الأحد ٦ شعبان ١٤٤٧ هـ الموافق لـ ٢٥ يناير/ كانون الثاني ٢٠٢٦ م
المنصور الهاشمي الخراساني
 جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «العالم الإسلامي في مسار الاستقطاب» بقلم «يوسف جوان بخت». اضغط هنا لقراءتها. جديد الأسئلة والأجوبة: رجل جامع زوجته في آخر أيّام حيضها ظنًّا منه أنّها طهرت، ثمّ طلّقها بعد طهرها. فهل يصحّ طلاقه إذا جامعها في آخر أيّام حيضها؟ اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد الكتب: تمّ نشر الكتاب القيّم «مناهج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ مجموعة أقوال السيّد العلّامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. جديد الشبهات والردود: لا شكّ أنّ رايتكم راية الحقّ؛ لأنّها تدعو إلى المهديّ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكن قد تأخّر ظهورها إلى زمان سوء. فلما لم تظهر قبل ذلك، ولما تأخّرت حتّى الآن؟! اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ٢. اضغط هنا لقراءته. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الأقوال: ثلاثة أقوال من جنابه في حكم التأمين. اضغط هنا لقراءتها. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
مقالة
 

في هذه الأيام -وللأسف الشديد- نشهد مظاهر متكاثرة من التفرّق والاختلاف بين المسلمين؛ إذ تحوّل العالم الإسلامي إلى ساحة مضطربة تزخر بالفرق والجماعات والتيارات والأحزاب والمذاهب المختلفة ذات التوجّهات المتعارضة، فانحاز كلّ فريق من المسلمين إلى بعضِها، واتّخذ موقفًا معارضًا تجاه الأخرى. ولكلّ واحدة من هذه الفرق والجماعات والتيارات أسسها الخاصة، وشعاراتها التي تميّز بها معسكرها، كما انتهجت استراتيجيات وأساليب خاصّة، وتمسّكت بها تمسّكًا جامدًا لا تقبل معه سواها، ولا تتسامح مع مناهج غيرها؛ كما أشار اللّه تعالى إلى مثل هذه الحال بينهم فقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[١] وقد انتهى هذا المسار إلى تصاعدٍ خطير في أجواء البغضاء والخصومات بين المسلمين، حتى بلغ حدًّا لا يُطاق، وغابت روح التفاهم والتآلف من بينهم؛ إلى درجةٍ يمكن معها مشاهدة أعنف أشكال التقابل، وأشدّ النزاعات الدامية فظاعةً، بين المسلمين أنفسهم، في حين لا يُرى مثل هذا التباعد العميق والاقتتال الواسع بين الكفار والمسلمين!

ويبدو أنّ حجر الأساس في هذه الخلافات والنزاعات هو مسألة «الخلافة»؛ لأنّها، وإن لم تكن قضيةً مستحدثة، بل كانت منذ وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، المحور الرئيس لاختلاف المسلمين ومنازعاتهم، قد بلغت في الوقت الحاضر من الاتساع والعمق ما ألقى بظلاله على مجمل معادلاتهم السياسية والثقافية، واستأثر بمعظم أفكارهم وأنشطتهم. وفي الواقع، فإنّ الطموحات والاندفاعات نحو السلطة لدى الجماعات الإسلامية المختلفة، حينما تتستّر بغطاء السعي إلى إقامة الخلافة، قد غدت بلاءً عظيمًا على المسلمين، ودفعت بالمجتمعات الإسلامية إلى حالة من التوتّر والأزمات على نحوٍ غير مسبوق في تاريخها. ولذلك، يبدو في الظروف الراهنة بالغَ الضرورة أن يعمد المسلمون، على أساس المباني الإسلامية اليقينية والمشتركة، إلى إعادة النظر في هذه المسألة، من أجل العثور على سبيلٍ لإدارة هذه الأزمة، والهداية إلى ما أراده الإسلام في هذا الشأن، وما رضيه اللّه تعالى.

لتبيين مسألةِ الخلافةِ الأساسيّةِ في الإسلام، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ أساس الحاكميّة السياسية -على وجه العموم- لا يخرج عن حالتين، ومن ثمّ فإنّ جميع الفرق والجماعات والتيّارات والأحزاب والنِّحل الإسلامية، على اختلاف آرائها، ترجع بالضرورة إلى أحد هذين الأساسين، وتندرج تحته:

الأساس الأوّل أن يكون تعيين الحاكم والخليفة للمسلمين موكولًا إلى أنفسهم؛ بمعنى أنّ جماعةً منهم يحقّ لها أن تجتمع حول رجلٍ من بينها -وإن لم يكن له عليهم فضلٌ علميّ أو أخلاقيّ- فتبايعه، كما يحقّ لها أن تدعو الآخرين إلى مبايعة خليفتها المختار وقبول سلطانه، بل وتُكرههم على ذلك. وبهذا، يكتسب هذا الشخص، المختار من قبل أقلّيّة من الناس، شرعيّةَ الحكم على الجميع، وتُعدّ حكومته حكومةً مرضيّةً عند اللّه، وتُعدّ خلافته خلافةَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وإن كان قد وصل إلى الحكم بالقهر والغلبة، بل وبقتل بعض المسلمين! لا ريب أنّ القراءة الرسميّة السائدة بين المسلمين إلى يومنا هذا في شأن الخلافة الإسلامية هي هذه القراءة بعينها، وأنّ ما يخيّم اليوم على العالم الإسلامي إنّما هو من نتائج هذا النهج. فنشهد كلّ يوم أنّ جماعةً ما في منطقة من مناطق العالم الإسلامي ترفع راية الخلافة، وتختار شخصًا من بينها خليفةً للّه ورسوله، وتبايعه! فضلًا عن ذلك، فإنّ كلّ واحدة من هذه الجماعات لا تكتفي بادّعاء الخلافة لنفسها، بل لا تحتمل أن يدّعي غيرها الخلافة أو حتّى الإمارة الإسلامية، فتنهض لذلك إلى الخصومة والنزاع مع الآخرين، وتكفّرهم لعدم قبولهم الخلافة التي تدّعيها، وترى أنّهم مستحقّون للقتل!

ولا شكّ أنّ ما أفرزه هذا الأساس المنحرف إلى اليوم كافٍ في الدلالة على بطلانه وعدم صحّته؛ إذ إنّ آثاره ونتائجه الشاذّة والكارثيّة تكشف -قبل كلّ شيء- عن غاية فساده وعجزه. وبيان ذلك أنّنا، على امتداد سنين طويلة منذ العقود الأولى من تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا، نشهد بوضوح العواقب الوخيمة والتوالي الفاسد لمثل هذه القراءة. فمنذ البداية، قامت سلاسل من الدول والحكومات الظالمة، كدولة بني أميّة وبني العبّاس، على مثل هذه التبريرات، وفي القرون الأخيرة كذلك قامت الأنظمة المستبدّة والدكتاتوريات في البلدان الإسلامية كلّها على التغلّب على المسلمين وبقوّة السيف، إلى حدّ يمكن معه الجزم بأنّ الفرديّة السائدة والاستبداد الحاكم في كثير من البلدان الإسلامية من النتائج والآثار المشؤومة لهذه القراءة. ومع ذلك، فإنّ جميع الجماعات المعروفة اليوم في العالم الإسلامي، كداعش وطالبان والقاعدة والتحرير، تتّبع هذا النهج.

أمّا النهج الثاني، الذي طُرح في الآونة الأخيرة في أوساط الأمّة الإسلامية، أو بالأحرى أُعيد إحياؤه والتذكير به، فإنّه يختلف اختلافًا جوهريًّا وأساسًا عن النهج الأوّل، ويُعدّ أساسًا عميقًا ومغيّرًا ومصيريًّا لمسلمي العالم؛ نهجًا منبثقًا من اليقينيّات والمسلّمات الإسلامية، ومنسجمًا تمام الانسجام مع مبانيها الأصيلة والعميقة. وفي هذا النهج يُبيَّن بوضوح أنّ تعيين الحاكم الشرعي وتنصيب خليفة المسلمين هو حصرًا من أفعال اللّه الحكيم، وأنّه وحده الذي يملك حقّ اختيار خليفةٍ عنه ليحكم العالم؛ إذ إنّ اللّه هو المالك والحاكم الحقيقيّ الوحيد لهذا العالم، وله الحاكميّة الحقيقيّة والإحاطة المطلقة بمخلوقاته، ومن الطبيعيّ -والحال هذه- أن يمنح مُلكه لمن يشاء من عباده، لتجري أمور العالم من خلال ذلك على النحو الذي أراده. ولا شكّ أنّ هذا أساس إسلاميّ عميق ومتجذّر، قائم على الرؤية التوحيديّة ومعرفةٍ عميقة باللّه وصفاته الربوبيّة؛ وبناءً على هذه القراءة، فإنّ وظيفة الناس هي اتّباع من نصّبه اللّه، ودعمه دعمًا كاملًا، ومبايعته وحده، لا أن يتركوا من نصّبه اللّه ويقبلوا على من نصّبوه هم أو غيرهم! غير أنّ تحقّق حكومة خليفة اللّه لا يكون إلّا بدعم الناس وطاعتهم؛ لأنّ ذلك سنّة اللّه في الأوّلين، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلًا.

وهذا أساس عميق ومزلزل، طُرح وبيّن في شرق العالم الإسلامي على يد عالمٍ مصلحٍ مجاهد يُدعى السيّد العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني، وتابعه أصحابه وتلامذته في العالم الإسلامي، ولا سيّما في منطقة آسيا الوسطى. لقد قال هذا العالم الجليل في موضع من كتابه «العودة إلى الإسلام»:

هذا من الطبيعيّ والمفهوم تمامًا أنّ حكم اللّه يتحقّق إذا كان تعيين الحاكم بيده؛ لأنّه مادام تعيين الحاكم بيد الآخرين وليس بيده، فلا يمكن اعتبار الحكم له، وهذا ما أشار إليه بنفسه إذ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢]، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٣]... بعبارة أخرى، إنّ مرجع الحاكميّة في الإسلام إلى إذن اللّه، بل لا شرعيّة لأمر من الأمور إلّا بانتهائه إلى إذنه، وهذا من أهمّ القواعد الأساسيّة في الإسلام؛ كما قال مرارًا وتأكيدًا: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[٤]، وقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ[٥]... من هنا يعلم أنّ الحكم في الإسلام إنّما يكون شرعيًّا لمن اختاره اللّه وعيّنه نائبًا له فيه، وهذا ليس شيئًا غريبًا أو جديدًا، بل هو سنّة من سننه التي جرت في الأمم السّالفة، ولا تزال جارية ما دامت الدّنيا قائمة.[٦]

وعلى هذا الأساس، جعل العلّامة المنصور الهاشمي الخراسانى -استنادًا إلى هذه المباني- شعار دعوته المحوري «البيعة لله»؛ أي إنّ البيعة -بمعنى الحاكميّة والزعامة على العالم- إنّما هي للّه وحده، وإنّ حكومة اللّه تتحقّق من خلال حكومة خليفته في الأرض. وعليه، فإنّ الحكم على العالم حقٌّ حصريّ لمن عرّفه اللّه لهذا الأمر، وتكون بيعته بيعة اللّه.

يقول سماحته في موضعٍ آخر من كتابه القيّم، مبيّنًا بعبارة واضحة ومفهومة النهجين المذكورين حول الخلافة الإسلامية، مستندًا إلى آيات القرآن الكريم:

إنّ الاستناد في أساس الحاكميّة في الإسلام، كالاستناد في سائر العقائد والأعمال، يجب أن يكون إلى الإسلام نفسه، لا إلى أقوال بعض المسلمين وأفعالهم، والحاكميّة في الإسلام نوعان لا ثالث لهما: أحدهما حاكميّة اللّه، والآخر حاكميّة الطاغوت. أمّا حاكميّة اللّه فهي حاكميّة من يحكم بأمر اللّه؛ كحاكميّة آل إبراهيم عليه السّلام الذين قال اللّه فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٧]، وأمّا حاكميّة الطاغوت فهي حاكميّة من يحكم بغير أمر اللّه؛ كحاكميّة آل فرعون الذين قال اللّه فيهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ[٨]. بناء على هذا، فإنّ حاكميّة من عيّنه اللّه فيها هي حاكميّة اللّه، وحاكميّة من لم يعيّنه اللّه فيها هي حاكميّة الطاغوت، وهذه قاعدة بسيطة وبيّنة للغاية.[٩]

في الخطوة التالية، تبرز نقطة محوريّة بالغة الأهميّة، وهي أنّه لا يوجد في النهج الثاني -بخلاف النهج الأوّل- أيّ اختلاف بين المسلمين في العالم حول تعيين مصداق خليفة اللّه في الأرض، ولم يكن هناك اختلاف في ذلك أصلًا؛ إذ إنّهم -بحمد اللّه- متّفقون جميعًا على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أخبر عن خليفته في آخر الزمان، وذكر أوصافه وعلاماته.

وتوضيح ذلك أنّه قد رُوي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على نحوٍ متواتر أنّه قال: «يخرج في آخر الزمان رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، ويُقال له المهدي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا». بناءً على هذا، فلا يوجد بين المسلمين أيّ خلاف أو تردّد في أنّ المهديّ الموعود هو خليفة اللّه في آخر الزمان، ومن هذه الجهة فهو الخليفة الوحيد الذي انعقد الإجماع عليه بين المسلمين. وأمّا في النهج الأوّل، فكما تقدّم، فإنّنا نشهد ذروة الاختلافات والمخاصمات بين المسلمين في هذا المجال، ولا شكّ في أنّ ما أفضى إلى إضعاف المسلمين وهيمنة الكفّار على العالم الإسلامي إلى يومنا هذا إنّما هو هذه التفرّقات والاختلافات بينهم حول مسألة الخلافة؛ غافلين عن أنّ نزاع الجماعات الإسلامية حول الخلافة كان دائمًا عبثيًّا، ولا محلّ له من الإعراب؛ إذ لم تكن الحكومة والسلطة لأيٍّ منهم أصلًا، ليسعهم الاستيلاء عليها أو منع غيرهم منها، بل كانت للّه تعالى، وقد اختار خليفته في الأرض وعرّفه للناس. ولو أنّ المسلمين نبذوا اختلافاتهم في هذا الشأن، واتّفقوا فيما بينهم على خلافة المهدي -التي لا يسوغ فيها أيّ شكّ- لانتهت جميع نزاعاتهم الدامية والمُدمِّرة، ولأدركوا حينئذٍ أيّ غفلة عظيمة ومهلكة وقعوا فيها، وكم أضاعوا من طاقاتهم، وبدّدوا من قواهم وقوى إخوانهم.

وعلى هذا الأساس، تشتدّ الحاجة اليوم إلى أن تعلن الجماعات المطالبة بالمهديّ تضامنها وتكاتفها مع هذا التيّار الممهِّد لخلافته، كما ينبغي للتيّارات المعارضة للمهديّ وخلافته أن تُصرّح بمواقفها وتُظهر رأيها في ذلك بوضوح؛ إذ قد آن الأوان لتمييز هاتين الجبهتين تمييزًا كاملًا، ولتُعرَف بجلاء جبهة أنصار خليفة اللّه الحقّ في الأرض من جبهة أعدائه. وهذا أمرٌ واقع لا محالة، شاءوا أم أبوا؛ لأنّ تمايز هذين النهجين وتقابلهما نتيجةٌ قهريّة وأثرٌ وضعيّ وطبيعيّ لوجودهما وماهيّتهما الخاصّة. وبناءً عليه، فإنّ التيّار القائم على الأساس الأوّل، الذي يبدو أنّ له قاعدةً في منطقة الشام، يجذب -في مسارٍ جبريّ كامل- جميع الفرق والجماعات والتيّارات والأحزاب والنِّحل المنتمية إلى هذا الأساس، ويجمعها في جبهة واحدة. وفي المقابل، فإنّ التيّار القائم على الأساس الثاني، والذي له قاعدةٌ في منطقة خراسان، يجذب -في مسارٍ قهريّ كامل- جميع الفرق والجماعات والتيّارات والأحزاب والنِّحل المنتمية إلى هذا الأساس، وبذلك تتوفّر أرضيّة الاستقطاب الثنائي في العالم الإسلامي حول مسألة الخلافة؛ على نحوٍ تتجمّع فيه، تدريجيًّا، جميع القوى المؤيّدة للخلافة من النوع الأوّل في الشام، وجميع القوى المؤيّدة للخلافة من النوع الثاني في خراسان، حتّى تتهيّأ -بعد هذا الفرز والتمييز- الأرضيّة لظهور المهديّ.

ولا ريب أنّ جميع الفرق والجماعات والتيّارات والأحزاب والنِّحل القائمة اليوم في العالم الإسلامي، من داعش والقاعدة وطالبان، إلى الحزب المعروف بالتحرير وأتباع ولاية الفقيه، على اختلافاتهم الشكليّة والسطحيّة فيما بينهم، يشتركون في سمةٍ محوريّة واحدة، وهي تجاهل المهديّ وإقصاؤه عن معادلة السلطة، وتقديم تفسيرٍ للخلافة والحاكميّة لا يكون له فيه أيّ دور. وهذه هي السمة التي تجمع هذه التشكيلات المتنوّعة كلّها في معسكرٍ واحد، وفي مقابلها يقف معسكر المنصور الهاشمي الخراساني، الذي يحصر الخلافة والحاكميّة في المهديّ وحده، ويعمل عمليًّا وبصورة ملموسة على التمهيد لها؛ كما يقول في كتابه النفيس «العودة إلى الإسلام»:

...ما هو مسلّم به أنّ المهديّ ليس أبا بكر البغداديّ، ولا أيمن الظواهريّ، ولا محمّد عمر، ولا عليًّا الخامنئيّ، ولا رجلًا آخر من أمثالهم؛ لأنّهم، على الرّغم من اعتبارهم أنفسهم خليفة أو أميرًا أو وليّ أمر للمسلمين، لا تنطبق عليهم الصّفات والعلامات الموعودة للمهديّ، ولا يأتون بآية من اللّه؛ كما لا يدّعون ذلك أيضًا.[١٠]

وهذا هو بدء مسار الاستقطاب الثنائي في العالم الإسلامي؛ لأنّه إن كان من قبلُ قد وُجد إبهام لدى بعض المسلمين في مسألة الخلافة، أو كان بعضهم يُعذَر بسبب نسيان المهديّ، فإنّه اليوم، مع ظهور العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني بوصفه المنادي إلى الخلافة الإسلاميّة الأصيلة وخليفة اللّه المنصوب، المهديّ، لم يبقَ لأيّ أحدٍ عذر؛ لأنّ نسيان المهديّ أو الجهل به لم يعد يُعَدّ عذرًا مقبولًا للمسلمين، في ظلّ ما قدّمه هذا العالم الجليل من توضيحات واسعة وكشفٍ متواصل للحقائق بينهم. وبناءً على ذلك، فإنّه يجب على جميع التيّارات والجماعات السياسيّة، المؤيّدة منها والمعارضة، أن تحسم موقفها في هذا الشأن، وأن تُبيّن بوضوح: هل ترى المهديّ أحقّ بالخلافة، أم غيره من الخلفاء وأمراء الناس؟ وهل تُقدّم من نصّبه اللّه للحكم والزعامة، أم من نصّبته أنفسهم؟ ولا يخرج الأمر عن حالتين: فإن كانوا يُقدّمون من نصّبه اللّه ويعدّونه أفضل من غيره، وجب عليهم عمليًّا أن يتركوا كلّ من سواه، وأن يتوجّهوا إلى المهديّ وحده؛ وإن كانوا يُقدّمون من نصّبوه هم، فعليهم أن يبيّنوا كيف يمكن أن يكونوا مسلمين، وهم يتجاهلون الوعد القطعيّ للّه ورسوله، ويُقصون خليفتهما المنصوب؟! وعليه، فليس للمسلمين طريق ثالث، بل عليهم جميعًا أن يُدركوا أنّهم، شاءوا أم أبوا، واقعون في إحدى هاتين الجبهتين: إمّا في صفّ أنصار المهديّ وأوليائه، وإمّا في صفّ أعدائه ومبغضيه. ومن ثمّ، يتعيّن عليهم أن يستعملوا بصيرتهم، ويحدّدوا موقفهم على النحو الذي يرضي اللّه تعالى.

ولا شكّ أنّ الجماعات والتيّارات القائمة اليوم في العالم الإسلامي، إن كانت تطلب البقاء والاستمرار حقًّا، فلا بدّ لها من الرجوع إلى ما له الأصالة والاعتبار الحقيقيّ في الإسلام، وله جذور راسخة في دين اللّه. فإن كانوا صادقين في طلب إقامة الخلافة الإسلاميّة وإظهار الإسلام الخالص الكامل في أرجاء العالم، وجب عليهم أن يختاروا للخلافة من أخبر اللّه بخروجه ونجاحه فيها؛ لأنّهم في هذه الحالة فقطّ يمكنهم ضمان حياتهم الفكريّة والسياسيّة، وعدم الغرق في بحر الاتّجاهات المتلاطمة والطموحات السلطويّة. ومن ثمّ، فإن أرادوا لأنفسهم الثبات والاستقرار، وجب عليهم اتّباع اللّه وخليفته في الأرض، والمسارعة إلى المهديّ؛ وإلّا فإنّهم -كغيرهم من التيّارات- على الرغم من كلّ ما يبذلونه من جهودٍ للبقاء والحصول على نصيب في السلطة، محكومون بالزوال واحدًا بعد آخر، عبر مسارٍ متكرّر من الانقسامات الداخليّة والهزائم الخارجيّة، حتّى يندثروا كما اندثرت جماعات قبلهم. وهكذا يخرج كثير من هذه التشكيلات من ميدان السياسة وصراع النفوذ، ليُفسَح المجال لجماعةٍ واحدة تمتلك مقوّمات البقاء، وهي الجماعة التي تلتزم بالأصول القطعيّة الثابتة للإسلام، ولا تدعو إلّا إلى حاكميّة اللّه، وتعمل على التمهيد لخلافة المهديّ؛ لأنّ المنتصر الحقيقيّ في ميدان الخلافة هو المهديّ، وستؤول الأمور في النهاية إلى يده الكفوءة، ويشاركه أتباعه وأنصاره في هذا الظفر، وبهذا يضمنون بقاءهم تحت رايته.

نعم، إنّ ما اتّخذه بعض المسلمين ذريعةً للإعراض عن المهديّ، من القول بغيابه تارةً، وبعدم خلقه تارةً أخرى، إنّما هو وهمٌ ناشئ عن قلب الحقائق؛ لأنّهم، بحجّة عدم إمكان الوصول إليه، يبرّرون الرجوع إلى غيره من الحكّام، ويعدّون أنفسهم معذورين ومضطرّين، في حين أنّ غيبته أو عدم وجوده -على فرض التسليم بذلك- إنّما هو نتيجة تقصيرهم في التمهيد له، ورجوعهم إلى غيره؛ وإلّا فإنّ مسألة خلافته قد بُيّنت منذ قرون، وأُعلن برنامج اللّه فيها بوضوح. وعليه، فإنّ هذه الذريعة واهية لا أساس لها. وقد بيّن العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام» أنّ غيبة المهديّ أو عدم وجوده إنّما هو نتيجة تخلّي الناس عن نصرته، وأنّه متى ما أرادوا نصرته حقًّا، فإنّ الوصول إليه سيتحقّق قطعًا، وسينجز وعد اللّه فيه.

وبناءً على مجموع ما تقدّم، يتّضح أنّ جبهتين رئيستين قد تشكّلتا اليوم في العالم الإسلامي: جبهة الحقّ، التي يتمحور فيها التيّار الهاشميّ، ولا ترى الخلافة إلّا للمهديّ، ولا تدعو إلّا إليه؛ وجبهة الباطل، التي يتمحور فيها التيّار الأمويّ، وهي في حقيقتها حركةٌ لمواجهة المهديّ ومنع وصوله إلى الحكم. ولا شكّ أنّ المسلمين الصادقين المخلصين لرسول اللّه يقفون في صفّ أنصار المهديّ، غير أنّه -مع الأسف- لا يزال عددهم قليلًا، في حين أنّ أكثر الجماعات الإسلاميّة، إن لم نقل جميعها، تدعم -عن علمٍ أو عن جهل- جبهة أعدائه، وتُضعف، بإهمالها وغفلتها، جبهة أنصاره.

غير أنّ الأمل معقود على أن تعود بعض هذه التيّارات، ممّن حُسن نيّتها صادق وغايتها خدمة الإسلام بإخلاص، إلى رشدها بعد سماع نداء نهضة «العودة إلى الإسلام» وما فيها من تذكيرٍ عظيم بأمر المهديّ، فتُدرك حقيقة الخلافة، وتلتحق بصفوف أنصاره.

ويتحدّث العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني، ببصيرته ويقظته اللافتة، عن خلفيّة هذا الاصطفاف، ويرى أنّ هذا الصراع الظاهر امتدادٌ للمواجهة التاريخيّة بين الأمويّين والهاشميّين، ويعرض في مواضع عديدة من كتابه ملاحظاتٍ بالغة القيمة في هذا الشأن. ويقول في بيان ماهيّة التيّار الأمويّ واستراتيجيّته في المرحلة الراهنة:

إنّ ما أعنيه بالتيّار الأمويّ، ليس التيّار الموجود بين الحكّام الأمويّين فحسب، بل هو التيّار الذي أسّسه الحكّام الأمويّون، واستمرّ به الحكّام اللاحقون بأسماء أخرى، واليوم أيضًا يتبعه حكّام مثل آل سعود. بالإضافة إلى ذلك، يتشكّل اليوم تيّار أمويّ قحّ في منطقة الشام، منشإ الأمويّين، بقيادة بعض آل أبي سفيان، يسعى لإحياء حكم أجداده تحت عنوان الخلافة الإسلاميّة، ويجذب إلى نفسه العديد من المسلمين بهذا العنوان وعلى أمل استعادة المجد المادّيّ لعصرهم، ليفتح بهذه الطريقة جبهة جديدة ضدّ بقيّة من آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ويعزّز فكرة أنّ صراع الأمويّين مع الهاشميّين لا نهاية له.[١١]

وفي الختام، لا بدّ من التأكيد على أنّ ما تشتدّ الحاجة إليه في الظروف الراهنة هو يقظة المسلمين ووعيهم العميق بقضيّة المهديّ. فعليهم أن يستيقظوا من غفلتهم، وأن يسارعوا إلى نصرة جبهة الحقّ في هذا المنعطف التاريخيّ المصيريّ، وأن يؤدّوا دورهم الفاعل في دعمها؛ إذ إنّ الظلم قد بلغ غايته، والكفّار والمنافقين قد بسطوا ظلّهم على العالم الإسلامي، في وقتٍ يتطلّع فيه المظلومون والمستضعفون، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلى إقامة العدل، ولا يتحقّق العدل إلّا على يدَي المهديّ. وعليه، فإنّ الواجب على الجميع أن يسهموا بكلّ ما أوتوا من طاقةٍ وإمكان في تقوية جبهة أنصار المهديّ، وألّا يدّخروا جهدًا في إضعاف جبهة أعدائه وتفريق صفوفهم. ومن الواضح أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا بعملٍ منظّم ومنسّق، ولا يكون إلّا عبر إيجاد مركزيّةٍ وقاعدةٍ لجبهة أنصار المهديّ؛ وهي قاعدةٌ وُضع حجر أساسها -ولله الحمد- على يد نادرة العصر، السيّد العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني، في منطقة خراسان الكبرى، وهي في توسّعٍ مستمرّ. وقد قام بهذا العمل إدراكًا منه لضرورة إنشاء مثل هذه القاعدة لتجميع الجهود وتركيز نشاطات الممهّدين لظهور المهديّ، وبوصفه قائد الحركة الوحيدة القائمة اليوم في العالم الإسلامي التي تدعو عمليًّا وواقعيًّا إلى المهديّ، فإنّه يدعو المسلمين إلى التعاون والمناصرةِ مع هذا التيّار الإسلاميّ العميق. ونأمل أن يستجيب المسلمون في العالم لندائه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وأن يُعلنوا دعمهم المتزايد للمهديّ، وأن ينضمّوا إلى الرايات السّود الممهّدة لظهوره.

وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ

المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك، لتساهم في نشر العلم؛ فإنّ من شكر العلم تعليمه للآخرين.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت تجيد لغة أخرى، قم بترجمة هذا إليها، وأرسل لنا ترجمتك لنشرها على الموقع. [استمارة الترجمة]
كتابة المقالة والملاحظة
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة مقالاتك وتعليقاتك وذكرياتك وآثارك الأدبيّة في النموذج أدناه وإرسالها إلينا ليتمّ نشرها في هذا القسم بعد التقييم والتعديل.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للمقالة أو الملاحظة.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
ملاحظة: إذا كنت ترغب في ذلك، يمكنك إرسال ملفّ Word لمقالتك أو ملاحظتك إلى بريدنا الإلكتروني: info@alkhorasani.com.