الخميس ٥ ربيع الآخر ١٤٤٠ هـ المعادل لـ ١٣ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٨ م
     
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه الله تعالى. * تمّ نشر النسخة المبرمجة لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشميّ الخراسانيّ حفظه الله تعالى
loading

نصّ الدرس

     
شرح الشيخ صالح السبزواري
الدرس الأول
الموضوع:

المدخل

بدل من المقدّمة

جزء من خطبة الشيخ عبد السّلام البلخي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

تحيّاتي لجميع الإخوة والأخوات المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات وأشكر الله لأنّه وفّقنا وأتاح لنا الفرصة حتى نتباحث حول شريعة الإسلام ونتفقّه فيها ونتعمّق. قصدنا أن نناقشكم ونتباحث معكم في سلسلة جلسات حول كتاب «العودة إلى الإسلام» أثر سيّدنا الأستاذ العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه الله تعالى وغرضنا من هذا هو أن نوضّح ونشرح هذا الكتاب بقدر الاستطاعة بحول الله وقوّته ونسأل الله التوفيق في هذا العمل المبارك ونرجو أن تستمرّ جلساتنا على هذه الحال.

أريد أن أشير إلى بعض النقاط قبل بدء البحث. أظنّ من الأفضل أن أطرح وأشرح موضوعين قبل بدء البحث ومن ثَمّ أدخل في نصّ الكتاب الشريف «العودة إلى الإسلام». في الجزء الأول من كلامي أقدّم بعض النقاط للإخوة والأخوات الذين لم يمكنهم قراءة الكتاب بأيّ سبب أو لم يقرؤوه بكامله وللذين لا يعرفون الكتاب أصلاً وهذه النقاط تزيدهم معرفة بهذا الكتاب إن شاء الله وفي الجزء الثاني من كلامي سأتحدّث عن منهج شرحي وتوضيحاتي إن شاء الله.

النقطة الأولى هي أنّ الكتاب القيّم والثمين «العودة إلى الإسلام» أثر سيّدنا المنصور يقدّم تفسيراً مختلفاً عن التفسير الذي هو شائع ومعروف بين عامّة المسلمين في أيامنا هذه. ما هو معنى هذا الكلام؟ انظروا، إنّ موضوع هذا الكتاب ومحوره كما يبدو ويظهر من عنوانه هو الإسلام؛ بمعنى أنّ كلّ مباحث هذا الكتاب تدور حول معرفة الإسلام وإقامته ولكنّ المهمّ هو أنّ المفهوم الذي يُدرك من هذا الكتاب -ولو كان مختلفاً وجديداً- أصيل و خالص تماماً؛ بمعنى أنّ في أيامنا هذه، لا يوجد هذا المفهوم من الإسلام في المجتمع وبين المسلمين. لكن هذا لا يعني أنّ كلّ جديد وبديع صحيحٌ. قصدي هو أنّه إذا كان هناك كتاب أو تفكّر على أساس مخّ الإسلام وأصوله الخالصة فسيكون غريباً ومظلوماً ولهذا أنا أقول أنه جديد وبديع، لا بمعنى أنّه -لا سمح الله- بدعي وشبهه، بل العكس. هذا الكتاب مختلف تماماً عن تلك البدع التي شاعت وراجت طوال التاريخ بعد عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأدّت إلى أن تشيع قراءة منحرفة وبدعية من الإسلام وإنّ كثيراً من الناس وكثيراً من المسلمين يفهمون هذا الإسلام ويسمّون هذا إسلاماً ولكنّه في الحقيقة ليس إسلاماً ونحن نرى في هذا الكتاب أنّ سيّدنا المنصور يقدّم قراءة صحيحة وفهماً صواباً منطبقاً على أصول الإسلام الأصيلة وهذه نقطة في غاية الأهمية. لذلك هذا الكتاب يمثّل كتاباً متحدّياً؛ يعني يمكن أن يؤدّي إلى النقاش والجدل؛ لأنّه يعارض هذه القراءات التاريخية البدعية القديمة الشائعة ولربّما يواجه ردود فعل المخالفين والمعاندين والمنتمين إلى هذه القراءات وهذا طبيعيّ و نحن نتوقّعه دوماً وليس شيئاً غير عاديّ لنا ولكم. لقد قلت هذه النقطة لنفهم إمكانيّة حدوث بعض التصرفات تجاه هذا الكتاب ولربّما بعض الذين يرون واجبهم الدفاع عن هذه القراءات الرائجة، يقفون أمام هذا الكتاب من أجل الدفاع عن الأشياء التي هم أنفسهم أبدعوها وكما أشرت آنفاً فإنّ ردود الأفعال هذه شيءٌ طبيعيّ وليس شيئاً جديداً.

النقطة الثانية التي أريد أن أقدّمها لكم الإخوة المسلمين والأخوات المسلمات، هي أنّ هذا الكتاب يدخل البحث الرئيسي من مستهلّه ولا يقدّم شيئاً كفرضيات أو تنظيريّات، بل يبدأ بمناقشة المبادئ الأولى والمسائل الجوهريّة والجذرية كقضيّة المعرفة. نحن نعلم جميعاً أنّ قضيّة المعرفة أهمّ قضية جوهريّة في الإسلام وهذا سيُطرَح في مباحثاتي وقبل إيضاح كلام سيّدنا المنصور وسنرى هذه القضية إن شاء الله. ثمّ هناك نقطة مهمّة وهي عدم وجود أيّ تعصّب وتحيّز غير علميّ وبدون إنصاف في هذا الكتاب، بل يتطرّق الكتاب من أوّله إلى أهمّ أسس الإسلام وهي المعرفة وهذه نقطة مهمّة يجب أن يعتنى بها.

ثمّ هذا الكتاب يحتوي على باثولوجيا تاريخية عميقة ودقيقة هي مؤثرة جدّاً وقد أشرنا إلى هذه المسألة آنفاً. لماذا؟ لأنّها تخالف القراءات الرائجة في عصرنا هذا. إنّ موضوع هذه الباثولوجيا والتدقيق يدور حول عقائد المسلمين وأعمالهم. في الحقيقة ينطبق على قسمين: قسم العقائد والمسائل العقائدية والنظرية وقسم الأعمال والمسائل العملية كالعبادات والأحكام وهذا ربما نستطيع أن نسمّيه إفشاءاً وممكن أن نشبّهه بعمليّة جراحيّة تجري على جسم الأمة الإسلاميّة و عامّة المسلمين وعقائدهم وأعمالهم وهناك مسألة مهمّة أخرى يجب الالتفات إليها وهي كون هذا الأسلوب من المباحثة غير مسبوق ولا نجد مثيلاً له وكلّما بحثنا وسألنا عنه، فلم نرَ بديلاً وشبيهاً له في أيّ كتاب آخر وهذا ينبغي له الشكر.

و من أهمّ النقاط الأخرى هي أنّ هذا الكتاب ينطوي على اليقينيّات. فما هي اليقينيّات؟ إنّ اليقينيّات تعني الأشياء التي تؤدّي إلى اليقين تؤدّي إلى القطع وليست على أساس الظنّيّات أو الوهميّات، بل وُضعت على أساس اليقينيّات والمسلّمات الإسلامية. في الواقع كلُّ مباحث هذا الكتاب طُرِحَت على هذا الأساس والأسلوب. يا أيها الإخوة والأخوات! انتبهوا إلى أنّ هذا الكلام ليس ادّعاء فحسب وأنا لا أدّعي شيئاً بدون دليل وبرهان وسنرى ونقرأ نحن وأنتم أصل الكتاب إن شاء الله. أنا أدري أنّ كثيراً منكم الأعزّاء قد قرأتم الكتاب و ستصدّقون كلامي وآرائي في إدامة البحث. هذا ليس مجرّد ادّعاء. طبعاً لا تبتعد مبادئ هذا الكتاب ومباحثه عن اليقينيّات، بل إنّ النتائج التي نصل إليها في نهاية كلّ بحث، نتائج قطعية ويقينيّة و إنّ علمنا وعلمكم يوصلنا إلى أنّ تلك النتيجة صحيحة ولكن ما هو الغرض والمقصود من اليقينيّات؟ إنّ اليقينيات في هذا الكتاب تنقسم إلى قسمين، بحيث كلّ كلام أو بحث أو نتيجة يجري هنا، إمّا يكون مبتنياً على آيات القرآن الكريم التي تقع في قمّة الإتقان والثبوت والإستحكام وإمّا يكون على أساس السنة المتواترة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ونحن نعلم أنّ السنة المتواترة هي السنة الحتمية التي لها استحكام واتقان بحيثُ لا شكّ في صدورها من قِبلِ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولا أحدَ يستطيعُ أن يشكَّ فيها أو ينكرها؛ لأنّ السنة المتواترة تشمُلُ الأخبار والأحاديث التي رواها أشخاص متعدّدون ومختلفون بشكل واحد بحيث لا إمكانَ في تعامل هؤلاء وتواطُئِهم مع بعضهم البعض. هذه هي ذروة إتقان وثبات واستحكام هذا الكتاب و هي مهمّة للغاية ونحنُ نؤكد مرة أخرى على أنّنا لا نراها في مكان آخر. بالمناسبة، هناك نتيجة أخرى لأسلوب سيّدنا المنصور واتجاهه وهي التزامه بهاتين الاثنتين [آيات القرآن و السنة المتواترة] يعني هو وفيٌّ بهاتين الاثنتين، لا شيء آخر، سواءً كان ذلك الشيء الشهرة أي قولاً مشهوراً أو حديثاً مشهوراً أو كان ذلك الإجماع واتفاق جمع من العلماء أو غيره. مهما كان من شيء فإن كان معارضاً للقرآن الكريم والسنة المتواترة فهو مرفوضٌ في رأي سيّدنا المنصور ولو كان رائجاً وثابتاً ومحكماً بين المسلمين طوال آلاف السنين وهذه هي ذروة الشجاعة والصراحة في بيان الحقّ؛ لذا هي نقطة مهمّة ويجب الالتفات إليها. من أجل أن يكون قصدي قابلاً للفهم للإخوة والأخوات، يمكنني القول أنّ هذا الكتاب يُعدّ كتفسيرٍ للقرآن الكريم، إذ في الحقيقة لا توجدُ خطوةٌ في هذا الكتاب إلّا وهي مأخوذة من الحكم القرآني الصريح والسنة المتواترة وهذا الكتاب يستند في كلّ مباحثه وتحاليله ودراساته إلى المفاهيم القرآنية والسنة النبوية. فإذن نستطيع أن نسمّي جلساتنا هذه، جلسات تفسير القرآن الكريم وتبيين السنّة المتواترة للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

