اليوم، يعاني العالم الإسلامي من اضطرابات عديدة وفوضى غير مسبوقة، حتى غدا يشبه سوقًا تعمّها الفوضى، لا نظام فيها ولا ترتيب؛ إذ من جهة، فقدت أمّة الإسلام منذ زمن طويل وحدتها السياسية والثقافية، وتحوّلت إلى جزائر متناحرة مستقلّة، ومن جهة أخرى، فإنّ كلّ جماعة من المسلمين في كلّ زاوية من العالم الإسلامي اليوم ترفع راية لها وتطالب بالحكم، وتتوسّل بكلّ وسيلة من أجل اكتساب المزيد من السلطة. وقد تحوّل المسلمون الآن إلى خصوم سياسيّين في المنطقة، ويسعون في صراع خبيث على السلطة إلى تدمير بعضهم بعضًا، بينما ينفخ الكفّار من الخارج، والمنافقون من الداخل، في نار هذه الفرقة، ويعملون بشتّى الحيل والأساليب على تعميق الخلافات القائمة بين المسلمين. في مثل هذا الزمن المضطرب، يبرز سؤال مهمّ وحاسم: ما السبيل الأمثل والمخرج الأسدّ للمسلمين للخلاص من الفتن المدمّرة، كاندلاع الحروب، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وإثارة الاضطرابات والصراعات والفرقة، وآلاف البلايا الأخرى التي تحيط بهم من كلّ جانب وتخيّم على حياتهم؟ بعبارة أخرى: ما واجب المسلمين للخلاص من هذه الأزمات، وإنقاذ الأمّة الإسلاميّة من التحدّيات والصراعات القائمة، وهم اليوم محاصرون بالكفّار من الخارج، والمنافقين من الداخل، فضلًا عن النزاعات المذهبيّة والداخليّة، بينما تزداد أمّة الإسلام احتراقًا يومًا بعد يوم في نار هذه الفتن المدمّرة؟ في مقام الإجابة عن هذا السؤال، انقسم المسلمون إلى فئات مختلفة، وقد قدّموا في ميدان العمل إجابات متنوّعة يمكن تصنيفها إلى أربع فئات بنظرة عابرة وإجماليّة:
١ . يرى بعض المسلمين، في مثل هذه الظروف الحرجة وغير المسبوقة، أنّ واجبهم يكمن في العمل البراغماتيّ واتخاذ الإجراءات الميدانيّة والعنيفة في المجالين العسكريّ والاستراتيجيّ. وبمعنى آخر، إنّهم يعتقدون أنّ أفضل الحلول وأكثرها فعّاليّة لتغيير الواقع في العالم الإسلاميّ هو الانضمام إلى الجماعات المسلّحة في المنطقة وتعزيز قوّتها بهدف ضرب الكفّار الحربيّين الغربيّين ودفع خطر المنافقين، والوصول في نهاية المطاف -بحسب زعمهم- إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة؛ غافلين عن أنّ بعض هذه الجماعات نفسها وقادتها من جهة يرتبطون في الخفاء بالكفّار والمنافقين، بل إنّهم قد وصلوا إلى السلطة بوسائل عسكريّة وفّرها لهم الكفّار، وبدعم سياسيّ من منافقين خائنين مرائين؛ كما أنّ تبعيّة تنظيم «داعش» الإرهابيّ وارتهانه لقوى كبرى معادية مثل أمريكا وإسرائيل، وحكّام منافقين في بعض الدّول العربيّة، لم تعد خافية على أحد، بل انكشفت للجميع بعد تسريب معلومات سرية في هذا الشأن على يد أشخاص من أمثال «إدوارد سنودن» الموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكذلك من قبل سياسيّين متقاعدين ومطّلعين على هذا الملفّ مثل «هيلاري كلينتون» وغيرها من السياسيّين الذين كانوا على دراية تامّة بما يدور خلف الكواليس. ومن جهة أخرى، فإنّ بعض قادة وزعماء هذه الجماعات المسمّاة بالجهاديّة -بسبب جهلهم البالغ بالأحكام الإسلاميّة وعدم إدراكهم لروح الشريعة ومقاصدها- لا يملكون الأهليّة ولا الكفاءة لتطبيق الأحكام الإسلاميّة بين المسلمين؛ والأهمّ من ذلك كلّه، أنّ اللّه لم يخترهم لحكم المسلمين. لذا، فإنّ صعودهم إلى السلطة في المجال العسكريّ وهيمنتهم في المجال السياسيّ في كل ركن من أركان العالم الإسلاميّ، كان سببًا في انتشار الفوضى وغياب الأمن، فضلًا عن تشويه الشعائر والرموز الإسلاميّة أكثر من أيّ شيء آخر، وهو ما هيّأ بطبيعة الحال أسباب النفور من الدّين لدى المسلمين؛ كما أنّ ممارساتهم المتطرّفة والعنيفة تجاه المدنيّين الأبرياء غير المقاتلين، بالإضافة إلى المواقف ضيقة الأفق والارتجاعيّة لبعض الجماعات في منطقة آسيا الوسطى، مثل طالبان والقاعدة وأشباههما زادت من حدّة الاحتقان والتوتر في البلدان الإسلاميّة، ولم تفكّ عقدة واحدة من عقد الأمّة الإسلاميّة. وعليه، فإنّ هذا النهج لا يمكن أن يشكّل مخرجًا صحيحًا من الأزمات التي يعاني منها العالم الإسلامي، ولا أن يفضي إلى الاستقرار والأمن والعدالة على نحو مستدام.
٢ . لكن على صعيد أوسع، فإنّ بعض المسلمين في بلدان مثل إيران، التي يدّعي حكّامها إقامة الحكومة الإسلاميّة، ويستمدّون الشرعيّة السياسيّة لحكمهم من مفاهيم دينيّة، ويصادرون الإسلام بهذا الشكل لصالحهم، قد وصلوا إلى نتيجة مفادها أنّ نظام الحكم في بلادهم أفضل بكثير من سائر أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلاميّ؛ إذ انطلاقًا من تصوّر ناقص مضمونه أنّ دولًا إسلاميّة أخرى، كجمهوريات منطقة القوقاز والدول التي استقلّت عن الاتحاد السوفيتي السابق، أو دولًا مثل تركيا العلمانية، ترفع شعار الدّيمقراطية، وأنّ غالبيّة الدول العربيّة قد تحوّلت إلى ملكيات استبداديّة أو أنظمة ديكتاتوريّة، بات هؤلاء الناس يرون أنّ من الأفضل الوقوف إلى جانب حكّامهم ودعمهم، حدوًا للأمل من جهة في نيل العزّ والرفعة، وتفادي ما أصاب بعض الدول الإسلاميّة الأخرى، ومن جهة أخرى لكي يحقّق لهم هؤلاء الحكّام الأمن والحرّيّة والرفاهية والعدالة الشاملة ويبلّغوهم آمالهم الإسلاميّة. لكنّ هؤلاء المسلمين أيضًا غافلون عن أنّ حكّامهم -بغض النظر عمّا يتمتّعون به من احترام وكفاءة- لم يعيّنهم اللّه لحكم المسلمين، وأنّهم ليسوا أفضل من خليفة اللّه المعيّن في الأرض، وبالتالي لا يُعدّون حكّامًا شرعيّين ولا أولى بالحكم منه، وعليهم أن يتخلّوا عن الحكم ويسلّموه إليه. بالإضافة إلى ذلك، وبمعزل عن هذا الموضوع، فقد أقاموا نظام حكمهم على نظرية فقهيّة شاذّة تحت عنوان «ولاية الفقيه المطلقة»، وهي منهج منحرف وبدعيّ تمامًا، ونوع من الاستبداد السياسيّ والتسلّط المتخفّي تحت عباءة الإسلام، وعاجزة عمليًّا عن إقامة العدل والإنصاف بين الناس. وكلّما مرّ الزمن ازداد تجلّي عجز هؤلاء الحكّام ومحدوديّة قدراتهم في السيطرة على الأوضاع الدّاخلية في إيران وأداء دور مفيد والتعامل البنّاء مع العالم الإسلامي؛ والأهمّ من ذلك أنّهم، على الرغم من ادّعاءاتهم المبالغ فيها في هذا المجال، إمّا لم يريدوا أو لم يستطيعوا التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام. لذلك، ونظرًا إلى انتفاء الأهليّة والصلاحيّة الشرعية والعقليّة لديهم لقيادة المسلمين وهدايتهم نحو السعادة والعدالة، فلا شكّ أنّ واجب المسلم لا يمكن أن يكون اتّباع هؤلاء الحكّام والانضواء تحت لوائهم وتأييد حكمهم.
٣ . أمّا المجموعة الثالثة، فتشمل عددًا من الجماعات والأفراد الذين -لأسباب ودوافع متنوّعة- لا يبذلون أي جهد فعّال يُذكر لإصلاح الأوضاع في العالم الإسلاميّ، ويكتفون بدور المتفرّج من بعيد، فيشاهدون كيف يدمَّر العالم الإسلاميّ، ويُباد معه المسلمون من كلّ صوب! فبعضهم -بحجّة أنّه لا ينبغي الخوض في فتن آخر الزمان- انزووا في العزلة والعافية، وانشغلوا بالعبادة والدعاء، ويبدو أنّهم يركّزون على الأخلاق الفرديّة لأنفسهم ولمن حولهم، ومن أمثلة ذلك جماعة «الحجّتيّة» في إيران. وبعض المسلمين الآخرين -مثل «جماعة التبليغ»- يركّزون على دعوة الناس إلى الإسلام، وخاصة شعائره العباديّة مثل الوضوء والصلاة والصوم وحفظ قصار السور من القرآن وتلاوتها، وينظّمون تجمّعات حاشدة جدًّا لهذا الغرض في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ويتحمّلون مشقّات كبيرة، ويرتحلون إلى البلدان الإسلاميّة البعيدة والقريبة، ويدعون المسلمين إلى التمسّك بدينهم؛ كما أنّ بعض «التبليغيّين» الآخرين يسعون من أجل نشر الإسلام بين الكفّار إلى إثبات حقّانيّة الإسلام وأصالته، وحجّيّة القرآن لهم، تمهيدًا لانتشار الإسلام بينهم على نطاق أوسع. وإن كان لا شكّ في أنّ هذه الأنشطة مفيدة وقيّمة في موضعها، وتعتبر ضروريّة للأمّة الإسلاميّة؛ إلّا أنّها ليست الحلّ الرئيس للمشكلات الكبرى ذات الأولويّة التي يعاني منها المسلمون، ولا تعدّ مخرجًا من الأزمات السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة الراهنة، ولا حلًّا كافيًا لإنقاذهم؛ لأنّ هذا النوع من النشاطات لا يعالج جذور المشكلة علاجًا جذريًّا، ولا يُصلح البنى التحتيّة المدمّرة في العالم الإسلاميّ، وإنما يظلّ في حدود إجراءات سطحيّة قليلة الجدوى.
في الوقت نفسه، دخلت مجموعة أخرى من المسلمين في أنشطة حزبيّة وسياسيّة، وتحاول توسيع قاعدة أنصارها من خلال طرح شعارات عامّة وملتبسة، وأنشطة دعائيّة وثقافية واسعة النطاق في العالم الإسلامي، كـ«حزب التحرير» الذي ينشط في بعض البلدان الإسلاميّة، مثل إندونيسيا وماليزيا واليمن وتركيا وباكستان وأفغانستان وغيرها، من أجل الترويج لشعاره القائم على إحياء الخلافة الإسلاميّة الموحّدة، مع أنّه لا يقدّم تعريفًا محدّدًا لهذه الخلافة المزعومة؛ والأسوأ من ذلك، أنّه حتّى في الظاهر لا يولي أهمّيّة لشخص الخليفة وهويّته أو لشروط اختياره، ويبدو أنّه يوحي بأنّ المهمّ هو إقامة الخلافة الإسلاميّة الموحّدة، أمّا شخص الخليفة فليس ذا أهمّيّة كبيرة عنده. وعند التأمل في الأمر، فهناك احتمال أن يكونوا قد اختاروا خلف الستار شخصًا غير مؤهّل وغير جدير بالخلافة على المسلمين، لكنّهم لا يريدون الإفصاح عنه في غير أوانه، وينتظرون فرصة لتولّي السلطة على المسلمين بحركة مفاجئة، لينصّبوا الخليفة الذي اختاروه على سدّة الحكم!
٤ . أمّا المجموعة الرابعة، فتتكوّن من عدد من المسلمين، يظهرون على وجه الخصوص في البلدان ذات الغالبيّة الشيعيّة مثل إيران والعراق، وقد انجرفوا خلف الأدعياء والكذّابين، مستندين إلى خرافات وأوهام لا أساس لها، ومن دون أدنى استفادة من المعارف الإسلاميّة الأصيلة، أو أيّ اعتبار للموازين العقليّة والواقعيّة الإسلاميّة. وهؤلاء يدّعون أنّهم المهتدون وحدهم على وجه الأرض، وأنّهم المخلّص الموعود للمسلمين، وأنّ كلّ من يسلك غير طريقهم فقد ضلّ السبيل، بل هو مستحقّ للعذاب!! ومن أبرز الأمثلة على هذه الفئة أتباع أحمد الحسن البصريّ، الذي عُرف بين معارضيه بلقب «دجّال البصرة» بسبب مغالاته الشديدة. وقد جمع حوله، دون أيّ دليل شرعيّ أو عقليّ، وإنّما بالاعتماد على الأوهام والأحلام المضطربة واستثمار العواطف الشيعيّة الشعبيّة، مجموعة من محدودي الثقافة وسذّج العقول، وزعم أنّه هو اليمانيّ الموعود، بل تمادى في ادّعاءاته، فادّعى في آنٍ واحد أنّه ابن الإمام المهديّ عليه السلام ووصيّه، بل إنّه القائم من آل محمّد، ومنقذ البشريّة أيضًا!! هذا المدّعي، فضلًا عن ترويجه للخرافات والأباطيل بين المسلمين، وتشجيعه لهم على اتّباع الأهواء والأوهام، وتأجيجه للخلافات المذهبيّة بينهم، لا يولي أوضاع المسلمين في العالم الإسلامي أيّ اهتمام، ولا يقدّم سوى الدّعوة إلى شخصه. كما أنّه لا يحمل في فكره أيّ رؤية أو مشروع، ولا يقدّم أيّ مقترحات أو حلول عمليّة للخروج من أزمات المسلمين الراهنة، بل يقدّم نفسه إمامًا للمسلمين، في حين لا يمتلك أدوات التحليل أو القدرة على إبداء الرأي في هذا المجال. ويعتمد في ذلك على الخداع وإظهار المظلوميّة واستغلال المشاعر الشيعيّة الشعبيّة، سعيًا إلى استقطاب الناس إليه. وهؤلاء، إلى جانب كثير من المدّعين الكاذبين الآخرين الذين راجت دعاواهم في بلدان مثل العراق وإيران، يستغلّون بمكر جهل الناس وقلّة معرفتهم بالمعارف والعقائد الإسلاميّة، ويرفعون كلّ يوم راية دعوى جديدة، بعيدة كلّ البعد عن العقل والشرع، فيوقعون طائفة من المسلمين البسطاء والعامّة في الحيرة والضلال، حتى أصبحوا بلاءً آخر ينهك المسلمين ويثقل كواهلهم. والحقيقة أنّ هذه الفئة من المسلمين الغافلين قد انغمست، مع الأسف، في انطواء مفرط، وغفلت عن أحوال العالم الإسلاميّ وما يعتريه من فتن مدمّرة، فانزلقت إلى أودية الخرافات والانحرافات المهلكة، ونسيت واجبها الإسلاميّ والعقليّ، وابتعدت، هي الأخرى، عن جادّة الاعتدال والوسطيّة.
ومن الواضح أنّ أيًّا من هذه المناهج والتصوّرات لا يمكن أن يكون مخرجًا للمسلمين؛ إذ إنّها من جهة لم ينجح إلى اليوم في حلّ عقدة واحدة من مشكلاتهم، بل ظلّ يزيد من حدّة الاضطراب والتشنّج في أوضاعهم، بل إنّ أكثر الأزمات التي يعاني منها العالم الإسلاميّ اليوم إنّما نشأت عن هذه المناهج نفسها. ومن جهة أخرى، فليست هذه المناهج ممّا أمر اللّه المسلمين به ولا دلّهم عليه. لذلك يتبيّن أنّ هذه المناهج لا تملك أساسًا راسخًا من جهة التأصيل، كما لم تُثمر للمسلمين، إلى اليوم، أيّ عائد حقيقيّ من جهة الواقع والتطبيق.
هذه هي أبرز المناهج التي يمكن ملاحظتها، بنظرة سريعة، في العالم الإسلامي، إلّا أنّ منهجًا آخر قد بدأ يبرز في الآونة الأخيرة في المشرق الإسلاميّ، ويبدو أنّه يختلف عن المناهج الأربعة المتقدّمة ويتميّز عنها، سواء من حيث التأصيل أو من حيث الفاعليّة والنتائج. ومن ثمّ يمكن اعتباره منهجًا جديدًا، وفي الوقت نفسه أصيلًا، أخذ ينضج في الأمّة الإسلاميّة ويطرح نفسه بوصفه رؤية متميّزة. ويتولّى قيادة هذا التيّار الإسلاميّ السيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، وهو عالم ربّاني، زاهد، مخلص، بصير، يتسامى بانتمائه فوق الأطر القوميّة والمذهبيّة، ويستند إلى أكثر مصادر الإسلام عقلانيّة ويقينًا، ويدعو إلى هدف مشترك يمكن أن يلتقي عليه جميع المسلمين، وقد وجّه من خلال شعار «العودة إلى الإسلام»، دعوة عامّة وشاملة لجميع المسلمين في أنحاء العالم، بغية الوصول إلى فهم واحد للإسلام، يكون أساسًا راسخًا لوحدة الأمّة ونبذ الخلافات القائمة، فوجّه هذه الدعوة إلى المسلمين جميعًا على اختلاف مذاهبهم، ومهّد بذلك السبيل لإقامة الإسلام الخالص الكامل في العالم.
يتناول السيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ في كتابه المتميّز والمؤثّر الموسوم بـ«العودة إلى الإسلام» طرح الأصول والمباني الحاسمة المتعلّقة بالأوضاع الراهنة في العالم الإسلامي، كما يقدّم دراسة دقيقة وتشخيصًا عميقًا ومتأنّيًا لجذور المشكلات، وتحليلًا نافذًا لما يعانيه المسلمون في مجال العقائد والأعمال. وخلافًا لجميع الناشطين في هذا الميدان، لا ينشغل بالقضايا الهامشيّة والمسائل الثانويّة التي لا طائل تحتها، والتي لا تؤدّي إلّا إلى إهدار وقت المسلمين وطاقاتهم، بل يتناول القضايا الجوهريّة بصراحة وشجاعة تثيران الإعجاب، وبمنهج حكيم، فلا يدع مقالًا ينبغي أن يقال في هذا الصدد إلّا قاله، ويصيب كبد الحقيقة، ويبيّن جذور المشكلات التي تعاني منها البلدان الإسلاميّة ببيان واضح يفهمه الجميع.
