إنّ عالم الكفر اليوم، تحت تأثير أمثال مكيافيلي (ت١٥٢٧م) من الفلاسفة الملحدين الذين ورثوا السوفسطائيّين، قد جعلوا القيم الأخلاقيّة تابعة لأهوائهم، وقدّموا للمفاهيم الأساسيّة تعاريف جديدة تختلف عن تعاريفها الفطريّة والتاريخيّة. كمثال على ذلك، قد وجد العدل والحرّيّة في قاموسهم معاني جديدة تقوم أكثر من أيّ شيء آخر على النسبيّة في نظرتهم للعالم. الحقّ في زعمهم، تمامًا كما في زعم السوفسطائيّين، هو تابع لرأيهم، وكلّ شيء يتوافق مع مصالحهم فهو حسن، وكلّ شيء لا يتوافق مع مصالحهم فهو سيّء! من الواضح أنّ إعطاء الأصالة للإنسان هذا هو حركة ضدّ إعطاء الأصالة للّه، والذين أسّسوا بنيانهم على ذلك لم يكونوا مؤمنين باللّه؛ لأنّ في النظرة الإلهيّة للعالم، مصدر الحقّ هو اللّه ويُعتبر الإنسان تابعًا للحقّ، في حين أنّ في النظرة الإلحاديّة للعالم، مصدر الحقّ هو الإنسان ولا دور للّه فيه. بعبارة أخرى، فإنّ الإعتقاد بوحدانيّة الحقّ هو اعتقاد توحيديّ نشأ من الإعتقاد بوحدانيّة اللّه على أنّه مصدر الحقّ، في حين أنّ الإعتقاد بتعدّد الحقّ هو اعتقاد شركيّ نشأ من إنكار وحدانيّة اللّه والإعتقاد بمصادر متعدّدة للحقّ. [العودة إلى الإسلام، ص٢٣]
المقصود من معيار المعرفة شيء معروف بذاته يسبّب معرفة غيره؛ بمعنى أنّه لا حاجة إلى أيّ شيء آخر لمعرفته، وبه يُعرف سائر الأشياء؛ كمثل النور الذي هو مرئيّ بذاته ويسبّب رؤية سائر الأشياء. هذا يعني أنّ معيار المعرفة لا يحتاج إلى أن يُعرف؛ لأنّه لو كان محتاجًا إلى أن يُعرف، لكانت معرفته أيضًا محتاجة إلى معيار، وهذا يعني التسلسل، وهو غير ممكن. إنّ معارف الإنسان لا بدّ أن تنتهي إلى معرفة بديهيّة تكون مبدأ المعارف كلّها ولا تكون ناشئة من معرفة أخرى؛ لأنّ ما هو نفسه بحاجة إلى أن يُعرف، لا يمكن أن يكون معيار المعرفة؛ نظرًا لأنّه بنفسه يحتاج إلى معيار المعرفة. بناء على هذا، ينبغي للذين يتّخذون مثل هذا الشيء معيارًا لمعرفتهم أن لا يكونوا واثقين بمعرفتهم؛ لأنّ معرفتهم واهية ولا أساس لها؛ كمن أسّس بنيانه على الرمال ويمكن أن يسوخ فيها كلّ آنٍ، أو من قال اللّه تعالى فيه: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٢٥]
الإنسان حيوان ممتاز، ووجه امتيازه قوّة مكنونة في نفسه تجعله قادرًا على معرفة نفعه وضرّه أكثر من أيّ حيوان مكتشف آخر، ليزيد في بقائه بالحصول على نفعه، ويتوقّى من زواله بالإبتعاد عن ضرّه. هذه القوّة المكنونة هي «العقل». لا شكّ أنّ جسد الإنسان غير كافٍ لامتيازه عن الكائنات الأخرى؛ لأنّه بالنسبة إلى جسد كثير منها أشدّ ضعفًا وعرضة للإصابة، وليست له مزيّة بارزة وجديرة بالملاحظة. روحه، بمعنى قوّة غير معروفة تجعله يتحرّك وينمو جسديًّا، هي أيضًا مثل أرواح الحيوانات الأخرى، ولا يمكن أن تكون كافية لتفوّقه على الحيوانات الأخرى التي تتحرّك وتنمو جسديًّا مثله. الشيء الوحيد الذي يوجد في الإنسان ولا يوجد في الكائنات الأخرى، هو العقل الذي يقدر على فهم المفاهيم الكلّيّة وتطبيقها على المصاديق الجزئيّة، وبجهد يسمّى «التفكير» يهتدي ممّا يعرفه إلى ما لا يعرفه. ربّما كانت هذه القوّة موجودة في سائر الحيوانات أيضًا، لكنّها أكبر في الإنسان بلا شكّ، ولهذا قد سلّطته على سائر الحيوانات. لو كان هناك حيوان آخر يعقل أكثر ممّا يعقل الإنسان، لكان قد تسلّط على الإنسان واستخدمه لنفسه بلا شكّ، مع أنّ ذلك لم يحدث، وسلطة الإنسان على الحيوانات الأخرى مشهودة. هذا التوفّق للإنسان هو منحة عقله فقطّ، ولا يوجد له امتياز آخر. لذلك، فإنّ الإنسان الذي يفقد العقل أو لا يستخدمه بما فيه الكفاية، ليس له تفوّق على الحيوانات الأخرى، بل هو أدنى منها؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٢٥ و٢٦]
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون معيار معرفة الإنسان هو «العقل»؛ لأنّ العقل هو الآلة الوحيدة لمعرفة الإنسان، ولا توجد في نفسه قوّة مدركة سواه. بعبارة أخرى، ليس للعقل بديل في مستواه يمكنه أن يغني عنه، وهذا أمر محسوس ووجدانيّ. علاوة على ذلك، فإنّ معرفة الإنسان تتمّ عمليًّا بواسطة العقل، ولا تأثير لرضاه ولا كراهيته على هذا الواقع؛ لأنّ هذا الواقع هو الطبيعة الذاتيّة للإنسان وفطرة الرّبّ الحكيم، ومن ثمّ لا يمكن للإنسان تغييره. بناء على هذا، فإنّ العقل هو أصل مبادئ المعرفة وأوّلها، وكلّ معرفة لا تصير إلى العقل بشكل مباشر أو غير مباشر فلا معنى لها. المبادئ الأخرى، إن كانت موجودة، فإنّها تعود إلى العقل؛ لأنّها لا تُعرف إلّا بالعقل، ولا فعّاليّة لها إلّا للعقلاء؛ كما أنّ الشّرع، مع أنّه مفيد جدًّا، يُعرف بواسطة العقل ولم يخاطب إلّا العقلاء، وعلى سبيل المثال قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. [العودة إلى الإسلام، ص٢٦]
العقل جوهر فريد مشترك بين بني آدم، يمثّل مبدأ اختيارهم الفرديّ ومسؤوليّتهم الإجتماعيّة وحلقة تواصل بعضهم مع بعض، وبما أنّ له مصدرًا واحدًا فله إدراكات واحدة وليس بين أفراده اختلاف. مصدر العقل ربّ العالمين الذي هو عقل محض ورئيس للعقلاء ولا تنافي بين أفعاله. لذلك ترى العقلاء في جميع أنحاء العالم، بالرّغم من اختلاف عناصرهم ولغاتهم وثقافاتهم، يتّفقون على النظريّات التي تستند إلى العقل، ولا يختلف فيها اثنان منهم. على سبيل المثال، إنّهم جميعًا متّفقون على أنّ ما يدرك بالحاسّة موجود، والكلّ أكبر من الجزء، واجتماع النقيضين محال، والحادث يحتاج إلى محدث، والخبر المتواتر صحيح، والظّلم قبيح، والعدل حسن، وما شابه ذلك. هذا يعني أنّ العقل وجود واحد، ومن هذه الناحية يصلح لأن يكون معيار المعرفة، حتّى يتحوّل اختلاف العقلاء إلى الإتّفاق من خلال الإلتزام به. [العودة إلى الإسلام، ص٢٦ و٢٧]
اسْتَمِعُوا لِقَوْلِي لِتَكْسِبُوا الْمَعْرِفَةَ، وَتَدَبَّرُوا فِيهِ لِتُؤْتَوُا الْحِكْمَةَ؛ فَإِنِّي أُرَبِّيكُمْ بِهِ كَمَا يُرَبِّي الْبُسْتَانِيُّ أَشْجَارَ الْفَاكِهَةِ، حَتَّى أَجْعَلَكُمْ جَمْعًا كَافِيًا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. إِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، وَلَمْ تُخْلَقُوا لِلدُّنْيَا؛ فَاعْمَلُوا لِلْآخِرَةِ، وَلَا تَعَلَّقُوا بِالدُّنْيَا. إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَاكِبِ الْبَحْرِ، إِذْ حَطَمَ الطُّوفَانُ سَفِينَتَهُ؛ فَتَعَلَّقَ بِخَشَبَةٍ، حَتَّى نُبِذَ بِجَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ. فَلَمَّا اسْتَعَادَ وَعْيَهُ وَسَارَ فِيهَا، عَلِمَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ غَيْرُ مَسْكُونَةٍ، وَفِيهَا وُحُوشٌ ضَارِيَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْمَاءُ وَالْغِذَاءُ إِلَّا نَزْرًا. أَتَرَوْنَهُ يَخْلُدُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ وَيَتَلَهَّى بِتَشْيِيدِ الصُّرُوحِ كَأَنَّهُ سَيَبْقَى فِيهَا أَبَدًا، أَمْ يَكْتَفِي بِاتِّخَاذِ مَأْوًى وَيَشْتَغِلُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وَجَمْعِ الزَّادِ لِيُنْجِيَ نَفْسَهُ؟! [الرسالة السادسة]
