الأحد ٢ صفر ١٤٤٢ هـ المعادل لـ ٢٠ سبتمبر/ ايلول ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
(٤٣) في رأي المنصور الهاشمي الخراساني، يجب على علماء المسلمين الدعوة إلى خليفة اللّه في الأرض بدلًا من الدعوة إلى أنفسهم، والإنشاء والصيانة لحكومته بدلًا من الإنشاء والصيانة لحكومتهم؛ لأنّ ذلك أمر ممكن إذا استوفى المسلمون شروطه المسبقة، وشروطه المسبقة هي إلى حدّ كبير نفس الشروط المسبقة لإنشاء وصيانة الحكومات الأخرى. (الإنتقاد والمراجعة ٤)
loading
السؤال والجواب
 

أنا رجل في منتصف العمر وأريد أن أتربّى من جديد فأصير مسلمًا وموحّدًا مخلصًا وفق ما أراده اللّه منّي. لقد حاولتُ عدّة مرات أن أسيطر على نفسي وأسيطر على سلوكي السيّء، لكنّي لم أفلح بعد؛ كما أريد أن أقف بجانب العالم الربّانيّ المنصور الهاشمي الخراساني في التمهيد لظهور الإمام المهديّ، لكنّي أجد نفسي ضعيفًا جدًّا! بماذا يوصي جناب العلامة أمثالي الذين يحبّون العمل بالواجب من أجل معالجتهم؟ هل هناك أمل في التغلّب على النفس؟

لا شكّ أنّ الأمل موجود مادامت الحياة موجودة؛ لأنّ الموت هو الذي يقضي على الآمال ويسلب إمكان التوبة والإصلاح؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[١] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[٢] ولذلك يجب على كلّ إنسان أن يعرف قدر لحظات حياته ويبحث عن حيلة للنجاة من الخسران قبل أن تدركه لحظة موته التي لا يعلم متى هي والحيلة ما بيّنه اللّه في كتابه وذكر له أربع مراحل: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحقّ والتواصي بالصبر؛ كما قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[٣]. هذا يعني أنّ الإنسان مكلّف بأربع تكاليف أساسية لكي ينجو من الخسران: الأول أن يصلح عقائده من خلال معرفة الحقّ وهذا يعدّ «إيمانًا» وهو تكليف فرديّ والثاني أن يصلح أعماله من خلال الإلتزام بالحقّ وهذا يعدّ «عملًا صالحًا» وهو تكليف فرديّ والثالث أن يدعو الآخرين إلى «الإيمان» أي إصلاح عقائدهم من خلال تبليغ الحقّ وهذا يعدّ «تواصيًا بالحقّ» وهو تكليف اجتماعيّ والرابع أن يدعو الآخرين إلى «العمل الصالح» أي إصلاح أعمالهم من خلال ترويج الإلتزام بالحقّ وهذا يعدّ «تواصيًا بالصبر» وهو تكليف اجتماعيّ.

بناء على هذا، فإنّ تكليف جنابكم قبل كلّ شيء هو إصلاح عقائدكم وفي المرحلة الثانية إصلاح أعمالكم وفي المرحلة الثالثة إصلاح عقائد الآخرين وفي المرحلة الأخيرة إصلاح أعمال الآخرين ولا يخفى أنّ رعاية هذا الترتيب ضروريّة؛ لأنّكم لا تقدرون على إصلاح أعمالكم حتّى تصلحوا عقائدكم؛ نظرًا إلى أنّ العقائد هي مبنى الأعمال وإذا كان مبنى الأعمال غير صحيح تكون الأعمال غير صحيحة أيضًا، بل تحبط الأعمال الصحيحة أيضًا؛ كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا[٤] وقال العبد الصالح العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى:

«الْإِيمانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مُتَلازِمانِ كَإِصْبَعَيَّ هاتَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ السَبَّابَةِ وَالْوُسْطَى- وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ أَحَدُهُما بِدُونِ الْآخَرِ. الْإِيمانُ هُوَ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ عَقِيدَةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَنْ يُفْلِحَ أَبَدًا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَقِيدَةٌ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ. فَضَعُوا عَقِيدَتَكُمْ فِي مِيزانِ الْعَقْلِ، وَاعْرِضُوها عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِئَلّا تَكُونُوا قَدْ أَخْطَأْتُمُ السَّبِيلَ.»[٥]

وقال:

«فَهَلْ يَبْقَى الْبَناءُ مَشِيدًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَساسٌ؟! أَوْ هَلْ يَنْفَعُ الْإِنْسانَ أَعْضاءُ جَسَدِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْسٌ؟! أَوْ هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ حَجُّهُ وَصَوْمُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَلاةٌ؟! هَكَذا، فَإِنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ صالِحٌ.

أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ماتَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ أَوْ مُتَعِلِّقًا بِأَسْتارِ الْكَعْبَةِ وَلَهُ ما لِجَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ مِنَ الْباطِلِ وَأَهْلِهِ، فَقَدْ ماتَ مِيتَةً جاهِليَّةً وَدَخَلَ النَّارَ. لِذَلِكَ، يَتَوَجَّبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الْحَقَّ وَأَهْلَهُ مِنَ الْباطِلِ وَأَهْلِهِ، وَتُقَدِّمُوا هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ بِدُونِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ لا إِيمانَ لَكُمْ، وَلا يَنْفَعُكُمْ صَلاةٌ وَلا صَوْمٌ وَلا حَجٌّ وَلا زَكاةٌ، وَلَتَكُونُنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.»[٦]

ثمّ إنّكم لا تقدرون على إصلاح عقائد الآخرين حتّى تصلحوا أعمالكم؛ نظرًا إلى أنّ أعمالكم الخاطئة تلقي بظلالها على عقائدكم الصحيحة وتريها خاطئة في أعين الآخرين تبعًا لأعمالكم؛ كما يقول الشاعر: «وعظ بي‌عملان، واجب است نشنيدن» أي وعظ غير العاملين يجب أن لا يُسمع! لهذا السبب، قدّم العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى إصلاح النفس على إصلاح الآخرين وقال:

«إِنَّ لِلَّهِ فِي أَطْرافِ هَذِهِ الْأَرْضِ الْواسِعَةِ رِجالٌ اسْتَحَبُّوا ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى شَواغِلِ الدُّنْيا، وَلَمْ تُلْهِهِمْ تِجارَةٌ عَنْ إِقامَةِ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِها. يَقْضُونَ النَّهارَ وَاللَّيْلَ فِي عِبادَةِ اللَّهِ، وَيُسْمِعُونَ الْغافِلِينَ تَحْذِيراتِهِ. يَدْعُونَ الْآخَرِينَ إِلَى الْعَدْلِ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهِ قَبْلَهُمْ.»[٧]

كما اعتبر إصلاح النفس أهمّ هاجس للصالحين وقال:

«لَوْ عَثَرْتَ عَلَيْهِمْ وَرَأَيْتَ دَرَجاتِهِمُ الْعُلَى كَيْفَ نَشَرُوا كِتابَ أَعْمالِهِمْ وَتَهَيَّأُوا لِلْحِسابِ؛ يَتَفَكَّرُونَ كَمْ مِنْ أَعْمالٍ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا فِيها، وَكَمْ مِنْ أَعْمالٍ نُهُوا عَنْها فَارْتَكَبُوها! يَشْعُرُونَ بِثِقْلِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ حَمْلِها وَسَقَطُوا عَلَى رُكَبِهِمْ، يَبْكُونَ وَيَتَمَلْمَلُونَ كَمَنْ بِهِ وَجَعٌ.»[٨]

ثمّ إنّكم لا تقدرون على إصلاح أعمال الآخرين حتّى تصلحوا عقائدهم؛ نظرًا إلى أنّ عقائدهم هي مبنى أعمالهم وإذا كان مبنى أعمالهم غير صحيح تكون أعمالهم غير صحيحة أيضًا، بل تحبط أعمالهم الصحيحة أيضًا. لهذا السبب، اعتبر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى مراعاة الأولويّات في إصلاح الآخرين ضروريّة وقال تعريضًا بالعلماء الذين يسكتون أمام عقائد الناس الخاطئة ويبالغون في إنكار أعمالهم الخاطئة:

«يَرَوْنَ الْقَذَى فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، لَكِنَّهُمْ لا يَرَوْنَ الْجِذْعَ فِيها! يَنُشُّونَ الذُّبابَ مِنْ أَظْهُرِ النَّاسِ، لَكِنَّهُمْ يَتْرُكُونَ الْجَمَلَ عَلَيْها! مَعَ أَنَّ مَنْ وَقَعَ الْفَأْسُ فِي رَأْسِهِ لا يُبالِي خَدْشَ بَنانِهِ، وَمَنْ يَغْرَقُ فِي الْيَمِّ لا يَهُمُّهُ ابْتِلالُ لِباسِهِ!»[٩]

من هذا يُعلم أنّ فشلكم -إن كنتم تدركون فشلًا- قد تسبّب عن فشلكم في العمل بكلّ هذه التكاليف الأربعة أو بعضها؛ بحيث أنّكم إمّا لم تصلحوا بعد بعض عقائدكم الخاطئة، أو لم تعملوا بعد ببعض لوازم عقائدكم الصحيحة، أو لم تؤدّوا بعد حقّ الدعوة إلى عقائدكم الصحيحة، أو لم تسعوا بعد لإصلاح أعمال الآخرين بما فيه الكفاية. لذلك، عليكم بمعرفة النفس، بمعنى معرفة نواقصكم في كلّ من هذه المجالات؛ لأنّ من لا يعرف داءه لا يعرف دواءه، فيكون إذًا كمن يرمي في الظلام ولهذا السبب، قال العلامة رافعًا يديه بالدعاء:

«يَحْيَى رَأْسٌ يَعْرِفُ قَدْرَهُ، وَيَبْقَى قَلْبٌ يَفْطِنُ عَيْبَهُ.»[١٠]

بناء على هذا، فإنّ نصيحتنا لكم هي أن تكرّسوا معظم وقتكم وقوّتكم لإصلاح عقائدكم وأعمالكم، لا إصلاح عقائد الآخرين وأعمالهم؛ كما أمركم اللّه تعالى بهذا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[١١] وقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[١٢] وعليه، فالواجب عليكم أن تبدؤوا الإصلاح بعقائدكم وأعمالكم ويتمّ إصلاحها من خلال الالتزام بمعيار المعرفة واجتناب موانعها مثل الجهل والتقليد والأهواء النفسانيّة وحبّ الدّنيا والتعصّب والتكبّر والنّزعة الخرافيّة التي جاء بيانها في كتاب «العودة إلى الإسلام» وفقًا لكتاب اللّه وسنّة نبيّه المتواترة وهذا يتطلّب منكم عزمًا راسخًا وإرادة قويّة؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[١٣] وقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[١٤] وهم الذين يحبّون أن يتطهّروا من دون استكبار ولا استغناء؛ كما قال اللّه تعالى فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ[١٥] وما التوفيق إلّا من عند اللّه الغفور الرّحيم.

↑[١] . النساء/ ١٨
↑[٢] . المؤمنون/ ٩٩ و١٠٠
↑[٣] . العصر/ ١-٣
↑[٤] . الأحزاب/ ١٩
↑[١١] . المائدة/ ١٠٥
↑[١٢] . البقرة/ ٤٤
↑[١٣] . آل عمران/ ١٨٦
↑[١٤] . فصّلت/ ٣٥
↑[١٥] . التوبة/ ١٠٨
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading