الخميس ١٧ شعبان ١٤٤٧ هـ الموافق لـ ٥ فبراير/ شباط ٢٠٢٦ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «العالم الإسلامي في مسار الاستقطاب» بقلم «يوسف جوان بخت». اضغط هنا لقراءتها. جديد الأسئلة والأجوبة: رجل جامع زوجته في آخر أيّام حيضها ظنًّا منه أنّها طهرت، ثمّ طلّقها بعد طهرها. فهل يصحّ طلاقه إذا جامعها في آخر أيّام حيضها؟ اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد الكتب: تمّ نشر الكتاب القيّم «مناهج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ مجموعة أقوال السيّد العلّامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. جديد الشبهات والردود: لا شكّ أنّ رايتكم راية الحقّ؛ لأنّها تدعو إلى المهديّ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكن قد تأخّر ظهورها إلى زمان سوء. فلما لم تظهر قبل ذلك، ولما تأخّرت حتّى الآن؟! اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ٢. اضغط هنا لقراءته. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الأقوال: ثلاثة أقوال من جنابه في حكم التأمين. اضغط هنا لقراءتها. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
موانع العودة إلى الإسلام؛ اختلاف المسلمين

تاريخيًّا، بحسب الرّوايات المتواترة، من المسلّم به أنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اختلفوا في من يكون له الحكم من بعده؛ فرأى فريق منهم أنّه يكون لأهل بيته، ورأى الفريق الآخر أنّه يكون لغيرهم، في حين أنّ مثل هذا الإختلاف بين المسلمين غريب وغير متوقّع للغاية؛ إذ لا شكّ أنّ الحكم في الإسلام للّه دون غيره، وهذا من المبادئ الواضحة والضّروريّة للإسلام؛ كما قال اللّه مؤكّدًا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. [العودة إلى الإسلام، ص١١٩]

موانع العودة إلى الإسلام؛ اختلاف المسلمين

إنّ النّاس ليس لهم أدنى نصيب من الحاكميّة؛ كما قال اللّه مستبعدًا: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا. بل إنّ الحاكميّة كلّها للّه خاصّة؛ لأنّه الوحيد الذي خلق العالم، ويعلم احتياجاته، ويقدر على توفيرها، ومن الواضح أنّه يمارس حاكميّته، لا من خلال الجبر التكوينيّ أو إرسال الملائكة، ولكن من خلال جعل خليفة في الأرض؛ كما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وعلى سبيل المثال جعل داوود عليه السّلام خليفة في الأرض وقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. [العودة إلى الإسلام، ص١١٩]

موانع العودة إلى الإسلام؛ اختلاف المسلمين

هذا من الطبيعيّ والمفهوم تمامًا أنّ حكومة اللّه تتحقّق إذا كان اختيار الحاكم بيده؛ لأنّه مادام اختيار الحاكم بيد الآخرين وليس بيده، فلا يمكن اعتبار الحكومة له، وهذا ما أشار إليه بنفسه إذ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لذلك، فإنّ كون الحاكميّة للّه لا معنى له في الواقع العمليّ إلّا أنّها مبنيّة على اختياره بغضّ النظر عن اختيار الآخرين؛ كما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. [العودة إلى الإسلام، ص١٢٠]

موانع العودة إلى الإسلام؛ اختلاف المسلمين

من الإنصاف أنّ كون آل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصطفين لخلافة اللّه في الأرض وتعليم المسلمين هو من أوضح مبادئ الإسلام، وليس أمرًا غريبًا أو جديدًا بأيّ وجه من الوجوه؛ لأنّ دأب اللّه كان دائمًا على اصطفاء آل أنبيائه وذرّيّتهم، وهذا بمثابة سنّته في الأمم السّابقة؛ كما أخبر عن ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ۝ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. [العودة إلى الإسلام، ص١٣٣]

موانع العودة إلى الإسلام؛ اختلاف المسلمين

من الواضح أنّ إنعام اللّه على آل الأنبياء هو قاعدة عامّة وثابتة؛ كما أنّه بالإضافة إلى آل إبراهيم الذين ترحّم وبارك عليهم تحت عنوان «أهل البيت»، فقد ذكر إنعامه على آل يعقوب، وآل لوط، وآل عمران، وآل موسى، وآل هارون، وآل داوود، ولذلك فإنّ إنعامه على آل محمّد، وهو أفضل أنبيائه، أمر طبيعيّ، بل أولى؛ بصرف النّظر عن حقيقة أنّ آل محمّد هم في الأساس جزء من آل إبراهيم، وقد أخبر اللّه عن بقاء حكومته فيهم بصفتهم عقب إبراهيم وذرّيّته الطاهرين. [العودة إلى الإسلام، ص١٣٤]

جزء من رسالة جنابه يصف فيها أحوال النّاس، ويحذّرهم من عاقبة أمرهم.

قَدْ ذَهَبَ الصِّدْقُ مِنْ حَيَاتِكُمْ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ الْكِذْبُ. قَدْ قَامَتْ عَنْكُمُ الْمَوَدَّةُ، وَقَعَدَ مَقْعَدَهَا الْبَغْضَاءُ. لَا يُوَقِّرُ صَغِيرُكُمْ كَبِيرَكُمْ، وَلَا يَرْحَمُ كَبِيرُكُمْ صَغِيرَكُمْ. قَدْ فَارَقَتْ حَيَاتَكُمُ الْبَرَكَةُ، وَضَحَلَتْ أَنْهَارُكُمُ الْجَارِيَةُ. قَدْ أَمْسَكَتِ السَّمَاءُ عَنْكُمْ، وَخَسَّتْ مَحَاصِيلُ أَرْضِكُمْ. قَدْ تَعَوَّدْتُمْ عَلَى حَالَتِكُمُ الرَّهِيبَةِ، وَلَا تَشْعُرُونَ بِالْمَرَضِ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى أَنْفُسِكُمْ. فَالْآنَ انْتَبِهُوا بِصَوْتِي حِينَمَا أَصِيحُ عَلَيْكُمْ، وَعُودُوا إِلَى رُشْدِكُمْ حِينَمَا أَمُسُّكُمْ بِعَصَايَ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ هَذِهِ الْغَفْلَةَ وَالْجَهَالَةَ سَتَجْتَاحُ حَيَاتَكُمْ، وَتُحَوِّلُ يَوْمَكُمْ إِلَى لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، كَحَرِيقٍ مُشْتَعِلٍ تُزَمْجِرُ أَلْسِنَتُهُ، وَيَحْبِسُ دُخَانُهُ أَنْفَاسَكُمْ. [الرسالة الثانية والعشرون]

جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه، يعظه فيها ويخوّفه من اللّه.

لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ فَلَا ظُلْمَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُدِيرُ دَوْرَةَ الْحَيَاةِ. هُوَ الشَّارِعُ وَالْحَاكِمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ. لَا تَسْأَلْ حَاجَتَكَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا تَحْلِفْ إِلَّا بِاسْمِهِ. لَا تَسْتَغِثْ بِغَائِبٍ، وَلَا تَعْقِدْ عَلَى قَبْرٍ. لَا تَتَوَسَّلْ بِشَجَرٍ، وَلَا تَسْتَعِذْ بِحَجَرٍ. لَا تُطِعْ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، أَعْنِي مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ. إِنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ، وَلَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى غَيْرِهِ. احْذَرْهُ، وَاحْتَطْ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِكَ. اسْلُكْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُلُوكًا حَسَنًا، لِكَيْ لَا يَغْضِبَ عَلَيْكَ، فَيَضْرِبَكَ، فَتُلْقَى فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ابْتَغِ رِضْوَانَهُ، لِيَلْطُفَ بِكَ، وَيُوصِلَكَ إِلَى مَا تُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اتَّخَذَ أَحَدًا وَلِيًّا آتَاهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَإِذَا اتَّخَذَهُ عَدُوًّا فَلَا تَدْرِي مَا يَفْعَلُ بِهِ! [الرسالة الثالثة والعشرون]

جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه، يعظه فيها ويخوّفه من اللّه.

اتَّقِ اللَّهَ لِتَزْكُوَ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى مِنْهُ كَمَاءٍ سَاخِنٍ، يُزِيلُ الْوَسَخَ، وَيُذْهِبُ الْبُقْعَةَ. اعْتَقِدْهُ حَاضِرًا فِي الْخَلْوَةِ وَنَاظِرًا فِي الظُّلْمَةِ، لِكَيْ لَا تُغِرَّكَ الظُّلْمَةُ، وَلَا تُجَرِّئَكَ الْخَلْوَةُ. إِنَّهُ الْقَاضِي، وَالشَّاهِدُ، وَالْمُدَّعِي، وَآخِذُ الْمُجْرِمِ، وَمُعَاقِبُهُ. فَهَلِ الْمُجْرِمُ لَا يُبَالِي بِالشَّاهِدِ، وَلَا يَخَافُ مِنَ الْقَاضِي؟! إِنَّهُ يَعْلَمُ مَكْرَكَ حِينَ تَمْكُرُ، وَيَسْمَعُ نَجْوَاكَ حِينَ تُنَاجِي؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. أَفَلَا تَهْتَمُّ بِعِرْضِكَ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْحَاضِرِ وَالنَّاظِرِ؟! [الرسالة الثالثة والعشرون]

جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه، يعظه فيها ويخوّفه من اللّه.

مَاذَا تَفْعَلُ عِنْدَمَا يَأْتِي الْمَوْتُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ، وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ، وَتُسْعَرُ الْجَحِيمُ؟! فَهَلْ يُنْجِيكَ الْمَالُ أَمِ الْإِيمَانُ، وَيَنْفَعُكَ الْمَنْصِبُ أَمِ التَّقْوَى؟! كُنْ مُؤْمِنًا لِتَعِيشَ، وَلَازِمِ التَّقْوَى لِتَسْعَدَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ لَا إِيمَانَ لَهُمْ سَيَهْلِكُونَ، وَالَّذِينَ لَا تَقْوَى لَهُمْ سَيَشْقَوْنَ؛ كَالَّذِينَ قَدِ ارْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ، فَيَقُولُونَ: «لَا إِلَهَ»، وَيَقُولُونَ: «مَا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؟!»، وَيَسْخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ نَسُوا أَيَّامَ اللَّهِ، وَتَجَاهَلُوا آيَاتِهِ، وَفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ تَرَكُوا عُقُولَهُمْ وَيَعِيشُونَ عِيشَةَ الْبَهَائِمِ؛ أَوْ كَالَّذِينَ قَدْ وَهَنُوا فِي دِينِهِمْ، فَلَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَلَا يَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَأْكُلُونَ الرِّبَا، وَيَتَّبِعُونَ الشَّهْوَةَ، وَيَخُوضُونَ الْبَاطِلَ، لِيُنَجِّسُوا الْأَرْضَ بِالْفُجُورِ وَيَمْلَؤُوهَا بِالْفِسْقِ، لِتَزُولَ عَنْهَا الْبَرَكَةُ، وَيَنْزِلَ عَلَيْهَا الْبَلَاءُ، وَلَا يَكُونَ مُنْقِذٌ. فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، بَلْ أَمْسِكْ إِيمَانَكَ وَإِنْ هَبَّ الْكُفْرُ كَإِعْصَارٍ، وَلَا يَهِنَ تَقْوَاكَ وَإِنْ هَزَّ الْإِثْمُ كَزِلْزَالٍ؛ لِأَنَّ الصَّابِرِينَ هُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ، أَوْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ. بِيُمْنِهِمْ تُنَزَّلُ النِّعْمَةُ، وَيُؤَخَّرُ الْعَذَابُ. [الرسالة الثالثة والعشرون]

جزء من رسالة جنابه فيها ينذر باشتداد البلاء، ويبيّن سببه وطريقة منعه.

