الخميس ١٠ ذي القعدة ١٤٤١ هـ المعادل لـ ٢ يوليو/ حزيران ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ إطلاق قسم «الدروس» الشامل لدروس العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى المرتكزة على القرآن والسنّة. * تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى.
loading
الرسالة
 
الرقم: ٦
الموضوع:

رسالة من جنابه يعظ فيها أنصاره.

ترجمة الرسالة:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ الْهاشِمِيِّ الْخُراسانِيِّ إِلَى الْعِصابَةِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ؛ وَأَمَّا بَعْدُ..

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ الَّذِي هَدَاكُمْ فِي ذُرْوَةِ الضَّلالَةِ، وَدَلَّكُمْ فِي حَضِيضِ الْحَيْرَةِ، وَأَعَزَّكُمْ فِي بُحْبُوحَةِ الذِّلَّةِ، وَعَلَّمَكُمْ فِي حِصارِ الْجَهالَةِ، وَسَلَكَ بِكُمْ سَبِيلًا لا عِوَجَ لِاسْتِوائِهِ وَلا وَعْرَ لِسُهُولَتِهِ، فِي حِينٍ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَرِقُونَ مِنْ حَوْلِكُمْ، وَيَدْخُلُونَ الظُّلْمَةَ أَفْواجًا. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ بِقُلُوبِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، عَسَى أَنْ يَجْعَلَكُمْ صالِحِينَ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ.

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! انْظُرُوا فِي سِيرَةِ الْأَوَّلِينَ، وَاعْتَبِرُوا مِنْ عاقِبَتِهِمْ؛ الَّذِينَ نَسُوا أَيَّامَ اللَّهِ وَكَفَرُوا بِآلائِهِ، فَهَوَى سَيْفُ الشَّقاءِ عَلَى رِقابِهِمْ، وَوَقَعَ سَهْمُ الرَّدَى عَلَى صُدُورِهِمْ، فَدُمِّرُوا تَدْمِيرًا كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْعالَمِ أَبَدًا! أَنْتُمُ الآنَ قَدْ سَكَنْتُمْ فِي أَراضِيهِمْ، وبَنَيْتُمُ الْبُيُوتَ عَلَى أَطْلالِهِمْ، فَلا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا سُنَنَهُمْ، فَيُصِيبُكُمْ ما أَصابَهُمْ، فَتُصْبِحُونَ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَكُمْ، كَما هُمْ أَصْبَحُوا عِبْرَةً لَكُمْ!

أَحَسِبَ الَّذِينَ بَلَغَهُمْ نِداؤُنا مِنْكُمْ وَادَّعَوْا إِجابَتَهُ، أَنَّهُمْ يُتْرَكُونَ لِمُجَرِّدِ ادِّعائِهِمْ وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أَبَدًا؟! كَلَّا، بَلْ يُفْتَنُونَ لِيُعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنْهُمْ وَيُعْلَمَ الْكاذِبُونَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ الْقَوْلُ وَقَلَّ الْعَمَلُ. فَلا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى خِداعِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ خَدَعَ أَمْكَرَ الْماكِرِينَ وَاسْتَهْزَأَ بِهِمْ، لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ غافِلٌ عَنْ نِيَّاتِهِمْ وَجاهِلٌ بِأَغْراضِهِمْ!

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! إِيَّاكُمْ أَنْ تَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِنُصْرَتِكُمْ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لا يَحْتاجُ إِلَى نُصْرَتِكُمْ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُحْتاجُونَ إِلَى نُصْرَتِهِ. أَما تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَوْ شاءَ لَخَلَقَ مِنَ الْحَصَى وَالرِّمالِ أَنْصارًا لِنَفْسِهِ؟! فَاصْدِقُوهُ وَاخْلِصُوا لَهُ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ فِي السَّماءِ وَجِلُونَ مِنْ هَيْبَتِهِ!

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! أَنْبِئُونِي عَنْ وُرْدِ الْأَرْضِ، هَلْ تَنْمُو إِذَا غَشِيَهَا الْأَشْواكُ وَالْأَعْشابُ الضَّارَّةُ؟! كَذَلِكَ أَنْتُمْ لا تَنْمُونَ ما دُمْتُمْ مُبْتَلِينَ بِالنَّزَواتِ وَالتَّعَلُّقاتِ؛ لِأَنَّها تُوهِنُ قُوَّتَكُمْ وَتُضِيعُ وَقْتَكُمْ.

