نظرة عابرة على أوضاع الدّول الإسلاميّة تكشف هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنّ المسلمين يعيشون في أسوأ الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والعسكريّة. إنّ الأزمات السياسيّة الدّاخليّة، وصراعات السّلطة، والتبعيّة للكفّار، وانتشار التمييز الاجتماعيّ، والفساد الأخلاقيّ، والفقر، واتّساع حالة انعدام الأمن، والاعتداءات الخارجيّة، والحروب الأهليّة، والصراعات العرقيّة والمذهبيّة، هي تمثّل صورة من المأزق الذي اعترض سبيل المسلمين وأحاط بهم. وفضلًا عن الأزمات الراهنة في الأراضي الإسلاميّة، فإنّ مراجعة إحصاءات المنظمات الرسميّة كـ«منظّمة الشفافيّة» في مجالات النموّ، والتنمية الاقتصاديّة، والرفاه الاجتماعيّ، ومستوى التضخّم، والبطالة، والفساد الإداريّ والاقتصاديّ، وحجم الواردات والصادرات، وأوضاع الزراعة، ومستوى احترام حقوق المواطنين، والسّلم، وتطوير العلم والتكنولوجيا، والتعليم، والمناخ، والصحة، والعوامل الأخرى، تُظهر أنّ المسلمين يقبعون في أدنى المستويات الممكنة، بل إنّ بحثًا مثيرًا للاهتمام أجراه بعض العلماء المسلمين في جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة، ونُشر في مجلة الاقتصاد العالميّ[١] يكشف عن نتيجة أكثر صدمة وأكثر إثارة للحزن. هذا البحث الذي أُجري لدراسة مؤشرات الإسلاميّة المختلفة ومدى الالتزام بالضوابط الإسلاميّة في مجال الحياة العمليّة بين ٢٠٨ دولة في العالم، يبيّن أنّه من بين أوّل ٣٤ دولة في القائمة، لا توجد إلّا دولة إسلاميّة واحدة!! وهذا يعني أنّ الدّول التي لا تدّعي أنّها إسلاميّة قد سبقت المسلمين عمليًّا في تطبيق العديد من تعاليم الإسلام، وإن لم تكن تُقرّ بالإسلام ظاهرًا! رغم أنّ هذا الاستنتاج قد لا يكون دقيقًا بما يكفي، بل قد يُتّهم بالانحياز أو المبالغة، إلّا أنّه على كلّ حال يعبّر عن واقع مؤسف موجود في البلدان الإسلاميّة.
إنّ هذا الوضع المؤسف يُلاحظ في حين أنّ المسلمين، من جهة لديهم منهج ودين هو خير المناهج وأكمل الأديان، ويتضمّن أدقّ النظم وأرسخها وأكملها لنموّ الفرد والمجتمع وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن جهة أخرى، تتركّز في الأراضي الإسلاميّة أضخم الموارد والإمكانات الاستراتيجيّة والثروات الباطنيّة الكامنة، ومع ذلك يتّضح أنّ الخلل ليس في نظام الإسلام النيّر الكامل، ولا في الموارد القيّمة التي أنعم اللّه بها على المسلمين من فضله، بل هو راجع إلى المسلمين أنفسهم؛ إذ بسبب عدم معرفتهم الصحيحة بالإسلام الخالص والكامل، وتقاعسهم عن العمل بمقتضياته، تزامنًا مع يقظة أعدائهم من الكفّار والمنافقين وتحالفهم على تدمير المسلمين، قد جلبوا لأنفسهم أسباب الشقاء والذلّ.
هذه مسألة قد بيّن أبعادها المختلفة السيّد العلّامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام»، بمنهج أصوليّ دقيق وراسخ؛ فإنّه يرى في هذا الكتاب القيّم أنّ الجذر الرئيسيّ لهذه الأزمات هو عدم حاكميّة خليفة اللّه على الأرض وحاكميّةُ غيره عليها، ويبيّن هذه الحقيقة بوضوح، لا سيّما في الفصل الثاني (مبحث «إقامة عين الإسلام» و«إقامة كلّ الإسلام») والفصل الثالث (مبحث «حاكميّة غير اللّه») والفصل الرابع (مبحث «المهديّ آخر خلفاء النّبيّ» إلى نهاية الفصل). لكن النقطة العمليّة المهمّة التي يطرحها في هذا الكتاب، هي اقتراح تشكيل اتّحاد من الدّول الإسلاميّة على غرار الاتّحاد الأوروبيّ في المرحلة الأولى، كمقدّمة لتأسيس الحكومة الإسلاميّة الواحدة، وهو مشروع مبتكر دقيق يمكن أن يُخرج المسلمين من الأزمات القائمة، ويفتح لهم طريقًا واضحًا نحو تحقيق الحاكميّة العالميّة للمهدي. إنّه بصفته قائدًا حقيقيًا للمسلمين في العالم، يقول في هذا الكتاب العظيم:
إنّ السّبيل الوحيد لنجاة المسلمين هو كسر الاعتماد على الكفّار وكسب الاستقلال الثقافيّ والاقتصاديّ، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلّا بإزالة الحدود المصطنعة والتوحّد بينهم تحت راية خليفة اللّه في الأرض؛ لأنّه إذا كان الكفّار متّحدين فيما بينهم، فإنّ المسلمين المتشتّتين لا يقدرون على مقاومتهم، وهذا قانون طبيعيّ من قوانين اللّه. لذلك، فإنّ إنشاء دولة إسلاميّة شاملة من خلال دمج كلّ بلاد المسلمين فيها، تحت راية الحاكم الذي سمّاه اللّه وعيّنه، هو السّبيل الوحيد لنجاح المسلمين وسيطرتهم على العالم. بالرّغم من أنّه يمكن قبل ذلك النّظر في طرق أقصر، مثل تشكيل اتّحاد من الدّول الإسلاميّة بعملة واحدة وجيش واحد، كمقدّمة لتأسيس الحكومة الإسلاميّة الواحدة؛ لأنّ الانتقال المباشر للمسلمين من المرحلة الحاليّة إلى المرحلة المثاليّة، حتّى في ظلّ ثورة عامّة في البلاد الإسلاميّة مثل الثورة المعروفة باسم «الربيع العربيّ» التي حدثت مؤخّرًا في بعض الدّول العربيّة، هو أمر بالغ الصّعوبة. لذلك، يبدو أكثر عمليّة أن يُنشأ في المقام الأوّل اتّحاد كبير مثل الاتّحاد الأوروبيّ، مع عضويّة جميع الدّول الإسلاميّة ووضع حدود مفتوحة وعملة مشتركة وجيش مشترك، ويُنشأ في المقام الثاني اتّحاد أعمق بينهم في شكل دولة إسلاميّة شاملة تقوم على اتّباع خليفة اللّه في الأرض. هذا بلا ريب سبيل خلاص المسلمين ونيلهم سعادة الدّنيا والآخرة.[٢]
لتوضيح هذا التوجيه القيّم الذي بيّنه السيّد العلّامة، ينبغي القول أنّ الاتّحاد الأوروبي هو اتّحاد اقتصادي-سياسي يتكوّن من ٢٧ دولة أوروبية، ويعود أصل الاتحاد الأوروبيّ إلى الجماعة الاقتصاديّة الأوروبيّة التي تشكّلت عام ١٩٥٧ بموجب معاهدة روما بين ٦ دول أوروبيّة، وكانت آنذاك اتّحادًا اقتصاديًّا بحتًا. منذ ذلك التاريخ، توسّع الاتحاد الأوروبيّ بانضمام أعضاء جدد. في عام ١٩٩٣، وضعت معاهدة ماستريخت الإطار القانونيّ الحالي للاتّحاد. في عام ١٩٩٩، أطلق الاتّحاد الأوروبيّ عملة موحّدة تُسمّى اليورو، والتي حلّت محلّ العملات الوطنيّة في ٢٠ دولة إلى اليوم. في عام ٢٠١١، بلغ الناتج المحلّيّ الإجماليّ للاتّحاد الأوروبيّ مع ٤٥٠ مليون مواطن ما قيمته ١٩.٣ تريليون دولار، وتُعدّ ٢٣ دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبيّ أعضاء في حلف الناتو. يمتلك الاتّحاد حاليًّا سوقًا موحّدة مشتركة تشمل ما يلي: الاتّحاد الجمركي، وعملة موحّدة اليورو التي تُدار من قبل البنك المركزيّ الأوروبيّ (وقد اعتمدتها ٢٠ دولة حتّى الآن)، والسياسة الزراعيّة المشتركة، والسياسة التجاريّة المشتركة، والسياسة المشتركة لمصايد الأسماك، كما تشكّلت السياسة الخارجيّة والأمنيّة المشتركة باعتبارها الركيزة الثانية من الركائز الثلاث للاتّحاد الأوروبيّ، وبموجب اتّفاقيّة شنغن، أُلغيت الرقابة على التأشيرات، كما أُزيلت نقاط التفتيش الجمركيّة في العديد من الحدود الداخليّة، ممّا أتاح لمواطني الاتّحاد الأوروبيّ حريّة أكبر في التنقّل للعيش والسفر والعمل والاستثمار. أهمّ مؤسّسات الاتّحاد الأوروبيّ هي: المجلس الأوروبيّ، ومجلس الاتّحاد الأوروبي، والمفوضيّة الأوروبية، ومحكمة العدل الأوروبيّة، والبرلمان الأوروبيّ، والبنك المركزيّ الأوروبيّ، وديوان المحاسبة. تغطي أنشطة الاتّحاد الأوروبي معظم السياسات العامّة، من السياسة الاقتصاديّة إلى الشؤون الخارجيّة والدّفاع والزراعة والتجارة، ومع ذلك فإنّ نطاق صلاحيّاته يختلف اختلافًا كبيرًا بين المجالات المختلفة؛ ففي بعض المجالات، يعمل الاتحاد كاتّحاد فدراليّ (مثل المسائل النقديّة والزراعيّة والتجاريّة والبيئيّة والسياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة)، وفي مجالات أخرى يعمل كمنظّمة دوليّة (مثل الشؤون الخارجيّة).
بناءً على ذلك، كما بيّن السيد العلّامة، فإنّه إذا قامت الدّول الإسلاميّة بإزالة الحدود فيما بينها، وأقامت اتّحادًا على غرار الاتحاد الأوروبيّ بعملة واحدة وجيش واحد، فإنّها ستحقّق قوّة اقتصاديّة وسياسيّة وعسكريّة عظيمة؛ الأمر الذي من جهة سيؤدّي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتيّ لها ويجعلها مستغنية عن الكفّار بالنظر إلى تضافر قواها وتكاملها وتضاعف أثرها، ومن جهة أخرى سيمهّد الطريق لتحقيق حاكميّة خليفة اللّه في الأرض.
لكن من أجل تحقيق هذا المشروع الإسلاميّ الكبير، لا بدّ من الالتفات إلى ثلاث نقاط:
أولًا إنّ تحقّق هذا الأمر يستلزم ترسيخ بعض الركائز الفكريّة لدى المسلمين، وخاصّة الحكّام منهم؛ ومن ذلك ألّا يُسيئوا الظنّ بإخوانهم المسلمين، ولا يحسنوا الظنّ بالكفّار، وأن يدركوا مؤامرات الكفّار ومكائدهم بهدف إثارة التفرقة بين المسلمين للحيلولة دون تحقيق مثل هذا الاتّحاد العظيم، وأن يكفّوا عن الخلافات والأطماع والنزعات الاستئثارية وروح الاستعلاء فيما بينهم، ومن الواضح أنّه إذا لم تُرسّخ هذه الروحيّات في نفوس المسلمين وحكّامهم في الخطوة أولى، فلن يكون هناك الدافع والمسوّغ الكافيان للتوجّه إلى تشكيل اتّحاد إسلاميّ كبير، وقد بيّن السيد العلّامة حفظه اللّه تعالى ضرورة الالتفات إلى هذا الأمر، ولا سيّما في مبحث «الجهل بأعداء الإسلام» من الفصل الأوّل من كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام»، ببيان بالغ الأهميّة والوضوح، حيث يقول:
إنّهم لا يعرفون أعداء الإسلام وليسوا على علم بعداوتهم له؛ فقد ظهرت في العالم تيّارات إلحاديّة جديدة، وانتظمت ضدّ اللّه جهود شيطانيّة سرّيّة. قد خرج عبدة الشيطان من غرفهم المظلمة، وبرز السحرة من مخابئهم، ليقيموا بمعاونة الأقوياء المفسدين والأثرياء الملحدين حاكميّة الكفر على العالم، والمسلمون في هذه الأثناء، دون إدراك لما يحدث، منشغلون بقضايا ثانويّة وغير مهمّة، ويتنازعون عليها؛ كما أنّهم يختصمون في وضع الكفّين تحت السّرّة أو فوقها في الصّلاة، وجلّ همّهم منع زوّار القبور من الاقتراب منها؛ كما أنّ طلبتهم للعلم أيضًا لا يهتمّون بشيء غير معرفة مذاهبهم، ولا يلقون بالًا للتعرّف على عالم الكفر وما يجري فيه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. هكذا اتّحد الكافرون وهم ملل شتّى لمحاربة الإسلام، في حين أنّ المسلمين قد تفرّقوا وهم ملّة واحدة، وما كانت نتيجة ذلك غير سيطرة الكافرين على المسلمين.
في هذه الأثناء، كثير من المسلمين يسارعون فيهم ويتّخذونهم أولياء، آملين في خيرهم أو خائفين من شرّهم؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، وقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. لا شكّ أنّ هؤلاء لو كانوا يعرفونهم، ويطّلعون على عداوتهم لهم، لما جعلوا أنفسهم معتمدين عليهم؛ لأنّ طبع الإنسان يزجره عن الاقتراب من الضّرر، وغريزته تدفعه إلى الابتعاد عن الخطر، لكنّهم قد نبذوا العقل ودخلوا في زمرة السّفهاء؛ فلا يميّزون نفعهم من ضرّهم ولا صديقهم من عدوّهم، في حين أنّ الكافرين قد تعرّفوا عليهم بالضبط من أجل السّيطرة عليهم، وأدركوا نقاط قوّتهم وضعفهم ليقلّلوا من قوّتهم ويزيدوا في ضعفهم.
إنّ هؤلاء لجهّال حقًّا، ولكنّ الأجهل منهم المسلمون الذين يوالون الكافرين ويعادون المسلمين، مع أنّ موالاة الكافرين لا تستلزم معاداة المسلمين، وبعض أولياء الكافرين لا يعادون المسلمين؛ كما قال اللّه تعالى فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. لذلك، من الغريب أنّ بعض المسلمين يوالون الكافرين ويعادون إخوانهم، متوهّمين أنّ الكافرين يريدون خيرهم وإخوانهم يريدون شرّهم؛ كبعض المسلمين في أفغانستان، الذين يعتبرون عشرات من الدّول الكافرة والمعتدية أولياءهم، لكنّهم يحسبون دولتين مسلمتين ومجاورتين عدوًّا لهم![٣]
ثانيًا تُظهر التجربة العملية للدول الأوروبية في تحقيق مثل هذا الاتّحاد أنّه إذا بادرت بعض الدّول في البداية إلى تشكيل هذا الاتّحاد، فسوف تلتحق بها سائر الدّول تدريجيًّا عند ملاحظة ثمار هذا الاتّحاد وتحليلها، كما هي الحال في الاتّحاد الأوروبي الذي بدأ بستّ دول وأصبح يضمّ الآن ٢٧ دولة، بينما تقف تسع دول أخرى في قائمة الدّول المرشّحة للانضمام إليه، ونظرًا لكثرة الاختلافات الهيكليّة بين أنظمة الحكم في الدّول الإسلاميّة، قد لا يكون من الضروريّ أن يشمل هذا الاتّحاد جميع المجالات في البداية، بل يمكن أن يقتصر في البداية على مجالات محدّدة، ثم يتوسّع لاحقًا، كالاتّحاد الأوروبيّ الذي كان في الأصل اتّحادًا اقتصاديًّا، ثمّ شمل تدريجيًّا المجالات السياسيّة والاجتماعيّة وحتّى العسكريّة.
ثالثًا من أجل بدء هذه الثورة العظيمة والاتّحاد الكبير الذي سيغيّر جميع معادلات المنطقة والعالم لصالح المسلمين، لا بدّ أن يبادر حاكم مسلم واحد على الأقلّ بنيّة صالحة، ويقتدي بالسيّد العلّامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ، الرائد في الدّعوة إلى الاتّحاد المبارك بين المسلمين وتمهيد الأرضيّة لظهور المهديّ، وبذلك يمهّد السّبيل لانضمام سائر الدّول الإسلاميّة وصولًا إلى تشكيل الاتّحاد الإسلاميّ الكبير، إن شاء اللّه.