تَحْتَرِقُ الدُّنْيَا فِي حَرِيقِ الْبَلَاءِ، وَهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ! يَقُولُونَ: مَا سَبَبُ هَذَا الْوَبَاءِ؟! وَهَذَا الْجَفَافِ وَالْحَرِّ الْقَاتِلِ؟! وَهَذِهِ السُّيُولِ وَالزَّلَازِلِ الْمُتَتَالِيَةِ؟! وَهَذَا الْفَقْرِ وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ؟! وَهَذَا الْخَوْفِ وَالْإِضْطِرَابِ الْعَامِّ؟! هَلْ هُوَ خَطَأُ إِنْسَانٍ، أَمْ مُؤَامَرَةٌ، أَمْ حَدَثٌ طَبِيعِيٌّ؟! هُوَ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ! وَقَدْ تَسَبَّبَ عَنْ عَقَائِدِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ! أَحَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ إِنْ تَكْفُرُوا، وَتُعْرِضُوا عَنِ اللَّهِ وَخَلِيفَتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَتَتَّخِذُوا حُكَّامًا مِنْ دُونِهِ، لَنْ يَنَالَكُمْ مَكْرُوهٌ؟! أَمْ حَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ إِنْ تَظْلِمُوا، وَتَسْفِكُوا الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَتَغْرِقُوا فِي أَكْلِ الرِّبَا وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، وَتَزِيدُوا ذَنْبًا عَلَى ذَنْبٍ، لَنْ تَكُونَ لَهُ تَبِعَةٌ؟! كَلَّا! ثُمَّ كَلَّا! بَلْ سَيُصْبِحُ كُفْرُكُمْ نَارًا تُحْرِقُكُمْ، وَذُنُوبُكُمْ إِعْصَارًا يُذْهِبُكُمْ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فِي الْمَغَارَاتِ وَشُقُوقِ الصُّخُورِ وَالْمَنَاطِقِ النَّائِيَةِ! فَهَلْ تَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ، أَمْ تَحْسَبُونَهُ غَيْرَ مُمْكِنٍ؟! كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، كَذَّبُوا بِإِنْذَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتَّخَذُوهُ هُزُوًا، وَقَالُوا: ﴿مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، حَتَّى جَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَأَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَعْضِهِمْ أَثَرٌ، وَبَقِيَتْ مِنْ بَعْضِهِمْ خِرْبَةٌ يَسْكُنُهَا الْبُومُ وَالسَّبُعُ! لَا رَيْبَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَرْقَهُ وَسَمِعُوا رَعْدَهُ عَلِمُوا أَنَّ إِنْذَارَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ حَقًّا، وَلَكِنْ لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، إِذْ لَمْ تَكُنْ فُرْصَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَالْإِصْلَاحِ. [الرسالة السادسة والعشرون]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْمَنْصُورِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا فُلَانُ! أَلَا تَرَى إِلَى هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنِ الْخِلَافَةَ فِي الْقُرْآنِ؟! أَتَرَاهُمْ يَجْهَلُونَ أَمْ يَتَجَاهَلُونَ؟! قُلْتُ: لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَعَلَّهُمْ يَجْهَلُونَ، قَالَ: وَيْلَهُمْ، كَيْفَ يَجْهَلُونَ؟! وَقَدْ يَقْرَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَيُرِيدُونَ قَوْلًا أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؟! أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ قَدْ أَخْلَفَ وَعْدَهُ فَلَمْ يَسْتَخْلِفْ فِيهِمْ كَمَا اسْتَخْلَفَ فِي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟! قُلْتُ: وَمَنِ اسْتَخْلَفَ فِي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟ قَالَ: دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَلَا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي الْقُرْآنِ إِذْ يَقُولُ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ؟! فَاسْتَخْلَفَهُ وَأَمْثَالَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ أَضَلُّ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِيهِمْ كُلَّ مَنْ بَايَعُوهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْخِلَافَةِ! قَالَ: وَيْلَهُمْ، وَهَلْ بَايَعُوا بَعْدَ الْحَسَنِ [يعني الحسن بن عليّ بن أبي طالب] إِلَّا كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ؟! إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَعِدَهُمْ خَيْرًا ثُمَّ يُعْطِيَهُمْ شَرًّا، بَلْ يُنْجِزُ وَعْدَهُ وَيَسْتَخْلِفُ فِي كُلِّ قَرْنٍ رَجُلًا مِثْلَ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ أَكْثَرُهُمْ إِيمَانًا وَعَمَلًا لِلصَّالِحَاتِ، فَهَلْ يَعْرِفُونَهُ لِيَخْتَارُوهُ؟! كَلَّا، بَلِ اللَّهُ يَعْرِفُهُ وَيَخْتَارُهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ. [الفقرة ٨ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعَ الْمَنْصُورُ قَارِئًا يَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فَقَالَ: يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يَتَدَبَّرُونَهُ، كَأَنَّهُمْ بَبَّغَاوَاتٌ نَاطِقَةٌ! أَنَّى لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا الدِّينَ كُلَّهُ وَلَا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ إِمَامٌ وَاحِدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُعَلِّمُهُمْ كُلَّهُ وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؟! قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ يَكْفِيَانِهِمْ لِذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ، قَالَ: وَيْلَهُمْ، أَلَيْسَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مُنْذُ أَرْبَعَةِ عَشَرَ قَرْنًا يَخُوضُونَ فِيهِمَا لَيْلًا وَنَهَارًا؟! فَمَا لَهُمْ لَا يُقِيمُونَ الدِّينَ كُلَّهُ وَهُمْ فِيهِ مُتَفَرِّقُونَ؟! فَهَلْ يَفْقِدُونَ إِلَّا إِمَامًا وَاحِدًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كُلَّهُمَا وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؟! وَيْلَهُمْ، كَيْفَ يَقُولُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كَافِيَانِ لِإِقَامَةِ الدِّينِ؟! وَمَا الدِّينُ إِلَّا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَكَيْفَ يَقُولُونَ أَنَّهُمَا كَافِيَانِ لِرَفْعِ الْخِلَافِ؟! وَمَا الْخِلَافُ إِلَّا فِيهِمَا! ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟! ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ! كَلَّا، بَلْ لَا يَزَالُونَ يُضَيِّعُونَ الدِّينَ وَيَتَفَرَّقُونَ فِيهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُعَلِّمُهُمْ وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، كَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ فِيهِمْ. [الفقرة ٩ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ حَبْلِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَقَالَ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءُ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّهُ الْقُرْآنُ، فَقَالَ: الْقُرْآنُ كِتَابُ اللَّهِ، وَكَانَ حَبْلُهُ النَّبِيَّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا مَا دَامَ النَّبِيُّ فِيهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ تَفَرَّقُوا وَالْقُرْآنُ فِيهِمْ؟! فَكَانَ حَبْلُ اللَّهِ النَّبِيَّ مَا دَامَ فِيهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُبَيِّنُ لَهُمْ سُنَّتَهُ كَامِلَةً، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ حَبْلَ اللَّهِ خَلِيفَتُهُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَتَفَرَّقُوا، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَنْ تَجْتَمِعُوا! أَلَا وَاللَّهِ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ بَيَانًا شَافِيًا، فَلَا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ! [الفقرة ١٠ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: الْحَبْلُ مِنَ اللَّهِ كِتَابُهُ وَالْحَبْلُ مِنَ النَّاسِ خَلِيفَتُهُ، قُلْتُ: أَمَّا كِتَابُهُ فَقَدْ عَرَفْتُهُ، وَلَكِنْ مَنْ خَلِيفَتُهُ؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ كِتَابَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» [حديث متواتر مشهور]؟! قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ لَقَوْلٌ قَوِيٌّ، وَلَكِنَّ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا! قَالَ: أَفَتَعْبُدُ الْمُفَسِّرِينَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِلَيْهِمْ تُحْشَرُ فَيُعَذِّبُونَكَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَيُغْنُونَ عَنْكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَقُلْ بِالْحَقِّ وَدَعْ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ! [الفقرة ١١ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، فَقَالَ: مَا أَبْيَنَ ذَلِكَ! لَا يَخْلُو قَوْمٌ مِمَّنْ يَهْدِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا الْقَوْمُ؟ قَالَ: الْقَرْنُ -يَعْنِي أَهْلَ زَمَانٍ وَاحِدٍ. [الفقرة ١٢ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ» زِيَادَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ الْجَعْدِ، وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهِيَ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ فَقَدْ فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ لِوُجُودِ عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ فِيهِمَا، بَلْ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لِلْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ فِي الْأُمَّةِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ هُوَ بَقَاءُ الْخَيْرِ فِيهِمْ وَلَوْ فَسَدَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَنْ زَادَهَا فِي الْحَدِيثِ، فَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: «هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قُرَّةُ بْنُ إِيَاسَ»، وَهُوَ رَجُلٌ عَدَّهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِقَوْلِهِ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ»، وَقَوْلِهِ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ، فَمَسَسْتُ الْخَاتَمَ»، وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ: «قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: أَكَانَ أَبُوكَ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ قَدْ حَلَبَ وَصَرَّ»، أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا صَغِيرًا يَخْدِمُ أَهْلَهُ، فَلَعَلَّهُ غَلَطَ فِي الْحَدِيثِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: «كَانَ أَبِي يُحَدِّثُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ حُدِّثَ عَنْهُ»، وَهَذَا يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ ابْنُ أَبِي حَاتَمٍ حَدِيثَهُ فِي الْمَرَاسِيلَ، وَأَمَّا أَنَا فَأُخْرِجُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، مُرَاعَاةً لِلرِّوَايَتَيْنِ. [الباب ١، الدرس ٣٢]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى ابْنُ قَانِعٍ [ت٣٥١هـ] فِي «مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهِي «وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ»، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي قَتَادَةُ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ»، وَهَكَذَا كُلُّ مَا يُوجَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي ذَيْلِ رِوَايَاتِ الْبَابِ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَأْوِيلًا لِلْحَدِيثِ، وَقَدْ لَبَّسُوهُ عَلَى النَّاسِ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَبَسْطِ الْفُتُوحَاتِ عَلَى عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهَا مَدْسُوسَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَسَّتْهُ أَيْدِي الشَّامِيِّينَ، فَتَبَصَّرْ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. [الباب ١، الدرس ٣٤]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ [ت٢٧٧هـ] فِي «الْمَعْرِفَةِ وَالتَّارِيخِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْوِيهِ -يَعْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةَ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أُولَئِكَ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ضَلَّ قَتَادَةُ فِي تَأْوِيلِهِ ضَلَالًا مُبِينًا، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ دَائِمًا، وَلَمْ يَكُونُوا ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ دَائِمًا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَأَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ مُنْذُ بُويِعَ عَلِيٌّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ إِنْ كَانُوا لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْمٍ مَسَخَ اللَّهُ عُقُولَهُمْ حَتَّى حَسِبُوا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي لَا تَزَالُ عَلَى الْحَقِّ أَهْلُ الشَّامِ! [الباب ١، الدرس ٣٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الرِّبْعِيُّ [ت٤٤٤هـ] فِي «فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ»، ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ أَنْطَاكِيَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ الطَّالَقَانِ وَمَا حَوْلَهَا، ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ، حَتَّى يُخْرِجَ اللَّهُ كَنْزَهُ مِنَ الطَّالَقَانِ، فَيُحْيِي بِهِ دِينَهُ كَمَا أُمِيتَ مِنْ قَبْلُ».

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ أَدْخَلُوهُ فِي الْحَدِيثِ تَقْوِيَةً لِأَهْلِ الثُّغُورِ، وَمُرَادُهُمْ بِكَنْزِ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُهُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيُحْيِي بِهِ دِينَهُ كَمَا أُمِيتَ مِنْ قَبْلُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَ رَايَاتٍ سُودٍ فَيُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ، وَالطَّالَقَانُ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ فِي خُرَاسَانَ، فَتَحَهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَخَرَجَ مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ آمِلِينَ أَنْ يَكُونُوا ذَلِكَ الْكَنْزَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى، وَأَصْلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَعْثَمَ [ت٣١٤هـ] فِي كِتَابِ «الْفُتُوحِ» عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَصَفَ لِعُمَرَ بِلَادَ خُرَاسَانَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي فَتْحِهَا، فَوَصَفَ لَهُ مَرْوَ وَخَوارَزْمَ وَبُخَارَا وَسَمَرْقَنْدَ وَالشَّاشَ وَفَرْغَانَةَ وَأَسْفِيجَابَ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحًا لِلطَّالَقَانِ، فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا كُنُوزًا لَيْسَتْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنْ بِهَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَهُمْ أَنْصَارُ الْمَهْدِيِّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، فَرَغِبَ عُمَرُ فِي فَتْحِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الباب ١، الدرس ٣٥]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ [ت٢٩٠ه‍] فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحُجْرِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، قَالَ: هُمُ الْأَئِمَّةُ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مُنَاسِبٌ لِلْأَئِمَّةِ، إِذْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَهْدُوا النَّاسَ وَيَعْدِلُوا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، ... وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ إِمَامٍ هَادٍ عَادِلٍ بِالْحَقِّ؛ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ عُقَلَاءُ الْقَوْمِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا؛ مِثْلُ الْجُبَّائِيِّ [ت٣٠٣ه‍] إِذْ قَالَ: «هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ الْبَتَّةَ عَمَّنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَالنَّحَّاسِ [ت٣٣٨ه‍] إِذْ قَالَ: «دَلَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْقُرْطُبِيِّ [ت٦٧١ه‍] إِذْ قَالَ: «دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخَلِّي الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْخَازِنِ [ت٧٤١ه‍] إِذْ قَالَ: «فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ قَائِمٍ بِالْحَقِّ يَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَقَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه‍]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، ... وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! [الباب ١، الدرس ٥٤]

هناك قاعدة مهمّة جدًّا يجب على كلّ مسلم معرفتها والإنتباه إليها، وهي عدم حجّيّة الظنّ في الإسلام؛ لأنّ اللّه تعالى قال في كتابه بصراحة: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وذمّ أقوامًا على اتّباعهم للظنّ فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، وهذا يعني أنّه يجب أن يكون الإعتقاد والعمل قائمين على العلم دائمًا؛ كما قال تعالى بصراحة: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، ولذلك فإنّ الاعتقاد والعمل القائمين على الظنّ غير صحيح وغير مقبول عند اللّه، ومن الواضح أنّ تقليد غير المعصوم في الاعتقاد والعمل بمعنى اتّباع قوله أو فعله بغير علم بدليله إنّما يفيد الظنّ؛ إذ ليس من المعلوم أنّه أصاب الحقّ أم أخطأه، ولذلك فإنّ تقليده ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. أمّا حجّة القائلين بجواز التقليد في العمل فهي أنّهم يفرّقون بين الإعتقاد والعمل، ويقولون بأنّ الظنّ حجّة في العمل، مع أنّ الفرق بينهما غير ثابت في الإسلام، وقول اللّه تعالى في كتابه عامّ يشملهما على حدّ سواء، ولا يجوز تخصيصه بالقياس ولا بالروايات. لذلك لا بدّ للمسلم أن يتعلّم اعتقاداته وأعماله الإسلاميّة منذ صغره، كما يتعلّم القراءة والكتابة وغيرهما من ضروريّات الحياة، وأن لا يقبل اعتقادًا ولا يمارس عملًا إلا بدليل يقينيّ، والدليل اليقينيّ في الإسلام، هو آية من القرآن، أو حديث متواتر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، أو سماع من خليفة اللّه في الأرض، وهذا هو الإسلام الخالص والكامل الذي بيّنه السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتابه «العودة إلى الإسلام» بالأدلّة الواضحة والحجج الكافية. [السؤال والجواب ١]

اتّباع فتوى غير المعصوم دون العلم بدليله يعتبر تقليدًا أعمى، وهو غير جائز ولذلك، لا يجزئ العمل بالرسائل العمليّة المتضمّنة لفتاوى بعض فقهاء الشيعة بدون ذكر أدلّتها، وبالتالي يجب على المكلّف إذا أراد النجاة من العقاب أن يتحمّل العناء، ويتعرّف على دليل كلّ فتوى، من خلال النظر في القرآن والسنّة بعين العقل السليم، أو استيضاح الفقهاء العادلين الذين لا ميل لهم إلى حكّام الجور، ليعمل بها إذا كان دليلها مفيدًا للعلم، ويجهد في الوصول إلى خليفة اللّه في الأرض من جانب ويأخذ بالأصول الأوليّة والعمليّة من جانب آخر إذا كان دليلها غير مفيد للعلم. هذا كلّ تكليف المكلّفين فيما يتعلّق بالأحكام الإسلاميّة، وكلّ حاكم أو فقيه يمنعهم من العمل بهذا التكليف ويدعوهم إلى تقليده فهو طاغوت، ويعتبر تقليده عبادة للطاغوت، وهي غير جائزة، وبالتالي يجب على المكلّفين إصلاحه مع مراعاة مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من هنا يعلم أنّ السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليس له رسالة عمليّة، ولا ينبغي له أن يكون له مثل هذه الرسالة ... بناء على هذا، يمكنك إرسال أسئلتك المتعلّقة بالأحكام الإسلاميّة إلى هذا الموقع العلميّ لتتمّ الإجابة عليها وفقًا لفتاوى هذا العالم العظيم مع ذكر أدلّتها من القرآن والسنّة في ضوء العقل السليم إن شاء اللّه. [السؤال والجواب ٨٠]

يرى العلامة المنصور الهاشميّ الخراساني أنّ العلماء ليسوا مراجع المسلمين للتقليد، ولا يجوز اتّباع فتاويهم بغير علم بأدلّتهم؛ كما لا يجوز ذلك إذا كانت أدلّتهم غير مفيدة للعلم مثل خبر الواحد وادّعاء الإجماع. لذلك، يجب على المسلمين مطالبة العلماء بأدلّة فتاويهم، ويجب على العلماء أيضًا إخبارهم عن أدلّة فتاويهم تفصيلًا، بأن يقولوا مثلًا أنّ دليل فتوانا الفلانيّة هو الآية الفلانية، أو الحديث المتواتر الفلانيّ، أو السماع المباشر الفلانيّ من خليفة اللّه في الأرض إذا لم يكن ذلك متعذّرًا، وفي هذه الحالة يجوز للمسلمين اتّباع فتاويهم؛ لأنّ ذلك لا يعتبر تقليدهم، بل هو اتّباع أدلّتهم اليقينيّة، ويعتبر في الحقيقة اتّباع القرآن والسنّة. أمّا إذا لم يخبروا عن أدلّة فتاويهم تفصيلًا، أو كانت أدلّة فتاويهم غير مفيدة للعلم مثل خبر الواحد وادّعاء الإجماع، فلا يجزي العمل بفتاويهم، بل يجب الفحص عن الأدلّة اليقينيّة، ثمّ الإحتياط إذا أمكن ذلك، ثمّ التوقّف حتّى الوصول إلى خليفة اللّه في الأرض؛ كما جاء في رواية عن أهل البيت: «إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ، فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الْإِقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ»، وبالطبع يجب التمهيد للوصول إلى خليفة اللّه في الأرض في أقرب وقت ممكن، كما يجب التمهيد للوصول إلى مسجد الحرام على من وجب عليه الحجّ، وهذه هي الحقيقة التي ينادي بها العلامة المنصور الهاشمي الخراساني بصوت عالٍ، لعلّ أصحاب الأذن الواعية في شرق الأرض وغربها يسمعونها ولعلّهم يرشدون. [السؤال والجواب ٧]

كلّ بلد حاكمه غير مسلم فهو بلد كفر، ولا بأس بالسفر إليه مع الأمن على النفس والدّين لأجل التجارة والدّعوة إلى الإسلام وغير ذلك من المقاصد المشروعة، ولكن لا يجوز التوطّن فيه، وذلك لوجوه: الأوّل أنّه قبول حاكميّة الكافرين، وهو غير جائز... الثاني أنّه ركون إلى الكافرين، وهو غير جائز... الثالث أنّه اختلاط مع الكافرين، وهو غير جائز؛ ...لما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ» وفي رواية أخرى: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وقال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا حَتَّى يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ»، وقال: «مَنْ أَقَامَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي دِيَارِهِمْ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»... الرابع أنّه تكثير سواد الكافرين، وهو تقويتهم وإعانتهم على المسلمين، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ... الخامس أنّه ترك الهجرة، وهو غير جائز... بل هو بمنزلة التعرّب بعد الهجرة لمن ولد في بلد الإسلام ثمّ تركه واستوطن بلد الكفر، وذلك معدود من الكبائر... السادس أنّه تعرّض للفتنة والأذيّة في الدّين... السابع أنّه تعرّض لعذاب اللّه الذي يتوقّع نزوله على الكافرين في كلّ يوم... بناء على هذا، فلا ينبغي الشكّ في عدم جواز التوطّن في بلاد الكافرين، إلا لمن كان مضطرًّا أو محسنًا، والمضطرّ من ولد فيها من المسلمين أو أسلم فيها من الكافرين ثمّ تعذّر عليه تركها... أو من خاف على نفسه في بلاد المسلمين وهو مظلوم ولم يجد مأمنًا إلا في بلاد الكافرين... والمحسن من توطّن في بلاد الكافرين لا لشيء إلا لدعوتهم إلى الإسلام، إذا تعذّر عليه القيام بها مسافرًا دون توطّن... [السؤال والجواب ٤٥٦]

إنّما يحرم إعانة الظالمين والدخول في أعمالهم؛ لقول اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وأمّا قبول هداياهم وجوائزهم إذا لم يسألوا بإزائها شيئًا فجائز للمؤمنين؛ لأنّه ليس بإعانتهم ولا الدخول في أعمالهم، بل هو أخذ بعض ما في أيديهم لردّه إلى أهله ووضعه في موضعه؛ كما روي أنّ سعيد بن العاص بعث إلى علي عليه السلام بهدايا فقبلها وقال: خذ ما أعطوك، وروي أنّه قال: لا تسأل السلطان شيئًا وإن أعطى فخذ، وروي أنّ الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية... وقال ابن عبد البر: قبل جوائز الأمراء جمهور العلماء. وروى عمر بن شيبة البحتري في كتاب القضاء أنّ الحسن البصري وابن سيرين والشعبي دخلوا على عمر بن هبيرة، فأمر لكلّ واحد منهم بألف درهم ألف درهم وأمر للحسن بألفي درهم، فقبض الحسن جائزته وأبى ابن سيرين أن يقبض، فقال لابن سيرين: ما لك لا تقبض؟ قال: حتّى يعمّ الناس، فقال الحسن: اللّه لو عرض لك ولي لصّ فأخذ ردائي ورداءك، ثم بدا له أن يردّ عليّ ردائي كنت أقول لا أقبل ردائي حتّى تردّ على ابن سيرين رداءه؟! كنت أحبّ أن تكون أفقه ممّا أنت يا ابن سيرين. نعم، يبعث بخمس هداياهم وجوائزهم إلى خليفة اللّه في الأرض وإن كان غائبًا فإلى من يمهّد لظهوره؛ لأنّها شيء يغنمه الإنسان وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، والغُنم هو الفوز بالشيء من غير مشقّة... [السؤال والجواب ٣٩٢]

الخبر المنسوب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ظهور ٧٣ فرقة بعده إحداها «ناجية» وسائرها أهل النار، هو خبر واحد وغير يقينيّ، وقد بيّن المنصور الهاشمي الخراساني بالتفصيل عدم حجّيّة مثل هذه الأخبار في مباحث من كتابه مثل مبحث «رواج النّزعة الحديثيّة». بغضّ النظر عن حقيقة أنّ أكثر أسانيد هذا الحديث ضعيفة في رأي أهل الحديث، وأنّ ذيله المشهور الذي يقول أنّ الفرقة الناجية هي الجماعة وأنّ الجماعة هي ما كان عليه النبيّ وأصحابه، لا يمكن الإلتزام به، نظرًا للإختلاف الشديد في أقوال وأفعال أصحاب النبيّ، بل يشمّ منها رائحة الوضع. بالإضافة إلى أنّ صدره لا يتوافق مع الواقع المحسوس والخارجيّ؛ لأنّ ظهور ٧٣ فرقة بين المسلمين بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس ثابتًا، بل لعلّ الثابت خلافه؛ بالنظر إلى أنّ فرق المسلمين المذكورة في كتب الملل والنحل هي أكثر أو أقلّ بكثير من هذا العدد، وحذف بعضها وإضافة بعضها لانطباقها على هذا العدد ليس ممكنًا إلا بتكلّف كثير، بل هو في الغالب ترجيح بلا مرجّح... إنّا لم نضعّف جميع أسانيد هذا الحديث، بل قلنا بصراحة: «إنّ أكثر أسانيد هذا الحديث ضعيفة في رأي أهل الحديث»، وهذا يعني أنّ بعض أسانيده صحيحة في رأيهم، وإن كان فيهم من يضعّف كلّها، مثل ابن حزم (ت٤٥٦هـ) إذ قال في هذا الحديث: «لَا يَصِحُّ أَصْلًا مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ حُجَّةً عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكَيْفَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ؟!»، ومال إلى قوله ابن تيميّة (ت٧٢٨هـ) في منهاج السنّة النبويّة، وقال الشوكاني (ت١٢٥٠هـ) «أَنَّ زِيَادَةَ <كُلُّهَا فِي النَّارِ> لَمْ تَصِحَّ لَا مَرْفُوعَةً وَلَا مَوْقُوفَةً»، ولا خلاف بينهم في أنّ أكثر أسانيده ضعيفة. [الشبهة والرّدّ ٧]

إنّ الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين ليسا من جهة واحدة حتّى يكونا متناقضين، ولكنّهما من جهتين مختلفتين؛ كما هو الحال في اجتماع الأمر والنهي الشرعيّين في موضوع واحد، إذ يجتمع عمل واجب مثل الصلاة مع عمل حرام مثل الغصب، كمن يغصب مكان رجل بالصلاة فيه؛ لأنّه من الواضح أنّ الصلاة في هذه الحالة محرّمة من جهة أنّها غصب وواجبة من جهة أنّها عبادة مفترضة، وليس هناك أيّ تناقض لاختلاف الجهتين، وهذه هي الحال في الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين، والأشبه أنّها هي من باب حرمة القيام بذي المقدّمة قبل القيام بالمقدّمة؛ كما أنّ الصلاة واجبة ولكنّها غير جائزة لمن ليس على طهارة، بحيث أنّه إذا صلّى بغير طهارة فقد أثم، وليس في هذا أيّ تناقض؛ لأنّ حرمة الصلاة في نفس الوقت الذي هي واجبة فيه أمر حدث بسوء اختيار من المكلّف. [الشبهة والرّدّ ٨]

