| الكاتب: رضا الراضي | تاريخ النشر: ١٤٣٧/٩/٢٥ |
ما حكم الربا بين الرجل وولده، وبين الزوجين، وبين المسلم والكافر إذا أخذ المسلم؟ فقد يقال إنّه حلال.
أخذ الربا محرّم في كتاب اللّه على الإطلاق؛ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[٢]، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾[٣]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤]؛ كما أنّ إعطاء الربا إعانة على الإثم والعدوان، وهي محرّمة في كتاب اللّه على الإطلاق؛ كما قال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[٥]، والثابت من السنّة أيضًا تحريمهما على الإطلاق؛ كما تواتر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعن آكل الربا وموكله، ولم يستثن أحدًا[٦]، ولذلك أنكر جابر بن عبد اللّه على ابن عبّاس لمّا سمع أنّه يبيع النخل من غلمانه السنتين والثلاث، فقال له: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا؟» فقال ابن عبّاس: «بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا»[٧]، فأقرّ بالنصّ واجتهد في مقابله، فإقراره مسموع، واجتهاده مردود، واستدلّ له قوم بأنّ العبد لا يملك، وماله لسيّده، وبما روي عن عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى عليه السلام عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدّي العبد كلّ شهر عشرة دراهم، أيحلّ ذلك؟ قال : «لَا بَأْسَ»[٨]، ولكنّهما غير ثابتين؛ أمّا الرواية فإنّها خبر واحد، فعسى أن يكون وهمًا من بعض الرواة، وأمّا القول بأنّ العبد لا يملك، وماله لسيّده، ففيه خلاف، والأظهر أنّه ليس كذلك، ولو كان كذلك لم يصحّ بيعه النخل؛ فإنّ الرّجل لا يبيع ماله لنفسه، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[٩]؛ فأثبت للعبد الفقر والغنى، وهما من لوازم الملك، ولا يوصف بهما من لا يملك، وقال في الفتيات المؤمنات: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[١٠]؛ فأثبت للأمة ملكيّة الأجر، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾[١١]؛ إذ يجوز أن يكون المراد عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء لجهله أو ضعفه أو صغره، بل هو الظاهر، فلا يقوم دليل قاطع على حلّيّة الربا بين الرجل وعبده، والعجب أنّ القوم قد عمّموها إلى الربا بين الرجل وولده، وهو أوهن دليلًا، واستدلّوا عليه بما جاء عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال لرجل: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[١٢]، مع أنّه أراد تعظيم أمر الأب وإيجاب طاعته وبذل المال له، كما هو ظاهر، ولو كان كما زعموا لكان الرجل عبد أبيه، وهذا ما لا يقولون به؛ كما قال الطحاويّ (ت٣٢١هـ) في «شرح معاني الآثار»: «قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَذَا لَيْسَ عَلَى التَّمْلِيكِ مِنْهُ لِلْأَبِ كَسْبَ الِابْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلِابْنِ أَنْ يُخَالِفَ الْأَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَمْرَهُ فِيهِ نَافِذًا كَأَمْرِهِ فِيمَا يَمْلِكُ. أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: ”أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ“، فَلَمْ يَكُنِ الِابْنُ مَمْلُوكًا لِأَبِيهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ؟ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَالِهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ»[١٣]. ثمّ قد عمّموا الحكم إلى الربا بين المسلم والكافر، وهو مردود أيضًا؛ لأنّه مذهب اليهود، وقد ذمّهم اللّه على ذلك، فقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾[١٤]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[١٥]، ولا شكّ أنّ الكفّار مكلّفون بالإسلام، فيكلّفون بأحكامه، ولا يجوز للمسلم أن يعينهم على مخالفتها، ولم يرد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما يقول هؤلاء شيء، مع عموم البلوى، وهذا دليل على أنّه قول محدث؛ كما لم يصحّ فيه شيء عن أهل البيت أيضًا؛ لأنّهم لم يكونوا يخالفون القرآن والسنّة، والرواية عنهم في ذلك غير صحيحة؛ فقد رواها معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع، وهما مجهولان، ورواها ياسين الضرير، وهو مجهول أيضًا[١٦]، ولو جاز ترك القرآن والسنّة لمثل هذه الروايات لم يبق دين، والحقّ أنّ أخذ الربا هو في حكم الظلم، ولا يجوز لأحد أن يظلم عبده أو ولده أو زوجته أو خلقًا آخر، بل أمر اللّه تعالى بالعدل فيهم والإحسان إليهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾[١٧]، وقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾[١٨]، وأين هذا من جواز أخذ الربا منهم؟! ولذلك ذهب قوم إلى أنّ المراد بما ورد في الروايات من أنّه لا ربا بين هؤلاء أنّ الربا أشدّ حرمة بينهم؛ كما قال الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ) في بعض رسائله: «أَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ، وَفِي ظَاهِرِهَا أَنَّهُ لَا رِبَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، إِذَا جَازَ الْعَمَلُ بِهَا، جَازَ أَنْ نَحْمِلَهَا عَلَى تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾[١٩]، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الرَّفَثَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ لَا يَكُونُ رَفَثًا وَلَا مُحَرَّمًا، وَكَذَلِكَ الْفُسُوقُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَغْلِيظَ تَحْرِيمِهِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ، وَمِنْ شَأْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ إِذَا أَكَّدُوا تَحْرِيمَ شَيْءٍ، أَدْخَلُوا فِيهِ لَفْظَ النَّفْيِ، لِيُنَبِّئَ عَنْ تَحْقِيقِ التَّحْرِيمِ وَتَأْكِيدِهِ وَتَغْلِيظِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الَّذِي يَدْعُو إِلَى الِانْصِرَافِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي نَفْيِ الرِّبَا بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى هَذَا التَّعَسُّفِ مِنَ التَّأْوِيلِ؟ قُلْنَا: مَا عَدَلْنَا عَنْ ظَاهِرٍ إِلَى تَأْوِيلٍ مُتَعَسِّفٍ، لِأَنَّ لَفْظَةَ النَّفْيِ فِي الشَّرِيعَةِ إِذَا وَرَدَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُهَا لِلْإِبَاحَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ وَالتَّغْلِيظِ، بَلْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَلَا تَعَسُّفَ فِي أَحَدِهِمَا، وَهَاهُنَا دَلِيلٌ يَقْتَضِي مَا فَعَلْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الرِّبَا فِي آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ مِنَ الْكِتَابِ لَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَعَنْ وُلْدِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا وَحَظْرِهِ، وَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِهِ، وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِيهِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَيَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ أَنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْكِتَابِ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدُ وَالزَّوْجُ وَالذِّمِّيُّ مَعَ الْمُسْلِمِ. فَإِذَا أُورِدَتْ أَخْبَارٌ بِنَفْيِ الرِّبَا بَيْنَ بَعْضِ مَنْ تَنَاوَلَهُ ذَلِكَ الْعُمُومُ، حَمَلْنَا النَّفْيَ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِمَا يُطَابِقُ تِلْكَ الْآيَاتِ وَيُوَافِقُهَا، وَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهَا وَتَرْكَ ظَوَاهِرِهَا»[٢٠]، انتهى قوله، والحقّ أنّ هذه الأخبار غير ثابتة، فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، وقد بيّنّا في مواضع كثيرة أنّ الأخبار لا تخصّص كتاب اللّه، لا سيّما إذا كانت من أخبار الآحاد[٢١]، والاحتياط أيضًا يقتضي اجتناب الربا كلّه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[٢٢].
