الخميس ٢١ شوال ١٤٤٧ هـ الموافق لـ ٩ أبريل/ نيسان ٢٠٢٦ م

المنصور الهاشمي الخراساني

 جديد الأسئلة والأجوبة: هناك موضوع يختلف فيه المسلمون اليوم، وقد أثار في العراق مناقشات وانتقادات كثيرة، وهو ما طُرح في مشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفريّ أنّ سنّ الزواج للفتاة يمكن أن يكون ٩ سنوات، ويدّعي الموافقون أنّ الإسلام قد عيّن لذلك هذا السنّ! فهل صحيح قولهم ومشروع زواج الفتاة في هذا السنّ؟ اضغط هنا لقراءة الجواب. جديد المقالات والملاحظات: تمّ نشر مقالة جديدة بعنوان «العالم الإسلامي في مسار الاستقطاب» بقلم «يوسف جوان بخت». اضغط هنا لقراءتها. جديد الكتب: تمّ نشر الكتاب القيّم «مناهج الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ مجموعة أقوال السيّد العلّامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى». اضغط هنا لتحميله. جديد الشبهات والردود: لا شكّ أنّ رايتكم راية الحقّ؛ لأنّها تدعو إلى المهديّ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكن قد تأخّر ظهورها إلى زمان سوء. فلما لم تظهر قبل ذلك، ولما تأخّرت حتّى الآن؟! اضغط هنا لقراءة الرّدّ. جديد الدروس: دروس من جنابه في حقوق العالم الذي جعله اللّه في الأرض خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره؛ ما صحّ عن النّبيّ في ذلك؛ الحديث ٢. اضغط هنا لقراءته. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة. جديد الأقوال: ثلاثة أقوال من جنابه في حكم التأمين. اضغط هنا لقراءتها. جديد الرسائل: جزء من رسالة جنابه إلى بعض أصحابه يعظه فيها ويحذّره من الجليس السوء. اضغط هنا لقراءتها. جديد السمعيّات والبصريّات: تمّ نشر فيلم جديد بعنوان «الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني (٢)». اضغط هنا لمشاهدته وتحميله. لقراءة أهمّ محتويات الموقع، قم بزيارة الصفحة الرئيسيّة.
loading
بداهة معيار المعرفة

المقصود من معيار المعرفة شيء معروف بذاته يسبّب معرفة غيره؛ بمعنى أنّه لا حاجة إلى أيّ شيء آخر لمعرفته، وبه يُعرف سائر الأشياء؛ كمثل النور الذي هو مرئيّ بذاته ويسبّب رؤية سائر الأشياء. هذا يعني أنّ معيار المعرفة لا يحتاج إلى أن يُعرف؛ لأنّه لو كان محتاجًا إلى أن يُعرف، لكانت معرفته أيضًا محتاجة إلى معيار، وهذا يعني التسلسل، وهو غير ممكن. إنّ معارف الإنسان لا بدّ أن تنتهي إلى معرفة بديهيّة تكون مبدأ المعارف كلّها ولا تكون ناشئة من معرفة أخرى؛ لأنّ ما هو نفسه بحاجة إلى أن يُعرف، لا يمكن أن يكون معيار المعرفة؛ نظرًا لأنّه بنفسه يحتاج إلى معيار المعرفة. بناء على هذا، ينبغي للذين يتّخذون مثل هذا الشيء معيارًا لمعرفتهم أن لا يكونوا واثقين بمعرفتهم؛ لأنّ معرفتهم واهية ولا أساس لها؛ كمن أسّس بنيانه على الرمال ويمكن أن يسوخ فيها كلّ آنٍ، أو من قال اللّه تعالى فيه: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. [العودة إلى الإسلام، ص٢٥]

العقل؛ معيار المعرفة

الإنسان حيوان ممتاز، ووجه امتيازه قوّة مكنونة في نفسه تجعله قادرًا على معرفة نفعه وضرّه أكثر من أيّ حيوان مكتشف آخر، ليزيد في بقائه بالحصول على نفعه، ويتوقّى من زواله بالإبتعاد عن ضرّه. هذه القوّة المكنونة هي «العقل». لا شكّ أنّ جسد الإنسان غير كافٍ لامتيازه عن الكائنات الأخرى؛ لأنّه بالنسبة إلى جسد كثير منها أشدّ ضعفًا وعرضة للإصابة، وليست له مزيّة بارزة وجديرة بالملاحظة. روحه، بمعنى قوّة غير معروفة تجعله يتحرّك وينمو جسديًّا، هي أيضًا مثل أرواح الحيوانات الأخرى، ولا يمكن أن تكون كافية لتفوّقه على الحيوانات الأخرى التي تتحرّك وتنمو جسديًّا مثله. الشيء الوحيد الذي يوجد في الإنسان ولا يوجد في الكائنات الأخرى، هو العقل الذي يقدر على فهم المفاهيم الكلّيّة وتطبيقها على المصاديق الجزئيّة، وبجهد يسمّى «التفكير» يهتدي ممّا يعرفه إلى ما لا يعرفه. ربّما كانت هذه القوّة موجودة في سائر الحيوانات أيضًا، لكنّها أكبر في الإنسان بلا شكّ، ولهذا قد سلّطته على سائر الحيوانات. لو كان هناك حيوان آخر يعقل أكثر ممّا يعقل الإنسان، لكان قد تسلّط على الإنسان واستخدمه لنفسه بلا شكّ، مع أنّ ذلك لم يحدث، وسلطة الإنسان على الحيوانات الأخرى مشهودة. هذا التوفّق للإنسان هو منحة عقله فقطّ، ولا يوجد له امتياز آخر. لذلك، فإنّ الإنسان الذي يفقد العقل أو لا يستخدمه بما فيه الكفاية، ليس له تفوّق على الحيوانات الأخرى، بل هو أدنى منها؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. [العودة إلى الإسلام، ص٢٥ و٢٦]

العقل؛ معيار المعرفة

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون معيار معرفة الإنسان هو «العقل»؛ لأنّ العقل هو الآلة الوحيدة لمعرفة الإنسان، ولا توجد في نفسه قوّة مدركة سواه. بعبارة أخرى، ليس للعقل بديل في مستواه يمكنه أن يغني عنه، وهذا أمر محسوس ووجدانيّ. علاوة على ذلك، فإنّ معرفة الإنسان تتمّ عمليًّا بواسطة العقل، ولا تأثير لرضاه ولا كراهيته على هذا الواقع؛ لأنّ هذا الواقع هو الطبيعة الذاتيّة للإنسان وفطرة الرّبّ الحكيم، ومن ثمّ لا يمكن للإنسان تغييره. بناء على هذا، فإنّ العقل هو أصل مبادئ المعرفة وأوّلها، وكلّ معرفة لا تصير إلى العقل بشكل مباشر أو غير مباشر فلا معنى لها. المبادئ الأخرى، إن كانت موجودة، فإنّها تعود إلى العقل؛ لأنّها لا تُعرف إلّا بالعقل، ولا فعّاليّة لها إلّا للعقلاء؛ كما أنّ الشّرع، مع أنّه مفيد جدًّا، يُعرف بواسطة العقل ولم يخاطب إلّا العقلاء، وعلى سبيل المثال قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. [العودة إلى الإسلام، ص٢٦]

وحدة العقل

العقل جوهر فريد مشترك بين بني آدم، يمثّل مبدأ اختيارهم الفرديّ ومسؤوليّتهم الإجتماعيّة وحلقة تواصل بعضهم مع بعض، وبما أنّ له مصدرًا واحدًا فله إدراكات واحدة وليس بين أفراده اختلاف. مصدر العقل ربّ العالمين الذي هو عقل محض ورئيس للعقلاء ولا تنافي بين أفعاله. لذلك ترى العقلاء في جميع أنحاء العالم، بالرّغم من اختلاف عناصرهم ولغاتهم وثقافاتهم، يتّفقون على النظريّات التي تستند إلى العقل، ولا يختلف فيها اثنان منهم. على سبيل المثال، إنّهم جميعًا متّفقون على أنّ ما يدرك بالحاسّة موجود، والكلّ أكبر من الجزء، واجتماع النقيضين محال، والحادث يحتاج إلى محدث، والخبر المتواتر صحيح، والظّلم قبيح، والعدل حسن، وما شابه ذلك. هذا يعني أنّ العقل وجود واحد، ومن هذه الناحية يصلح لأن يكون معيار المعرفة، حتّى يتحوّل اختلاف العقلاء إلى الإتّفاق من خلال الإلتزام به. [العودة إلى الإسلام، ص٢٦ و٢٧]

مراتب العقل وإدراكاته

إنّ العقل ذو مراتب وأقدار مختلفة، لكنّ اختلاف مراتبه وأقداره لا يضرّ بوحدته على أنّه أساس المعرفة؛ كمثل النور الذي له قوّة وضعف، لكنّه في جميع مراتبه وأقداره يُعتبر أساس الرؤية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العقل بمعنى قوّة الفكر والعلم، ولو أنّه في بعض الناس أكثر منه في بعض، هو موجود في جميع الناس بما فيه الكفاية، وهذا يكفي لوحدته كمعيار المعرفة؛ لأنّ اللّه العادل قد وهب لكلّ إنسان مكلّف حظًّا كافيًا من العقل، وزيادته في بعض فضل قد آتاهم، دون أن تكون ظلمًا للآخرين؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. بالإضافة إلى أنّ عقل بعض النّاس يكمّل عقل بعضهم في عمليّة طبيعيّة ومتبادلة؛ لأنّهم يتعاملون بعضهم مع بعض، ومن خلال تبادل الآراء يخلقون عقلًا جماعيًّا يتدارك نقص العقل الفرديّ؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. [العودة إلى الإسلام، ص٢٧ و٢٨]

جزء من رسالة جنابه فيها يدعو إلى حكومة اللّه تعالى ويحذّر من حكومة غيره.

مَا بَالُكُمْ قَدْ أَعْطَيْتُمْ ظُهُورَكُمْ لِكُلِّ حَيَوَانٍ نَاقِصٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَلَمْ تُعْطُوا أَكُفَّكُمْ لِلْإِنْسَانِ الْكَامِلِ؟! مَا بَالُكُمْ قَدْ مَصَصْتُمْ كُلَّ ثَمْدٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَتَرَكْتُمُ الْبَحْرَ الْفُرَاتَ؟! مَا بَالُكُمْ قَدْ سَعَيْتُمْ إِلَى كُلِّ سَرَابٍ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ، وَلَمْ تَخْطُوا خُطْوَةً نَحْوَ الْمَاءِ السَّائِغِ؟! أَلَنْ تَسْتَعِيدُوا وَعْيَكُمْ، وَلن تَرْجِعُوا إِلَى أَصْلِكُمْ؟! أَلَنْ تَنْتَبِهُوا مِنَ النَّوْمِ، وَلَنْ يَنْتَهِيَ هَذَا الْكَابُوسُ؟! أَلَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الظُّلُمَاتِ، وَلَنْ يَكُونَ لِهَذَا اللَّيْلِ الْبَهِيمِ فَجْرٌ؟! أَلَنْ تُفِيقُوا مِنَ السُّكْرِ، وَلَنْ يَتْرُكَ الرَّأْسَ هَذَا الدُّوَارُ؟!... أَرَاكُمْ قَدْ رَضِعْتُمْ مِنْ ثَدْيِ الْجَهْلِ، وَنَشَأْتُمْ فِي حِجْرِ الظُّلْمِ، وَلَا يَعْرِفُنِي لُحُومُكُمْ وَدِمَاؤُكُمْ! [الرسالة الرابعة عشرة]

جزء من رسالة جنابه فيها يدعو إلى حكومة اللّه تعالى ويحذّر من حكومة غيره.

إِيَّاكُمْ أَنْ تُفَوِّضُوا هِدَايَتَكُمْ إِلَى غَيْرِ الْمَهْدِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ يَسْأَلُ الْأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَيُبْحِرُ بِسَفِينَةٍ مَخْرُوقَةٍ! فَهَلْ تَبْغُونَ حُكُومَةً غَيْرَ حُكُومَةِ اللَّهِ؟! وَالْعَدْلُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي حُكُومَةِ اللَّهِ؛ الْحُكُومَةِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ عَلَى يَدَيْ خَلِيفَتِهِ الْمَهْدِيِّ، لَا عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ، وَالْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ وَالْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي طَرِيقَةِ الظُّلْمِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْطَهِدُونَ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ؛ كَأَمْثَالِ الْقَاتِلِينَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ كُلُّهُمْ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَخْنُقُونَ، وَبَعْضَهُمْ يَذْبَحُونَ، وَبَعْضَهُمْ يَسْقُونَ السَّمَّ! اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي؛ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَسْمَعُوا قَوْلًا أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ: إِنَّ دُنْيَاكُمْ لَنْ تَسْتَقِيمَ إِلَّا بِالْعَدْلِ، وَآخِرَتَكُمْ لَنْ تَصْلُحَ إِلَّا بِالْعَدْلِ، وَالْعَدْلَ لَنْ يُمْكِنَ إِلَّا بِحُكُومَةِ الْمَهْدِيِّ، وَحُكُومَةَ الْمَهْدِيِّ لَنْ تَتَشَكَّلَ إِلَّا بِتَعَاوُنٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لَا يَعْلَمُونَ! [الرسالة الرابعة عشرة]

رسالة قيّمة من جنابه تحتوي على ثلاثين وصيّة أخلاقيّة.

أَقِمِ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. لَا تَتْرُكْ نَافِلَةَ اللَّيْلِ، وَاجْتَهِدْ بِالْأَسْحَارِ فِي الْإِسْتِغْفَارِ. إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً فَلَا تَغْفَلْ؛ فَإِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِهِ أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. اذْكُرِ الْمَوْتَ كَثِيرًا، وَاذْهَبْ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا... أَحْسِنْ بِوَالِدَيْكَ، وَإِنْ أَسَاءَا إِلَيْكَ؛ فَقَدْ أَحْسَنَا بِكَ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ... لَا تُكْثِرْ مِنَ الْكَلَامِ تَسْلَمْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ لَا يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ... لَا تُحَرِّجْ عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يُحَرِّجُوا عَلَيْكَ؛ أَيْ لَا تَبْحَثْ عَنِ الْعَثْرَةِ، وَلَا تَأْخُذْ بِالدِّقَّةِ، وَلَا تَقَعْ فِي الشَّمَاتَةِ، وَلَا تُبَادِرْ لِلْمُعَاقَبَةِ... غَرِيزَتُكَ الْجِنْسِيَّةُ غُولٌ جَائِعٌ نَائِمٌ. إِيَّاكَ أَنْ تُوقِظَهَا فَتَأْكُلُكَ. لَا تُبْدِ رَأْيًا فِيمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَتَأْتِي بِسَخِيفِ الْقَوْلِ. [الرسالة السادسة عشرة]

جزء من رسالة جنابه يذكر فيه أهل بومبي، وينذر المتّبعين للشّهوات.

أَلَا يَعْتَبِرُ الَّذِينَ يَسْكَرُونَ مِنْ خَمْرِ الشَّهَوَاتِ وَيَنْغَمِسُونَ فِي مُسْتَنْقَعِ اللَّذَّاتِ بِعَاقِبَةِ بُومْبِي؟! كَأَنِّي أَسْمَعُ قَهْقَهَةَ أَهْلِهَا الطَّائِشَةَ، إِذْ يَتَعَاطُونَ بَيْنَهُمُ الْكُؤُوسَ، وَيَرْقُصُونَ مِنْ فَرْطِ الطَّرَبِ، وَيُلَامِسُونَ النِّسْوَةَ الْحِسَانَ، وَيُنَادُونَ أَنِ اشْرَبُوا وَتَمَتَّعُوا، وَلْيَبْتَعِدْ عَنْكُمُ الْمَوْتُ! فَبَغْتَةً فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، بَيْنَمَا هُمْ مُسْتَرِيحُونَ عَلَى شَوَاطِئِ نَابُولِي، إِذْ سَمِعُوا صَيْحَةً مِنْ جَبَلِ فِيزُوفَ، وَرَأَوْا نَارًا تَسْعَى إِلَيْهِمْ، بِلَهِيبٍ يَطْبَخُ اللُّحُومَ، وَدُخَانٍ يَقْطَعُ الْأَنْفَاسَ، وَحُطَامٍ يَكْسِرُ الْعِظَامَ، وَظُلْمَةٍ تَجْعَلُ النَّهَارَ لَيْلًا! فَلَمْ يَجِدُوا فُرْصَةً لِلْفِرَارِ، بَلْ لَمْ يَجِدُوا فُرْصَةً لِلْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمُ انْقَلَبُوا إِلَى لَبِنٍ مَطْبُوخَةٍ، وَانْدَفَنُوا فِي رَمَادٍ سَاخِنٍ، وَأَنْتُمُ الْآنَ تَرَوْنَهُمْ قَدْ بَرَزُوا مِنَ الْأَرْضِ كَتَمَاثِيلَ قَدِيمَةٍ، وَطُرِحُوا عَلَى الطَّرِيقِ كَجِرَارٍ مَكْسُورَة! [الرسالة السابعة عشرة]

جزء من رسالة جنابه يذكر فيها عاقبة الذين من قبل وينذر حكّام البلاد.

أَلَا يَا حُكَّامَ الْأَرْضِ الَّذِينَ يُبَاهُونَ بِسُلْطَتِهِمْ، وَيَغْتَرُّونَ بِجُنُودِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حَاكِمُونَ إِلَى الْأَبَدِ! احْذَرُوا اللَّهَ الَّذِي الْحُكْمُ لَائِقٌ بِهِ، وَقَدْ أَقَامَتْ سُلْطَتُهُ الْعَالَمَ، وَمَلَأَتْ جُنُودُهُ وَأَسْلِحَتُهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ فَإِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِكُمُ الْأَرْضَ، حَتَّى تُخْرَجَ مِنْهَا أَحَافِيرُكُمْ بَعْدَ أَلْفِ أَلْفِ سَنَةٍ، فَلَا تُعْرَفَ مِنْ أَحَافِيرِ الزَّوَاحِفِ! إِنَّهُ قَدْ دَسَّ فِي التُّرَابِ أُمَمًا كَثِيرَةً مِنْ قَبْلِكُمْ، أَوْ أَغْرَقَهَا فِي الْمَاءِ، بَلْ أَبَادَ حَضَارَاتٍ، وَغَيَّبَ قَارَّاتٍ! [الرسالة التاسعة عشرة]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَيَخْلُفُهُ فِي كُلِّ قَرْنٍ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَتْلُوهُ يَخْلُفُهُ، أَلَا تَرَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا أَيْ جَاءَ بَعْدَهَا؟! فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْيُؤْمِنْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلْيَتَّبِعْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَلْيَكُنْ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ! [الفقرة ٢٣ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، فَقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ رَجُلٍ يَتَّبِعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [الفقرة ٢٤ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَقَالَ: لَا يَزَالُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا رَجُلٌ طَاعَتُهُ مُفْتَرَضَةٌ عَلَيْهِمْ كَطَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَالرَّسُولَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَالرَّسُولَ، وَهُوَ مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ، وَلَيْسَ مَنْ وَلَّاهُ النَّاسُ بِأَهْوَائِهِمْ، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، قَالَ: صَدَقُوا! قُلْتُ: كَيْفَ صَدَقُوا وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ؟! قَالَ: كُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَهُمْ دُونَ الَّذِي وَلَّاهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ فَلَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْفَاسِقِينَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْفَاسِقِينَ! ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ۚ لَا يَسْتَوُونَ! ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّمَا أُولُوا الْأَمْرِ مَالِكُوهُ، وَهُمُ الَّذِينَ وَلَّاهُمُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ، وَأَمَّا مَنْ يَقُومُ بِهِ مِنْ دُونِهِمْ فَهُوَ غَاصِبُهُ، وَلَيْسَ الْغَاصِبُ مِنَ الْمَالِكِينَ، ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ! قُلْتُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ زَوَّدْتَنِي بِحِكْمَتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ لَمْ أَسْمَعْ بِهِمَا قَطُّ أَبَدًا! قَالَ: ﴿ذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ! [الفقرة ٢٥ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، فَقَالَ: كِفْلَانِ مِنْ رَحْمَتِهِ هُمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالنُّورُ إِمَامٌ يُبَيِّنُهُمَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ إِمَامًا يُبَيِّنُهُمَا لَكُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. [الفقرة ٢٦ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ: هَادِيهَا، وَنُورُ اللَّهِ هُدَاهُ، وَهُوَ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَهِيَ بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۝ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَهُمْ أَهْلُ بُيُوتِ الْأَنْبِيَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ؟ فَهُمْ أَهْلُهَا، وَلَا يَخْرُجُ هُدَى اللَّهِ مِنْ بُيُوتِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَابْتَغُوهُ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ، وَلَا تَبْتَغُوهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَتَضِلُّوا. [الفقرة ٢٧ من القول ٦]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ [ت٢٤١هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الطَّائِفَةُ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ عَلَى الْحَقِّ هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْقُرْآنَ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيْهِ الْحَوْضَ، وَآخِرُهُمُ الَّذِي يُقَاتِلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، كَمَا مَضَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. [الباب ١، الدرس ٢٨]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ» يَعْنِي غَالِبِينَ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ وَإِنْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ بِالْقُوَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ كَانُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مِنَ الصِّدْقِ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا غَالِبِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ غَلَبَتُهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَهَذَا كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ رُسُلِهِ قُتِلُوا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ فِي الدُّنْيَا أَحْيَانًا، كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ» غَلَطًا أَوْ تَحْرِيفًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ»، وَلَمْ يَجِئْ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ «يُجَاهِدُونَ -أَوْ يُقَاتِلُونَ- عَلَى الْحَقِّ»، وَلَمْ يَجِئْ أَنَّهُمْ ظَاهِرُونَ أَبَدًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ «عَلَى الْحَقِّ» فَقَطُّ، وَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ الْوَارِدُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى. [الباب ١، الدرس ٢٨]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ [ت٢٠٤هـ] فِي «مُسْنَدِهِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: لَقِينَا عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَنَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَخَطَبَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَلَّ هَذَا كَانَ الْحَدِيثَ، حَتَّى ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ فَزَادُوا عَلَيْهِ: «ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ»، أَوْ «ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ»، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِهِمْ بِالْحُجَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدْ حَذَفَهُ أَبُو دَاوُدَ اخْتِصَارًا، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ. [الباب ١، الدرس ٣٠]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

رَوَى الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ [ت٤٠٥هـ] فِي «الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ! فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، أَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»...

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ... «الْقِتَالُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقِتَالُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمِيرُ خَلِيفَتَهُ فِي الْأَرْضِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَلَا تَجِدُ عِصَابَةَ الْحَقِّ إِلَّا مُقَاتِلِينَ أَوْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَاتِلًا وَلَا مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَالْمُسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ كَالْمُقَاتِلِ. [الباب ١، الدرس ٣١]

في أنّ الأرض لا تخلو من رجل عالم بالدّين كلّه، جعله اللّه فيها خليفة وإمامًا وهاديًا بأمره.

قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ» زِيَادَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ الْجَعْدِ، وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهِيَ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ فَقَدْ فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ لِوُجُودِ عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ فِيهِمَا، بَلْ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لِلْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ فِي الْأُمَّةِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ هُوَ بَقَاءُ الْخَيْرِ فِيهِمْ وَلَوْ فَسَدَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَنْ زَادَهَا فِي الْحَدِيثِ، فَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: «هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قُرَّةُ بْنُ إِيَاسَ»، وَهُوَ رَجُلٌ عَدَّهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِقَوْلِهِ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ»، وَقَوْلِهِ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ، فَمَسَسْتُ الْخَاتَمَ»، وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ: «قُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: أَكَانَ أَبُوكَ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ قَدْ حَلَبَ وَصَرَّ»، أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا صَغِيرًا يَخْدِمُ أَهْلَهُ، فَلَعَلَّهُ غَلَطَ فِي الْحَدِيثِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: «كَانَ أَبِي يُحَدِّثُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ حُدِّثَ عَنْهُ»، وَهَذَا يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ ابْنُ أَبِي حَاتَمٍ حَدِيثَهُ فِي الْمَرَاسِيلَ، وَأَمَّا أَنَا فَأُخْرِجُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، مُرَاعَاةً لِلرِّوَايَتَيْنِ. [الباب ١، الدرس ٣٢]

لا خلاف بين المسلمين في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام وذلك لما صحّ عندهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ» ولكنّهم اختلفوا في أنّه حسنيّ أو حسينيّ. فقال الجمهور أنّه حسنيّ لما رواه أبو داود... لكنّه منقطع؛ لأنّ أبا داود قال: «حدّثت» بصيغة المجهول ولم يبيّن من حدّثه واحتمل المنصور حفظه اللّه تعالى وقوع التصحيف فيه فقال: «لكنّه تصحيف على الأرجح؛ كما يوجد اختلاف في نسخه، وفي بعضها <الحسين>»، وعليه فلا تقوم به حجّة وقال الإماميّة أنّه حسينيّ لما رووا عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وفي أخبار الجمهور ما يؤيّده؛ كما رواه داود بن عبد اللّه الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد اللّه بن حسن فتذاكرنا المهديّ، فقال عبد اللّه بن حسن: المهديّ من ولد الحسن بن علي، فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك، وقال النجاشي (ت٤٥٠ه‍) في ترجمة أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني نزيل مصر: «ذكر أصحابنا أنه وقع إليهم من كتبه كتاب كبير في ذكر من روى من طرق أصحاب الحديث أنّ المهديّ من ولد الحسين عليه السلام»، وهذا ما اختاره المنصور حفظه اللّه تعالى... ثمّ حاول الجمع بين الروايتين فقال: «... يمكن اعتبار المهديّ حسينيًّا من جهة الأب وحسنيًّا من جهة الأمّ، وبهذه الطريقة يُجمع بين الأخبار والأقوال»، ويؤيّده ما رواه الطبراني، ... عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذكر الحسن والحسين في شكاته التي قبض فيها فقال: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ مِنْهُمَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ». [السؤال والجواب ٣٧٤]