يعتقد السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني أنّ وجوب إقامة الحدود الإسلاميّة على المسلمين هو «وجوب ضمنيّ»؛ بمعنى أنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام وليست واجبة بمفردها؛ مثل الركوع الذي يجب إتيانه في ضمن الصلاة ولا يعتبر واجبًا في غير الصلاة، إلا أنّ الصلاة واجبة، وبالتالي فإنّ الركوع واجب. لذلك، لو أنّ رجلًا تاركًا للصلاة ركع، فإنّه لم يصلّ بقدر ركوعه ولم يحصل على ثواب الركوع، بل ركوعه باطل ولا يغني من الصلاة شيئًا؛ لأنّه قد تمّ تشريعه باعتباره جزءًا من الصلاة. هذه هي الحال في إقامة الحدود الإسلاميّة؛ فإنّها واجبة في ضمن إقامة كلّ الإسلام ولا تعتبر واجبة في غيرها، إلا أنّ إقامة كلّ الإسلام واجبة، وبالتالي فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة واجبة. لذلك، لو أنّ رجلًا أقام حدًّا قبل أن يقيم أحكام الإسلام التمهيديّة، فإنّه لم يعدل ولم يؤجر، بل ظلم وأثم؛ لأنّ الحدّ قد تمّ تشريعه باعتبار أنّه أحد أحكام الإسلام المتناسبة وأنّه سيتمّ إقامته مع إقامتها... الحاصل أنّه يجب على المسلمين إقامة الحدود الإسلاميّة بإظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكومة، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنّ إقامة الحدود الإسلاميّة من قبلهم تشبه الصلاة بغير وضوء. [الشبهة والرّدّ ٨]

من الواضح أنّ كلّ من يؤمن بوحدانيّة اللّه في التكوين والتشريع والتحكيم، ويؤمن بنبيّه الخاتم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ينكر شيئًا من أركان دينه مثل الكتاب والملائكة والقيامة والقبلة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، هو مسلم وإن لم يكن في سائر عقائده يفكّر مثلك وكان لديه تفسير مختلف، وهذه حقيقة معلومة من كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة واتّفق عليها السلف الصالح، لدرجة أنّها قد تعتبر من واضحات الإسلام وينسب منكرها إلى الجهل والضلال. لذلك، من الواضح أنّ «جميع الشيعة» لا يعتبرون كفّارًا ومشركين؛ لأنّ معظمهم يؤمنون بوحدانيّة اللّه ونبيّه الخاتم وأركان دينه، وعليه فإنّ اعتبار جميعهم كفّارًا ومشركين حتّى لو كان ذلك بسبب بعض انحرافاتهم وأخطائهم، هو تحكّم وتعسّف محض. [الشبهة والرّدّ ١١]

إنّ تفسير آية التطهير بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعدم تفسيرها بأمّهات المؤمنين، هو تفسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد رواه عنه العديد من أصحابه مثل عبد اللّه بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقّاص، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجعفر بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد اللّه، وأبي هريرة، وأبي حمراء، وأبي برزة، وأمّ سلمة، وعائشة، وصفيّة، وغيرهم، وقد جاء في رواية بعضهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال بصراحة: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»، وجاء في رواية بعضهم أنّ بعض أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ» وفي رواية أخرى: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ» وفي رواية أخرى: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا قَالَ: إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»، فبيّن بذلك أنّ أزواجه لسن من أهل بيته المقصودين في آية التطهير. [الشبهة والرّدّ ١١]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

فريق آخر يقرؤون هذا الكتاب القيّم ويدركون معارفه، لكنّهم في بحبوحة الفتنة والفوضى والتهميش والغوغاء والإعلانات السامّة لأعداء اللّه يصبحون مخدوعين ومتشائمين وتصبح قلوبهم مظلمة وينشغلون بالحاشية بدلًا من النصّ وينحرفون في النهاية عن الحقّ. بالطبع هذا الإثم الكبير هو أولًا في عنق الفتّانين الذين يصدّون عن سبيل اللّه. هؤلاء المهاذير بالرغم من انفتاح باب النقد العلميّ والمنطقيّ، بما أنّهم لا يملكون أيّ برهان وحجّة، يحاولون إثارة الجوّ وتلويثه، لكن ليعلم مخاطبو هذا الكتاب أنّ حركة جميع الأنبياء والأولياء في التاريخ أيضًا قد واجهت الإهانة والبهتان وإثارة الفتنة من قبل المستبدّين والمستكبرين والجبّارين وكان أعداء اللّه يلوّثون الجوّ ويصدّون الناس عن سبيل اللّه بأسوء طريقة ممكنة. فلم يحدث حادث جديد ويجب على مخاطبي هذا الكتاب النظر في أدلّته وبراهينه بحرّيّة وإنصاف والعثور على الحقّ والعمل بمقتضاه بمنأى عن المشاعر العابرة والعواطف الكاذبة إن شاء اللّه. [المقالة ٣]

من لا يقرأ كتاب العودة إلى الإسلام أو يقرأه ولا يستفيد منه؟
رضا غفوريان

قد يمكن أن يقال نظرًا إلى معرفة «معيار وموانع المعرفة» التي بيّنها سماحة العلامة في كتاب «العودة إلى الإسلام» بأنّه إذا كان شخص ملتزمًا بمعيار المعرفة ومبتعدًا عن موانع المعرفة، سيهتدي إلى الحقّ بإذن اللّه ويوفّق للعمل بمقتضاه بتوفيق اللّه، لكن يجب الإلتفات إلى أنّ كتاب «العودة إلى الإسلام» هو نقطة البداية. إنّه يبدأ بمعرفة المعرفة ويعلّمنا الطريقة الصحيحة للمعرفة، ثمّ لا يتركنا، بل يكشف لنا عن حقيقة الإسلام والإسلام الحقيقيّ بنفس الطريقة التي علّمنا. قد يمكن أن يقال بأنّ هذا الكتاب يعطي مخاطبه علمًا تفصيليًا يكون مقدّمة للعمل، لكنّ مقدّمة هذا العلم التفصيليّ هي علم إجماليّ وهو علم المخاطب بجهله؛ أعني أن يحتمل المخاطب أنّه لا يعلم بعض الأشياء وأن يكون خاطئًا وأن يكون الذين يحبّونهم ويحترمونهم ويتّبعونهم خاطئين. مثل هذا الشخص يأخذ الكتاب ويقرأه مع الإلتفات إلى هذا الإحتمال ومع الإنصاف وبمعزل عن سوء الظنّ ويهتدي إلى الحقّ إن شاء اللّه. يمكننا تقديم مثال لتبيين هذا الموضوع وهو مثال قرآنيّ. إنّ الطبيب يمكنه معالجة المريض بإذن اللّه ولكن لا يمكنه معالجة الميّت! كذلك سماحة العلامة يمكنه أن يهدي بإذن اللّه من كان مريضًا وليس ميّتًا. من كان قلبه ميّتًا في مستنقع الجهل المركّب والخوف من غير اللّه والتعصّبات الجاهليّة والتكبّر والتقليد الأعمى، لا يمكن هدايته بأيّ حكمة؛ كما قال اللّه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. لذلك يجب أن نعوذ باللّه من هذه العيوب التي تميت القلب ونسأله الهداية والرشد لنا وللناس، عسى أن تلين قلوب الناس برحمته ويعودوا إلى خليفته في الأرض ويقيموا الإسلام الخالص والكامل والعدالة العالميّة في الأرض. هذه هي المعرفة التي بيّنها العالم الجليل سماحة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتابه ويدعو إليها والحمد للّه ربّ العالمين. [المقالة ٣]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