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! كَمَا أَنَّ اللَّبَنَ لا يُسْكَبُ فِي الْأَوْعِيَةِ الْقَذِرَةِ، لا تُوضَعُ الْمَعْرِفَةُ فِي الْقُلُوبِ الْمُلَوَّثَةِ، وَكَمَا أَنَّ الْجَوْهَرَ لا يُلْقَى فِي مَلْقَى الْزُّبالَةِ، لا تُودَعُ الْحِکْمَةُ فِي الصُّدُورِ الْمُدَنَّسَةِ؛ لِيَحْصُلَ الَّذِينَ نَبَذُوا الْفِكْرَ السَّيِّءَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَيَصِلَ الَّذِينَ طَرَدُوا الشَّكَّ مِنْ صُدُورِهِمْ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَيَبْقَى الَّذِينَ لَدَيْهِمْ شُكُوكٌ وَأَفْكارٌ سَيِّئَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ.

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي لِتَكْسِبُوا الْمَعْرِفَةَ، وَتَفَكَّرُوا فِيهِ لِتُؤْتَوا الْحِكْمَةَ؛ فَإِنِّي أُرَبِّيكُمْ بِهِ كَمَا يُرَبِّي الْبُسْتانِيُّ أَشْجارَ الْفاكِهَةِ، حَتَّى أَجْعَلَكُمْ جَماعَةً كافِيةً لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلآخِرَةِ وَلَمْ تُخْلَقُوا لِلدُّنْيا؛ فَاعْمَلُوا لِلآخِرَةِ وَلا تَعَلَّقُوا بِالدُّنْيا. إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ راكِبِ الْبَحْرِ، حَطَمَ الطُّوفانُ سَفِينَتَهُ؛ فَتَعَلَّقَ بِخَشَبَةٍ حَتَّى نُبِذَ بِجَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ. فَلَمَّا اسْتَعادَ وَعْيَهُ وَسارَ فِيها، فَطِنَ لِأَنَّ الْجَزِيرَةَ غَيْرُ مَسْكُونَةٍ وَفِيها وُحُوشٌ ضارِيَةٌ، وَلا يُوجَدُ فِيهَا الْماءُ وَالْغِذاءُ إِلّا نَزْرًا. أَتَرَوْنَهُ يَخْلُدُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَيَتَلَهَّى بِتَشْيِيدِ الصُّرُوحِ كَأَنَّهُ سَيَبْقَى فِيها أَبَدًا، أَمْ يَكْتَفِي بِاتِّخاذِ مَأْوًى وَيَشْتَغِلُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وَجَمْعِ الزَّادِ لِيُنْجِيَ نَفْسَهُ؟! ‌

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! إِنَّا نَعِيشُ فِي زَمانٍ كَثُرَتْ فِيهِ زِينَةُ الدُّنْيا وَعَمَّتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلْوَى. لَقَدْ نَسِيَ النَّاسُ اللَّهَ وَنَسِيَهُمْ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمانِ الْكَلِبِ، إِنَّما يُغَيِّرُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الدُّنْيا.

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! إِذَا انْشَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيا، فَانْشَغِلُوا أَنْتُمْ بِالآخِرَةِ لِتَمْتازُوا عَنْهُمْ. لا تَحْزَنُوا عَلَى الدُّنْيا؛ لِأَنَّ الدُّنْيا لا تَحْزَنُ عَلَيْكُمْ. دَعُوها لِتَكُونَ مَرْعَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَلا يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْإِنْسانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ. هُمْ لَها وَهِيَ لَهُمْ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ طِفْلٍ يَلْعَبُ فِي ساحِلِ الْبَحْرِ، فَيَبْنِي لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّمالِ صُرُوحًا وَيَحْسَبُ أَنَّها سَتَبْقَى، فَيَأْتِيها مَوْجٌ بَغْتَةً وَيَهْدِمُها جَمِيعًا، فَيَأْسِفُ الطِّفْلُ وَيَنْظُرُ إِلَى الرِّمالِ بِحَسْرَةٍ، كَمْ تَجَشَّمَ الْعَناءَ هَدْرًا!