ويتناول في القسم الثالث من كتابه القيّم بيان أهمّ موانع العودة إلى الإسلام، وهي الموانع التي حالت دون إقامة الإسلام إلى يومنا هذا. ومن خلال استقراء واع وواقعيّ، يظهر عمق بصيرته و سعة اطّلاعه وإحاطته بقضايا العالم الإسلاميّ، فيحصر هذه الموانع في سبعة عناوين رئيسة. وأوّل عامل يشير إليه هو اختلاف المسلمين حول الحاكميّة والزعامة السياسيّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وهو اختلاف ما يزال مستمرًّا إلى يومنا هذا، ويستحوذ على النصيب الأكبر من النزاعات والاضطرابات في البلدان الإسلاميّة. ويرى سماحته أنّ اختلاف المسلمين حول الحكم، سواء في ذلك العصر أم في عصرنا الحاضر، اختلاف عبثيّ، يكشف عن جهل عميق ونسيان لمعيار الشرعيّة في الإسلام. وفي سياق بيان هذه القضيّة الخطيرة يقول:
إنّ مثل هذا الاختلاف بين المسلمين غريب وغير متوقّع للغاية؛ إذ لا شكّ أنّ الحكم في الإسلام للّه دون غيره، وهذا من المبادئ الواضحة والضّروريّة للإسلام؛ كما قال اللّه مؤكّدًا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾[١]، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾[٢]، وقال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾[٣]، وقال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾[٤]، وقال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٥]... بناء على هذا، فمن المؤكّد أنّ حقّ الحاكميّة يختصّ به، ولا يشاركه فيه أحد؛ كما قال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾[٦]، وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾[٧].[٨]
ومعنى ذلك أنّ المسلمين طوال هذه القرون المتطاولة كانوا يقتتلون على أمر لم يكن في الأصل من حقّهم ولا من شأنهم. ثمّ يبيّن السيّد العلامة، درءًا لسوء الفهم والانحراف في هذا المجال، معنى حصر الحاكميّة باللّه تعالى وكونها له، ويوضّح أيضًا كيف يمارس اللّه تعالى حكمه بين الناس، ويقول في هذا الصدد:
من الواضح أنّه يمارس حاكميّته، لا من خلال الإجبار التكوينيّ أو إرسال الملائكة، بل من خلال جعل خليفة في الأرض؛ كما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[٩]، وعلى سبيل المثال جعل داوود عليه السّلام خليفة في الأرض، فقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[١٠]. هذا يعني أنّ اللّه، بوصفه حاكم الكون، في فعل معقول تمامًا، يمارس حكمه من خلال تعيين نائب له؛ كما يفعل ذلك جميع العقلاء لممارسة حكمهم، ومن الواضح أنّه تعالى خالق العقلاء ورئيسهم؛ كما قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[١١]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾[١٢]؛ كما أنّه، على سبيل المثال، آتى حكمه طالوت عليه السّلام، في حين كان أصحاب نبيّه غير راضين بحكمه، ويحسبون أنّهم أحقّ بالحكم منه.[١٣]
فلا ريب إذن في أنّ حاكميّة اللّه تعالى لا تتحقّق إلّا بتحقّق حاكميّة خليفته في الأرض، وإلّا فكلّ من يتولّى الحكم من غير خليفة اللّه المعيّن يكون بلا شكّ طاغوتًا، ويكون واجبًا على المسلمين خلعه وإقامة خليفة اللّه مكانه، كما كان ذلك رسالة أنبياء اللّه عليهم السلام، وقد قال اللّه تعالى في شأنهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[١٤].
ثمّ يقدّم السيّد العلامة، في سياق تذكير مهمّ وتنبيه بالغ الأهمّيّة لجميع المسلمين في العالم، مصداق هذا الخليفة المعيّن، ويعرّفه بأنّه ليس سوى «المهديّ»، إذ هو الوحيد الذي عُرّف في المصادر الإسلاميّة المعتبرة بأنّه القائم بالحقّ والمقيم للعدل في آخر الزمان، وقد حظي بتأييد اللّه ورسوله. ويؤكّد السيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ أنّ المهديّ هو الشخص الوحيد الذي يمكن للمسلمين أن يجتمعوا حوله وتحت رايته، ليحقّقوا به وحدتهم وتماسكهم، ويزيلوا به خلافاتهم النظريّة ونزاعاتهم العمليّة في مجال الحكم؛ وذلك لأنّ المهديّ من جهةٍ معيّنٌ من اللّه تعالى، ومن جهة أخرى لا تربطه أيّة صلة أو قرابة بأطراف النزاع في العالم الإسلاميّ، ولا تقع في عنقه بيعة لأيّ طاغوت، وهذان العاملان الجوهريّان والحاسمان يجعلان «المهديّ» خيارًا يحظى باتّفاق وقبول جميع المسلمين.
ويتناول السيّد العلامة مسألة غياب الإمام المهديّ -بمعنى عدم حضوره في المجتمع- بوصفها قضيّة خطيرة ومأساوية، وذلك في جانب من توضيحاته في هذا الكتاب القيّم، وبعد إثبات التواتر والقوّة الظاهرة والنادرة لحديث «المهديّ» في المصادر الإسلاميّة المعتبرة وكتب الروايات عند المسلمين، والتأكيد على ضرورة اتّحاد المسلمين حول محور المهديّ؛ حيث يقوم بتحليلها تحليلًا عميقًا واستقصاءً نقديًّا يكشف جذورها، ويذكّر ويبيّن ضرورة ظهوره ومدى حاجة الناس الماسّة والقصوى إليه.
وعلاوة على ذلك، لا يكتفي السيّد العلامة بطرح الأسس النظريّة للقضيّة وسرد المعاناة فحسب، بل يتقدّم في سبيل الإصلاح وإنقاذ الأمّة من المآزق القائمة، فيكشف -إلى جانب بيانه لعلّة غيبة المهديّ- عن حقيقة كبرى ظلّت مكتومة عبر التاريخ، وهي أنّ ظهور المهديّ يرتبط ارتباطًا مباشرًا باختيار الناس، بل هو بيدهم في الواقع. وبعبارة أخرى، يمكن القول إنّ ظهور المهديّ يُعدّ رهنًا بإرادة الناس الجادّة وعزمهم الحقيقيّ، وهي إرادة لم تتحقّق إلى الآن، وعزم لم يتشكّل بعد. وفي سياق بيان علّة الغيبة، يقول السيّد العلامة في موضع من كتابه:
من الواضح أنّ تحقّق العدل في الأرض يمكن بظهور المهديّ فيها، ولذلك فإنّ عدم ظهوره فيها لا يُنسب إلى اللّه؛ لأنّ ذلك متناقض مع غرضه، والتناقض في أغراضه مستحيل؛ كما قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[١٥]. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عدم ظهور المهديّ في الأرض مانع لتحقّق العدل فيها، في حين أنّ جعل المانع لتحقّق العدل فيها ظلم، والظّلم لا يُنسب إلى اللّه. توضيح ذلك أنّ عدم ظهور المهديّ في الأرض ليس بسبب عدم وجود مقتضٍ لظهوره؛ لأنّ المقتضي لظهوره هو ضرورة تحقّق العدل في الأرض، وتوقّف ذلك على ظهوره، وهو موجود، وعلى هذا فإنّ عدم ظهوره في الأرض هو بسبب وجود مانع لظهوره، وهذا المانع، أيّما كان، لا يمكن أن يكون ناشئًا من إرادة اللّه وفعله الابتدائيّين؛ لأنّ الإرادة والفعل الابتدائيّين لذلك يُعتبران منعًا لتحقّق العدل وإرادةً وفعلًا ابتدائيّين للظّلم، وهذا ما لا يصدر من اللّه سبحانه؛ كما قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[١٦]... كما لا يمكن أن يكون ذلك ناشئًا من إرادة اللّه وفعله المشتركين مع الآخرين؛ لأنّ ما لا يصدر منه بشكل مستقلّ لا يصدر منه بشكل مشترك أيضًا، والظّلم فرديًّا كان أو جماعيًّا فهو قبيح؛ كما لا يمكن أن يكون ذلك ناشئًا من إرادة المهديّ وفعله الابتدائيّين في حالة وجوده؛ لأنّ المهديّ من أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حسب الخبر المتواتر عنه، وقد طهّر اللّه أهل بيته من كلّ رجس، ومن الواضح أنّ منع تحقّق العدل في الأرض رجس. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إرادة المهديّ وفعله الابتدائيّين يرجعان إلى إرادة اللّه وفعله الابتدائيّين؛ لأنّ المهديّ خليفة اللّه في الأرض، ويريد ويفعل خلافةً عن اللّه، وعلى هذا فإنّ إرادته وفعله الابتدائيّين لذلك مستحيلان باستحالة إرادة اللّه وفعله الابتدائيّين لذلك.[١٧]
وعليه، يتبيّن أنّ العامل الرئيس لغيبة الإمام، بوصفها ظاهرة مشؤومة، هو تقصير الناس وتفريطهم وسوء إرادتهم، وأنّ غيبة خليفة اللّه في الأرض لا ترتبط بحال بالإرادة الابتدائيّة للّه تعالى، وأنّ نسبتها إلى اللّه أو إلى خليفته سفه وافتراء. ثمّ يمضي السيّد العلامة، بأسلوب برهانيّ يتّسم في الوقت ذاته بالجرأة وروح الإصلاح، إلى بيان الحلّ لهذا الإشكال العميق والخطير الذي يواجهه العالم الإسلاميّ، ويؤكّد أنّ زمام هذا الحلّ بيد الناس وحدهم، ويقول:
من الواضح أنّ إزالة مانع ظهور المهديّ هي في مقدورهم [أي في مقدور الناس]؛ لأنّ كلّ من كان قادرًا على فعل شيء فهو قادر على تركه أيضًا، وهم كانوا قادرين على جعل مانع ظهور المهديّ، ولذلك فإنّ إزالته واجبة عليهم بلا ريب؛ لأنّ التوقّي عن الهلاك واجب عليهم بمقتضى وجودهم، وهو لا يحصل إلّا بإقامة الإسلام على وجه كامل وخالص، وهي تتوقّف على ظهور المهديّ، وهو يتوقّف على عدم وجود مانع له، والمانع له ما كسبته أيديهم، وهم قادرون على إزالته، فلا ريب في وجوب إزالته عليهم، والمراد بمانع ظهور المهديّ كلّ ما يحول دون تسلّطه على الأرض، كفقدان ما يكفيه من الأنصار والأموال والأسلحة، وجامع ذلك عدم دعم كافٍ له من النّاس، إذ هم مصدر الأنصار والأموال والأسلحة؛ مع الأخذ في الاعتبار أنّ توفّر الأنصار والأموال والأسلحة الكافية ضروريّ لتأسيس حكومته، بل لضمان أمنه أيضًا؛ لأنّه، بشهادة الحسّ والتجربة، لا يمكن لأحد أن يتسلّط على الأرض دون دعم كافٍ له من النّاس عبر تجهيزه بالأنصار والأموال والأسلحة الكافية، ومن الواضح أنّ المهديّ غير مستثنى من هذه القاعدة المحسوسة والمجرّبة. بناء على هذا، فإنّ ظهور المهديّ مؤخّر إلى دعم كافٍ له من النّاس، ومتى توفّر له هذا الدّعم فذلك وقت ظهوره، ومن الواضح أنّ الدّعم الكافي له من النّاس يرجع إلى اختيارهم، وهو أمر طبيعيّ ومستطاع لهم، وليس أمرًا غير عاديّ وغير عمليّ؛ كما فعلوا مثله لغير المهديّ، ومن خلاله أوصلوهم إلى السلطة مرّات عديدة.[١٨]
وهذا هو المنهج الذي ينبغي لجميع المسلمين في أنحاء العالم أن يسلكوه لإصلاح شؤونهم؛ فبدلًا من أن يتنازعوا فيما بينهم على السلطة في صراعات دامية لا طائل من ورائها، عليهم أن يضافروا جهودهم وأن يتكاتفوا لتمهيد الأرضيّة لظهور المهديّ؛ فإنّ المهديّ، بنصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، هو الوحيد الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
وبناءً على ذلك، فقد طرح السيّد العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ منهجًا خامسًا في العالم الإسلامي يُعدّ سابقة فريدة، وذلك من خلال شعار العودة إلى الإسلام الحقّ، والدعوة إلى نبذ الخلافات والتوتّرات القائمة بين المسلمين، من خلال الاكتفاء باليقينيّات والمسلّمات الإسلاميّة، والتمسّك بالقواسم المشتركة بين المذاهب، وكذلك برفع راية «البيعة للّه»، أي الدعوة إلى خليفة اللّه، الإمام المهديّ، ورفض كلّ حاكميّة سوى حاكميّته، بعيدًا عن كلّ ادّعاء أو نزعة ذاتيّة. ويستند هذا المنهج إلى رصيد عقليّ وشرعيّ فريد، ويفترق عن سائر المناهج باختلافات جوهريّة في المباني والأصول، وتميّز أساسيّ في الرؤية والمنطلقات. ومن منظور منصف وواقعيّ، يمكن القول إنّه لا يقبل المقارنة، في الأصل، بالمناهج والاتّجاهات الأربعة المتقدّمة؛ إذ إنّ هذا المنهج، من جهة، يؤكّد تأكيدًا خاصًّا على ضرورة ردّ جميع شؤون الإسلام إلى إذن اللّه تعالى وأمره، كما يقول السيّد العلامة في موضع من كتابه:
بعبارة أخرى، إنّ مرجع الحاكميّة في الإسلام إلى إذن اللّه، بل لا شرعيّة لأمر من الأمور إلّا بانتهائه إلى إذنه، وهذا من أهمّ القواعد الأساسيّة في الإسلام؛ كما قال مرارًا ومؤكّدًا: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾[١٩]، وقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾[٢٠]، وقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[٢١]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾[٢٢]. هذا يعني أنّ أساس الشّرعيّة في الإسلام هو إذن اللّه، وكلّ عمل لا يرجع إلى إذن اللّه لا يُعتبر إسلاميًّا.[٢٣]
وهذا هو الأساس المتين والحاسم الذي يميّز هذا المنهج، من حيث المبنى، عن سائر المناهج والتيّارات القائمة. فعلى سبيل المثال، في القضية الخطيرة المتمثّلة في الحكم الإسلاميّ، وعلى خلاف سائر التيّارات التي تقوم على اختيار شخص من بينها ليتولّى الحكم، ثمّ ترى طاعته واجبة عليها، لا يرى هذا المنهج وهذا النظام الفكريّ أحدًا أهلًا للحكم على الناس ولا جديرًا بالطاعة إلّا المهديّ؛ أمّا سائر الحكّام، فبما أنّهم غير منصوبين من قبل اللّه تعالى ولا مؤيَّدين من لدنه، لا يُعدّون حكّامًا شرعيّين، وهذا أصل لا ريب أنّه كفيل بسدّ باب الانحراف والفساد في أمر الحكم بين المسلمين، ووضع حدّ لنزاعاتهم التي استمرّت قرونًا طويلة في هذا المجال؛ إذ إنّهم جميعًا متّفقون على أحقّية المهديّ وأفضليّته على سائر الحكّام، وليس فيهم من يعتقد أنّ حاكمه أولى بالحكم أو أفضل من المهديّ.
ومن جهة أخرى، فإنّ وجه امتياز هذا المنهج على سائر المناهج يكمن في كشفه -من خلال تحليل عميق واستقراء دقيق، ومن غير لغو أو خوض في الهوامش أو إهدار لأوقات المسلمين- عن العلّة الجذريّة لجميع مشكلاتهم، حيث يشخّص للمرّة الأولى عدم تحقّق حاكميّة خليفة اللّه في الأرض بوصفه السبب الرئيس لجميع الأزمات التي يعاني منها العالم الإسلاميّ. كما يطرح السعي إلى إقامة حاكميّته، من خلال استقطاب التأييد الشعبيّ والدعوة إلى التمهيد لظهور المهديّ، بوصفه الخيار الأكثر عقلانيّة وواقعيّة في معادلات العالم الإسلاميّ، ويدعو الناس إلى هذا السبيل الذي يمثّل طريق الخلاص وباب الأمل، ويوقظهم من هذا السّبات العميق الذي امتدّ لقرون، لكي تنطلق بذلك النواة الأولى لحركة إسلاميّة كبرى وشاملة، غايتها طلب المهديّ ونصرته وحمايته، وليتشكّل له سند راسخ وأمين، قوامه العزم العامّ وإرادة الناس، يمكّن المهديّ من النهوض، وإزاحة الطواغيت المستكبرين وأصحاب المطامع في السلطة من المنافقين عن مقاليد الحكم في شتّى أنحاء العالم.
ولا ريب أنّ هذه الحركة العامّة ستكون أعظم عمل ثوريّ، وأبرك إنجاز، والحدث الأكثر مفصليّة وصناعة للتاريخ في تاريخ المسلمين بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ إذ إنّها ستفضي إلى ظهور المهديّ عليه السلام، كما أنّ ظهور المهديّ، بنصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، سيؤدّي إلى إقامة العدل العالميّ وانتشار الإسلام في أقاصي الأرض، وبذلك يتحقّق وعد اللّه تعالى بالاستخلاف للصالحين وتوريثهم الأرض.
لذا ينبغي للمسلمين في أنحاء العالم أن يتحلّوا بالوعي واليقظة، وأن يتركوا المناهج الأربعة التي تهدر أوقاتهم وطاقاتهم وإمكاناتهم المادّيّة والمعنويّة، وأن يتقدّموا بعزم صلب وإرادة لا تلين، مدفوعين بالشعور بالمسؤوليّة والغيرة المتوقّعة من كلّ مسلم واعٍ، نحو هدف الإسلام وغايته الأساسيّة، وهي إقامة الخلافة الإسلاميّة بقيادة المهديّ عليه السلام، وألّا يجعلوا أنفسهم بعد اليوم ضحايا لمطامع أهل السلطة وأهوائهم، ولا لادّعاءات المدّعين الكاذبين والطامعين، وألّا يبدّدوا طاقاتهم ومقدّراتهم في مساع عقيمة لا أثر لها، بل أن يوجّهوا استطاعاتهم وعتادهم واتّصالاتهم وإمكاناتهم ومواردهم، وفي الجملة جميع عِدّتهم وعُدّتهم نحو تحقيق هذا الهدف المبارك.
ومن المأمول أن يُدرك جميع المسلمين في أنحاء العالم حقيقة ما يمرّون به من ظروف حرجة غير مسبوقة وخطيرة، وأن يتحلّوا بالبصيرة والوعي تجاه التعقيدات والمشكلات المأساوية التي تحيط بهم من كلّ جانب، وأن يختاروا المنهج الأجدى والأكثر فعّاليّة، وألّا يكرّروا التجارب المريرة والخاسرة الماضية، وأن يتركوا الإصرار على تبنّي المناهج المجرّبة وغير الفعّالة، ويختاروا بدلًا من ذلك الطريق الذي يضمن النجاح ويكفل إيصالهم إلى المطلوب دون شكّ وتحقيق غايتهم. وبحسب اعتقادنا، فإنّ الطريق الأوثق والأفضل في الوقت الحاضر هو الهجرة الجماعيّة نحو المهديّ، والتوبة النصوح عمّا سلكوه من طرق إلى اليوم. ولا ريب أنّ اللّه تعالى ضامن لنجاح هذا المنهج وحسن عاقبته، وقد أخبر سبحانه بنصرة المستضعفين وأتباع المهديّ في آخر الزمان؛ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾[٢٤].