ، لا يمكن للناس أن يستيقنوا بأحكام الإسلام إلا في مستوى الضروريّات، وهذا هو الأثر الوضعيّ والطبيعيّ لعدم ظهوره، الذي ينشأ عن تقصيرهم، ويُعتبر عقوبة لهم من اللّه على هذا التقصير؛ كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١]، في حين أنّ الظنّ بأحكام الإسلام لا يغنيهم؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا[٢] وهذا يعني انعدام الحيلة في غياب المهديّ الذي يصعب عليهم تصديقه، لكنّه صحيح ويخبر عنه المنصور. هو في الواقع يحاول إفهام المسلمين أنّه عندما يفقد الإنسان وعاء مائه في صحراء جافّة، فإنّه لا يستطيع إرواء عطشه بشيء آخر مثل الرّمال أو الأشواك، وهلاكه في هذه الحالة سيكون أثرًا وضعيًّا وطبيعيًّا لتقصيره في حفظ وعاء مائه، إلا أن يجهد ويعثر على وعاء مائه. فإن كان يسأل أنّه كيف يمكنه إرواء عطشه في هذه الحالة حتّى العثور على وعاء مائه، فليس هناك جواب لسؤاله؛ إذ لا يمكنه بالطبع تناول الرّمال الحارقة أو الأشواك الشائكة؛ بالنظر إلى أنّها لا تغنيه شيئًا وليست بديلًا عن وعاء مائه. هذا يعني أنّ اللّه لم يجعل أيّ بدّ من خليفته في الأرض، والإضطرار إليه قضاء محتوم وأبديّ على الناس وبالتالي، فإنّ مجادلتهم لإيجاد بديل عنه لا طائل تحتها. بعبارة أخرى، فإنّ عدم ظهور المهديّ كارثة كبيرة وخسارة لا يمكن تداركها، وجهود الناس لملء شاغره عقيمة. في مثل هذا الوضع الرهيب والمؤسف، من الأفضل للناس، بدلًا من إهدار وقتهم وطاقتهم بمثل هذه المجادلات والجهود غير المثمرة، أن يجيبوا دعوة المنصور ويمهّدوا لظهور المهديّ في أقرب وقت ممكن؛ لأنّ هذا هو أحكم شيء يمكن أن يفعله العطاشى والحيارى في الصحراء، ولكن للأسف، ليس أكثرهم حكماء. [نبذة من السؤال والجواب ٥]

↑[١] . آل عمران/ ١٨٢
↑[٢] . يونس/ ٣٦
( ٣٩ )

لحسن الحظّ، كثير من الأحكام الضروريّة والأساسيّة للإسلام، مثل أركان الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، كما أوضح المنصور الهاشميّ الخراسانيّ في جزء من كتابه، تُعرف من خلال كتاب اللّه وأخبار النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة وبالتالي، يمكن العمل بها ويجزئ، ولكن لأجل التيقّن بسائر أحكام الإسلام وإبراء الذمّة منها، لا بدّ من الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وهذا ما هو ممكن عند المنصور الهاشميّ الخراسانيّ؛ لأنّ مانع الرجوع إليه ليس سوى تقصير الناس في توفير الشروط المسبقة لذلك وبالتالي، فإنّ إزالة هذا المانع بمعنى توفير الشروط المسبقة للرجوع إليه أمر ممكن بالنسبة لهم، وإذا كان ذلك يتطلّب اجتماع مجموعة كافية منهم ولا يجتمع مجموعة كافية منهم، ليس ذنب المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، بل ذنب الناس أنفسهم ومن يمنعهم من ذلك. لذلك، فإنّ هذا الوضع «غير المنطقيّ جدًّا» الذي حيّرك هو وضع قدّمته أيدي الناس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١]؛ مثل اللصوص الذين دخلوا بيتًا، فضاق عليهم وقت الصلاة، بحيث لا بدّ لهم من إقامتها فيه ولكنّ صلاتهم فيه باطلة وهذا وضع «غير منطقيّ جدًّا» هم أوقعوا أنفسهم فيه بسوء اختيارهم وبالتالي، لا يصحّح صلاتهم في بيت الناس؛ كما بيّن المنصور الهاشميّ الخراسانيّ هذا الواقع المرير والمؤسف بالتفصيل في قسم «عواقب عدم ظهور المهديّ للناس» من كتابه «العودة إلى الإسلام»[٢]، عسى أن يدرك المسلمون ذلّتهم ومسكنتهم في غيبة المهديّ، فيرجعوا إليه في أقرب وقت ممكن.

نعم، هذا الممهّد لظهور المهديّ، ينبّأ مسلمي العالم بوقوعهم في «مأزق هائل» ويدعوهم إلى الخروج منه بتقديم حلول واضحة وعمليّة، لكنّ أكثرهم لا يسمعون نداءه، أو يسمعون ولا يفقهون، إلّا قليلًا منهم الذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان وهم أكفياء إن شاء اللّه. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١]

↑[١] . آل عمران/ ١٨٢
( ٤٠ )

المنصور الهاشمي الخراساني يعتبر النزعة الحديثيّة أحد موانع معرفة الإسلام الخالص والكامل وإقامته من قبل المسلمين؛ لأنّه في رأيه، الحديث بمعنى خبر ظنّيّ عن سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، نظرًا لعدم حجّيّة الظنّ في الإسلام، ليس معتبرًا ولا يكفي الإستناد إليه لاستنباط عقيدة أو حكم. إنّه يعتقد أنّ استثناء الظنّ الناشئ عن الحديث من سائر الظنون لا دليل له؛ لأنّ عدم حجّيّة الظنّ من الأحكام العقليّة، والأحكام العقليّة لا تقبل استثناء. لذلك، ليس هناك اعتبار إلا للحديث المتواتر الذي كثر رواته وأدّى إلى اليقين، وهذا في حين أنّ مثل هذا الحديث قليل جدًّا وغير متاح بما فيه الكفاية. مع ذلك، من وجهة نظر المؤلّف، فإنّ حلّ هذه المعضلة ليس الرجوع إلى الحديث غير المتواتر، بل الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وإذا لم يكن من الممكن الرجوع إليه في الوقت الحاضر، فذلك بسبب تقصير الناس في توفير مقدّماته ومن ثمّ، ليس عذرًا مبرّرًا لهم للرجوع إلى الحديث غير المتواتر. يعتقد الهاشمي الخراساني أنّ الناس بتقصيرهم في اتّخاذ الترتيبات اللازمة للوصول إلى خليفة اللّه في الأرض قد أوقعوا أنفسهم في مأزق حتّى صاروا كمن لا خيار له، وليست حالتهم هذه من عند اللّه حتّى تكون في تعارض مع لطفه. مع ذلك، فإنّه يعتقد أنّ الناس يمكنهم الخروج من هذه الحالة؛ لأنّ وصولهم إلى خليفة اللّه في الأرض ممكن عندما يضمنون أمنه؛ كما أنّ حاكميّته عليهم ممكنة عندما يضمنون نصرته وطاعته. [نبذة من مقالة «نظرة في كتاب العودة إلى الإسلام للمنصور الهاشمي الخراساني» المكتوبة بواسطة السيّد محمّد صادق جواديان]