إِنَّا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ زِينَةُ الدُّنْيَا وَعَمَّتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلْوَى. لَقَدْ نَسِيَ النَّاسُ اللَّهَ وَنَسِيَهُمْ. فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ، إِنَّمَا يُغَيِّرُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الدُّنْيَا... إِذَا انْشَغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، فَانْشَغِلُوا أَنْتُمْ بِالْآخِرَةِ لِتَمْتَازُوا عَنْهُمْ. لَا تَحْزَنُوا عَلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا تَحْزَنُ عَلَيْكُمْ. دَعُوهَا لِتَكُونَ مَرْعَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلَا يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ. هُمْ لَهَا وَهِيَ لَهُمْ. مَثَلُهُمْ فِيهَا كَمَثَلِ طِفْلٍ يَلْعَبُ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَبْنِي لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّمَالِ صُرُوحًا وَيَحْسَبُ أَنَّهَا سَتَبْقَى، فَيَأْتِيهَا مَوْجٌ بَغْتَةً وَيَهْدِمُهَا جَمِيعًا، فَيَأْسِفُ الطِّفْلُ وَيَنْظُرُ إِلَى الرِّمَالِ بِحَسْرَةٍ، كَمْ تَجَشَّمَ الْعَنَاءَ هَدَرًا! [الرسالة السادسة]
أَيْنَ أَنْصَارِيَ الْحَقِيقِيُّونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ نَبَذُوا الدُّنْيَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَتَحَرَّرُوا مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ بِهَا، عَلَى مِثَالِ الْمَسِيحِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا رُفَقَاءَ الْمَوْتِ، وَيَرَوْنَ اللَّهَ حَاضِرًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ يَبْكُونَ مِنْ هَوْلِ النَّارِ كَأَنَّهُمْ ثَكَالَى! يَنْظُرُونَ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ فِي أَرْجَائِهَا! يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَيَجْتَنِبُونَ الطَّاغُوتَ. يُطِيعُونَ إِمَامَهُمْ، وَيَتَسَابَقُونَ فِي نُصْرَتِهِ. إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ زُبَرَ الْحَدِيدِ أَوْ جِبَالًا رَاسِيَةً! إِذَا هَاجَمُوا الْعَدُوَّ فِي صُفُوفِهِمْ، كَادُوا يُثِيرُونَ إِعْصَارًا وَعَاصِفَةً رَمْلِيَّةً! كَانُوا يُرَاقِبُونَ سُلُوكَهُمْ، وَيَعْرِفُونَ مَقَامَ كُلِّ مَقَالٍ. مُتَحَلِّينَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمُتَنَزِّهِينَ عَنْ كَبَائِرِ الرَّذَائِلِ. مَجْهُولِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَعْرُوفِينَ فِي السَّمَاءِ. شُعْثًا غُبْرًا صُفْرًا. لَهُمْ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ! يَقْضُونَ اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالْإِسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْضُونَ النَّهَارَ بِالتَّعَلُّمِ وَالْجِهَادِ وَالسَّعْيِ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ. لَا يَمُلُّونَ وَلَا يَرْتَابُونَ. رَحِمَهُمُ اللَّهُ. فَإِنَّهُمْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ وَذَهَبُوا، وَأَنْتُمُ الْآنَ بَقِيتُمْ لَنَا. فَاجْتَهِدُوا أَنْ تَكُونُوا لَهُمْ خَلَائِفَ صَالِحِينَ، وَاقْتَدُوا بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تُدْرِكُوا الْفَرَجَ حَتَّى تَكُونُوا كَذَلِكَ. [الرسالة السادسة]
إِذَا جَاءَ الْحَقُّ أَهَمَّتِ الْأَثْرِيَاءَ ثَرْوَتُهُمْ، وَالْأَقْوِيَاءَ قُوَّتُهُمْ، وَالْمَشَاهِيرَ شُهْرَتُهُمْ، وَالتَّبَعَةَ رُؤَسَاؤُهُمْ، وَالْمُقَلِّدَةَ مَرَاجِعُ تَقْلِيدِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَالْمَغْمُورِينَ وَالْأَحْرَارَ وَالْمُحَقِّقِينَ هُمُ الَّذِينَ يُجِيبُونَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُونَهُ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ثَرْوَةٌ تُقْلِقُهُمْ، وَلَا قُوَّةٌ تُخِيفُهُمْ، وَلَا شُهْرَةٌ تُحْزِنُهُمْ، وَلَا رَئِيسٌ يُؤَاخِذُهُمْ، وَلَا مَرْجَعُ تَقْلِيدٍ يَحْمِلُهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِ بِاسْمِ الْفَتْوَى! لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ، أَجَابَهُ فُقَرَاؤُهَا وَأَنْكَرَهُ أَثْرِيَاؤُهَا، وَنَصَرَهُ مُسْتَضْعَفُوهَا وَعَادَاهُ أَقْوِيَاؤُهَا، وَأَحَبَّهُ مَغْمُورُوهَا وَأَبْغَضَهُ مَشَاهِيرُهَا، وَاتَّبَعَهُ أَحْرَارُهَا وَأَطَاعَ تَبَعَتُهَا رُؤَسَاءَهَا، وَدَرَسَهُ مُحَقِّقُوهَا وَقَلَّدَ مُقَلِّدَتُهَا آبَاءَهَا! أَلَا إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَقَدْ عَادَ الْآنَ إِلَى غُرْبَتِهِ الْأُولَى؛ غَيْرَ أَنَّ الْغُرْبَةَ الْآخِرَةَ أَكْبَرُ مِنَ الْغُرْبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْغُرْبَةِ الْأُولَى، كَانُوا يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ، وَهُمْ فِي الْغُرْبَةِ الْآخِرَةِ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ! [الرسالة الثامنة]
اعْلَمُوا أَنِّي لَا أَقْصُدُ مِنْ هَذِهِ الْحَرَكَةِ كَسْبَ ثَرْوَةٍ أَوْ سُلْطَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا أُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَلَا أَنْ أَبْتَدِعَ فِي الدِّينِ، أَوْ أُنْشِئَ فِرْقَةً، أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالًا، أَوْ أُحَلِّلَ حَرَامًا، أَوْ أَدَّعِيَ لِنَفْسِي مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لِي. إِنِّي لَسْتُ مَلَكًا، وَلَا أَقُولُ يُوحَى إِلَيَّ، وَلَا أَقُولُ أَنِّي صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ [يعني الإمام المهديّ]، وَلَا أَقُولُ أَنِّي عَلَى صِلَةٍ بِهِ. إِنَّمَا أَقْصُدُ مِنْ هَذِهِ الْحَرَكَةِ إِقَامَةَ الْإِسْلَامِ وَتَهْذِيبَهُ مِنَ الْبِدَعِ، اعْتِمَادًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ. لَسْتُ بِجَبَّارٍ ظَالِمٍ وَلَا دَجَّالٍ فَاتِنٍ، وَلَكِنْ جِئْتُ لِأُذَكِّرَكُمْ مَا نَسِيتُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَأُبَيِّنَ لَكُمْ مَا كَتَمْتُمْ مِنْهُ، دُونَ أَنْ أَسْأَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا، أَوْ أَمُنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ. إِنَّمَا جِئْتُ لِأُصَدِّقَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَأُمَهِّدَ لَهُ الطَّرِيقَ، فَأَجْمَعَ لَهُ جَمْعًا، وَأُرَبِّيَهُمْ تَحْتَ جَنَاحِي، بِالْكُتُبِ وَالْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ، كَشَمْعَةٍ تُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، حَتَّى أُقَرِّبَ مَا بَعَّدْتُمُوهُ، وَأُسَهِّلَ مَا صَعَّبْتُمُوهُ، وَأَكُونَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنْكُمْ بَشِيرًا، وَلِلظَّالِمِينَ مِنْكُمْ نَذِيرًا... إِنَّمَا مَقْصُودِي مِنْ هَذِهِ الْحَرَكَةِ هُوَ التَّمْهِيدُ لِدَوْلَةِ الْمَهْدِيِّ. إِنَّمَا مَقْصُودِي هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَأَعِينُونِي عَلَى بُلُوغِ مَقْصُودِي. [الرسالة العاشرة]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قُلْتُ لِلْمَنْصُورِ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ مَا بَالُ الْمَنْصُورِ يُكْثِرُ التَّمَسُّكَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يُكْثِرُ التَّمَسُّكَ بِالْحَدِيثِ؟! قَالَ: مَا بَالُهُمْ يُكْثِرُونَ التَّمَسُّكَ بِالْحَدِيثِ وَلَا يُكْثِرُونَ التَّمَسُّكَ بِالْقُرْآنِ؟! أَمَا بَلَغَهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ»؟! أَلَا إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الْقُرْآنُ وَكُلَّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾! ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مُصْحَفًا وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ فَاسْتَنْطِقُوهُ! قُلْتُ: أَفَيَنْطِقُ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، يُنْطِقُهُ اللَّهُ الَّذِي يُنْطِقُ كُلَّ شَيْءٍ! قُلْتُ: وَكَيْفَ يُنْطِقُهُ؟! قَالَ: يُنْطِقُهُ عَلَى لِسَانِ خَلِيفَتِهِ! أَمَا بَلَغَكُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»؟! قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ خَلِيفَتِهِ مَتَى يَنْطِقُ بِالْقُرْآنِ؟! قَالَ: إِذَا أَعْطَيْتُمُوهُ صَفْقَةَ أَيْدِيكُمْ وَثَمَرَةَ قُلُوبِكُمْ! [الفقرة ١ من القول ٢٣]
أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ الْهَاشِمِيَّ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: الْعَقْلُ مَاٰلُ الْمَعْرِفَةِ، وَكُلُّ مَعْرِفَةٍ لَا تَؤُولُ إِلَى الْعَقْلِ فَجَهْلٌ عَلَى جَهْلٍ، قُلْتُ: عِنْدَنَا قَوْمٌ يَتَبَرَّؤُونَ مِنَ الْعَقْلِ! قَالَ: وَهَلْ يَتَبَرَّءُ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا مَجْنُونٌ؟! قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَاٰلُ الْمَعْرِفَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ! قَالَ: وَهَلْ يُعْرَفُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِلَّا بِالْعَقْلِ؟! الْعَقْلُ أَصْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ سُوقُهَا، وَالْخُلَفَاءُ فِي الْأَرْضِ أَغْصَانُهَا، فَمَنْ تَرَكَ الْعَقْلَ فَقَدْ قَطَعَ أَصْلَ الْمَعْرِفَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ قَطَعَ سُوقَهَا، وَمَنْ تَرَكَ الْخُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ قَطَعَ أَغْصَانَهَا، وَكُلٌّ مَحْرُومُونَ مِنْ أُكُلِهَا وَثَمَرَتِهَا. [القول ٢٥]
يَا عِبَادَ اللَّهِ الَّذِينَ أَكَبُّوا عَلَى جَمْعِ الْأَمْوَالِ، وَتَنَافَسُوا فِي كَسْبِ السُّلْطَةِ! اعْلَمُوا أَنَّ حَيَاتَكُمْ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، وَأَنَّ مَوْتَكُمْ قَرِيبٌ. الْقُبُورُ مَحْفُورَةٌ، وَالْأَكْفَانُ مَقْطُوعَةٌ. قَرِيبًا سَتُدْبِرُ عَنْكُمْ وَتَتْرُكُكُمُ الدُّنْيَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا عَنِتُّمْ، وَظَلَمْتُمْ، وَكَذَبْتُمْ، وَانْتَهَكْتُمُ الْأَعْرَاضَ. فَلَنْ تَأْسِفَ لِسُكُونِكُمْ بَعْدَ حَرَكَتِكُمْ، وَلَنْ تَأْسَى عَلَى بُرُودِكُمْ بَعْدَ حَرَارَتِكُمْ، وَلَنْ تَحْزَنَ عَلَى أَطْفَالِكُمْ إِذَا تَيَتَّمُوا، وَلَنْ تَتَحَسَّرَ عَلَى أَزْوَاجِكُمْ إِذَا تَرَمَّلْنَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُودَعْ فِي جِبِلَّتِهَا رَحْمَةٌ، وَلَا يُوجَدُ فِي طَبِيعَتِهَا شَفَقَةٌ. قَدْ دَاسَتْ بِقَدِمِهَا حَنَاجِرَ الْأَطْفَالِ الرُّضَّعِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِ الْعِرْسَانِ الْخَائِبَةِ، وَلَمْ تُعَافِ الشُّبَّانَ الطَّامِحِينَ وَلَا الشُّيُوخَ الْعَائِلِينَ. فَكَمْ مِنْ مَظْلُومٍ لَمْ تَسْمَعِ اسْتِغَاثَتَهُ، وَكَمْ مِنْ عَاثِرٍ لَمْ تَمْسِكْ بِيَدِهِ. آهٍ مِنْ صَرَخَاتٍ ارْتَفَعَتْ بِسَبَبِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَدُمُوعٍ سَقَطَتْ بِسَبَبِهَا عَلَى الْأَرْضِ! [القول ٢٦]
أَنْتُمْ وَرَثَةُ السَّابِقِينَ، وَسَيَكُونُ اللَّاحِقُونَ وَرَثَتَكُمْ. لَقَدْ سَكَنْتُمْ مَسَاكِنَ الَّذِينَ أَصْبَحُوا سُكَّانَ الْقُبُورِ، وَنِلْتُمْ مَنَاصِبَ الَّذِينَ تَعَرَّتْ عِظَامُهُمْ مِنَ اللَّحْمِ. كَمْ مِنْ وُجُوهٍ جَمِيلَةٍ انْتَفَخَتْ وَانْفَجَرَتْ، وَكَمْ مِنْ أَبْدَانٍ قَوِيَّةٍ بَلِيَتْ وَتَفَسَّخَتْ! فَبِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا تَعَلَّقْتُمْ، وَمَاذَا تَأْمَلُونَ مِنْهَا؟! فِي حِينٍ أَنَّ مَا جَمَعْتُمُوهُ سَيَتَبَعْثَرُ، وَمَا شَيَّدْتُمُوهُ سَيَنْهَارُ، وَهَذِهِ أَجْسَادُكُمْ سَمَّنْتُمُوهَا لِلدِّيدَانِ، وَهَذِهِ أَمْوَالُكُمْ أَنْفَقْتُمُوهَا لِلْأَرْضَةِ. حَيَاتُكُمْ مُعَلَّقَةٌ عَلَى جُرْعَةٍ، وَأَنْفَاسُكُمْ مُعْتَمِدَةٌ عَلَى لُقْمَةٍ. أَعْضَاؤُكُمْ ضَعِيفَةٌ وَآفَاتُ الدُّنْيَا كَمِينَةٌ. أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ، فَإِنَّ الْمَوْتَ آخِذٌ بِتَلَابِيبِكُمْ، وَلَا مَحِيصَ لَكُمْ عَنْهُ. لَا فِي قِمَمِ الْجِبَالِ تَأْمَنُونَ مِنْهُ، وَلَا فِي شُقُوقِ الْوُدْيَانِ تَخْتَفُونَ عَنْهُ. الْآنَ بَعْدَ أَنْ أُتِيحَتْ لَكُمْ فُرْصَةٌ وَقُدْرَةٌ، فَتَزَوَّدُوا لِآخِرَتِكُمْ، وَاحْمِلُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا يَنْفَعُكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ. [القول ٢٦]
خَيْرُ الزَّادِ لِلْآخِرَةِ التَّقْوَى، وَأَنْفَعُ الْأَعْمَالِ لَكُمْ نُصْرَةُ خَلِيفَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ السَّيِّئَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْحَسَنَاتِ، وَنُصْرَةَ خَلِيفَةِ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ نُصْرَةِ الْآخَرِينَ. إِيَّاكُمْ أَنْ تَنْصُرُوا الظَّالِمِينَ لِتَسْفِكُوا دِمَاءَ الْمَظْلُومِينَ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا إِلَى جَانِبِ الْأُمَرَاءِ لِتَخَلَّوْا عَنْ جَانِبِ الْمَهْدِيِّ! مَنْ أَشْقَى مِمَّنْ يَشْرِي آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يُقَدِّمُ مَنِ اخْتَارَهُ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ؟! سَوْفَ تَصِلُ الْحَسْرَةُ كَالدَّمِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَسَوْفَ يَتَغَشَّاهُ النَّدَمُ كَالْجِلْدِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ، حِينَ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَعُقَابٍ، وَيَغْرِزُ مَخَالِبَهُ كَسَهْمٍ فِي رُوحِهِ، لِيَأْخُذَهُ مَعَهُ إِلَى عَالَمٍ مُرْعِبٍ وَمُنْهِكٍ لَا تُرْجَى رَجْعَةٌ مِنْهٌ. [القول ٢٦]