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! أَما تَعْجَبُونَ مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشَّيْطانَ وَلِيًّا لَهُمْ، وَاسْتَأْنَسُوا بِهِ، وَلا صَبْرَ لَهُمْ عَلَى فِراقِهِ؟! اعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ ما يَشْغَلُكُمْ بِنَفْسِهِ ما خَلَا اللَّهَ شَيْطانٌ. كَذَلِكَ أَضْرِبُ لَكُمُ الْأَمْثالَ لِتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ، لا لِتَفْرَحُوا بِهِِ أَوْ تَسْتَعْلُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ، كَالَّذِينَ تَعَلَّمُوا الْعْلِمَ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيا، لِيُسَيْطِرُوا بِهِ عَلَى الْجُهَّالِ، وَلِيَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ بِالْباطِلِ؛ وَلَكِنْ تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتَعْمَلُوا بِهِ، وَعَلِّمُوهُ الْجُهَّالَ مِنْ غَيْرِ مَطْمَعٍ، لِتَكُونُوا أَسْبابًا لِلْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، لا كَالسَّبْخَةِ الَّتِي لا يُؤْمَلُ مِنْها إِنْباتٌ!

يَا مَعْشَرَ أَنْصارِي! هَلِ اكْتَفَيْتُمْ بِأَنْ تَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ أَنْصارِي وَلا تَقْتَدُوا بِي فِي الْعَمَلِ؟! أَنَّى لِيَ الْقِيامُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مُتَزَعْزِعُونَ لِهَذَا الْحَدِّ؟! أَيْنَ أَنْصارِيَ الْحَقِيقِيُّونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ نَبَذُوا الدُّنْيا وَراءَ ظُهُورِهِمْ عَلَى مِثالِ الْمَسِيحِ، وَتَحَرَّرُوا مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ بِها؟ أَيْنَ الَّذِينَ كانُوا رُفَقاءَ الْمَوْتِ، وَيَرَوْنَ اللَّهَ حاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ يَبْكُونَ مِنْ هَوْلِ النَّارِ كَأَنَّهُمْ ثَكالَى! كانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى أَطْرافِ السَّماءِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ فِي أَرْجائِها! يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيَجْتَنِبُونَ الطَّاغُوتَ. يُطِيعُونَ إِمامَهُمْ، وَيَتَسابَقُونَ فِي نُصْرَتِهِ. إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ زُبَرَ الْحَدِيدِ أَوْ جِبالًا راسِيَةً! إِذَا هاجَمُوا الْعَدُوَّ فِي صُفُوفِهِمْ، حَسِبْتَهُمْ يُثِيرُونَ إِعْصارًا وَعاصِفَةً رَمْلِيَّةً! كانُوا يُراقِبُونَ سُلُوكَهُمْ، وَيَعْرِفُونَ مَقامَ كُلِّ مَقالٍ. مُتَحَلِّينَ بِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَمُتَنَزِّهِينَ عَنِ الرَّذائِلِ الْكَبِيرَةِ. مَجْهُولِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَعْرُوفِينَ فِي السَّماءِ. شُعْثًا غُبْرًا صُفْرًا. لَهُمْ في آناءِ اللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ! يَقْضُونَ اللَّيْلَ بِالصَّلاةِ وَالْإِسْتِغْفارِ وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْضُونَ النَّهارَ بِالتَّعَلُّمِ وَالْجِهادِ وَالسَّعْيِ فِي حَوائِجِ النَّاسِ. لا يَمَلُّونَ وَلا يَرْتابُونَ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ. قَضَوْا نَحْبَهُمْ وَذَهَبُوا وَأَنْتُمُ الآنَ بَقِيتُمْ لَنا. فَاجْتَهِدُوا فِي أَنْ تَكُونُوا لَهُمْ خَلائِفَ صالِحينَ، وَاقْتَدُوا بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوا الْفَرَجَ حَتَّى تَكُونُوا كَذَلِكَ».

لقراءة الرسالة باللغة الأصليّة، انقر هنا.
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضوًا في النشرة الإخبارية؟