( ٤١ )

يعتبر الخراسانيّ أنّ إقامة الإسلام مفيدة وفعّالة فقطّ في شكلها الخالص والكامل، ويعتقد أنّ إقامة جزء منه بمفرده أو مختلطًا مع غيره ليست فقطّ غير مفيدة وغير فعّالة، بل قد تكون ضارّة وخطيرة، وهذا مخالف لتصوّر معظم المسلمين الذين يحسبون أنّ إقامة جزء من الإسلام أيضًا مرغوب فيها. إنّه يشبّه الإسلام بنظام واحد ذي أجزاء مترابطة إذا لم يعمل أحد أجزاءها تفقد الأجزاء الأخرى كفاءتها ويفشل النظام بأكمله. لذلك، ليس أمام المسلمين خيار سوى إقامة الإسلام كلّه في شكله الخالص، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا في ظلّ تعليم خليفة اللّه في الأرض. [نبذة من مقالة «نظرة في كتاب العودة إلى الإسلام للمنصور الهاشمي الخراساني» المكتوبة بواسطة السيّد محمّد صادق جواديان]

( ٤٢ )

بدون جعل خليفة في الأرض يعرف الإسلام كلّه ويستطيع تعليمه للمسلمين، لا يمكن لهم إقامة الإسلام كلّه ولذلك، فإنّ تكليفهم بها يتعارض مع العدل. من ثمّ، لم يكلّف اللّه المسلمين أبدًا بإقامة الإسلام كلّه إلا بعد أن ترك فيهم رجلًا عالمًا بكلّه ليعلّمهم ويهديهم؛ كما قال كقاعدة: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[١]. (الإنتقادات والمراجعات)

↑[١] . الرّعد/ ٧
( ٤٣ )

المؤلّف يعتبر تطبيق الحدود والعقوبات الإسلاميّة مشروطًا بتطبيق جميع الأحكام العامّة والسياسيّة للإسلام، ويعتقد أنّ تشريع هذه الحدود والعقوبات تمّ بالنظر إلى حكومة خليفة اللّه في الأرض وبالتناسب مع الزمان والمكان الذي يتمّ فيه تطبيق سائر أحكام الإسلام كعوامل رادعة. لذلك، فإنّ تطبيق هذه الحدود والعقوبات في زمان ومكان آخر غير عادل وغير مناسب؛ خاصّة بالنظر إلى أنّ أحكام الإسلام، من وجهة نظر المؤلّف، مترابطة ومتشابكة وتؤثّر على بعضها البعض وتتأثّر ببعضها البعض. [نبذة من مقالة «نظرة في كتاب العودة إلى الإسلام للمنصور الهاشمي الخراساني» المكتوبة بواسطة السيّد محمّد صادق جواديان]

( ٤٤ )

لا خلاف بين المسلمين في أنّ إقامة الحدود مشروطة بشروط، فهي غير جائزة إلا إذا توفّرت شروطها، ومن شروطها عند السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى وجود الحاكم الشرعيّ، وهو خليفة اللّه الذي يحكم بين الناس بالعدل، وليس يدفعهم بظلمه إلى الذنوب ثمّ يؤاخذهم عليها؛ كحاكم يمنع الناس ما يكفيهم من الرّزق ويضيّق عليهم المعيشة بظلمه، حتّى إذا سرقوا أخذهم وقطع أيديهم، وهو يزعم أنّه يقيم حدود اللّه! هذا ما ينهى عنه السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى ويعتقد أنّه ظلم؛ لأنّ حدود اللّه لم يتمّ تشريعها ليقيمها حاكم ظالم بعد أن يسّر للناس الذنوب وعسّر عليهم الإجتناب، بل تمّ تشريعها ليقيمها حاكم عادل اختاره اللّه ونبيّه، بعد أن أدّى إلى الناس حقوقهم، وهو في زماننا هذا المهديّ عليه السلام الذي يعتقد السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى أنّه حيّ موجود، إلا أنّه غائب لا يظهر لخوفه على نفسه، فلا بدّ للناس من حمايته بما فيه الكفاية حتّى يأمن على نفسه فيظهر لهم ويقيم فيهم حدود اللّه بطريقة عادلة ومناسبة. [نبذة من شرح القول ٣٧]

( ٤٥ )

يجب على المسلمين إقامة الحدود الإسلاميّة بإظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكومة، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة من قبلهم تشبه الصلاة بغير وضوء. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٠]

( ٤٦ )

منهج الإمام المهديّ في تعريف أهل العالم بالإسلام هو منهج جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ومنهج جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو دعوتهم إلى أحد الثلاثة:

١ . اعتناق الإسلام الحقيقيّ وترك الدّيانات الباطلة

٢ . الخضوع لحكم الإسلام الحقيقيّ مع بقائهم على دياناتهم

٣ . القتال

طبعًا من الواضح أنّه نظرًا لعلمه الكامل بما أنزل اللّه بمقتضى كونه خليفة اللّه في الأرض، وطهارته الكاملة من أيّ رجس بمقتضى كونه من أهل البيت، يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة عندما يكون داعيًا، ويحكم بالعدل عندما يكون حاكمًا، ويراعي جميع أحكام اللّه فيما يتعلّق بالقتال والسّلام والجزية والأمان والأسرى والغنائم عندما يكون مقاتلًا، ولا يظلم أحدًا في أحد من الثلاثة. [نبذة من السؤال والجواب ٦٧]

( ٤٧ )

الإمام المهديّ عليه السلام بمقتضى قاعدة ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم[١]، هو من الناحية الجسديّة مثل سائر الناس وبالتالي، يتأثّر بالعوارض الطبيعيّة؛ كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأنبياء من قبله يتأثّرون بها، لدرجة أنّ امرأة إبراهيم عليه السلام قالت: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ[٢] وأنّ إخوة يوسف عليه السلام قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا[٣] وأنّ زكريّا عليه السلام قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا[٤] وقال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا[٥]. نعم، لا بدّ من أن يكون الإمام المهديّ عليه السلام قويًّا على القيام بشؤون الإمامة حين ظهوره، وقد جاءت روايات من أهل البيت تشير إلى أنّه يظهر في صورة شابّ على الرغم من شيخوخته؛ كما روي عن الحسن بن عليّ عليهما السلام أنّه قال: «يُطِيلُ اللَّهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ بِقُدْرَتِهِ فِي صُورَةِ شابٍّ دُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»[٦] وروي عن جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال: «لَوْ قَدْ قامَ الْقائِمُ لَأَنْكَرَهُ النَّاسُ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شابًّا مُوَفَّقًا، لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلّا مَنْ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ»[٧] وفي رواية أخرى أنّه قال: «وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلِيَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ صاحِبُهُمْ شابًّا وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ شَيْخًا كَبِيرًا»[٨] وفي رواية أخرى أنّه قال: «يَغِيبُ غَيْبَةً فِي الدَّهْرِ وَيَظْهَرُ فِي صُورَةِ شابٍّ مُوَفَّقٍ ابْنِ اثْنَيْ وَثَلاثِينَ سَنَةً، حَتَّى تَرْجِعَ عَنْهُ طائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَما مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا»[٩] وروي عن عليّ بن موسى عليهما السلام أنّه قال: «إِنَّ الْقائِمَ هُوَ الَّذِي إِذَا خَرَجَ كانَ فِي سِنِّ الشُّيُوخِ وَمَنْظَرِ الشُّبَّانِ، قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ حَتَّى لَوْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى أَعْظَمِ شَجَرَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَقَلَعَها، وَلَوْ صاحَ بَيْنَ الْجِبالِ لَتَدَكْدَكَتْ صُخُورُها»[١٠] وفي رواية أخرى أنّه قال: «عَلامَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخَ السِّنِّ، شابَّ الْمَنْظَرِ، حَتَّى أَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِ لَيَحْسَبُهُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ دُونَها، وَإِنَّ مِنْ عَلاماتِهِ أَلّا يَهْرَمُ بِمُرُورِ الْأَيَّامِ واللَّيالِي حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ»[١١]، وهذا -إن صحّ- لا يتعارض مع أنّه بشر مثل سائر الناس؛ لأنّ الشيخ إذا كان له طبع سليم ومزاج مستقيم وجسم قويّ ورزق طيّب فإنّه يبدو شابًّا، ومن الممكن أن يكون ذلك كرامة له وآية من اللّه تعالى؛ كما روي أنّ عمرو بن الحمق الخزاعي سقى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال: «اللَّهُمَّ مَتِّعْهُ بِشَبابِهِ» فمرّت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء[١٢]، وممّا لا شكّ فيه أنّ الإمام المهديّ عليه السلام سيكون قويًّا على القيام بشؤون الإمامة عندما يظهر، سواء كان في صورة شابّ أو في صورة شيخ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٣]. [نبذة من السؤال والجواب ٢٧]

↑[١] . الكهف/ ١١٠
↑[٢] . هود/ ٧٢
↑[٣] . يوسف/ ٧٨
↑[٤] . مريم/ ٤
↑[٥] . مريم/ ٨
↑[٦] . كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه، ص٣١٦؛ كفاية الأثر للخزاز، ص٢٢٦؛ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، ج٢، ص٢٣٠
↑[٧] . الغيبة للنعماني، ص٢١٩؛ الغيبة للطوسي، ص٤٢٠
↑[٨] . الغيبة للنعماني، ص١٩٤؛ عقد الدرر في أخبار المنتظر للمقدسي، ص٤٢؛ ينابيع المودة للقندوزي، ج٣، ص٣٩٣
↑[٩] . الغيبة للنعماني، ص١٩٥؛ دلائل الإمامة للطبري الإمامي، ص٤٨١؛ الغيبة للطوسي، ص٤٢٠
↑[١٠] . كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه، ص٣٧٦؛ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، ج٢، ص٢٤٠؛ كشف الغمّة للإربلي، ج٣، ص٣٣١
↑[١١] . كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه، ص٦٥٢؛ الخرائج والجرائح للراوندي، ج٣، ص١١٧٠؛ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، ج٢، ص٢٩٥
↑[١٢] . مصنف ابن أبي شيبة، ج٦، ص٣٢٢؛ عمل اليوم والليلة لابن السني، ص٤٢٦؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني، ج٤، ص٢٠٠٦؛ أسد الغابة لابن الأثير، ج٤، ص٢٠٥
↑[١٣] . البقرة/ ٢٨٤
( ٤٨ )

إنّ السيّد المنصور الهاشميّ الخراسانيّ ليس غافلًا عن أنشطة الجماعات المفسدة في المنطقة ويراقب تحرّكاتهم بعناية، لكنّ الحقيقة أنّه ليس ساحرًا ليعمل طلسمًا، وبقوّة طلسمه يوقفهم ويمنعهم من التسلّل إلى المنطقة، بل هو مجرّد عالم منير وناصح يدعو المسلمين إلى المهديّ عليه السلام وينهاهم عن غيره بقوّة حكمته وحجّته، وإذا لم يجبه المسلمون ولم يساعدوه في إظهار المهديّ عليه السلام، فإنّه لا يقدر على فعل شيء. على الرغم من أنّه يدعو اللّه الرّحيم ويسأله العافية من الشرور للمسلمين المظلومين والمستضعفين في هذه المنطقة، لكن أيّ إجراء عمليّ منه لدفع الشرور يتوقّف على طلبهم منه ودعمهم له بما فيه الكفاية. للأسف، لا يزال مسلمو هذه المنطقة في حالة من الغفلة، ولا يشعرون بخطر هذه الجماعات المفسدة، ولا يفكّرون في طريقة لمنع نفوذهم الذي يؤدّي إلى تدمير أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. إنّهم لا يصلون إلى رشدهم إلا عندما يجدون الظلّ الثقيل لهذه الجماعات المفسدة على رؤوسهم، ويكونون محاطين بهم، وحينئذ لا يقدرون على فعل شيء، وليس لديهم خيار سوى الصبر على قتل أبنائهم وسبي نسائهم ودمار ديارهم. هذا سيكون لهم عقاب الغفلة التي هم فيها اليوم؛ لأنّهم اليوم في غفلة، ولا يقدرون وجود شخصيّة مثل المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، في حين أنّ لديه قوّة روحيّة كبيرة لمواجهة هذه الجماعات المفسدة، ويتمتّع بمواهب فكريّة كثيرة لإطفاء فتنتهم، لدرجة أنّه حتّى العديد من أعضاء هذه الجماعات، تحت تأثير دعوته وتفوّقها على دعوة هذه الجماعات، يرغبون في الإنضمام إليه، وبمجرّد التعرّف على أفكاره ومُثُله العليا ينفصلون عن هذه الجماعات؛ لأنّ الكثير منهم شباب ساذجون وعاطفيّون ينضمّون إلى هذه الجماعات بحماس الجهاد في سبيل اللّه والمساعدة في إنشاء الخلافة الإسلاميّة، وعندما يسمعون دعوة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ الخالصة إلى الجهاد الحقيقيّ وخلافة المهديّ استنادًا إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله المتواترة، يدركون خطأهم ويتوبون عنه. لذلك، يدعو المنصور الهاشميّ الخراسانيّ جميع الأعضاء المسلمين في داعش وطالبان والقاعدة والجماعات الأخرى، مثل غيرهم من المسلمين في العالم، إلى مبايعة اللّه تعالى وترك مبايعة غيره، ويسألهم أن ينتهوا عن إثارة الفتنة والإفساد في الأرض، ولا يستمرّوا في التضحية بأنفس وأموال وأعراض المسلمين من أجل طمعهم وحبّهم للرئاسة؛ فقد قال اللّه تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[١].

ممّا لا شكّ فيه أنّ المهديّ خير لمسلمي العالم من أبي بكر البغدادي ومحمّد عمر وأيمن الظواهري وأمثالهم؛ لأنّهم قد يأملون ظهوره، ولا يستأهلون أن يسوّوا له نعليه؛ بالنظر إلى أنّ المهديّ هو خليفة اللّه في الأرض وفقًا لكتاب اللّه وسنّة رسوله المتواترة، ولكنّهم وفقًا لكتاب اللّه وسنّة رسوله المتواترة ليسوا أحدًا. لذلك، من الأفضل لهم وأتباعهم أن يلبّوا دعوة المنصور ويعودوا إلى المهديّ إذا كانوا مسلمين ويبتغون إقامة الإسلام حقًّا؛ كما قال المنصور مشيرًا إليهم فيما روي عنه بالمعنى:

«كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ يَرْفَعُ شِعارَ الْإِسْلامِيَّةِ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ يَسْعَى لِإِقامَةِ الْإِسْلامِ، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[٢]. لا شَكَّ فِي أَنَّ دَعْوَتِي إِلَى الْمَهْدِيِّ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُجِيبُوها، فَإِنَّهُمْ سَيَكْشِفُونَ عَنْ نِفاقِهِمْ، وَيُعْلِنُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ وَلا يَسْعَوْنَ لِإِقامَةِ الْإِسْلامِ حَقًّا، وَلَكِنَّهُمْ يَبْتَغُونَ السُّلْطَةَ فَقَطُّ، وَلَيْسَ لَدَيْهِمْ حُلْمٌ سِوَى الْمُلْكِ؛ كَالْجَبابِرَةِ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، وَجَعَلُوا أَنْفُسَ وَأَمْوالَ وَأَعْراضَ الْمُسْلِمِينَ نَفَقَةً لِاسْتِمْتاعِهِمْ؛ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ، كَنَسْرٍ انْقَضَّ عَلَى جَدْيٍ، فَخَطَفَهُمْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ وَأَلْقاهُمْ فِي الْهاوِيَةِ، فِي حِينٍ أَنَّهُمْ إِذَا أَجابُوا دَعْوَتِي إِلَى الْمَهْدِيِّ وَاتَّحَدُوا مَعِي لِإِيصالِهِ إِلَى الْحُكُومَةِ، فَسَيَتَمَهَّدُ الطَّرِيقُ لِحُكُومَتِهِ وَيَتَحَقَّقُ غَرَضُهُمْ بِأَحْسَنِ شَكْلٍ مُمْكِنٍ؛ بِالطَّبْعِ، إِذَا كانَ غَرَضُهُمْ إِقامَةَ الْإِسْلامِ فِي الْعالَمِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كانَ غَرَضُهُمْ شَيْئًا آخَرَ، فَسَتَتْبَعُهُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ عِبادِهِ، وَتَلْحَقُ بِهِمْ عاجِلًا أَمْ آجِلًا، وَتُبَعْثِرُهُمْ فِي أَطْرافِ الْأَرْضِ، ثُمَّ لَنْ يَكُونَ هُناكَ جامِعٌ لَهُمْ!

أَلا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ مُجاهِدِينَ وَيَقْسِمُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى مُهاجِرِينَ وَأَنْصارٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْجِهادِ هُوَ الْجِهادُ مَعَ الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْهِجْرَةِ هِيَ الْهِجْرَةُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ أَفْضَلَ النُّصْرَةِ هِيَ النُّصْرَةُ لِلْمَهْدِيِّ؟! فَلِمَ لا يَمِيلُونَ إِلَى رَجُلٍ -وَأَشارَ بِيَدِهِ إِلَى نَفْسِهِ- يَدْعُوهُمْ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَيَدُلُّهُمْ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، دُونَ أَيِّ تَكَلُّفٍ أَوْ تَوَقُّعٍ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ اسْتِنادًا إِلَى كِتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْمُتَواتِرَةِ، وَيَدْعُو إِلَى الْعَقْلانِيَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْجَهْلِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْأَهْواءِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَالتَّعَصُّبِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْخُرافاتِ، وَذِمَّتُهُ بِما يَقُولُ رَهِينَةٌ وَهُوَ بِهِ زَعِيمٌ؟! حَقًّا، مَا الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِجابَتِهِ وَمَنِ الَّذِي يَشْغَلُهُمْ عَنِ الْمُسارَعَةِ إِلَيْهِ؟! أَلَيْسَ مِنَ الْجَدِيرِ أَنْ يَهْرَعُوا إِلَيْهِ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، وَيَصِلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلادِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ، لِيَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى نُصْرَةِ الْمَهْدِيِّ؟! فِي حِينٍ أَنَّهُ سَيُوصِلُهُمْ بِهِدايَتِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ الْمَهْدِيَّ سَيُوصِلُهُمْ بِحُكُومَتِهِ إِلَى خَيْرِ الْآمالِ؛ لِأَنَّهُ سَيُجْرِي أَحْكامَ اللَّهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وَيُدْخِلُ الْعَدْلَ الْكامِلَ فِي حُجْرَةِ بُيُوتِهِمْ وَحَظِيرَةِ أَغْنامِهِمْ، بَلْ سَيُوصِلُهُمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمَوْعُودَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا اللَّبَنُ وَالْعَسَلُ، وَتُرابُها هُوَ الزَّعْفَرانُ الْمَسْحُوقُ، وَحَصاتُها هِيَ الْماسُ وَاللُّؤْلُؤُ. وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْمَهْدِيَّ لِيَلْتَحِقُوا بِالضَّالِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ الظُّلُماتِ عَلَى النُّورِ، وَالْعَمَى عَلَى الْبَصِيرَةِ، وَالْجَهْلَ عَلَى الْعِلْمِ، وَيَشْرُونَ يُوسُفَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ؛ كَالَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ[٣].