من واجبي أن أذكركم بأنّ مباحث هذا الكتاب تُطرَح في غاية عدم الانحياز وليس هذا الكتاب منتمياً إلى مذهب خاصّ وليس كتاباً مذهبيّاً. انتبهوا يا أيها الإخوة والأخوات إلى هذه الفتن والصراعات المذهبية والخلافات الطائفية المنتشرة حالياً في العالم الإسلامي. أقصد الصراعات التي سببها خلافات المذاهب وهي تجري الآن أيضاً وأنتم تعرفونها جيّداً ولا داعي لإيضاح أكثر. لننتبه إلى أنّ هذا الكتاب لا يتّخذ موقفاً انحيازياً تجاه مذهب خاصّ وإذا نظرتم إلى الكتاب وبحثتم فيه لا تجدون شيئاً يوحي بأنّ الكتاب مذهبيّ، بل من الأفضل أن نسمّيه كتاباً دينيّاً وكتاباً مرتبطاً بالإسلام وأصله وحقيقته. في الواقع تنتسب جميع الفرق والمذاهب الإسلامية إلى الإسلام وهذا الكتاب يخاطب كلّ هذه الفرق والمذاهب ولذلك هذا كتاب جامع ومشتمل وفيه كلامٌ عن كلّ الأمة الإسلامية ويخاطب هذه الأمة برمّتها. إذن، من الواجب أن لا يُقال هذا كتاب مذهبيّ وأن يتّخذ أحدٌ هذا الموقف تجاه الكتاب وعلى مخاطبي الكتاب أن لا يقولوا بأنّ الكتاب، مثلاً هنا أو هناك، دافع عن ذاك المذهب أو ينتمي إلى فرقة فلان؛ لأنّ هذه الأقاويل ليست معقولة ولا مقبولة ونحن نتّهم قائلها بعدم الإنصاف ولذلك نستطيع القول بأننا لن نجد مباحث هكذا في أيّ صفحة من هذا الكتاب.

سأشير إلى مسألة مهمّة أخرى ثمّ ألخّص هذا الجانب من كلامي شيئا فشيئاً. المسألة هي أننا نرى في كتاب سيّدنا المنصور، التزاماً واتكاء إلى أمر الله وإذنه، في حين أنّنا في كثير من مسائل العالم الإسلامي الجذرية والجوهرية التي نشاهد فيها اليوم فتناً كثيرة، لا نجد أيّ اهتمام وانتباه إلى أمر الله وإذن الله وإرادة الربّ ومشيّته. على سبيل المثال، في كثير من المواضيع المختلفة عند الكتاب كموضوع الخلافة أو الحكومة أو الجهاد أو البيعة ومواضيع من هذا القبيل، نرى تاكيداً على أن لا اعتبار لهذه الأمور إلّا بأمر الله -سبحانه وتعالی- وإذنه وكما قلتُ آنفاً، هذا الرأي يخالف ما يروج الآن في عالمنا الإسلامي؛ لأنّ أغلبية المسلمين يُجيزون الاجتهاد في هذه المسائل ويصدرون فتاوى من عند أنفسهم وكلٌّ يفسّر الجهاد بشكل، كلٌّ يولّي الحكومة لأحدٍ وكلٌّ يفهم الخلافة بصورة. إنّ القراءة المقبولة والفهم الصحيح من مسائل كهذه ومسائل جذريّة وهامّة لدى هذا الكتاب هي القراءة التي يُحصل عليها بواسطة القرآن الكريم والفهم الذي يوصَل إليه عبر السنة المتواترة لنبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو مشتمل على أمر الله عزّ وجلّ وإذنه ولا اعتبار لغير ذلك في رأي سيّدنا المنصور. هذه هي المسألة التي كنت أريد أن أشير إليها ويجب الاهتمام بها؛ لأنّها مسألة جذريّة ومهمّة وهي التي ستحدّد كثيراً من المباحثات في إدامة البحث وفي كثير من الأحيان ستكون هذه المسألة نقطة التغيير وستكون النتائج المأخوذة مختلفةً تماماً عن تلك النتائج التي وصلوا إليها حتّى الآن والأهمّ أنّ النتائج التي نحن نصل إليها ستكون يقينيّة وحتميّة؛ لأنّها تستند إلى أمر الله وإذنه وليست مستندة إلى أمر زيد أو إذن عمر أو إرادة بكر وغيرهم.

والمسألة الأخيرة؛ على أساس النقاط والمباحثات التي ذكرتُها، يمكن القول بأنّ كاتب هذا الكتاب سيّدنا المنصور لقد ألّف كتابه لمصلحة الأمّة الإسلاميّة وفي غاية الإشفاق عليها وكان لديه شعور بالمسؤولية الإسلامية والدّينية تجاه الأمّة وسنصل من خلال هذا الكتاب وهذه المبادئ إلى أنّ هذا الإنسان يتمتّع بشخصيّة راغبة إلى الحقّ وهو شخصيّة إسلامية ومقيّدة بمبادئ الإسلام ولا يريد شيئاً ولا يبحث عن شيء سوى تحقّق الإسلام ووصول المسلمين إلى معرفة صحيحة من الدين الإسلامي ويريد أن يقيم المسلمون الإسلام الخالص والكامل عبر تعاملهم مع البعض وبالالتزام بتلك المبادئ. فجدير بالذكر أنّ هذا هو هدف سيّدنا المنصور الذي لقد أشار إليه في عدّة نقاط من كتابه و يؤيّد الكتاب مباحثاته وإذا أردنا معرفة هذه الشخصيّة ونيّاتها فيجب أن نراجع محتويات كتابها حتى نفهم قصدها ودعوتها ونرى إلى ماذا تدعونا وهذا في غاية الأهمية بالنسبة لنا. الذين ابتعدوا عن الإنصاف فقطّ لا يؤيّدون كلامي ولكن كلّ من يراجع الكتاب ويقرأه بإنصاف وبدون تعصّب ويرى مبادئ هذا الكتاب المتقنة وأسلوبه الأصيل في بيان حقائق الإسلام يصدّق كلامي.

و من الجدير أن أقول أنّ بيانات سيّدنا المنصور ترافقها صرامة وشجاعة مثاليّة وجدير جداً أنّ الذي يقول الحقّ، تكون لديه صراحة في الكلام ويبتعد عن المسايرة والمداهنة والمصالحة. نحن نرى هذه المسألة في كلام سيّدنا المنصور بكلّ وضوح ونشاهد أنّه يباحث بكلّ صرامة وصراحة ويشرح ما يجب قولُه في غاية الاحترام والأدب، ولكن لا يداهن ولا يصالح ويوضّح المواضيع التي ضروريّة وحتميّة على أساس المبادئ التي أشرنا إليها آنفاً ويدافع عن هذه الأصول والمبادئ ويتتبّعها خطوة وخطوة.

كلّ هذه التصريحات كانت القسم الأوّل من كلامي وأرجو الإخوة والأخوات المسلمين أن يكتبوا هذه النقاط أو يحفظوها في بالهم ويكرّروها قبل كلّ جلسة حتى تبقى هذه المواضيع الهامة في فكركم وفكرنا وذهنكم وذهننا.

***

شرح الكتاب الشريف «العودة إلى الإسلام»

الشيخ صالح السبزواري

(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

إنّ أهميّة الكتاب الشريف «العودة إلى الإسلام» لسيّدنا المنصور الهاشمي الخراساني وقيمته وفوائده وبركاته أوضح من أن تحتاج إلى توضيحي؛ بحيث أنّ توضيحي لا يزيدها وضوحاً في رأي أهل العلم والذين يتمتّعون بالعقل والإنصاف، بل أخشى بالنظر إلى قصور بياني وضعف كلامي أن تكون النتيجة عكساً؛ لأنّك كلّما تصف حلاوة السكّر فلا يصل وصفك إلى حدّ أن تذوقه ولا جدوى في وصف حلاوته للذي ذاق طعم السكّر ولهذا السبب أنا لا أتحدّث في هذا الموضوع، بل أكتفي بشرح الألفاظ والعبارات. مع أنّ الإنصاف هو أنّ ألفاظ هذا الكتاب وعباراته انتُخِبَت سهلة وواضحة إلى أقصى حدّ ممكن، لكن مع هذا ربّما بعض الإخوة المسلمين والأخوات المسلمات الذين لم يتقنوا العلوم الإسلاميّة جيّداً أو لم يتعرّفوا على اللغة الفصيحة جيّداً، يواجهون المشكلة ويحتاجون إلى توضيح بعض الأحيان وإنّ توضيحي غالباً ما يكون مناسباً لهم؛ بمعنى أنّه مبتن على شرح ألفاظ وعبارات هذا الكتاب الشريف أو المصطلحات التي اُستخدِمَت في حالات قليلة. أقول في حالات قليلة لأنّ سيّدنا المنصور لا يعتني كثيراً بكثير من المصطلحات الجديدة وفي هذا الكتاب أيضاً ابتعد عن استخدامها قدر الإمكان وفي المواضيع التي اُضطرَّ إلى استخدام مصطلحات كهذه، عبّر عن قصده بكلمات وعبارات أخرى والسبب يرجع إلى أنّه يعتبر لغة الله ورسوله وأدبهما، أفضلَ أدب وأنسب لغة لبيان مفاهيم الإسلام، لا لغة الفقهاء والفلاسفة وأدبهم؛ كما أنّ الصحابة الكرام وأهل البيت الطاهرين والسلف الصالحين بشكل عامّ لم يكونوا يعرفون لغة الفقهاء والفلاسفة هذه التي مملوءة بالثرثرة التي لا داعي لها وكانوا يستخدمون لغة سهلة وغير معقّدة وهي لغة القرآن الكريم والسنة. سيّدنا المنصور أيضاً رغم أنّه على معرفة تامّة بمصطلحات الفقهاء والفلاسفة إلا أنّه يكره ويتجنب استخدامها إلا في حالات الضرورة ولذلك لايمكن أن نعتبر كتابه الشريف كتاباً فقهيّاً أو فلسفيّاً، مع أنّه قد تحدّث فيه عن أحكام الإسلام وعقائده.على أيّة حال، من الممكن أن يكون شرح بعض كلماته وعباراته مفيداً لبعض الإخوة والأخوات ومن أجل هذا أنا أحاول بقدر الاستطاعة أن أقدّم شروحاً وإذا كان هناك نقص وإشكاليّة في شرحي فهو يرجع إلى قلّة استطاعتي ولا يرتبط بسيّدنا المنصور وهذا الكتاب الشريف.

قبل الدخول في مباحث الكتاب من اللازم أن أشير إلى نقطتين يجب الالتفات إليهما خلال المباحث:

النقطة الأولى هي أنّ ألفاظ هذا الكتاب الشريف دقيقة جداً واستخدمت بشكل مناسب في موضعها المناسب وليس هناك لفظ قد استخدم بدون جدوى وبدون معنى وتناسب وبغير الضرورة؛ خاصةً إنّ الصفات التي جاءت للألفاظ والقيود التي ذُكرَت للعبارات، مهمّة ومؤثرة للغاية؛ بحيث إنّ عدم الاهتمام بإحدى هذه الصفات والقيود تمنع من الفهم الكامل والصحيح لقصد سيّدنا المنصور ولربّما في بعض الأحيان تؤدّي إلى سوء فهم ألفاظه وعباراته وأيضاً تنتهي إلى سؤال أو شبهة في غير محلّهما واللذين ناتجان عن عدم الدّقة الكافية في ألفاظه وعباراته. لذلك من الضروري أن نهتمّ بكلّ لفظ وعبارة، خاصة الصفات والقيود التي استعملها على أساس الحكمة، حتى نفهم قصده بشكل صحيح.

النقطة الثانية هي أنّ كلّ مباحث هذا الكتاب الشريف مرتبطة بعضها ببعض كحلقات سلسلة حيث كلّ بحث منها مقدّمةٌ لبحث آخر وفهمه ضروريٌّ للفهم الكامل من ذاك المبحث ولهذا من الواجب أن نقرأه من البداية حتى النهاية حسب الترتيب الذي كُتِبَ عليه وألّا نطالعه مثل قراءة الصحف بصورة منتشرة وبدون النظام! هذه نقطة إن راعاها أحد فسيستفيد هو من فوائدها وإن لم يراعها أحد بسبب الكسل أو سوء المزاج أو العجلة أو الفضوليّة أو لأسباب أخرى، فسيتضرّر نفسه؛ خاصة بالنظر إلى أنّ الكتاب يبدأ من نقطة الصفر ويحدّد مبادئه قبل طرح المباحث الرئيسة وإذا لم نتعرّف على هذه المبادئ فلن نقدر على فهم المباحث الرئيسة.

وأمّا شرح مباحث الكتاب:)

المدخل

(يبدأ سيّدنا المنصور كلامه بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم» التي مفتاح لهذا الكتاب الشريف ثم يدخل البحث عبر جزء يسمّيه «المدخل» والغرض منه مدخل البحث؛ اعتباراً لأنّ البحث يبدأ بهذا الجزء. ربما واحدة من دلائله لاختيار هذه الكلمة وتركه كلمة «المقدّمة» هي أنّه يتحدّث عن البحث التالي تحت عنوان «المقدّمات» ولو كان قد اختار كلمة «المقدّمة» في هذا الموضع، فسيحدث خطأ هنا ولذلك لم يخترها في هذا الجزء.

ثم يقول:) أحمد اللّه كما يجب وأصلّي على عبده ورسوله محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما ينبغي

(يطرح هنا ثلاث مسائل أعني في هذا السطر الواحد:

المسألة الأولى تدور حول كلمة «خداوند» [التي ذُكرَت في النصّ الفارسي] والسؤال هو: هل يجوز ذكر الله سبحانه وتعالى ببيان اسم فارسي وهو «خداوند» أم لا؟ كما أنّ بعض المسلمين خاصّة من السلفيين يعتقدون بأنّ ذكر ذات المعبود المقدّس لا يجوز إلّا بكلمة «الله» ولا يصحّ ذكره بأسماء أخرى كـ«خداوند» ولكن سيّدنا المنصور يذكر اسم المعبود تحت عنوان «خداوند» وهو لم يستخدم لفظاً آخر على قدر استخدامه هذا اللفظ، بل إنّ مفردة «خداوند» تُعتبر كلمته المفتاحيّة في هذا الكتاب! جواب هذا السؤال هو أنّه لا أساس في الإسلام لاعتقاد هذه الفئة من المسلمين، بل هو يرجع إلى ذوقهم وسلائقهم؛ لأنّه لم يأت بيان في أية آية من القرآن الكريم أو حديث ثابت من النبيّ أو رأي قطعيّ من السلف ليقول ذكر اسم المعبود لا يجوز إلّا باللغة العربية ولا يجوز باللغات الأخرى! نظراً إلى أنّ كلمة «الله» مفردةٌ عربيّة وضعها الناطقون بالعربية للدلالة على ذات المعبود المقدّس وحتى كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام وكان المشركون في شبه الجزيرة العربية يستعملونها، فنستنتج أنّ الإسلام لم يُبدعْها بل استعمل واختار نفس الكلمة التي كانت رائجة وشائعة بين ناطقيها. على كلّ حال، من الواضح أنّ هذه الكلمة الشريفة مركبة من الحروف العربية ودلالتها على ذات المعبود المقدس ليست دلالة ذاتيّة وحقيقية، بل هي دلالة وضعيّة؛ كما كان من الممكن أنّ مشركاً يستعمل هذه المفردة لبيان اسم الأصنام التي يعبدها. لذلك واضحٌ تماماً أنّ الأنبياء الذين لم يكونوا ينطقون بالعربية لم يكونوا يعبّرون عن ذات المعبود المقدّس باستخدام لفظة «الله»؛ لأنّهم لم يكونوا يتعرّفون على هذه الكلمة بسبب اقتضاء لغتهم ولو أرادوا أن يستعملوا كلمة «الله» فلم يكن قومهم ليفهموا قصدهم. من أجل هذا، إنّ هؤلاء الأنبياء كانوا يعبّرون عن المعبود بلغتهم ولغة قومهم ولا بالعربية التي كانت لغة أجنبيّة وغريبة لهم ولقومهم ومن الواضح أنّ الأنبياء لم يكونوا يخطئون؛ كما قال الله سبحانه و تعالي: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» [ابراهيم/ ٤] ومن الواضح أنّه لم تكن لغات جميع أقوام الأنبياء اللغة العربية، بل كانوا باستثناء عدد قليل منهم غير عرب ولم يكونوا ينطقون بالعربيّة مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام الذين كانوا غير عربٍ وينطقون بغير العربيّة والله سبحانه وتعالى ذكرهم في كتابه وجاء بكلامهم بالعربيّة ونسب إليهم أنّهم كانوا يذكرونه بكلمة «الله» و واضح تماماً أنّ هذه الكلمة ترجمة عربيّة لجملات هؤلاء الأنبياء. إذن كلُّ هذا يدلُّ على أنّ ألفاظهم غير العربيّة الدالّة على ذات المعبود المقدّس، تُعادل عند الله سبحانه كلمة «الله» العربيّة؛ لأنّ الله ترجم تلك الألفاظ بـ«الله». يتّضحُ من هنا أنّ المهمّ عند الله سبحانه وتعالى هو المعنى والمفهوم الذي يُقصد من تلك اللفظة؛ لأنّ الكلمة بمجرّدها -بغضّ النظر عن معناها ومفهومها- ليست سوى الحروف الملتصقة بعضها ببعض وهي لا تهمّ كثيراً. نعم، في بعض المواضيع التي يوجد فيها دليل شرعي لاستعمال بعض الألفاظ الخاصّة باللغة العربيّة فمن الواضح أنّه لا يمكن استخدام الكلمات المعادلة بلغة أخرى مثل كلمات الصلاة أو العبادات الأخرى التي من اللازم أن تكون بالعربية على ما يبدو. رغم أنّها ليس في هذه المسألة اتّفاق الآراء بين علماء المسلمين والبعض كأبي حنيفة يعتقدون أنّ من الممكن أن نؤدي ألفاظ الصلاة باللغة الفارسية و بعضٌ من علماء الشيعة أيضاً يبدون هذا الرأي حول مستحبّات الصلاة كقنوتها. على كلِّ حال، لا شكَّ أنّ كلّ شخصٍ يمكنه أن يعبّر عن ذات المعبود المقدّس بلغته سوى في بعض المواضيع الخاصة والمحدّدة، بشرط أن تدلّ تلك اللفظة على هذا المعنى عند الناطقين بلغته وهو أيضاً يقصد هذا المعنی؛ كما أنّ كلمة «خداوند» عند الناطقين بالفارسيّة تستعمل للدّلالة على ذات المعبود المقدّس وسيّدنا المنصور عندما استخدم هذه الكلمة قصد هذا المعنى أيضاً ولذلك ليست هناك مشكلة بالنسبة لاستعماله هذه الكلمة ولكن هذا ليس بمعنى أنّه توجد إشكاليّة بالنسبة لذكر المعبود باستخدام كلمة «الله» أثناء النطق بالفارسيّة، بل هذا الإستخدام صحيح وجيّد تماماً وحتّى سيّدنا المنصور في كثير من الأحيان، عندما ينطق بالفارسيّة، يستخدم كلمة «الله» ولكن يريد أن يقول هذا الاستخدام ليس واجباً وذكر المعبود باستعمال لفظة «خداوند» للناطقين بالفارسيّة ليس فيه عيب وإشكال. هذه المسألة الأولى.

أما المسألة الثانية فهي عن نوع الصلاة التي يقرأها سيّدنا المنصور بعد ذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذا الجزء وفي صفحات أخرى من الكتاب. إنّه يذكر في كلّ هذه المواضيع عبارة «صلّى الله عليه وآله وسلّم»، في حين أنّ هذه الصلاة مختلفة عن الصلوات الرائجة التي تُكتب بعد اسم رسول الله؛ لأنّ الصورة الشائعة من الصلاة هي «صلّى الله عليه وسلّم» بدون ذكر آل النبي. الجواب هو أنّ النبي نفسه قد عيّن نوع الصلاة عليه باتّفاق آراء جميع المسلمين من كلّ المذاهب وقد رواه علماء الحديث في كتبهم بشكل متواتر وتلك الصلاة تشمل ذكر آل النبي بعد الصلاة عليه. إذن، فإنّ الصلاة التي يذكرها سيّدنا المنصور في هذا الكتاب الشريف صحيحة ومنطبقة على السنة المتواترة واتفاق آراء جميع المسلمين وأنّ الصلاة الشائعة بين المسلمين حاليّاً والتي لا يُذكر فيها آل النبي ناقصة وخاطئة وكأنّ سيّدنا المنصور أراد أن يصلحها بمحاولته في هذا الكتاب.

المسألة الثالثة هي لماذا سيّدنا المنصور يستعمل عبارة «كما يجب» عند حمد الله والثناء عليه وعبارة «كما ينبغي» عند الصلاة على النبي؟ بغضّ النظر عن موضوع فصاحة هذه العبارة وبلاغتها، ما هي حكمة استعمالها؟ الجواب هو أنّ حمد الله في كل الحالات لازم وواجب ولكنّ الصلاة على النبي ليست واجبة في جميع الحالات، بل هي مستحبّة ومندوبة. إضافة إلى ذلك فمن الممكن أن يكون قصده من هاتين العبارتين أنّه يحمد الله بالكيفيّة والكمّيّة التي هي واجبة و يصلّي على النبي بالكيفيّة والكمّيّة التي هي جديرة له.

ثم يقول بعد حمد الله والصلاة على النبي:)

وأما بعد؛

(بمعنى أنّني بعد حمد الله والصلاة على النبي أقول كذا والسؤال هو سبب بيان هذه الكلمة والجواب أنّ هذه الكلمة مصطلح روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته الطاهرين وصحابته الكرام في خُطبهم ومكتوباتهم ولهذا تُعدّ سنّة وقد استعملها سيّدنا المنصور من أجل العمل بهذه السنّة والتأسّي بهم.

ثمّ يتحدّث عن هدفه المبارك في هذا الكتاب الطيّب وهذا يدلّ على أنّ الهدف من العمل بمعنى النيّة فيه مقدّم على العمل وهو الخطوة الأولى فيه؛ نظراً إلى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي قال: «الأعمال بالنيّة» بمعنى أنّ أعمال الإنسان تابعة لنيّته وتنبع من نيّته وبالنيّة تكون ذات قيمة؛ كما أنّه يشرح نيّته وهدفه بتفاصيل أكثر في خاتمة الكتاب وهذا يدلّ على أنّ النيّة ضروريّة من بداية العمل إلى نهايته.

على كل حال، فإنّه يقول في مستهلّ كتابه عن قصده من كتابته:)

فإنّ الغرض من هذا الكتاب هو التمهيد النظريّ (يعني تهيئة المقدّمات فكريّاً وعلميّاً) لعودة المسلمين العمليّة إلى الإسلام (يعني عودتهم إليه في العمل ولا في الفكر والاعتقاد فقطّ)، بمعنى إقامته بعد إضاعته من قبلهم (هذا تعريف موجز من العودة إلى الإسلام؛يعني أنّ المراد من العودة إلى الإسلام هو إقامة الإسلام بمعنى إجراءه وتنفيذه بعد أن ضيّعه جمهور المسلمين ولم يقيموه)؛ بناء على افتراض أنّهم قد تركوا إقامة الإسلام كما هي واجبة (والسبب أنّنا إذا افترضناهم قد أقاموا الإسلام حقّ إقامته فلا جدوى ولا دليل للتحدّث حول العودة إلى الإسلام بالمعنى الذي شرحناه. لكنّ السؤال هو أنّ سيّدنا المنصور على أيّ أساس يفترض أنّ المسلمين قد تركوا إقامة الإسلام كما هي واجبة) نظراً إلى أنّ ثمارها (يعني ثمار إقامة الإسلام مثل تحقّق العدل وحلّ مشاكل المسلمين الماديّة والمعنويّة) غير مشهودة بينهم على النحو الذي تقتضيه إقامة الإسلام (يعني بشكل كامل ومطلوب) بل تبعات تركها (يقصد نتائج ترك إقامة الإسلام مثل انتشار الظلم والجهل والفساد والخلافات) مشهودة بينهم وبهذا الوصف، فليس هناك نقاش (أي مجال للنقاش) في ضرورة عودتهم إلى الإسلام (و هذا بيان ضرورة هذا الكتاب بعد بيان هدفه؛لأنّه عندما تلزم عودة المسلمين إلى الإسلام، فمن اللازم أيضاً التمهيد لها بمعنى تسهيلها وإزالة حواجزها) ومن الواضح أنّ هذه العودة ممكنة عن طريق معرفة الإسلام ومقارنته بالتصوّر الذي كان لديهم عنه حتّى الآن (لأنّ العودة إلى الوضع المرضيّ لا تمكن إلّا بمعرفته ومقارنته بالوضع الموجود والنظر إلى مفارقاتهما؛ لأنّ من لا يتمتّع بهذه المعرفة ولم يبادر بهذه المقارنة، فمن المحتمل أن يحسب نفسه في الوضع المرضيّ بتصوّر خاطئ ولا يشعر بلزوم تغيير الوضع الموجود ولا يحرّك ساكناً للوصول إلى هذا التغيير؛ بغضّ النظر عن أنّه لا يستطيع أن يأتي بالوضع المرضي لأنّه لا يعرفه أصلاً. فإنّ العودة إلى الإسلام لا تمكن بدون معرفة الإسلام)؛ كما أنّ معرفة الإسلام غير ممكنة بدون المعيار ومع وجود الموانع التي في طريقها (لأنّه بصورة عامّة، معرفة كلّ شيء تحتاج إلى معيار والمعيار سيساعد في معرفة الشيء إذا لم يعرقله عائق وسيشرح سيّدنا المنصور هذا الموضوع بالتفصيل) وبهذا الوصف، فإنّ التعرّف على معيار معرفة الإسلام وموانعها للحصول على أحدهما (يعني معيار المعرفة) والخلاص من الآخر (يعني الموانع) أمر ضروريّ. لذلك فإنّ القول في العودة إلى الإسلام يقتضي القول في أربعة مواضيع:

الأول مقدّمات المعرفة المشتملة على معيارها وموانعها لمعرفة الإسلام والعودة إليه (نظراً إلى ما اتّضح من أنّ العودة إلى الإسلام لا تمكن بدون معرفته وإنّ معرفته لن تحصل إلا بالتعرّف على معيار المعرفة وإزالة موانعها)؛

الثاني ضرورة العودة إلى الإسلام وإمكانها، بمعنى ضرورة إقامة الإسلام وإمكانها بصورة كاملة وخالصة بعد إضاعته من قبل المسلمين (لأنّ العودة إلى الإسلام مبتنية على إمكانيّة إقامته بشكل كامل وخالص، في حين أنّه ربما يعتقد البعض بأنّ إقامته بهذا الشكل غير ممكنة أو يظنّونها فوق قدرات المسلمين ولهذا يجب أن تتّضح بدايةً إمكانيّة هذا الأمر )؛

الثالث موانع العودة إلى الإسلام، بمعنى الأسباب والدوافع لعدم إقامته من بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى الآن (لأنّنا لن نستطيع إزالة هذه الموانع إلا بمعرفتها ولن نستطيع إقامة الإسلام إلّا بإزالة الموانع)؛

الرابع معرفة الإسلام، بمعنى معرفة عقائده وأحكامه (لأنّ الإسلام قد تشكّل من عقائد وأحكام) على أساس اليقينيّات (يعني المسائل الثابتة التي تؤدّي الى اليقين) وبمعزل عن الوهميّات والظنّيّات (يعني المسائل التي أساسها الوهم والظنّ وفي النهاية أيضاً تنتهي إلى الوهم والظن؛ نظراً إلى أنّ سيّدنا المنصور يعتقد بأنّ معرفة المسلمين الحاليّة من الإسلام مبتنية على الوهميّات والظنون في الأغلب، بينما هو يقول لا اعتبار للوهميات والظنون تحت أيّ عنوان والاعتبار هو لليقينيات فقطّ وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقول أنّ معرفة الإسلام لا تمكن إلّا بالإتكاء على اليقينيّات وما يتحصّل بالإتكاء على الوهميات والظنّيّات ليس من معرفة الإسلام. هذا موضوع مهمّ سيوضّحه بالتفصيل)؛

بينما يجب أن يستعان باللّه ويتوكّل عليه (يعني في جميع هذه الأمور التي تجري للعودة إلى الإسلام، يجب أن نستعين بالله؛ لأنّه لا يمكن إنجاز أيّ من هذه الأمور إلّا بعون من الله سبحانه وتعالى وفي نفس الوقت يجب أن نتوكّل عليه؛ نظراً إلى أنّ كون هذه الإجراءات مفيدةً ومثمرة يرجع إلى إرادة الله سبحانه وَلْنتّكأ إلى إرادته ونأملها لتصل هذه المراحل إلى نهايتها وغايتها) كما قال: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ»[١] وقال: «فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا»[٢] (هذا أوّل استناد سيّدنا المنصور في كتابه إلى كتاب الله وليس لاستناداته إلى كتاب الله في الأجزاء المختلفة من هذا الكتاب نظير، سواء من حيث المقدار أو من حيث الجودة وهذا شيءٌ عجيب ولم نرَ ولم نسمع هكذا الاستنادات. إنّ لهذه الاستنادات ميزة خاصة بحيث تحيّرُ كلَّ مسلمٍ خاصّةً إن كان من أهل العلم بحيثُ يشعر أحياناً بأنّه في حال تلاوة كتاب الله وتفسيره؛ بل إنّ بعض الآيات التي استند إليها في هذا الكتاب كأنّها نقرأها لأوّل مرّةٍ أو كأنّنا نفهمها بشكل صحيح ودقيق للمرة الأولى وهذا يدلّ على علاقة هذا الرجل العميقة والعجيبة بكتاب الله؛ كأنّه ابن القرآن الكريم وتربّى وترعرع عنده أو كأنّه نُفخت فيه روح القرآن وينطق بلسانه. في إدامة مباحث الكتاب والنقاط المختلفة منه نرى أنّه يأتي بشاهد قرآني لكلٍّ من عباراته ونصائحه وفي كلّ من العقائد الإسلامية وأحكام الإسلام يحذو حذوَ القرآن ولا يسبق عن القرآن ولا يتأخّر منه وهذا مصداقُ الآية الشريفة «خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ» وسرّ شجاعة هذا العالم في بيان الحقائق وفي الحقيقة إنّ الذي تكون هذه الميزات صفاته ويكون متمسّكاً بالقرآن إلى هذا الحدّ، فمن الطبيعي والمعلوم أنّه لا يخاف من أيّ شيء، كما قال الله سبحانه وتعالي: «إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» لأنّهم متمسّكون بالوحي إلى هذا الحدّ ولا ينفصلون عنه. في الواقع إنّ هذا الموضوع متميّز ومشهود جداً حيث أنّه يجب أن نعتبر إحياءَ منزلة القرآن الكريم ودوره بين الأمّة الإسلاميّة من أول ثمرات هذا الكتاب الشريف. سيتّضح هذا الأمر أكثر فأكثر في إدامة البحث وسيثيرُ إعجاب الجميع سواء الأعداء أو الأصدقاء.

على كلّ حال، يقول سيّدنا المنصور أنّه علينا أن نستعين بالله ونتوكّل عليه لمعرفة الإسلام والعودة إليه حسبَ الترتيب الذي جاء في هذا الكتاب ومدخله وهذه هي الحقيقة؛ لأنّ أغلب المفاهيم التي يقدّمها في الكتاب، صعبة لدرجة أنّها لا يمكنُ الولوج فيها إلّا بعون الله عزّوجل والتوكّل عليه وإلّا ينكسر العنق من شدّة ثقلها ولذلك يجب أن ننتبه إلى نصيحته التي جاءت في مستهلّ كتابه ونعملَ بها ولا نعتبرها نمطيّة وبلا أهميّة. هذا الذي قلتُه كان واحداً من الدلائل والدليل الآخر هو الذي يقوله:) لأنّ كلّ ما يكون من خير فمن عنده (يعني من عند الله؛ كما قال نفسه: «بيده الخير» وعلينا ألّا نعتبر الخير من عند غيره ولو كانَ ذلك من أسباب الخير وألّا نغفل عن الله سبحانه الذي هو مسبّب أسباب الخير؛ لأنّه هو بانٍ للخير وعلى قول سيّدنا المنصور:) ولا يقع إلا بإذنه (يعني لن يحدث ولن يكون خيرٌ إلّا بإذن الله ولو كانت أسبابه حاضرة ولذلك يقول:) والحمد للّه ربّ العالمين.

(والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)

[١] . الأعراف/ ١٢٨

[٢] . يونس/ ٨٤

المشاركة
شارك هذا المحتوى مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
غوغل +
اضغط هنا للإستماع إلى صوت الدرس الأول.
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضواً في النشرة الإخبارية؟