حقيقة الأنساب معلومة للّه فقطّ، ولا يمكن العلم بها إلا من طريق الوحي، ولكن ليس من الواجب العلم بها، بل الملاك هو الظاهر المشهور، ولا يجوز إساءة الظنّ بالظاهر المشهور من أنساب الناس ما لم يكن هناك دليل أو شاهد على خلافه، ولا يجوز التجسّس. هذا بالنسبة إلى الأحكام، مثل الخمس والزكاة والميراث؛ لتعذّر العلم فيها، ولزوم الحرج بالنظر إلى كثرة مصاديقها، وخفّة الضرر المترتّب عن الخطأ فيها، وأمّا بالنسبة إلى العقائد مثل النبوّة والإمامة والخلافة وغيرها من المناصب الإلهيّة فلا يكفي الظاهر المشهور من الأنساب؛ لأنّه أمر ظنّيّ، والمطلوب في العقائد العلم؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، ...، وعليه فلا يجوز تصديق من يدّعي نبوّة أو إمامة أو خلافة أو غيرها من المناصب الإلهيّة استنادًا إلى الظاهر المشهور من نسبه؛ كما لا يجوز تكذيبه استنادًا إلى ذلك؛ لأنّ ذلك أمر ظنّيّ، ولا يجوز في العقائد التعويل على الأمور الظنّيّة، والمعوّل فيها على ما يفيد اليقين كآية من اللّه أو نصّ من خليفته... الحاصل أنّ العلم بحقيقة الأنساب عند اللّه وخليفته، لكنّه غير ضروريّ فيما يرجع إلى الأحكام، بل يكفي فيها الإطمئنان العقلائيّ المستند إلى الإستفاضة أو شجرة النسب، وأمّا فيما يرجع إلى العقائد فلا بدّ من العلم بحقيقة الأنساب، وهو يحصل بآية من اللّه أو نصّ من خليفته، ولا يحصل بالإستفاضة أو شجرة النسب، فضلًا عن مجرّد الإدّعاء، وهذا مراد السيّد المنصور بقوله الذي أخبرنا به بعض أصحابنا، قال: «قُلْتُ لَهُ: إِذَا جَاءَنِي رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ؟! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنَ الْقَفَا؟! لَا تَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ إِذَا جَاءَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، مَعَهُ آيَةٌ مِنَ اللَّهِ وَآيَةٌ مِنْ رَسُولِهِ». [السؤال والجواب ٧٤]

وأمّا ولادة الإمام المهديّ ففيها خلاف مشهور بين المسلمين؛ إذ قال الجمهور أنّه لم يولد بعد وقال الإماميّة أنّه ولد في سنة مائتين وخمسة وخمسين للهجرة وهو ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ووافقهم على ذلك جماعة منهم... سبط بن الجوزي الحنبلي...، وعبد الوهاب الشعراني...، وحكاه عن ابن عربيّ... واستدلّوا على ذلك بما رووا عن أئمّة أهل البيت وبأنّه الخلف الثاني عشر منهم وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، وردّ عليهم الجمهور بأنّ والد الإمام المهديّ اسمه عبد اللّه؛ لما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» ولو كان ابن الحسن هو الإمام المهديّ للزم أن يكون عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وأجاب الإماميّة بأنّ كثيرًا من الروايات خالية من اسم أبيه وهذا ما يوهن بنيانه وليس طول العمر ممّا يدفعه العقل أو الشرع وقد روى الجمهور أنّ الدّجّال حيّ يعيش في جزيرة من جزائر البحر منذ زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهذا يعني أنّ عمره أطول من عمر نوح عليه السلام وقد كره المنصور حفظه اللّه تعالى الخوض في هذا الموضوع ولم يتعرّض له في كتاب «العودة إلى الإسلام»؛ لأنّ المهمّ عنده التمهيد لظهور الإمام المهديّ وذلك غير متوقّف على الإعتقاد بوجوده في الوقت الحاضر؛ لأنّه لو كان غير موجود لوُجد بعد التمهيد لظهوره بفضل اللّه وحكمته. نعم، قال في بعض دروسه أنّ الإحتياط يقتضي الإكتفاء بما ورد في جميع الروايات وأجمع عليه المسلمون وهو اسم الإمام المهديّ؛ لأنّه القدر المتيقّن وقال بأنّ الإمام المهديّ موجود في الوقت الحاضر، سواء كان اسم أبيه الحسن أو عبد اللّه. [السؤال والجواب ٣٧٤]

إنّ دأب القرآن هو تبيين الأصول والقواعد؛ لأنّه بمثابة الدستور في الإصطلاح المعاصر وقد فوّض تبيين الفروع والتفاصيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ولذلك أمر بالصلاة ولم يبيّن عدد ركعاتها وترتيب أعمالها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالزكاة ولم يبيّن متعلّقاتها ونُصُبها حتّى بيّنهما النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ثمّ أمر بالحجّ ولم يبيّن كثيرًا من تفاصيله حتّى بيّنها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ... ثمّ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ولم يبيّن من هم حتّى بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقال: ...«يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَخُلُقُهُ خُلُقِي، يَمْلَأُهَا عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» وقال: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ، يَسْقِيهِ اللَّهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ، وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ» وقال: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي، عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَزَلَازِلَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ، وَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى، فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ...» وهذه أخبار متواترة روى مضامينها أكثر من أربعين صحابيًّا... وصرّح بصحّتها وتواترها كثير من أئمّة الحديث... ولذلك لا يشكّ في صدورها عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا من انسلخ عن العلم وارتطم في الوهم والوسوسة. [السؤال والجواب ٤١٨]

يوجد إشارات كثيرة إلى الإمام المهديّ عليه السلام وعصر حكومته في التوراة والإنجيل وليس ذلك بعجيب؛ لأنّ اللّه تعالى أنزلهما كما أنزل القرآن وفيهما كلامه وإن وقع فيهما بعض التحريفات من قبل الكاتبين والمترجمين والمفسّرين ونحن نقوم بسرد بعض إشاراتهما فيما يلي: جاء في كتاب إِشَعْياء: «يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، وَيُعْطَى لَنَا ابْنٌ، تَكُونُ السُّلْطَةُ فِي يَدِهِ، وَيُدْعَى مُشِيرًا عَجِيبًا، رَبًّا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلَامِ؛ تَمْتَدُّ سُلْطَتُهُ وَسَلَامُهُ بِلَا نِهَايَةٍ، عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ وَمَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَسْنُدَهَا بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ، مِنَ الْآنَ إِلَى الْأَبَدِ. غِيرَةُ اللَّهِ الْقَدِيرِ تَصْنَعُ هَذَا» ... «إِنَّ الظَّالِمَ يَبِيدُ، وَيَنْتَهِي الْخَرَابُ، وَيَفْنَى عَنِ الْأَرْضِ الدَّائِسُونَ. فَيُثَبَّتُ الْكُرْسِيُّ بِالرَّحْمَةِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالْأَمَانَةِ فِي خَيْمَةِ دَاوُدَ حَاكِمٌ، وَيَطْلُبُ الْحَقَّ وَيُبَادِرُ بِالْعَدْلِ». [السؤال والجواب ٤٢١]

انظر حولك؛ كم ترى من أضاع أفضل سنوات شبابه في دعم ألعاب سياسيّة حمقاء أو ادّعاءات كاذبة جنونيّة، ولكن لا يخصّص ساعة للتعرّف على النهضة العقلانيّة والقرآنيّة «العودة إلى الإسلام» ودعم زعيمها العالم الذي لا يدّعي لنفسه شيئًا! انظر حولك مرّة أخرى؛ كم ترى من يلقي بثروات طائلة في بحر الأوهام والأماني، أملًا في كسب الأجر وخدمة الإسلام، لكنّه لا ينفق فلسًا في سبيل التمهيد لظهور المهديّ عليه السلام وملء الأرض قسطًا وعدلًا! أولئك الذين أخبر اللّه تعالى عنهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. طبعًا لا شكّ أن هذا المكتب في سبيل استمرار رسالته العقليّة والشرعيّة، لا يعتمد على دعم أيّ شخص في العالم إلا ربّه، وسيستمرّ في طريقه المستقيم على الرغم من كلّ المتاعب والصعوبات المتصوّرة، حتى يصل إلى مثله الأعلى المقدّس، وهو إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى الحكم. فذر الذين يملكون السلطة والثروة في الحياة الدنيا ولا ينفقونها في سبيل اللّه، يغترّوا بسلطتهم وثروتهم؛ لأنّنا لسنا في حاجة إليهم، وليست سلطتهم وثروتهم أكثر قيمة عندنا من ميتة كلب. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وليست لأصحاب السلطة والثروة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. [الشبهة والرّدّ ١٤]

إنّ المنصور الهاشمي الخراساني هو مجرّد عالم مسلم، نهض بهدف إظهار المهديّ عليه السلام وإيصاله إلى السلطة، ويدعو المسلمين إلى مبايعته بدلًا من مبايعة الآخرين، وبهذه الطريقة يمهّد لإقامة الإسلام الخالص والكامل في العالم ولهذا السبب، يجب على كلّ مسلم نصره. مع ذلك، إن تبيّن لك ولبعض المسلمين الآخرين، لأيّ سبب من الأسباب، أنّه موعود أيضًا بالإضافة إلى هذه الصّفة العينيّة والمشهودة، فإنّ نصره واجب عليكم من باب أولى؛ كما أنّ نصره واجب على المسلمين الذين لم يتبيّن لهم هذا الأمر؛ لأنّ هذا العالم المسلم يدعو إلى المهديّ عليه السلام ويمهّد لظهوره بشكل عينيّ ومشهود، وهذا يكفي لنصرته من قبل أيّ مسلم يخاف اللّه واليوم الآخر؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى... لا يأخذ المنصور الهاشمي الخراساني لنفسه بيعة من أيّ مسلم؛ لأنّه يرى أنّ البيعة للّه وحده، ويريد بذلك أنّ البيعة لمن قد أمر اللّه بمبايعته، وما هو في زماننا هذا إلا المهديّ الذي يجب على كلّ مسلم مبايعته. بناءً على هذا، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ البيعة من مسلمي العالم للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ منهم عهدًا وموثقًا على أنّهم إن ظهر لهم المهديّ سيحفظونه وينصرونه ويطيعونه، ولا يخذلونه كما خذله الذين من قبلهم. هذا هو موضوع الميثاق الذي يأخذه المنصور الهاشمي الخراساني من كلّ مسلم، وإذا واثقه عدد كافٍ من المسلمين على هذا الموضوع، فسيتمّ تهيئة الظروف لظهور المهديّ إن شاء اللّه. [الشبهة والرّدّ ١٥]

الرسالة الرئيسيّة والواضحة لهذا الكتاب العظيم [كتاب «العودة إلى الإسلام»]، ليست فقطّ «نفي الآخرين»، بل «إثبات المهديّ» و«نفي الآخرين»، وهذا هو مظهر «لا إله إلا اللّه» وتأويل «البيعة للّه» وشعار المنصور الهاشمي الخراساني وركيزة دعوته. كلّ كلام هذا العالم المصلح والمجاهد هو أنّه لا حكومة إلا للّه، ومراده بحكومة اللّه، على عكس مراد الخوارج السخيف والخاطئ، ليس عدم حكومة الإنسان، بل حكومة إنسان اختاره اللّه ونصّ عليه بواسطة كتابه وسنّة نبيّه المتواترة أو بواسطة آية بيّنة، وهو «المهديّ» الذي يعيش الآن بين الناس، لكنّه غائب أي مستتر، وسبب غيبته، خلافًا لتصوّر أكثر الناس، ليس إرادة اللّه وفعله الإبتدائيّين، بل إرادة الناس وفعلهم الإبتدائيّين، إذ أخافوه على نفسه ولم يوفّروا الظروف المناسبة لحكومته ولذلك، فهم مسؤولون عن جميع عواقب وتبعات غيبته، وإن اعُتبرت هذه العواقب والتبعات «طريقًا مسدودًا في أمّة آخر الزمان»؛ لأنّ هذا «الطريق المسدود» لا يُنسب إلى «الإسلام» حتّى يتعارض مع «كماله»، بل يُنسب إلى الناس الذين سبّبوه بسوء اختيارهم؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. [الشبهة والرّدّ ١٦]

استراتيجيّة المنصور الهاشمي الخراساني لظهور المهديّ وحكومته هي استراتيجيّة شاملة ذات أبعاد أمنيّة وثقافيّة وسياسيّة؛ لأنّه من أجل ظهور المهديّ بمعنى إمكانيّة الوصول إليه، يرى من الضروريّ وجود عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة؛ نظرًا لأنّه يرى أنّ السبب الوحيد لعدم ظهوره بمعنى عدم إمكانيّة الوصول إليه، هو خوفه من القتل أو الأسر، ويعتقد أنّه إذا تمّ ضمان سلامته من قبل هذا العدد من المسلمين فإنّ ظهوره بمعنى إمكانيّة الوصول إليه أمر محتوم. بناء على هذا، فإنّه بمقتضى وجوب التمهيد لظهور المهديّ عقلًا وشرعًا، يسعى لجمع عدد كافٍ من المسلمين الأقوياء والأمناء لحمايته من الأخطار المحتملة ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي هذا العالم الصدّيق، سيكون ظهور المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كان أمنه مضمونًا، حتّى لو لم تكن حكومته ممكنة؛ إذ ليس هناك تلازم بين ظهوره وحكومته، وظهوره بدون حكومته مفيد أيضًا، بل ظهوره مقدّمة لحكومته؛ لأنّ حكومة من ليس بظاهر صعبة، وعليه فإنّ التمهيد لظهوره مقدّمة للتمهيد لحكومته. [الشبهة والرّدّ ١٦]

يرى المنصور الهاشمي الخراساني أنّ شرط حكومة المهديّ هو اجتماع عدد كافٍ من الناس على إعانته وطاعته، ويعتقد أنّ قيامه بالحكومة سيكون أمرًا محتومًا إذا تعهّد هذا العدد منهم بهذه الإعانة والطاعة؛ لأنّ الحكومة ليست حقًّا للمهديّ فحسب، بل تكليف له أيضًا، بحيث أنّه لو لم يقم بها بعد توفّر الشروط لكان من الحقّ أن يُضرب عنقه؛ كما جاء في الرواية عن عليّ عليه السلام: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ»؛ نظرًا لأنّه في هذه الحالة سيكون هو المسؤول الوحيد عن جميع المفاسد والمظالم الجارية على الأرض. لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني، بينما يجمع عددًا كافيًا من المسلمين لحماية المهديّ، يجمع عددًا كافيًا منهم لإعانته وطاعته، ويطلب منهم جميعًا المساعدة لهذا الغرض؛ لأنّ في رأي فريد دهره هذا، ستكون حكومة المهديّ أمرًا حتميًّا إذا كانت إعانته وطاعته مضمونة، وهذا الضمان يسمّى في الإسلام «البيعة». لذلك، فإنّ المنصور الهاشمي الخراساني يأخذ من مسلمي العالم بيعة للمهديّ؛ بمعنى أنّه يأخذ ميثاقهم أنّه مهما جاءهم المهديّ سيعينونه ويطيعونه، ولا يخذلونه ولا يعصونه كما فعلوا مع خلفاء اللّه من قبله، وبالتالي إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على الإعانة والطاعة للمهديّ سيتحقّق لهم حكومته بإذن اللّه؛ كما إذا بايعه عدد كافٍ من المسلمين على حماية المهديّ سيتحقّق لهم ظهوره بإذن اللّه. هذه خطّة كاملة ودقيقة صادرة من العقل توافق كتاب اللّه وسنّة نبيّه ولذلك، كلّ من استنكف عن قبولها فهو في ضلال بعيد. [الشبهة والرّدّ ١٦]

سيطرة المنافقين على العالم الإسلامي
مجتبى المزروعي

لقد وصل عناصر النفاق إلى السلطة في البلدان الإسلامية، وحكموا المسلمين؛ الحكام الذين يبدو أنهم مسلمون، لكنّ ولائهم وانقيادهم للكفار أو ضدّيتهم وعداءهم للتيارات الإسلامية يحكي عن كفرهم في الباطن. مجموعة منهم بشعارات سنّيّة ينشرون التفكير المنحط الأمويّ والعباسيّ في الكثير من الممالك الإسلامية وبإشاعة الإفراط وبالحماية السياسية والتسليحية للعصابات الإرهابية، يستهدفون نفوس وأموال المسلمين الأبرياء وفريق منهم بشعارات شيعيّة ينشرون الخرافات والبدع المذهبية في الدّول الإسلامية ويوجبون وهن الإسلام والإختلاف بين المسلمين، والعجيب أنهما اتّفقا على العداء لأطهر دعوة هذا العصر إلى إقامة الإسلام الكامل والخالص في العالم، ولا يتهاونان في الأعمال الشريرة والشيطانية لحفظ قدرتهما ومنع خليفة اللّه في الأرض من الوصول إلى السلطة! كما على سبيل المثال، أنّ عناصرهما المرتزقة وعملائهما الذين لا يؤمنون إلا بأربابهم، يتآمرون كلّ يوم لضرب نهضة «العودة إلى الإسلام» المطهّرة وهم سدٌّ في طريق قائدها الحرّ والكبير المنصور الهاشمي الخراساني ولذلك، يقترفون أيّ كذب وتهمة وظلم وعمل خبيث مؤذي. كم من الشبّان المثقفين والمتدينين الذين يمضون ويتألمون في سجونهم بجرم إجابتهم دعوة الحقّ إلى الإسلام الخالص والكامل، وكم من الرجال والنساء المحترمين والشرفاء الذين ينال من عرضهم ويتعرضون للشماتة والإهانة بجرم ترجيحهم للمهديّ على أربابهم! [المقالة ٥]

سيطرة المنافقين على العالم الإسلامي
مجتبى المزروعي

ليس هناك شك في أنّ نهاية هذا الشغب الشيطاني سيكون على يد خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يتغلّب على هؤلاء الأشرار ودعاة الفتنة ذوي البطون الكبيرة والأعناق الغليظة سواه، وهو مهديّ آل محمد الذي بوعد اللّه ورسوله القطعيّ، يملأ الارض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ولكنّ الحقيقة هي أنه من أجل تحقيق حاكمية هذا العظيم ومحاربته ضدّ المنافقين الأشرار، لا يمكن للناس أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويكتفوا بالدّعاء والندبة من أجل ظهوره حضرته، بل من الضروري أن يشكّلوا اجتماعًا من المسلمين المخلصين والمجاهدين لحماية ونصرة حضرته الشاملة ويعلنوا عن استعدادهم لحفظه وإعانته وينقضوا بيعتهم الباطلة مع الحكام الآخرين ويبايعوا خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه من غير تشكيل مثل هذا الإجتماع، لن يكون ظهور المهديّ ممكنًا ولن يكون هناك ضمان لبقائه وانتصاره، وهذا هو الهدف العظيم الذي يسعى له حضرة المنصور الهاشمي الخراساني بحركته الإسلامية والشعبية ويحاول تحقيقه ولذلك فإنّ حركته المباركة هي أفضل فرصة لتجمّع واجتماع الشباب المحبّين للمهدي والمنتظرين الحقيقين لظهوره من أجل إعلان البيعة والوفاء مع حضرته؛ الحركة التي من خلال طرح شعار «البيعة للّه»، تعتبر كلّ بيعة غير البيعة لخليفة اللّه على الأرض بيعة للطاغوت ومن خلال الإعتقاد بإمكان تحقّق حاكمية المهدي بشرط توفّر المقدّمات المذكورة، تمهّد بشكل عينيّ وعمليّ لحاكمية حضرته. لذا من الضروري أن يسارع جميع الذين صدقوا في ادعائهم محبة وانتظار فرج آل محمد ونصرتهم، في الدخول إلى الساحة، وأن يجتمعوا تحت هذه الراية الهادية وأن يجاهروا بنداء «العودة إلى الإسلام»، لتقريب وتحقيق ظهور المهديّ ولو كره المنافقون الحقراء وكادوا ينفجرون من الحسد والغضب! [المقالة ٥]

الخلافة في القرآن؛ نظرة مختصرة
أبو هادي المالكي

من الواضح أنّ لفظة «جاعل» التي هي اسم فاعلٍ لفعل «جعل» يراد منها الإستمرار بالجعل في كلّ الأزمان؛ فلو أراد سبحانه وتعالى جعل الخليفة لمرّة واحدة فقط لقال: «إنّي أجعل» أو «جعلت» ولكنّه قال: «إنّي جاعل» ليكون آدم عليه السلام أول خلفائه المجعولين مبيّنًا فيه سنّته في استخلاف الأرض وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... كما شرط اللّه في سنّته هذه شروطًا خاصّة غير تلك التي استفهمت بها الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء؛ حيث أنّه سبحانه وتعالى قد بيّن أنّ خلفائه -في كلّ الأزمان- غير أولئك الذي يُحتمل منهم مبادرة الإفساد في الأرض وسفك الدماء ومن خلال هذه القيود تخرج البشرية كافّة -عدا المعصومين- من الإطلاق في لفظة الخليفة المذكورة في الآية الكريمة وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذ لا وجه لجعل داوود عليه السلام خليفةً بعد كونه من الآدميّين الذين توهّم البعض أنّ اللّه تعالى قد استخلفهم جميعًا في الأرض، بل ظاهر الآية يدلّ على حدث من الحال الحاضر وليس على الماضي؛ كما بيّن أنّ الغاية من استخلافه الخليفة في الأرض هي الحكم -بالحقّ- والدليل على ذلك لام التعليل التي اتصلت بالفعل «لتحكم»، وعليه فلا يجوز الحكم إلا لمن جعله اللّه خليفة في الأرض كداوود عليه السلام ويجب على الناس تمكينه من الحكم وبعد هذا البيان، صار من الواجب على كلّ مسلم أن يعرف خليفة اللّه تعالى في زمانه ويمهّد لحكمه؛ كما قال سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى: «إِنَّ لِلَّهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاعْرِفْهُ وَاسْتَمْسِكْ بِحُجْزَتِهِ» وخليفة زماننا هذا هو المهديّ الذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووعده وبشّر بأنّه «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا». [المقالة ٦]

علم بلا عمل
أبو كميل النخعي

إنّ المسلمين يعلمون جميعًا أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهذا اعتقاد صحيح لهم نشأ من الأحاديث النبويّة المتواترة، لكنّ الإعتقاد الصّحيح لا ينجي الإنسان من الخسران إذا لم يكن معه عمل صحيح... ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتعوّذ منه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». إنّ مَثَل صاحب هذا العلم كمثل مريض يعرف الدواء الذي يشفيه، لكنّه رغم معرفته به لا يطلبه ولا يتناوله، بل يلجأ إلى غيره من الأشياء التي يتوهّم بجهله أو تقليده أنّها شافية أيضًا، فيكون بذلك كمن لا يعرف الدواء أصلًا، حيث أنّهما يهلكان جميعًا! إنّ المسلمين في هذا العصر هم كذلك المريض؛ حيث أنّهم لا يشكّون في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الوحيد الذي يقيم الدين الخالص وينشر العدل في العالم، لكنّهم لا يحاولون التمهيد لحكومته من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة لها، بل يجهدون لتشكيل وحفظ الحكومات الأخرى ببذل أموالهم وأنفسهم وهذا ما أوقعهم في الذلّة والمسكنة وسوف يؤدّي بهم إلى الهلاك إن لم يتوقّف عاجلًا... نعم، إنّ المسلمين يعرفون إمام زمانهم -الإمام المهديّ عليه السلام- ولكنّهم غافلون عنه ومنشغلون بمن لا يغنيهم عنه من الحكّام والفقهاء والكذّابين؛ فتكون عاقبتهم كعاقبة المريض الذي يعرف الدواء ولكنّه لا يطلبه ولا يتناوله... من أجل ذلك، لا بدّ للمسلمين من ترك اتّباع الحكّام والفقهاء والكذّابين والإقبال على اتّباع خليفة اللّه المهديّ؛ لأنّه هو الطريق الوحيد الذي يقودهم الى النجاة من الخسران... نعم، لا بدّ للمسلمين من التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة له وهذا ما يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليلًا ونهارًا في ضوء الأدلّة اليقينيّة من القرآن الكريم والسنّة النبويّة المتواترة والعقل السليم من موانع معرفة الحقّ ولا شكّ أنّ كلّ من تعلّق قلبه بالإسلام وينصح له ويأمل انتصاره على الكفر والنفاق، يبادر لإجابة هذه الدعوة المباركة ونصرها بكلّ ما في وسعه. [المقالة ٧]

موقف القرآن من خبر الواحد بدون قرينة قطعيّة
أبو جعفر الكوفي

نرى في الآيات الكريمة أنّ الهدهد أخبر سليمان عليه السلام بما وجد في سبأ، ولكنّ سليمان عليه السلام لم يصدّق الخبر ولم يكذّبه، بل قام بالفحص عن القرينة وطلب الدّليل على صحّته؛ لأنّه كان خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد اليقين؛ لا سيّما في مثل هذا الأمر المهمّ الذي يتعلّق بالدين. لذلك، قام سليمان عليه السلام ببعث كتاب إلى سبأ ليتحقّق من خبر الهدهد. رغم أنّ الهدهد كان صالحًا مهتمًّا بأمر الدين ونشر التوحيد وكان من أصحاب سليمان عليه السلام، إلا أنه بالأصل لا حجّيّة لخبر الواحد بدون قرينة قطعيّة. بالطبع مثل هذا الخبر متيسّر التحقّق منه؛ لأنّه خبر عن قضيّة موجودة حين الإخبار. لذلك، بعث سليمان عليه السلام الكتاب الذي بواسطته تبيّن مضمون الخبر المنقول من قبل الهدهد. هذا يعني أنّ خبر الواحد في حدّ ذاته لا يوصف بالصدق ولا بالكذب، إلا أن يكون مخالفًا لصريح العقل أو الشرع؛ فإنّه كذب لا محالة. فإن لم يكن كذلك وكان محتمل الصدق، فإنّه ليس حجّة، إلا إذا كان له قرينة تؤدّي إلى اليقين بصحّته، وإن كان المخبر صالحًا. فإن لم يكن له مثل هذه القرينة، فهو والكذب سواء؛ لأنّه لا يجوز الإعتماد عليه في عقيدة أو عمل؛ كما لم يعتمد عليه سليمان عليه السلام حتّى تبيّن له من خلال الفحص عن القرائن القطعيّة... بناء على هذا، فمن الواضح أنّ الإعتماد على أخبار الآحاد المجرّدة عن القرائن القطعيّة هو مخالف لكتاب اللّه ومخالف لنهج أنبيائه... هذا ما بيّنه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى واتّخذه معيارًا لقوله وفعله وأساسًا لكتابه الذي يعلم أولوا الألباب ثقله علميًّا ويعترفون بأنّه سبيل هدى لفهم الاسلام الحقيقيّ. [المقالة ٩]