رَوَى ابْنُ قَانِعٍ [ت٣٥١هـ] فِي «مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ زِيَادَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهِي «وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ»، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «حَدَّثَنِي قَتَادَةُ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ»، وَهَكَذَا كُلُّ مَا يُوجَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي ذَيْلِ رِوَايَاتِ الْبَابِ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ تَأْوِيلًا لِلْحَدِيثِ، وَقَدْ لَبَّسُوهُ عَلَى النَّاسِ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَبَسْطِ الْفُتُوحَاتِ عَلَى عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهَا مَدْسُوسَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَسَّتْهُ أَيْدِي الشَّامِيِّينَ، فَتَبَصَّرْ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. [الباب ١، الدرس ٣٤]
رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ [ت٢٧٧هـ] فِي «الْمَعْرِفَةِ وَالتَّارِيخِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْوِيهِ -يَعْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةَ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أُولَئِكَ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ضَلَّ قَتَادَةُ فِي تَأْوِيلِهِ ضَلَالًا مُبِينًا، فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ دَائِمًا، وَلَمْ يَكُونُوا ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ دَائِمًا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَأَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ مُنْذُ بُويِعَ عَلِيٌّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ إِنْ كَانُوا لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْمٍ مَسَخَ اللَّهُ عُقُولَهُمْ حَتَّى حَسِبُوا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي لَا تَزَالُ عَلَى الْحَقِّ أَهْلُ الشَّامِ! [الباب ١، الدرس ٣٥]
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الرِّبْعِيُّ [ت٤٤٤هـ] فِي «فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ»، ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ أَنْطَاكِيَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَعَلَى أَبْوَابِ الطَّالَقَانِ وَمَا حَوْلَهَا، ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ، حَتَّى يُخْرِجَ اللَّهُ كَنْزَهُ مِنَ الطَّالَقَانِ، فَيُحْيِي بِهِ دِينَهُ كَمَا أُمِيتَ مِنْ قَبْلُ».
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ أَدْخَلُوهُ فِي الْحَدِيثِ تَقْوِيَةً لِأَهْلِ الثُّغُورِ، وَمُرَادُهُمْ بِكَنْزِ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُهُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيُحْيِي بِهِ دِينَهُ كَمَا أُمِيتَ مِنْ قَبْلُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ مَعَ رَايَاتٍ سُودٍ فَيُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ، وَالطَّالَقَانُ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ فِي خُرَاسَانَ، فَتَحَهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَخَرَجَ مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ آمِلِينَ أَنْ يَكُونُوا ذَلِكَ الْكَنْزَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْحَدِيثِ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى، وَأَصْلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَعْثَمَ [ت٣١٤هـ] فِي كِتَابِ «الْفُتُوحِ» عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَصَفَ لِعُمَرَ بِلَادَ خُرَاسَانَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي فَتْحِهَا، فَوَصَفَ لَهُ مَرْوَ وَخَوارَزْمَ وَبُخَارَا وَسَمَرْقَنْدَ وَالشَّاشَ وَفَرْغَانَةَ وَأَسْفِيجَابَ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحًا لِلطَّالَقَانِ، فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا كُنُوزًا لَيْسَتْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنْ بِهَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَهُمْ أَنْصَارُ الْمَهْدِيِّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، فَرَغِبَ عُمَرُ فِي فَتْحِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الباب ١، الدرس ٣٥]
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ [ت٢٩٠ه] فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْحُجْرِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ -يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، قَالَ: هُمُ الْأَئِمَّةُ.
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مُنَاسِبٌ لِلْأَئِمَّةِ، إِذْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَهْدُوا النَّاسَ وَيَعْدِلُوا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، ... وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ إِمَامٍ هَادٍ عَادِلٍ بِالْحَقِّ؛ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ عُقَلَاءُ الْقَوْمِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا؛ مِثْلُ الْجُبَّائِيِّ [ت٣٠٣ه] إِذْ قَالَ: «هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ الْبَتَّةَ عَمَّنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَالنَّحَّاسِ [ت٣٣٨ه] إِذْ قَالَ: «دَلَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْقُرْطُبِيِّ [ت٦٧١ه] إِذْ قَالَ: «دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخَلِّي الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ»، وَالْخَازِنِ [ت٧٤١ه] إِذْ قَالَ: «فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَانٌ مِنْ قَائِمٍ بِالْحَقِّ يَعْمَلُ بِهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ»، وَقَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، ... وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! [الباب ١، الدرس ٥٤]
قَالَ الْمَنْصُورُ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ ابْنُ الْجُوزِيِّ [ت٥٩٧ه]: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ قَائِمٍ لَهُ بِالْحُجَّةِ، جَامِعٍ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَارِفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، خَائِفٍ مِنْهُ، فَذَلِكَ قُطْبُ الدُّنْيَا، وَمَتَى مَاتَ أَخْلَفَ اللَّهُ عِوَضَهُ، وَرُبَمَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ»، انْتَهَى قَوْلُهُ، وَهَذَا قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا وَهُمْ يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا! فَهَلْ يَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا قَوْلَنَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا؟! وَلَا نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ آبَاؤُنَا، وَلَكِنْ لِمَا نَجِدُ مِنْ فَضْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا نُنْكِرُ فَضْلَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَاحَبَ نَبِيَّنَا، وَلَكِنْ لَا يُقَاسُ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا أَحَدٌ؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا عَدَّدْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: وَيْحَكَ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، وَهَذَا قَوْلٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ [ت٢٤١ه]، وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ التَّشَيُّعُ؛ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبِي، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، فَعَلِيٌّ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، عَلِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ»، ... وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ كُلُّ عَالِمٍ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ نَحْنُ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنَ الرَّافِضَةِ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! [الباب ١، الدرس ٥٤]
[إشارات التوراة والإنجيل إلى الإمام المهديّ وعصر حكومته] جاء في زبور داود ما أخبر اللّه تعالى عنه إذ قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، فجاء فيه: «إِنَّ الْأَشْرَارَ يُنْزَعُونَ، أَمَّا الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ اللَّهَ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ. عَنْ قَرِيبٍ يَذْهَبُ الشِّرِّيرُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، تَبْحَثُ عَنْهُ فَلَا تَجِدُهُ. أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ وَيَتَمَتَّعُونَ بِسَلَامٍ عَظِيمٍ. الشِّرِّيرُ يَتَآمَرُ ضِدَّ الصَّالِحِ، وَيَصِرُّ عَلَيْهِ بِأَسْنَانِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَارِفٌ أَنَّ يَوْمَ عِقَابِهِ آتٍ. الَّذِينَ يُبَارِكُهُمُ اللَّهُ يَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَالَّذِينَ يَلْعَنُهُمْ يُنْزَعُونَ مِنْهَا. ابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ وَاعْمَلِ الْخَيْرَ، فَتَحْيَا إِلَى الْأَبَدِ. لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَدْلَ، وَلَا يَنْسَى عَبِيدَهُ الْأَوْفِيَاءَ بَلْ يَحْفَظُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ. أَمَّا نَسْلُ الْأَشْرَارِ فَيَنْقَرِضُ. الصَّالِحُونَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا إِلَى الْأَبَدِ. انْتَظِرِ اللَّهَ وَاسْلُكْ فِي طَرِيقِهِ، فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ الْأَرْضَ، وَتُشَاهِدَ انْقِرَاضَ الْأَشْرَارِ» ... «خَلَاصُهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ يَخَافُونَهُ وَمَجْدُهُ يَسْكُنُ فِي أَرْضِنَا. الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ تَلَاقَيَا، وَالْعَدْلُ وَالسَّلَامُ تَعَانَقَا. الْحَقُّ مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُتُ، وَالْعَدْلُ مِنَ السَّمَاءِ يُشْرِفُ. الرَّبُّ يَهَبُ الْخَيْرَ، وَأَرْضُنَا تُعْطِي غِلَالَهَا». [السؤال والجواب ٤٢١]
يوجد في التوراة والإنجيل ما يبدو أنّه إشارة إلى الممهّد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام الذي يبعثه اللّه تعالى من المشرق، ليعدّ الطريق لحكومته؛ كما جاء في كتاب إشعياء: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرِي. أَنَا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ مِثْلِي. أُخْبِرُ عَنِ النِّهَايَةِ مِنَ الْبِدَايَةِ، وَعَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ قَبْلِ مَا يَأْتِي. أَقُولُ: قَصْدِي يَتِمُّ، وَأَفْعَلُ كُلَّ مَشِيئَتِي. أَدْعُو مِنَ الْمَشْرِقِ رَجُلًا كَطَيْرٍ جَارِحٍ، يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، فَيُتَمِّمُ قَصْدِي. قَدْ تَكَلَّمْتُ فَأُجْرِيهِ. قَضَيْتُ فَأَفْعَلُهُ»، إذ ينبّأ بأنّه «رجل كطير جارح يأتي من أرض بعيدة في المشرق فيتمّم قصد اللّه» وهذه صفة المنصور الذي أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّه يخرج من خراسان، فيدعو إلى خليفة اللّه المهديّ ويخزي الحكّام الظالمين؛ كما جاء في كتاب إشعياء: «قَدْ أَنْهَضْتُهُ مِنَ الشَّمَالِ، فَسَيَأْتِي مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. يَدْعُو بِاسْمِي. يَأْتِي عَلَى الْحُكَّامِ كَمَا عَلَى الْمِلَاطِ، وَكَخَزَّافٍ يَدُوسُ الطِّينَ. مَنْ أَخْبَرَ مِنَ الْبَدْءِ حَتَّى نَعْرِفَ، وَمِنْ قَبْلُ حَتَّى نَقُولَ: هُوَ صَادِقٌ؟ لَا مُخْبِرٌ وَلَا مُسْمِعٌ وَلَا سَامِعٌ أَقْوَالَكُمْ». بل لا تقلّ هذه الإشارة عن التصريح؛ لأنّ القول بأنّه «سيأتي من مشرق الشمس» معادل للقول بأنّه «سيأتي من خراسان»؛ نظرًا إلى أنّ «خراسان» يعني في اللغة الفارسيّة «مشرق الشمس»؛ حيث أنّه مؤلّف من «خور» بمعنى الشمس و«آسان» بمعنى المشرق كما قاله كثير من أهل اللغة، وعليه لو أردنا أن نترجم العبارة إلى اللغة الفارسيّة، لصحّ أن نقول إنّه «سيأتي من خراسان»؛ لأنّهما مترادفان في اللغة. [السؤال والجواب ٤٢١]
يوجد في التوراة ما يبدو أنّه إشارة إلى لقب المنصور الخراسانيّ الموعود؛ كما جاء في كتاب إشعياء: «مَنْ أَنْهَضَ مِنَ الْمَشْرِقِ الَّذِي يُلَاقِيهِ النَّصْرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ؟ دَفَعَ أَمَامَهُ أُمَمًا وَسَلَّطَهُ عَلَى مُلُوكٍ. جَعَلَهُمْ كَالتُّرَابِ بِسَيْفِهِ، وَكَالْقَشِّ الْمُنْذَرِي بِقَوْسِهِ. طَرَدَهُمْ. مَرَّ سَالِمًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهُ مِنْ قَبْلُ. مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دَاعِيًا الْأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أَنَا اللَّهُ مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى الْآخِرِ، أَنَا هُوَ»، إذ يصف الناهضَ من المشرق بأنّه «يلاقيه النّصر»، فهو لا جرم «منصور» وهذا إن لم يكن إشارة إلى اسمه «المنصور»، فهو وجه تسميته به في الروايات الإسلاميّة؛ لأنّ اللّه تعالى ينصره على الأمم والملوك، حتّى يعدّ الطريق لحكومته؛ كما جاء في زبور داود بعد التبشير بحكومة اللّه تعالى: «الْعَدْلُ يَسِيرُ أَمَامَهُ وَيُمَهِّدُ سَبِيلًا لِخُطُوَاتِهِ»، وجاء في كتاب ملاخي بصراحة: «أَنَا أَبْعَثُ رَائِدِي، لِكَيْ يُعِدَّ الطَّرِيقَ أَمَامِي. ثُمَّ الْمَوْلَى الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ يَأْتِي فَجْأَةً إِلَى بَيْتِهِ»، وجاء في كتاب إشعياء في نعت هذا الرائد: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لِإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلًا. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ»، وجاء فيه محرّضًا على نهضته التمهيديّة المقدّسة: «وَيَقُولُ اللَّهُ: أَعِدُّوا، أَعِدُّوا وَمَهِّدُوا الطَّرِيقَ، أَزِيلُوا الْعَقَبَاتِ مِنْ طَرِيقِ شَعْبِي»، وجاء فيه مشيرًا إلى رايته المباركة التي وصفها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّها راية الهدى: «اعْبُرُوا، اعْبُرُوا بِالْأَبْوَابِ، مَهِّدُوا طَرِيقَ الشَّعْبِ. أَعِدُّوا، أَعِدُّوا السَّبِيلَ، نَقُّوهُ مِنَ الْحِجَارَةِ، ارْفَعُوا رَايَةً لِلْأُمَمِ». [السؤال والجواب ٤٢١]