ليس هناك شكّ في أنه على رأس كلّ التطلعات والأهداف المشتركة للعالم الإسلامي، هو إقامة العدل العالمي والقضاء على الظلم والفساد في الأرض في ظلّ دولة إسلامية مستقلة وذات حقيقة إسلامية؛ حكومة وعدها الإسلام المسلمين منذ الأيام الأولى، ولا شكّ أنّ أيّ رغبة مشروعة وصحيحة أخرى سوف تتحقّق في هذه الصورة فقطّ، وأنّ جميع مسلمي العالم لديهم هذه الرغبة، سواء كانوا منتبهين أو غير منتبهين. في هذه الأثناء، ما أوقع كثيرًا من المسلمين في الخطأ وحرّفهم عن المسار الأصلي للإسلام، كان هذا الوهم المشؤوم وبلا اساس بأن لا حاجة لهم إلى هداية من اللّه لتحقيق هذه الأهداف السحيقة والأمنية الجميلة وكلّ مجموعة منهم يمكنها أن تتبع أيّ طريقة تراها صحيحة وتختار أيّ شخص رضيت به لقيادتها وإمامتها نحو هذا الطموح الكبير! لكن نرى بوضوح أنّ هكذا وهم مشؤوم وتصوّر ساذج لحدّ الآن أدّى إلى أيّ نتائج وذهب بالمسلمين إلى أيّ وضع! اليوم كلّ مجموعة من المسلمين سلّطت شخصًا على نفسها وبايعت حاكمًا أعجبها. فئة منهم تحالفت مع الكفّار وجعلت الحكّام المسلمين الذين في الواقع هم منافقون خونة وأشرار حكامًا عليهم وفئة أخرى بتحكّم وتهوّر عجيب تقرّ البيعة للأمراء والخلفاء الداعين لأنفسهم وتحميهم من أجل اكتساب المزيد من القوة والسلطة. لذا فالجهل والظلم والعدوان والحرب والفقر صار مستوليًا عليهم وظلّ الفناء والسقوط يثقل على رأسهم. [المقالة ٤]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

إنّ المسلمين تجاهلوا اللّه ولم يضعوا إرادته ومشيئته في هذا الأمر في الحسبان وتخلّفوا عن الطريقة التي وضعها لهم للوصول إلى هذا الهدف السامي. لقد نسي المسلمون أنّ إذن اللّه وأمره هو أصل واُسّ الخلق وحجر أساس خلقة هذا العالم وكلّ الأُمور والمعادلات والحسابات لا تجري إلّا بمشيئته وإرادته ومن دونها لا تتحرّك حصاة على الأرض. لقد نسي المسلمون أنّ اللّه عيّن سبيلًا وطريقة لتحقيق وعوده ولتحصيلها جعل الإلتزام بهذا السبيل والطريقة ضروريًا. غفل مسلمو العالم عن هذه الحقيقة العظيمة أنّ اللّه تعالى جعل الولاية والبيعة لنفسه فقطّ ونهاهم عن اتّخاذ شريك له فيها وجعل الإشراك فيها مصداقًا للشرك باللّه. حقًّا، كيف لهم أن يصلوا إلى مثل هذا الهدف المقدّس بالشرك باللّه وبمخالفة أمره؟! لا شكّ أنّ اللّه المتعال هو الحاكم الحقيقي والمالك الأصلي لهذا العالم والحكم عليه يليق به حصرًا. لذلك فإنّ تحقّق حكومة العدل العالمية تتيسّر بالطريقة التي يريدها هو فقطّ والحاكم الذي اختاره للناس هو الوحيد الذي يقدر على إقامة العدل لا أحد آخر. هذه حقيقة قد أغفلت ونسيت تمامًا بالرغم من وضوحها وحقانيّتها وبالطبع فإنّ هذا النسيان غريب جدًّا؛ إذ أنّ جميع المسلمين متّفقون على أنّ القائم بالحقّ ومقيم العدل على الأرض والشخص الوحيد الذي أخبر اللّه بخروجه وقيامه بالحقّ والعدل وانتصاره النهائي، بحسب الأخبار المتواترة هو مهديّ آل محمد؛ «الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملأت ظلمًا وجورًا» ولا يوجد هكذا اتّفاق حول شخص آخر. هذا يعني أنّه هو الحاكم الوحيد المشروع والمرضيّ للّه في هذا الزمان وحاليًا الشخص الوحيد الذي يجوز لمسلمي العالم بل يجب عليهم مبايعته، هو المهديّ وكلّ بيعة مع غيره، هي عصيان لأمر اللّه، وبالتالي اتّباع الشيطان وبتعبير القرآن يعدّ التحاكم إلى الطاغوت وهذا يدلّ على غاية أهمية ومحورية مبايعة المهديّ في التعاليم الإسلامية. [المقالة ٤]

المهديّ؛ محور اتّحاد المسلمين
محمّد سجّاد العامل

إنّ مبايعة المهديّ هي بديل مبايعة ظلمة وطواغيت العالم، وبالتالي ستكون السبب في تضعيف قواهم وسقوط حاكميّتهم ومن جهة أخرى يضمن وحدة مسلمي العالم واجتماعهم تحت راية واحدة؛ لأنّه يبدو أنّ اختلاف وتفرّق الأمة ناشئ من الحكومات المختلفة وتحزّب المسلمين هو معلول اتّباعهم للحكّام والقوى السياسية المتفرّقة ومن الطبيعيّ أنّ كلّ فرقة ومجموعة وقوم من المسلمين تتبع زعيمها، وأنّ زعماء العالم الإسلامي كلّ يدعو إلى نفسه ونسي المهدي؛ لأنّهم إمّا أن يكونوا متجاهلين له بالأساس وعاجزين عن ذكر اسمه أو أنّهم يبلّغون أنّ ظهور المهديّ بعيد جدًّا ولا يُعلم في أيّ زمان سيحدث. كذلك يواجه زعماء العالم الإسلامي المهديّ علموا أم جهلوا ويمنعون الرأي العامّ من التأمّل حوله. في مثل هذه الظروف، لو تصوّرنا أنّ نداء الدّعوة للمهديّ والإلتحاق به والإنسلاخ عن غيره يصل إلى جميع المسلمين في العالم ويترك جميعهم الحكّام الذين انتخبوهم من دون إذن اللّه ويهرعون إلى المهديّ، ماذا سيحصل؟ حقًا مع انطلاق نهضة الحماية والطاعة للمهديّ وارتفاع شعار عودة المسلمين إليه، ماذا سيحدث في المنطقة والعالم؟ [المقالة ٤]