أَلا يُوجَدُ رَجُلٌ عالِمٌ تَحْتَ السَّماءِ وَلا امْرَأَةٌ فَطِنَةٌ فَوْقَ الْأَرْضِ يَسْمَعُ نِداءَ الْمَنْصُورِ وَيَخْرُجُ لِنُصْرَةِ الْمَهْدِيِّ؟! تَبًّا لِلْعالَمِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ لِكُلِّ دُبٍّ أَنْصارٌ وَلِكُلِّ غُولٍ أَعْوانٌ، وَلَكِنْ لا يُوجَدُ فِيهِ أَنْصارٌ لِلْمَهْدِيِّ وَلا أَعْوانٌ لِلدَّاعِي إِلَيْهِ! أَلَيْسَ الَّذِينَ يَحْمُونَ الدَّاعِيَ إِلَى نَفْسِهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْذُلُونَ الدَّاعِيَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، يُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ؟! يَوْمَ تَقِيءُ الْأَرْضُ أَجْسادَهُمْ، لِيَقِفُوا عَلَى إِحْدَى ساقَيْهِمْ فِي مَحْكَمَةِ عَدْلِ اللَّهِ، وَيُجِيبُوا عَلَى أَسْئِلَتِهِ عَنْ هَذِهِ الْخِيانَةِ الْهائِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ تَجاهَلُوا الدَّاعِيَ إِلَى اللَّهِ وَأَجابُوا الدَّاعِيَ إِلَى إِبْلِيسَ، وَبِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ خَرَقُوا قَواعِدَ الْعالَمِ وَنَكَثُوا حَبْلَ الطَّبِيعَةِ. فَصارَتْ عُقُوبَتُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا اسْتِيلاءَ الْأَشْرارِ عَلَيْهِمْ، لِيَضْرِبُوا أَعْناقَ رِجالِهِمْ وَيَقْتَرِعُوا عَلَى نِسائِهِمْ، وَفِي الْآخِرَةِ نارٌ حامِيَةٌ تُذِيبُ الْحِجارَةَ وَتَأْخُذُ الْعُصارَةَ.» [نبذة من السؤال والجواب ١٣]

↑[١] . القصص/ ٨٣
↑[٢] . العنكبوت/ ٣
↑[٣] . يوسف/ ٢٠
( ٤٩ )

قياس نهضة المنصور الهاشمي الخراساني بنهضات الماضين، هو قياس مع الفارق؛ لأنّ هذه النهضة، على عكس نهضات الماضين، تقوم في أهمّ بنيتها التحتيّة على توحيد اللّه في التحكيم بمعنى تخصيصه بالحاكميّة، بل ليس لها ماهيّة سوى الدعوة إلى حاكميّة خليفة اللّه في الأرض وبالتالي، اجتماعها مع حاكميّة غير اللّه يشبه اجتماع شيء مع ضدّه ممّا هو مستحيل؛ كما أنّ انتهاءها إلى حاكميّة غير خليفة اللّه في الأرض هو انتهاؤها إلى شيء لا تجانسه ولا تقتضيه وبالتالي، فإنّ هذه النهضة إمّا تنتهي إلى تحقيق حاكميّة خليفة اللّه في الأرض أو تضيع تمامًا وعلى أيّ حال، لا يمكن انتهاؤها إلى حاكميّة غير خليفة اللّه في الأرض. هذا يعني أنّ المنصور الهاشمي الخراساني وأنصاره إمّا يحقّقون مثلهم الأعلى بتحقيق حاكميّة المهديّ، وإمّا يستشهدون عن آخرهم كما استشهد الحسين بن عليّ وأنصاره في كربلاء. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٤، التعليق ١]

( ٥٠ )

إنّ حقّانيّة السّيّد المنصور أكثر وضوحًا من الشمس عند الملتزمين بمعيار المعرفة والمتخلّصين من موانع المعرفة الذين ليس لديهم تعلّق بالدنيا، مثلك؛ وإلا فإنّ الذين أدخلوا رؤوسهم في معلف السلطة أو الثروة أو الشهرة، وأحيطوا بألف جهل وتعصّب وتكبّر، لا يرون حقّانيّة هذا العالم العظيم مع كلّ وضوحها، بل لا يريدون رؤيتها. أولئك الذين اتّخذوا أولياء من دون اللّه، ورضوا بأوليائهم؛ فأخرجهم أولياؤهم من النور إلى الظلمات، وحوّلوهم إلى شياطين في لباس الإنسان. فصاروا يبهتون ويكذبون ويكتمون الحقّ ويلبسونه بالباطل ويصدّون الناس عن سبيل اللّه من أجل إرضاء أوليائهم، وعلى الرغم من هذا الفسوق، يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا! لا جرم ستكون عاقبتهم عاقبة الذين حاربوا أولياء اللّه من قبل، وتحالفوا ضدّهم مع حكّام زمانهم، ولم تكن عاقبتهم سوى لعنة أبديّة في الدنيا وعذاب أبديّ في الآخرة. بالتأكيد لو لا أنّهم وقفوا أمام دعوة الأنبياء وأبناء الأنبياء، ومنعوا الناس من إجابتها، لما أصبحت الأرض مليئة بالظلم إلى هذه الدرجة، بل ربما أصبحت مليئة بالعدل من قبل بسهولة، لكن من المؤسف أنّ هؤلاء الأشقياء نصبوا العداوة للحقّ وعارضوه بكلّ قوّتهم، وإن كان لإهمال المؤمنين في حماية الحقّ أيضًا تأثير كبير على غلبة الظلم؛ لأنّ العديد من المؤمنين لم يقوموا بدورهم في حماية الحقّ، وبقعودهم وغيابهم تركوا الحقل فارغًا لجولان الأشقياء، وأفسحوا الطريق لطغيانهم أكثر من قبل، في حين أنّهم لو شعروا بمسؤوليّتهم عن الحقّ، وقاموا بالدفاع عنه أمام الباطل، لتغيّر التوازن لصالحه، وتمهّد الظروف لتحقيق المُثُل العليا للأنبياء وأبناء الأنبياء بكلّ تأكيد. [نبذة من السؤال والجواب ٢٠]

( ٥١ )

هذه هي حال المنصور الهاشمي الخراساني؛ لأنّه في خطّ عليّ بن أبي طالب ولا ينحرف عن خطّه؛ بمعنى أنّه لا يكتم حقًّا ولا يقول باطلًا لإرضاء أحد، ولا يتوسّل بالتملّق والإطراء للحصول على دعم أحد، بل يصدع بالحقّ وإن حمل العالم كلّه على عداوته، ويرفض الباطل وإن فرّق الناس كلّهم من حوله؛ لأنّ اللّه وخليفته في الأرض كافيان له، ومع وجودهما لا يخاف الوحدة. إنّه قد أعرض بقلبه عن دنياكم التي لا قيمة لها، ولا يهتمّ بالأشياء التي تهمّكم كثيرًا؛ لأنّه ينظر إلى العالم من أفق أعلى بكثير من أفقكم، ويتّبع قواعد مختلفة تمامًا عن قواعدكم. ثمّ إنّه لم ينتقد على أيّ فرقة ومذهب ودولة بغير حقّ، بل انتقد استنادًا إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه المتواترة ولذلك، فإنّه لم يضرب الجميع، ولكنّ اللّه ضربهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ۚ[١]! لهذا السبب، لا يبقى معه ولا ينصره غير الذين مثله قد طلّقوا الدنيا ثلاثًا، ولم يتعلّقوا بأيّ فرقة ومذهب ودولة، وأولئك هم الصدّيقون والشهداء والصالحون، وحسن أولئك رفيقًا. لعلّهم قليلون في رأيكم، لكنّهم كثيرون عند اللّه؛ لأنّ كلّ واحد منهم أمّة، كما كان إبراهيم عليه السلام في زمانه؛ وفقًا لقول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً[٢].

على أيّ حال، ليس المنصور الهاشمي الخراساني نادمًا ولا خجلًا من أجل تنبيهه على انحراف جميع الفرق والمذاهب والدول الإسلاميّة استنادًا إلى يقينيّات الإسلام ومشتركات المسلمين ببيان علميّ وناصح، ودعوته لجميعهم دون تمييز واستثناء إلى الإسلام الخالص والكامل، وتمهيده لظهور خليفة اللّه في الأرض؛ لأنّ الندم والخجل ينبغي لمن عمل على خلاف كتاب اللّه وسنّة نبيّه، ومثل هذا الشخص هو النادم والخجل في الدنيا والآخرة. على الرغم من أنّ جنابه يدعو جميع الفرق والمذاهب والدول الإسلاميّة لمرافقته في الطريق المبارك الذي يسلكه؛ بالنظر إلى أنّه من الممكن لجميعهم مرافقته في هذا الطريق، وأنّ نهضته واسعة جدًّا لدرجة أنّها تسعهم جميعًا، وفي الحقيقة دون أيّ مبالغة أنّها ليست مقصورة على أيّ منهم، وإذا عجزوا عن الإجتماع تحت رايته مع ظلّها الواسع، فلن يجتمعوا أبدًا تحت راية أحد بعده، ولكن من الواضح أنّهم إن لم يفعلوا ذلك وتجمّعوا جميعًا ضدّه، فلن يضرّوه شيئًا، بل سيضرّون أنفسهم، وهو «منصور» وفائز في هذا المجال على كلّ حال؛ لأنّ هدفه هو القيام بواجبه العقليّ والشرعيّ من خلال تبيين حقيقة الإسلام، وهذا هو الهدف الذي قد تمّ تحقيقه بالفعل؛ لأنّ رسالته قد تمّ تبليغها بشكل حسن من خلال نشر كتاب «العودة إلى الإسلام»، وتمّ بثّها كبذر مبارك في كلّ ركن من أركان هذه الأرض الواسعة، وبالطبع ستخرج شطأها عاجلًا أم آجلًا في البلاد القريبة والبعيدة واحدًا تلو الآخر، وستنمو وتستغلظ على الرغم من كلّ الأعمال العدائيّة والأفكار المعوجّة، حتّى تتحوّل إلى شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ[٣] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۝ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[٤].

نعم، يا أخانا! إنّ البذرة المطهّرة التي زرعها المنصور الهاشمي الخراساني بيده المباركة في كلّ ركن من أركان هذه الأرض، سوف تتحوّل عاجلًا أم آجلًا، على الرغم من جميع الفرق والمذاهب والدّول، وبدعم من المظلومين واليتامى والمشرّدين والحفاة، إلى شجرة طيّبة أُكلها هو العدل العالميّ في ضوء حاكميّة المهديّ، وسوف تُشبع المستضعفين من الولدان والنساء والرجال لدرجة أنّهم لن يجوعوا بعد ذلك أبدًا إن شاء اللّه، ﴿فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[٥]. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١١]

↑[١] . الأنفال/ ١٧
↑[٢] . النحل/ ١٢٠
↑[٣] . الفتح/ ٢٩
↑[٤] . إبراهيم/ ٢٤ و٢٥
↑[٥] . هود/ ٤٩
( ٥٢ )

اعلم أنّ المنصور يسعى لجمع مسلمي العالم كافّة حول المهديّ عليه السلام بالإعتماد على اليقينيّات الإسلاميّة، وينبغي لك أن تعاونه في هذا العمل الصالح والمبارك، وأن لا تجعل الأمر أكثر صعوبة عليه بالضرب على طبل التكفير والنفخ في نار التفرقة. إنّا ندعوك وسائر مسلمي العالم إلى «العودة إلى الإسلام الخالص والكامل»؛ لأنّها تمهيد لظهور المهديّ، وظهور المهديّ تمهيد لامتلاء الأرض بالعدل والقسط بعد امتلائها بالظلم والجور، وهذه سعادة ليس فوقها سعادة. فالتحقوا بالمنصور الهاشمي الخراساني وانصروه في هذه النهضة الإسلاميّة العظيمة واسمحوا له بتحويل خلافاتكم القديمة إلى اتّحاد في ضوء حاكميّة المهديّ عليه السلام. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٣]