لقد روى الشيعة عن أهل البيت أنّ المهديّ إذا قام حكم بحكم داود وسليمان عليهما السلام، رواها جعيد الهمداني عن الحسين وعليّ بن الحسين، ورواها أبان بن تغلب وحمران بن أعين وحريز بن عبد اللّه وأبو عبيدة الحذاء وعمّار الساباطي وعبد اللّه بن عجلان عن جعفر بن محمّد، ورواها الحسن بن ظريف عن أبي محمّد العسكريّ، وقد بالغ بعض المعاصرين من السنّة في إنكار هذه الرواية وتشنيعها عليهم قائلين بأنّها تدلّ على أنّ مهديّهم ينسخ شريعة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويحكم بغير حكمه، ولا يخفى على المنصف ما في هذا القول من الجهل والتعسّف؛ لأنّ الرواية ناظرة إلى قول اللّه تعالى إذ مدح حكم داود وسليمان عليهما السلام فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وقوله تعالى لداود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فتريد الرواية أنّ حكم المهديّ سيكون في الدقّة والعدالة مثل حكم داود وسليمان عليهما السلام الذي مدحه اللّه تعالى في كتابه، ولا تريد أنّ حكم المهديّ سيكون مخالفًا لحكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ كما أنّ حكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن مخالفًا لحكم داود وسليمان عليهما السلام؛ لأنّه إذا كان حكمهما حقًّا لم يكن من الجائز مخالفته، وإذا كان حكمهما غير حقّ لم يكن من الجائز مدحه في كتاب اللّه تعالى، ولذلك جاء في رواية عمّار الساباطي عن جعفر بن محمّد أنّه قال: «بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ آلِ دَاوُدَ وَحُكْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ». [السؤال والجواب ٤٥٧]
قد جاء في ذيل الرواية أنّ المهديّ لا يسأل البيّنة، وهذا ما تعلّق به من لا علم له ولا إنصاف، محتجًّا بأنّ سؤال البيّنة هو أحد أصول القضاء في الإسلام، وعليه فإنّ تركه يعني ترك الإسلام، ولكنّ الحقّ أنّ أصول القضاء في الإسلام لا تنحصر في سؤال البيّنة، وهناك أصول أخرى أحدها القضاء بالعلم، بل سؤال البيّنة يتعيّن إذا لم يكن هناك علم للقاضي، فإذا كان الحقّ معلومًا له باليقين فلا وجه لسؤاله البيّنة في غير حدود اللّه تعالى؛ لأنّ البيّنة تؤدّي إلى الظنّ، والعلم أولى بالإتّباع من الظنّ، وهذا ما ذهب إليه الشافعيّة، وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة ورواية عند الحنابلة، ولم يذهب إليه الآخرون لغلبة الفساد على أهل الزمان واحتمال ظلم القاضي أو إهماله، وهذا الإحتمال غير موجود بالنسبة للمهديّ، وعليه فإنّ مقتضى القاعدة عند جميع المذاهب جواز قضاء المهديّ بعلمه، وهذا هو مراد الرواية؛ كما جاء ذلك مفسّرًا في رواية الحسن بن ظريف عن أبي محمّد العسكريّ؛ فإنّه قال في المهديّ: «إِذَا قَامَ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بِعِلْمِهِ كَقَضَاءِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ»، ومن الواضح أنّ هذا ليس من نسخ الإسلام في شيء؛ لأنّ حكم القاضي بعلمه هو حكم ثابت من أحكام الإسلام، وليس حكمًا محدثًا أو مختصًّا بشريعة داود عليه السلام؛ لا سيّما بالنظر إلى أنّ علم القاضي قد يحصل بطرق معروفة. [السؤال والجواب ٤٥٧]
لحسن الحظّ، كثير من الأحكام الضروريّة والأساسيّة للإسلام، مثل أركان الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، تُعرف من خلال كتاب اللّه وأخبار النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المتواترة، وبالتالي يمكن العمل بها ويجزئ، ولكن لأجل التيقّن بسائر أحكام الإسلام وإبراء الذمّة منها، لا بدّ من الرجوع إلى خليفة اللّه في الأرض، وهذا ما هو ممكن عند المنصور الهاشميّ الخراسانيّ؛ لأنّ مانع الرجوع إليه ليس سوى تقصير الناس في توفير الشروط المسبّقة لذلك، وبالتالي فإنّ إزالة هذا المانع بمعنى توفير الشروط المسبّقة للرجوع إليه أمر ممكن بالنسبة لهم، وإذا كان ذلك يتطلّب اجتماع مجموعة كافية منهم ولا يجتمع مجموعة كافية منهم، ليس ذنب المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، بل ذنب الناس أنفسهم ومن يمنعهم من ذلك. لذلك، فإنّ هذا الوضع «غير المنطقيّ جدًّا» الذي حيّرك هو وضع قدّمته أيدي الناس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ مثل اللصوص الذين دخلوا بيتًا، فضاق عليهم وقت الصلاة، بحيث لا بدّ لهم من إقامتها فيه ولكنّ صلاتهم فيه باطلة وهذا وضع «غير منطقيّ جدًّا» هم أوقعوا أنفسهم فيه بسوء اختيارهم، وبالتالي لا يصحّح صلاتهم في بيت الناس؛ كما بيّن المنصور الهاشميّ الخراسانيّ هذا الواقع المرير والمؤسف بالتفصيل في قسم «عواقب عدم ظهور المهديّ للنّاس» من كتابه «العودة إلى الإسلام»، عسى أن يدرك المسلمون ذلّتهم ومسكنتهم في غيبة المهديّ، فيرجعوا إليه في أقرب وقت ممكن. نعم، هذا الممهّد لظهور المهديّ، ينبّأ مسلمي العالم بوقوعهم في «مأزق هائل» ويدعوهم إلى الخروج منه بتقديم حلول واضحة وعمليّة، لكنّ أكثرهم لا يسمعون نداءه، أو يسمعون ولا يفقهون، إلّا قليلًا منهم الذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان وهم أكفياء إن شاء اللّه. [الشبهة والرّدّ ١]
إنّك لم تقل أيّ قول من أقوال المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه اللّه تعالى شيء تفرّد به ولم يقله عالم ولا فقيه ولا مجتهد قبله! إذا كنت تقصد قوله بأنّ أهل البيت أحقّ بالخلافة من غيرهم، فقد قال به جمع غفير من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وإذا كنت تقصد قوله بأنّه لا يجوز سبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فقد قال به أئمّة أهل البيت وسائر صلحاء الأمّة، بل لا نعرف أحدًا لم يقل بذلك ماعدا سفهاء الشيعة، وإذا كنت تقصد قوله بعدم جواز تقليد غير المعصوم، فقد قال به الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين من القرن الأول حتّى الآن، بل لا نعرف أحدًا منهم لم يقل بذلك في القرون الأولى، وإذا كنت تقصد قوله بعدم حجّيّة خبر الواحد، فقد قال به الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين في القرون الأولى، بل كان أبو حنيفة (ت١٥٠هـ) -الذي يقلّده نصف المسلمين- يسمّي خبر الواحد «رِيحًا» و«خُرَافَةً» ويقول: «حُكَّهُ بِذَنَبِ خِنْزِيرٍ» وكان الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ) من أساطين الشيعة يقول: «إِنَّ أَصْحَابَنَا كُلَّهُمْ، سَلَفَهُمْ وَخَلَفَهُمْ، وَمُتَقَدِّمَهُمْ وَمُتَأَخِّرَهُمْ، يَمْنَعُونَ مِنَ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ» وكان ابن إدريس الحلّيّ (ت٥٩٨هـ) يقول: «فَهَلْ هَدَمَ الْإِسْلَامَ إِلَّا هِيَ؟! يَعْنِي أَخْبَارَ الْآحَادِ»، وإذا كنت تقصد قوله في علّة غيبة المهديّ، فقد قال به أعاظم قدماء الإماميّة؛ كما قال أبو جعفر الطوسيّ (ت٤٦٠هـ): «لَا عِلَّةَ تَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِهِ إِلَّا خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ» وإذا كنت تقصد قوله بعدم ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، فقد قال به الشيعة كلّهم ماعدا قليلًا من المتأخّرين ممّن لا قدم له في العلم، وهكذا سائر أقواله الطيّبة في كتاب «العودة إلى الإسلام»؛ فإنّه لا شيء منها إلا وله أصل في القرآن والسنّة، ودليل من العقل، وقائل من السّلف الصالح. [الشبهة والرّدّ ٢]
حقيقة أنّك لم تكن تعرف العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ولم تسمع باسمه من قبل، لا تعني أنه غير موجود؛ كما قال العقلاء: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود»، وكما أنّك بالتأكيد لا تعرف الكثير من علماء العالم الإسلاميّ في بلاد مختلفة ولم تسمع بأسمائهم، ومع ذلك فإنّهم موجودون، وسواء كنت تعرف ذلك أم لا، فإنّهم يباشرون أنشطتهم العلميّة والثقافيّة. بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنّ «الإنترنت» ليست لوح اللّه المحفوظ حتّى تحتوي على السير والصور لجميع عباد اللّه، بل هي شبكة أنشأها الكفّار والظالمون لترويج ثقافتهم ونشرها في العالم ولذلك، فإنّ السير والصور الخاصّة بهم وأوليائهم وفيرة فيها، ولكنّ السير والصور للعديد من عباد اللّه الصالحين غير موجودة فيها! نعم، للأسف، أنت تحت تأثير إيحاءات الجهلة والمرضى وأصحاب الدعايات المغرضة، وإلا فإنّك تعلم أنّ أكثر عباد اللّه الصالحين هم الذين هم مجهولون ويهربون من الشهرة، وهذا لا يعني أنهم غير موجودين، بل ربما يكون وجود الآخرين بيُمن وجودهم، وببركة وجودهم يُمهَلون! أولئك الذين وصفتهم الروايات بأنّهم «فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ»... على أيّ حال، تذكّر أنّ الحكيم هو الذي لا يعرف الحقّ بالرجال، بل يعرف الرجال بالحقّ، في حين أنّ الجاهل يفعل عكس ذلك، فيحسب شهرة الرجال دليلًا على أنّهم حقّ، وعدم شهرتهم دليلًا على أنّهم باطل! هذا جهل واضح بالتأكيد! [الشبهة والرّدّ ٣]
الخبر المنسوب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ظهور ٧٣ فرقة بعده إحداها «ناجية» وسائرها أهل النار، هو خبر واحد وغير يقينيّ، وقد بيّن المنصور الهاشمي الخراساني بالتفصيل عدم حجّيّة مثل هذه الأخبار في مباحث من كتابه مثل مبحث «رواج النّزعة الحديثيّة». بغضّ النظر عن حقيقة أنّ أكثر أسانيد هذا الحديث ضعيفة في رأي أهل الحديث، وأنّ ذيله المشهور الذي يقول أنّ الفرقة الناجية هي الجماعة وأنّ الجماعة هي ما كان عليه النبيّ وأصحابه، لا يمكن الإلتزام به، نظرًا للإختلاف الشديد في أقوال وأفعال أصحاب النبيّ، بل يشمّ منها رائحة الوضع. بالإضافة إلى أنّ صدره لا يتوافق مع الواقع المحسوس والخارجيّ؛ لأنّ ظهور ٧٣ فرقة بين المسلمين بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس ثابتًا، بل لعلّ الثابت خلافه؛ بالنظر إلى أنّ فرق المسلمين المذكورة في كتب الملل والنحل هي أكثر أو أقلّ بكثير من هذا العدد، وحذف بعضها وإضافة بعضها لانطباقها على هذا العدد ليس ممكنًا إلا بتكلّف كثير، بل هو في الغالب ترجيح بلا مرجّح... إنّا لم نضعّف جميع أسانيد هذا الحديث، بل قلنا بصراحة: «إنّ أكثر أسانيد هذا الحديث ضعيفة في رأي أهل الحديث»، وهذا يعني أنّ بعض أسانيده صحيحة في رأيهم، وإن كان فيهم من يضعّف كلّها، مثل ابن حزم (ت٤٥٦هـ) إذ قال في هذا الحديث: «لَا يَصِحُّ أَصْلًا مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ حُجَّةً عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكَيْفَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ؟!»، ومال إلى قوله ابن تيميّة (ت٧٢٨هـ) في منهاج السنّة النبويّة، وقال الشوكاني (ت١٢٥٠هـ) «أَنَّ زِيَادَةَ <كُلُّهَا فِي النَّارِ> لَمْ تَصِحَّ لَا مَرْفُوعَةً وَلَا مَوْقُوفَةً»، ولا خلاف بينهم في أنّ أكثر أسانيده ضعيفة. [الشبهة والرّدّ ٧]
إنّ الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين ليسا من جهة واحدة حتّى يكونا متناقضين، ولكنّهما من جهتين مختلفتين؛ كما هو الحال في اجتماع الأمر والنهي الشرعيّين في موضوع واحد، إذ يجتمع عمل واجب مثل الصلاة مع عمل حرام مثل الغصب، كمن يغصب مكان رجل بالصلاة فيه؛ لأنّه من الواضح أنّ الصلاة في هذه الحالة محرّمة من جهة أنّها غصب وواجبة من جهة أنّها عبادة مفترضة، وليس هناك أيّ تناقض لاختلاف الجهتين، وهذه هي الحال في الوجوب والحرمة لإقامة الحدود الإسلاميّة على المقصّرين، والأشبه أنّها هي من باب حرمة القيام بذي المقدّمة قبل القيام بالمقدّمة؛ كما أنّ الصلاة واجبة ولكنّها غير جائزة لمن ليس على طهارة، بحيث أنّه إذا صلّى بغير طهارة فقد أثم، وليس في هذا أيّ تناقض؛ لأنّ حرمة الصلاة في نفس الوقت الذي هي واجبة فيه أمر حدث بسوء اختيار من المكلّف. [الشبهة والرّدّ ٨]
الظاهر أنّ أول نتيجة مباركة لهكذا حركة توعوية، هي اتّحاد المسلمين في صفّ واحد وتحت بيرق واحد وتعاونهم وتوافقهم في ظلّ مبايعة خليفة اللّه وهذه أول خطوة في طريق تحقّق غايتنا الإسلامية العالية يعني تحقّق حاكميّة المهديّ عليه السلام؛ لأنّه لا ريب أنّ الإتّحاد الحقيقي والتكاتف العميق بين صفوف المسلمين، هو مقدّمة للثورة العالمية المهدوية. باعتقادنا أنّ هكذا نهضة إسلامية مباركة جعلت غايتها اتّحاد جميع المسلمين تحت بيرق المهديّ قد بدأت ونادت بنداء «العودة إلى الإسلام». إنّ قيادة هذه النهضة هي على عاتق العالم الحاذق والمناضل، سماحة العلامة المنصور الهاشمي الخراساني الذي بشجاعة خارقة ومدهشة، وضع كلمة «البيعة للّه» شعارًا لنهضته ويعتقد أنّ المصداق الوحيد للبيعة مع اللّه في عصرنا هو البيعة مع خليفة اللّه المهديّ من آل محمّد وكلّ بيعة أخرى في هذا الزمان، تعدّ مصداقًا لمبايعة الطاغوت. إذن «البيعة للّه» هي بمعنى انحصار الحكومة والقدرة في من اختاره اللّه كخليفة له وذلك ليس سوى المهديّ. هذا الذي بيده راية الإسلام الخالص والكامل، بتقديمه لهكذا قرائة أصيلة ومعتبرة، يعتقد أنّ المهديّ هو عمود خيمة الإسلام وإذا لم يثبَّت هذا العمود في الأرض، لن تقوم خيمة الإسلام. لذا فإنّ وظيفة كلّ فرد من مسلمي العالم، الحماية الكاملة والصادقة للمهديّ والنصرة والعون والطاعة له. لذلك يمكننا تسمية نهضة هذا العالم الكبير نهضة «العودة إلى الإسلام» أو نهضة العودة إلى المهديّ؛ لأنّه هو الركن الركين والمقيم الموعود للإسلام وأنّ العودة إليه في الحقيقة هي العودة إلى الإسلام الحقيقي. [المقالة ٤]
لقد وصل عناصر النفاق إلى السلطة في البلدان الإسلامية، وحكموا المسلمين؛ الحكام الذين يبدو أنهم مسلمون، لكنّ ولائهم وانقيادهم للكفار أو ضدّيتهم وعداءهم للتيارات الإسلامية يحكي عن كفرهم في الباطن. مجموعة منهم بشعارات سنّيّة ينشرون التفكير المنحط الأمويّ والعباسيّ في الكثير من الممالك الإسلامية وبإشاعة الإفراط وبالحماية السياسية والتسليحية للعصابات الإرهابية، يستهدفون نفوس وأموال المسلمين الأبرياء وفريق منهم بشعارات شيعيّة ينشرون الخرافات والبدع المذهبية في الدّول الإسلامية ويوجبون وهن الإسلام والإختلاف بين المسلمين، والعجيب أنهما اتّفقا على العداء لأطهر دعوة هذا العصر إلى إقامة الإسلام الكامل والخالص في العالم، ولا يتهاونان في الأعمال الشريرة والشيطانية لحفظ قدرتهما ومنع خليفة اللّه في الأرض من الوصول إلى السلطة! كما على سبيل المثال، أنّ عناصرهما المرتزقة وعملائهما الذين لا يؤمنون إلا بأربابهم، يتآمرون كلّ يوم لضرب نهضة «العودة إلى الإسلام» المطهّرة وهم سدٌّ في طريق قائدها الحرّ والكبير المنصور الهاشمي الخراساني ولذلك، يقترفون أيّ كذب وتهمة وظلم وعمل خبيث مؤذي. كم من الشبّان المثقفين والمتدينين الذين يمضون ويتألمون في سجونهم بجرم إجابتهم دعوة الحقّ إلى الإسلام الخالص والكامل، وكم من الرجال والنساء المحترمين والشرفاء الذين ينال من عرضهم ويتعرضون للشماتة والإهانة بجرم ترجيحهم للمهديّ على أربابهم! [المقالة ٥]
ليس هناك شك في أنّ نهاية هذا الشغب الشيطاني سيكون على يد خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يتغلّب على هؤلاء الأشرار ودعاة الفتنة ذوي البطون الكبيرة والأعناق الغليظة سواه، وهو مهديّ آل محمد الذي بوعد اللّه ورسوله القطعيّ، يملأ الارض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ولكنّ الحقيقة هي أنه من أجل تحقيق حاكمية هذا العظيم ومحاربته ضدّ المنافقين الأشرار، لا يمكن للناس أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويكتفوا بالدّعاء والندبة من أجل ظهوره حضرته، بل من الضروري أن يشكّلوا اجتماعًا من المسلمين المخلصين والمجاهدين لحماية ونصرة حضرته الشاملة ويعلنوا عن استعدادهم لحفظه وإعانته وينقضوا بيعتهم الباطلة مع الحكام الآخرين ويبايعوا خليفة اللّه في الأرض؛ لأنه من غير تشكيل مثل هذا الإجتماع، لن يكون ظهور المهديّ ممكنًا ولن يكون هناك ضمان لبقائه وانتصاره، وهذا هو الهدف العظيم الذي يسعى له حضرة المنصور الهاشمي الخراساني بحركته الإسلامية والشعبية ويحاول تحقيقه ولذلك فإنّ حركته المباركة هي أفضل فرصة لتجمّع واجتماع الشباب المحبّين للمهدي والمنتظرين الحقيقين لظهوره من أجل إعلان البيعة والوفاء مع حضرته؛ الحركة التي من خلال طرح شعار «البيعة للّه»، تعتبر كلّ بيعة غير البيعة لخليفة اللّه على الأرض بيعة للطاغوت ومن خلال الإعتقاد بإمكان تحقّق حاكمية المهدي بشرط توفّر المقدّمات المذكورة، تمهّد بشكل عينيّ وعمليّ لحاكمية حضرته. لذا من الضروري أن يسارع جميع الذين صدقوا في ادعائهم محبة وانتظار فرج آل محمد ونصرتهم، في الدخول إلى الساحة، وأن يجتمعوا تحت هذه الراية الهادية وأن يجاهروا بنداء «العودة إلى الإسلام»، لتقريب وتحقيق ظهور المهديّ ولو كره المنافقون الحقراء وكادوا ينفجرون من الحسد والغضب! [المقالة ٥]
من الواضح أنّ لفظة «جاعل» التي هي اسم فاعلٍ لفعل «جعل» يراد منها الإستمرار بالجعل في كلّ الأزمان؛ فلو أراد سبحانه وتعالى جعل الخليفة لمرّة واحدة فقط لقال: «إنّي أجعل» أو «جعلت» ولكنّه قال: «إنّي جاعل» ليكون آدم عليه السلام أول خلفائه المجعولين مبيّنًا فيه سنّته في استخلاف الأرض وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... كما شرط اللّه في سنّته هذه شروطًا خاصّة غير تلك التي استفهمت بها الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء؛ حيث أنّه سبحانه وتعالى قد بيّن أنّ خلفائه -في كلّ الأزمان- غير أولئك الذي يُحتمل منهم مبادرة الإفساد في الأرض وسفك الدماء ومن خلال هذه القيود تخرج البشرية كافّة -عدا المعصومين- من الإطلاق في لفظة الخليفة المذكورة في الآية الكريمة وهذا ما نبّه عليه سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى... ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ إذ لا وجه لجعل داوود عليه السلام خليفةً بعد كونه من الآدميّين الذين توهّم البعض أنّ اللّه تعالى قد استخلفهم جميعًا في الأرض، بل ظاهر الآية يدلّ على حدث من الحال الحاضر وليس على الماضي؛ كما بيّن أنّ الغاية من استخلافه الخليفة في الأرض هي الحكم -بالحقّ- والدليل على ذلك لام التعليل التي اتصلت بالفعل «لتحكم»، وعليه فلا يجوز الحكم إلا لمن جعله اللّه خليفة في الأرض كداوود عليه السلام ويجب على الناس تمكينه من الحكم وبعد هذا البيان، صار من الواجب على كلّ مسلم أن يعرف خليفة اللّه تعالى في زمانه ويمهّد لحكمه؛ كما قال سيّدنا المنصور حفظه اللّه تعالى: «إِنَّ لِلَّهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاعْرِفْهُ وَاسْتَمْسِكْ بِحُجْزَتِهِ» وخليفة زماننا هذا هو المهديّ الذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووعده وبشّر بأنّه «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا». [المقالة ٦]
إنّ المسلمين يعلمون جميعًا أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهذا اعتقاد صحيح لهم نشأ من الأحاديث النبويّة المتواترة، لكنّ الإعتقاد الصّحيح لا ينجي الإنسان من الخسران إذا لم يكن معه عمل صحيح... ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتعوّذ منه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». إنّ مَثَل صاحب هذا العلم كمثل مريض يعرف الدواء الذي يشفيه، لكنّه رغم معرفته به لا يطلبه ولا يتناوله، بل يلجأ إلى غيره من الأشياء التي يتوهّم بجهله أو تقليده أنّها شافية أيضًا، فيكون بذلك كمن لا يعرف الدواء أصلًا، حيث أنّهما يهلكان جميعًا! إنّ المسلمين في هذا العصر هم كذلك المريض؛ حيث أنّهم لا يشكّون في أنّ الإمام المهديّ عليه السلام هو الوحيد الذي يقيم الدين الخالص وينشر العدل في العالم، لكنّهم لا يحاولون التمهيد لحكومته من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة لها، بل يجهدون لتشكيل وحفظ الحكومات الأخرى ببذل أموالهم وأنفسهم وهذا ما أوقعهم في الذلّة والمسكنة وسوف يؤدّي بهم إلى الهلاك إن لم يتوقّف عاجلًا... نعم، إنّ المسلمين يعرفون إمام زمانهم -الإمام المهديّ عليه السلام- ولكنّهم غافلون عنه ومنشغلون بمن لا يغنيهم عنه من الحكّام والفقهاء والكذّابين؛ فتكون عاقبتهم كعاقبة المريض الذي يعرف الدواء ولكنّه لا يطلبه ولا يتناوله... من أجل ذلك، لا بدّ للمسلمين من ترك اتّباع الحكّام والفقهاء والكذّابين والإقبال على اتّباع خليفة اللّه المهديّ؛ لأنّه هو الطريق الوحيد الذي يقودهم الى النجاة من الخسران... نعم، لا بدّ للمسلمين من التمهيد لظهور الإمام المهديّ عليه السلام من خلال توفير العِدّة والعُدّة اللازمة له وهذا ما يدعو إليه المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى ليلًا ونهارًا في ضوء الأدلّة اليقينيّة من القرآن الكريم والسنّة النبويّة المتواترة والعقل السليم من موانع معرفة الحقّ ولا شكّ أنّ كلّ من تعلّق قلبه بالإسلام وينصح له ويأمل انتصاره على الكفر والنفاق، يبادر لإجابة هذه الدعوة المباركة ونصرها بكلّ ما في وسعه. [المقالة ٧]
كتاب «العودة إلى الإسلام»
كتاب «هندسة العدل»
كتاب «تنبيه الغافلين على أنّفي الأرض خليفة للّه ربّ العالمين»
كتاب «الدّرّ المنضودفي طرق حديث الرّايات السّود»
كتاب «الكلم الطّيّب»
كتاب «مناهج الرّسولصلّى اللّه عليه وآله وسلّم»
كتاب «التنبيهات الهامّة على ما فيصحيحي البخاري ومسلم من الطامّة»
كتاب «فصل الخطاب في الردّ على المدّعي الكذّاب»