المهديّ الشيعيّ والمهديّ السنّيّ؛ تمييز خطير لا أساس له

لا يمكن إنكار وجود بعض الخلافات التاريخيّة العميقة بين أكبر طائفتين من المسلمين، السنّة والشيعة؛ ونحن نعلم جميعًا مع الأسف أنّ هذه الخلافات قد اشتدّت تدريجيًّا منذ صدر الإسلام وحتّى يومنا هذا، من جرّاء بعض العوامل السياسيّة المشؤومة بين المسلمين، والدّسائس وأعمال الشيطنة من قبل غير المسلمين، وقد بلغت آثارها في الأمّة اليوم أبشع صورها. هذه حقيقة مريرة لا يمكن إنكارها؛ كما أنّ تجاهلها، ولو بدافع حسن الظنّ، لا يجدي نفعًا، بل هو سعي باطل ومحاولة فاشلة، ولا شكّ أنّنا عندما نتحدّث عن ضرورة وحدة المسلمين، لا نقصد بذلك إنكار هذه الخلافات الموجودة في الواقع، بل غرضنا هو السعي نحو التقارب والتعاون بين المسلمين قدر الإمكان، على الرغم من وجود هذه الخلافات، اهتمامًا منهم بما هو أهمّ، وتأكيدًا منهم على العقائد والأعمال المشتركة.

لكن في هذا السياق، ما لا يمكن قبوله أبدًا، وما يثير الأسى والأسف في قلب كلّ مسلم واعٍ، هو أنّ طائفة من المسلمين، عن قصد أو جهل، لا يكتفون بتهويل الخلافات القائمة وإذكاء نارها، بل يخلقون خلافات جديدة! وكأنّ الاختلافات الواقعيّة لا تكفيهم، فيصنعون خلافات وهميّة، ليجعلوا الفجوة القائمة بين المسلمين أوسع وأعمق ممّا هي! هؤلاء من فرط الجهل أو الشرّ يعمدون إلى النقاط المشتركة والمعتقدات التي توحّد بين المسلمين، فيحوّلونها إلى وسيلة للتفريق بينهم، ويستعينون على ذلك بإبراز الأساطير المختلقة والدّعايات الكاذبة ونسبة خرافات بعض العوامّ إلى مذهب بأكمله.

من أهمّ القضايا التي تعرّضت لهذا النهج المشؤوم والمنحرف، قضية الإمام المهديّ عليه السلام؛ إذ يعمل بعض المسلمين عن قصد وبعضهم الآخر عن جهل على إلقاء الخلاف وتعميق التباعد بين المسلمين فيها، حتّى شاع بينهم ذلك الشعار البدعيّ الذي لا معنى له: «المهديّ الشيعيّ/ المهديّ السنّيّ»، والذي يُروَّج له بشدّة منذ وقت غير معلوم. مع أنّ الإيمان بالمهديّ وحتميّة ظهوره وقيامه وانتصاره على أهل الظلم والجور في العالم، وملء الأرض عدلًا على يديه، هو وعد قطعيّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد ورد هذا الحديث في المصادر الروائيّة لدى أهل السنّة والشيعة بتواتر لا نظير له؛ كما أثبت السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى هذا التواتر بمنهج علميّ متقن في كتابه القيّم «العودة إلى الإسلام»، حيث يقول بعد إثبات تواتر أحاديث المهديّ والاستشهاد ببعض الآيات القرآنيّة الموافقة لذلك:

بناء على هذا، ينبغي أن يكون الاعتقاد بحتميّة ظهور المهديّ بوصفه خليفة اللّه في الأرض ورجلًا من أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يملأ الأرض عدلًا وقسطًا بإقامة الإسلام الكامل والخالص معدودًا من مسلّمات الإسلام ومتّفقًا عليه بين المسلمين، حتّى يكون أساسًا لاتّحادهم في المستقبل.[١]

وهذا يعني أنّ الإيمان بالمهديّ عليه السلام، من وجهة نظر هذا العالم الناصح الكبير، يمكن أن يكون حلقة الاتّصال وسببًا للمصالحة بين المسلمين في آخر الزمان ومحور اتّحادهم لتحقيق النصر على الظلم العالميّ، وعليه فلا شكّ أنّ أيّ تشكيك في هذا الاعتقاد أو تحويله إلى قضيّة خلافيّة ومثار للنزاع، يُعدّ نوعًا من إثارة الفتنة ضدّ الإسلام وخيانةً واضحة للمسلمين؛ لأنّه يضيع آخر الفرص وما بقي من المقوّمات القيّمة التي يُرجى منها إعادة بناء الأمّة الواحدة وتحقيق الاتّحاد العملي بين المسلمين، واللّه المستعان.