( ٥٣ )

هجرة المؤمنين إلى خراسان أمر لا بدّ منه؛ كما قال السّيّد المنصور في بعض حِكَمه: «لا يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَلائِكَةُ، وَلا يَنْزِلُونَ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْمُؤْمِنُونَ بِخُراسانَ وَالْمُنافِقُونَ بِالشَّامِ» وهذا ما يستفاد من الروايات المتواترة في هذا الباب؛ كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إشارة إلى الممهّد الخراسانيّ لظهور المهديّ: «فَأْتُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ»[١]، ولكن ليس الآن أوان ذلك؛ لأنّ المؤمنين لا يزالون قليلين، وفي هذه الحالة، إقامتهم في بلادهم أكثر فائدة من هجرتهم إلى خراسان؛ بالنظر إلى أنّهم بطبيعة الحال أكثر تمكّنًا من الدّعوة في بلادهم إن أرادوا نصرة، وإذا عجزوا عنها في بلادهم فهم في خراسان أعجز! لذلك، ينبغي لهم أن يدعوا إلى اللّه وخليفته في بلادهم، وأن يجمعوا أكبر عدد ممكن من أهلهم وقومهم، ثمّ يفكّروا في الهجرة إلى خراسان؛ لأنّ من لا ينفع إمامه في بلده الذي يألفه وله فيه معارف ومرافق، فكيف ينفعه في بلد غريب؟! كما أنّ اللّه تعالى يقول: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٢] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ[٣] ويقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ[٤]. نعم، إذا قضى المؤمنون ما عليهم في بلادهم، لدرجة أنّ إقامتهم فيها لم تعد مفيدة، فسيتمّ التمهيد لهجرتهم إلى خراسان، وفي ذلك الوقت، سيتمّ توفير جميع المعلومات اللازمة لهذا الغرض لهم إن شاء اللّه.

ثبّت اللّه أقدام المؤمنين على الإيمان، ووفّقهم للهجرة والجهاد في سبيله؛ لأنّه يحبّ المهاجرين في سبيله، ويفضّل المجاهدين في سبيله على القاعدين؛ كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ[٥]. طوبى للذين يخرجون من بيوتهم لنصرة المهديّ؛ لأنّهم لن يرجعوا إلى بيوتهم خجلين، وويل للذين يمكثون في بيوتهم لنصرة الآخرين؛ لأنّهم سيُخرَجون من بيوتهم خجلين، والأرض ميراث الصالحين. [نبذة من السؤال والجواب ٢٠]

↑[١] . لهذا المضمون في أهمّ مصادر أهل السنّة، انظر: مصنّف ابن أبي شيبة‌، ج٨، ص٦٩٧؛ مسند أحمد، ج٥، ص٢٧٧؛ سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٦٦؛ سنن أبي داود، ج٢، ص٣١١؛ فتن ابن حماد، ص١٨٨؛ مسند البزاز، ج٤، ص٣١٠؛ مسند الشاشي، ج١، ص٣٤٧؛ المعجم الأوسط للطبراني، ج٦، ص٢٩؛ الكامل لابن عدي، ج٤، ص٢٢٧؛ المستدرك على الصّحيحين للحاكم النيسابوريّ، ج٤، ص٤٦٤؛ دلائل النبوّة للبيهقيّ، ج٦، ص٥١٦ وفي أهمّ مصادر الشيعة، انظر: مناقب أمير المؤمنين لمحمّد بن سليمان الكوفي، ج٢، ص١١٠؛ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار لابن حيّون، ج٣، ص٤٠١؛ دلائل الإمامة للطبري الإمامي، ص٤٤٢ و٤٤٦؛ الغيبة للنعماني، ص٢٨١؛ الملاحم والفتن للسيّد بن طاووس، ص١١٩؛ الدر النظيم لابن أبي حاتم، ص٧٩٨، ٧٩٩ و٨٠٠.
↑[٢] . الشعراء/ ٢١٤
↑[٣] . التوبة/ ١٢٣
↑[٤] . النحل/ ١
↑[٥] . التوبة/ ٢٠
( ٥٤ )

قد أوضح اللّه تعالى واجبات الإنسان تجاه الحقّ في سورة واحدة من كتابه وقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[١]. هذا يعني أن لكلّ إنسان أربعة واجبات تجاه الحقّ: الأوّل معرفته وقبوله نظريًّا، وهذا هو «الإيمان» الذي يعتبر واجبًا فرديًّا، والثاني الإلتزام به وتطبيقه عمليًّا، وهذا هو «العمل الصالح» الذي يعتبر واجبًا فرديًّا، والثالث دعوة الآخرين إلى «الإيمان» بمعنى دعوتهم إلى معرفة الحقّ وقبوله نظريًّا، وهذا هو «التواصي بالحقّ» الذي يعتبر واجبًا اجتماعيًّا، والرابع دعوة الآخرين إلى «العمل الصالح» بمعنى دعوتهم إلى الإلتزام بالحقّ وتطبيقه عمليًّا، وهذا هو «التواصي بالصّبر» الذي يعتبر واجبًا اجتماعيًّا. بناء على هذا، فإنّ واجبك الفرديّ والإجتماعيّ وفقًا لكتاب اللّه تعالى هو أن تعرف «الإسلام الخالص والكامل» الذي يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني من خلال الدراسة في مدرسة هذا العالم المصلح، وتؤمن به عن بصيرة وإخلاص، ثمّ تقوم بتطبيقه في حياتك الشخصيّة، وتخبر به الآخرين حتّى يتحوّل تدريجيًّا إلى الفكر والشغل والغاية القصوى لمعظم المسلمين، ويغطّي على نظرة عبدة الطواغيت إلى العالم، ويمهّد لظهور خليفة اللّه في الأرض وعلوّ كلمة اللّه على كلمة الآخرين. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٤، التعليق ١]

↑[١] . العصر/ ١-٣
( ٥٥ )

جميع التكاليف الفرديّة والإجتماعيّة التي تمّ تشريعها في الإسلام هي مشتركة بين الرّجل والمرأة، ما عدا التكليف الذي كان هناك دليل قطعيّ على اختصاصه بأحدهما؛ كما أنّ اللّه تعالى أحصى في كتابه أربعة تكاليف للإنسان فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[١]. من الواضح أنّ «الإنسان» يعمّ الرجل والمرأة ولذلك، فإنّ التكاليف الأربعة المذكورة في كتاب اللّه تعالى، أي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحقّ والتواصي بالصبر، هي متوجّهة إلى كلاهما. بناءً على هذا، يجب على كلّ من الرّجل والمرأة أن يؤمن بالحقّ أوّلًا، أي يعرفه ويقبله بقلبه، ثمّ يعمل به ثانيًا، أي يقوم بتطبيقه وإجرائه في الممارسة العمليّة، ثمّ يوصي به ثالثًا، أي يدعو الآخرين إلى معرفته وقبوله بقلوبهم، ثمّ يوصي بالصّبر عليه رابعًا، أي يدعو الآخرين إلى تطبيقه وإجرائه في الممارسة العمليّة رغم كلّ صعوباتها وأخطارها. هكذا، فإنّ الإيمان والعمل بالحقّ هما الواجب الفرديّ، وتوصية الآخرين بهما هي الواجب الإجتماعيّ للرجل والمرأة، وإذا فعلا ذلك سيخرجان من «الخسر»، وإذا لم يفعلا سيبقيان في «الخسر»، وليس هناك أيّ فرق بينهما في هذا الصدد.

إنّ التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام أيضًا يتمّ تعريفه في نفس الإطار؛ لأنّ ذلك بالطريقة التي أوضحها السّيّد المنصور في كتاب «العودة إلى الإسلام»، هو من أعظم مصاديق الحقّ وبالتالي، فإنّ قبوله نظريًّا وإقامته عمليًّا ودعوة الآخرين إلى ذلك، واجب كلّ مسلم وسبب نجاته من الخسران، سواء كان ذكرًا أو أنثى...

الحاصل أنّ الواجب على كلّ مسلم القيام لدعم المهديّ بكلّ عمل شرعيّ يستطيعه؛ لأنّ ملاك الواجب في هذا الصّدد هو «الشرعيّة» و«الإستطاعة»، وليس في ذلك فرق بين الرّجل والمرأة. [نبذة من السؤال والجواب ٢١]

↑[١] . العصر/ ١-٣
( ٥٦ )

انظر حولك؛ كم ترى من أضاع أفضل سنوات شبابه في دعم ألعاب سياسيّة حمقاء أو ادّعاءات كاذبة جنونيّة، ولكن لا يخصّص ساعة للتعرّف على النهضة العقلانيّة والقرآنيّة «العودة إلى الإسلام» ودعم زعيمها العالم الذي لا يدّعي لنفسه شيئًا! انظر حولك مرّة أخرى؛ كم ترى من يلقي بثروات طائلة في بحر الأوهام والأماني، أملًا في كسب الأجر وخدمة الإسلام، لكنّه لا ينفق فلسًا في سبيل التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام وملء الأرض قسطًا وعدلًا! أولئك الذين أخبر اللّه تعالى عنهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[١].

طبعًا لا شكّ أن هذا المكتب في سبيل استمرار رسالته العقليّة والشرعيّة، لا يعتمد على دعم أيّ شخص في العالم إلا ربّه، وسيستمرّ في طريقه المستقيم على الرغم من كلّ المتاعب والصعوبات المتصوّرة، حتى يصل إلى مثله الأعلى المقدّس، وهو إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكم. فذر الذين يملكون السلطة والثروة في الحياة الدنيا ولا ينفقونها في سبيل اللّه، يغترّوا بسلطتهم وثروتهم؛ لأنّنا لسنا في حاجة إليهم، وليست سلطتهم وثروتهم أكثر قيمة عندنا من ميتة كلب. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[٢] وليست لأصحاب السلطة والثروة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ[٣]. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٨]

↑[١] . الكهف/ ١٠٣ و١٠٤
↑[٢] . هود/ ٤٩
↑[٣] . الشعراء/ ٢٢٧
( ٥٧ )

وفّق اللّه جميع المسلمين لليقين بالحقّ، ثمّ الصبر عليه؛ لأنّ اليقين والصّبر يمهّدان لظهور الأئمّة بينهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[١]، ومن الواضح أنّ المهديّ عليه السلام هو من أعظم الأئمّة، والحمد للّه الذي هدانا لهذا، وسلامه ورحمته على المنصور الهاشمي الخراساني الذي توسّط في هذه الهداية. [نبذة من الإنتقاد والمراجعة ١٢]

↑[١] . السجدة/ ٢٤
( ٥٨ )

من المؤمّل أن تصبح رؤية المسلمين للمهديّ وظهوره وحكومته رؤية منفتحة وواقعيّة بفضل نهضة المنصور الهاشمي الخراساني؛ لأنّه يحاول تصحيح رؤيتهم للمهديّ وإخراج ظهوره وحكومته من ظلام الوهم إلى ضوء الواقعيّة والعينيّة، وهذا هو التمهيد العمليّ لظهور المهديّ وحكومته الذي يتمّ من قبل المنصور الهاشمي الخراساني فقطّ ولا يوجد ذكر لذلك في أيّ مكان سوى محضره.

وفّق اللّه جميع المسلمين لفهم هذه التعاليم العميقة والإنضمام إلى الممهّدين الحقيقيّين لظهور المهديّ ويحفظهم من كيد الشياطين الذين يسعون بكلّ ما لديهم من الوسائل لمنعهم من القيام بهذا العمل الواجب والحيويّ. [نبذة من السؤال والجواب ٩]

( ٥٩ )

نسأل اللّه لكم ولسائر المسلمين التوفيق لحماية المهديّ عليه السلام بدلًا من حماية الآخرين؛ لأنّ حماية الآخرين مشقّة لا يترتّب عليها خير، وحماية المهديّ عليه السلام مشقّة فيها خير الدّنيا والآخرة، ولكن أين يوجد لبيب يريد خير الدنيا والآخرة؟! [نبذة من السؤال والجواب ١٦]

( ٦٠ )

نرجو من اللّه أن يمنح جميع المسلمين القدرة على فهم هذه الحِكَم والحقائق القيّمة، ويليّن قلوب الحكّام المسلمين لقبولها، حتّى تتوفّر أسباب ظهور سيّدنا الإمام المهدي عليه السلام، وتنتهي مصائب ومشاكل العالم الإسلاميّ في أقرب وقت ممكن؛ لأنّه على كلّ شيء قدير وهو أرحم الراحمين. [نبذة من السؤال والجواب ١١]