بناءً على ذلك، يجب على كلّ من يقوم بمثل هذا العمل الخبيث عن جهل أو غفلة، أو يمهّد له بقول أو فعل، أن يتوب إلى اللّه تعالى ويكفّ عن إثارة الفتنة؛ مثل بعض الإخوة من أهل التشيّع الذين استبدّت بهم النزعة الغوغائيّة، ويطرحون مسائل خرافيّة غير معقولة لا أساس لها في القضيّة المهدويّة، ممّا يؤدّي إلى إثارة الحسّاسيّات واستفزاز سائر المسلمين ودفعهم نحو مثل هذه الأوهام، وكذلك بعض الإخوة من أهل السنّة الذين يساهمون -بسبب سوء الظنّ وسوء الفهم ونقص المعرفة وخلط الأمور- في تأجيج الفتنة وترسيخ هذا الفهم المنحرف والخطير للمهدويّة وتكريسه؛ وذلك لأنّ كلا الطرفين، رغم أنّ مصادرهما الروائيّة قد نقلت روايات متقاربة حول المهديّ، وفي الواقع نصّت جميع المجامع الروائيّة الشيعيّة والسنّيّة على «مهديّ واحد»، إلّا أنّهما لا يقبلان معتقد الآخر؛ لا سيّما بعض الإخوة من أهل السنّة الذين يعانون من سوء ظنّ شديد تجاه إخوتهم الشيعة، فيصفون «المهديّ الشيعيّ» -عن جهل وغفلة- بأنّه «مكذوب» و«خياليّ» ويرفضونه! في حين أنّ هذا القول المتعصّب والجاهل يستلزم إنكار المهديّ؛ إذ ليس لدينا في الروايات الإسلاميّة مهديّان، والمهديّ في روايات الشيعة هو عين المهديّ في روايات أهل السنّة، واختلافها في بعض أوصافه مثل اختلاف روايات أهل السنّة في بعض أوصافه.

الحاصل أنّ على المسلمين أن ينظروا إلى هذه المسألة بيقظة وبصيرة كافيتين، وأن يدركوا أنّ الإيمان بـ«مهديّ واحد»، بغضّ النظر عن الاختلاف في بعض صفاته، هو اعتقاد مشترك ومستند إلى المتواترات والمسلّمات الإسلاميّة، ولا يختصّ بأيٍّ من المذاهب. لذلك، فإنّ تقسيم المهديّ إلى شيعيّ وسنّيّ، من جهة هو تمييز بلا أساس وموهوم، ومن جهة أخرى له نتائج فاسدة وخطيرة؛ وعليه فمن الضروريّ أن يكفّ عن ذلك المسلمون من جميع المذاهب الإسلاميّة.

وفي الختام، أنبّه القرّاء الكرام إلى كلمة للعالم الفاضل الأستاذ الدكتور ذاكر معروف، مسؤول مكتب السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في هذا الشأن:

التعبير بـ«المهديّ الشيعيّ» و«المهديّ السنّيّ» لا معنى له؛ لأنّ المهديّ في الإسلام شخص واحد، وقد وعد به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعرّفه في الأحاديث المتواترة، وإنّما يوجد بعض الاختلاف بين أهل السنّة وأهل التشيّع حول بعض صفاته، كاسم والده وزمن ولادته، لكن من الواضح أنّ هذا الاختلاف لا يعني وجود مهديّين! ما هو مسلّم به أنّ المهديّ -أيًّا كان اسم أبيه وزمن ولادته- لن يظهر دون استعداد المسلمين لنصرته؛ وعليه فيجب على أهل السنّة وأهل التشيّع، بدل الاختلاف حول بعض صفاته، أن يتّحدوا لنصرته، وهذا ما يدعوهم إليه السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى.