الأحد ٢٠ ذي القعدة ١٤٤١ هـ المعادل لـ ١٢ يوليو/ حزيران ٢٠٢٠ م
المنصور الهاشمي الخراساني
* تمّ إطلاق قسم «الدروس» الشامل لدروس العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى المرتكزة على القرآن والسنّة. * تمّ نشر الترجمة العربية لكتاب «العودة إلى الإسلام» أثر العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى.
loading
السؤال والجواب
 

تحية طيبة

١ . ما هو رأي العلامة في ما يخصّ حروب المسلمين بعد النبيّ؟ هل كان ينبغي أن يقدّم الإسلام إلى العالمين بالسيف؟

٢ . هل سياسة الخلفاء في نشوب الحروب التي سبّبت في انتشار الإسلام مقبولة؟

٣ . هل أمر القتال المذكور في القرآن يعني الغارة يعني الإعتداء يعني غزو البلدان؟

جواب أسئلتكم هو كالتالي:

١ . الادّعاء بأنه تمّ تقديم الإسلام إلى العالمين بالسيف ليس ادّعاء صحيحًا؛ لأنّ الإسلام قبل كلّ شيء قدّم إلى العالمين بالرسائل التى كتبها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للملوك بعد صلح الحديبية ودعاهم فيها إلى التسليم أمام اللّه. بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيضًا لم ينتصر المسلمون على إيران والروم بقوة سيفهم؛ لأنّ قوة سيفهم لم تكن أكثر من قوة سيف تلك القوى العظمى وبطبيعة الحال لم تكن لها أن تؤدّي بمفردها إلى انتصارهم على كسرى وقيصر. لذلك، فإنّ الإنصاف هو أنّ عامل نفوذ وبقاء وانتشار الإسلام في البلدان المختلفة كان تعاليمه الجذابة والبديعة والمنمّية للبشر التي مازالت هي عامل نفوذه وبقائه وانتشاره في البلدان المختلفة؛ كما أشار العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في مبحث «الطريقة الصحيحة للمعارضة مع الكافرين» من كتاب «العودة إلى الإسلام»[١] إلى هذه النقطة الهامة وقال:

«إنّ سلطة المسلمين في العقود الأولى على إمبراطوريّات الغرب والشرق ما كانت ناشئة من أدواتهم الدّعائية أو العسكريّة المتقدّمة، بل كانت ناشئة من جاذبيّة رسالتهم التي استطاعت أن تسقط بهجة إمبراطوريّات العالم من أعين الناس وتعبّد طريق تقدّماتهم السياسيّة والعسكريّة على الرغم من إمكانيّاتهم المحدودة.»

لذلك يبدو أنّ ادّعاء نفوذ وبقاء وانتشار الإسلام في الدول المختلفة بقوة السيف، إغراق وتعسّف واضح قد نشأ من إيحاءات أعداء الإسلام لا غير. طبعًا، لا ريب في أنّ المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانت لديهم حروب في دول مختلفة، لكنّ هذه الحروب في الغالب لم تكن مع شعوب هذه الدول، بل مع حكّامهم الكفرة والظلمة الذين في الغالب استولوا على هذه المناطق بالحرب وكانوا يستضعفون فيها الرعايا ولذلك، يجب النظر إلى حروب المسلمين على أنّها كانت بغرض تحرير هذه المناطق من احتلال الكافرين والظالمين؛ كما على سبيل المثال، نقل عن ربعي بن عامر مندوب المسلمين في حرب القادسية للتفاوض مع رستم فرخ زاد قائد عسكر إيران أنّه قال مجيبًا على سؤاله حول دافع المسلمين للحرب معهم: «اللّه ابتعثنا واللّه جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا»[٢] وهذا مبنيّ على النظرة العالمية للإسلام الذي يرى أنّ الأرض للّه ولا يعترف بملكيّة الناس لها ويقول: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[٣]

٢ . وفقًا لمبنى العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في كتاب «العودة إلى الإسلام»[٤]، الإبتداء بالقتال يجوز فقط بإذن خليفة اللّه في الأرض، لكن يبدو أنّ هكذا إذن كان موجودًا في الجملة لحروب المسلمين مع غير المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، على الأقل في زمن أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنّه لم تروى أيّ معارضة صريحة عن أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم لهذه الحروب -حتّى في زمن حكومة عليّ والحسن- بل روي عنهم تأييدات ومساعدات مختلفة في هذا الصدد، من بينها يمكن الإشارة إلى مشورة عليّ لعمر حول معركة الجسر وفتح نهاوند والحرب مع الروم وفتح بيت المقدس وفتح خراسان وفتح الشوش؛ بغضّ النظر عن أنّ تصرّفهم في الغنائم والعبيد الحائزين عليهم من هذه الحروب هو قطعيّ ويمكن أن يدلّ على اعتقادهم بمشروعيّة هذه الحروب في الجملة.

٣ . أمر اللّه بقتال الكافرين والظالمين، إنّما هو لغرض إزالة الكفر والظلم ونجاة مستضعفي ومظلومي العالم، لا النهب والاعتداء وغزو البلدان؛ كما قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ[٥]؛ لأنّ اللّه لا يحتاج إلى النهب والإعتداء وغزو البلدان، لكنّه لا يقبل الكفر والظلم في العالم؛ كما قال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ[٦]؛ وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ[٧].

عجيب أنّ الكافرين والظالمين، لطالما حاربوا على مرّ تاريخهم مستضعفي ومظلومي العالم من أجل اتّساع الكفر والظلم في العالم ولم يتوانوا عن أيّ غزو واعتداء ونهب، لكنّهم يعتبرون حروب المسلمين بغرض توسعة التوحيد والعدالة في جميع أرجاء العالم ونجاة مستضعفي ومظلومي العالم مصداقًا للنهب والاعتداء والغزو! لا شكّ أنّها مكيدة شيطانيّة من جانبهم من أجل سيطرة الطاغوت على العالم؛ كما قال اللّه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا[٨].

↑[١] . ص٥٨
↑[٢] . الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٣، ص٣٤؛ ابن الجوزي، المنتظم، ج٤، ص١٦٨؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٢، ص٣٦٣
↑[٣] . الأعراف/ ١٢٨
↑[٤] . ص٢٢٧
↑[٥] . البقره/ ١٩٣
↑[٦] . الزمر/ ٧
↑[٧] . آل عمران/ ١٠٨
↑[٨] . النساء/ ٧٦
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
التعليقات
الأسئلة والأجوبة الفرعيّة
السؤال الفرعي ١
الكاتب: هادي هنرجو
التاريخ: ١٤٣٧/٢/٨

وجدت عدّة إشكالات ومثالب قوية حول السؤال ٦٩ وردّ الموقع، قد شغلت ذهني وسأبيّنها بالترتيب. أعتذر مقدّمًا لحدّة لحن كتابتي.

لقد تفضّلتم أنّ الإسلام قد عُرِّف بدءًا بمكاتبة رسول اللّه لرؤوس دول الأطراف. يبدو جليًّا أنّ قليلًا من الناس يوجّه هذا الإشكال أيّ انتشار الإسلام بقوّة السيف إلى شخص رسول اللّه، بل أنّ هذا الإشكال الأساسي موجّه نحو من شغلوا مكان رسول اللّه بعده.

تفضّلتم أنّ انتصار المسلمين على فارس والروم لم تكن بفضل القوّة العسكرية، بل كان بفضل التعاليم الجذابة للإسلام.

أولًا أيّ إسلام؟! الإسلام الفاقد لأهمّ أصل فيه وهو ولاية خليفة اللّه ويقوده أشخاص غير صالحين ومن وصفهم القرآن بالطاغوت؛ الأشخاص الذين غصبوا مقام الخلافة بكلّ غطرسة وصلافة وفعلوا ما أنتم أعلم به.

ثانيًا مقارنة فارس بالروم خاطئة جدًا. الروم كانوا قبل قسطنطين يعتقدون بالآلهة الإثني عشر وبعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي لامبراطورية الروم، اعتقدوا بالآلهة الثلاث للدين المسيحي. أولئك طالما كانوا يعبدون الآلهة، لكن في مشرق الأرض الفرس كانوا يعتقدون بإله واحد منذ آلاف الأعوام ممّا خلّف استغراب المؤرخين، بحيث ينقل المؤرخ اليونانيّ هيرودوت أنّ الفرس لأسباب غير معلومة لم يكونوا يرغبون في عبادة الآلهة والأوثان وطالما كانوا يعبدون إلهًا واحدًا.

ثالثًا إصرار المسلمين بعد رسول اللّه على فتح فارس يثير العجب، في حين أنّ هذا الإصرار لم يكن موجودًا مع الروم، بينما لم يحرّك رسول اللّه في حياته عسكرًا إلى فارس، والفرس أيضًا لم يجهّزوا جيشًا نحو الحجاز. في حين أنّه عدة مرات جهّز جيشًا نحو الروم، حيث أنّ آخر إجرائه العسكري كان تجهيز جيش أسامة للجهاد ضد الروم وجعل جميع شيوخ المدينة تحت إمرة أسامة وكان إجرائه هذا يحمل رسالة تاريخية خاصّة للأجيال القادمة، لكنّ بعد وفاته تغيّرت السياسة الخارجية للمسلمين ودار رأس الحربة من الروم إلى فارس. أنتم تحدّثتم عن فتح الروم وفارس في حين أنّ الروم لم تفتح أبدًا؛ لأنّ خليفة المسلمين لم يكن يرغب في فتحها.

رابعًا ذكرتم تعاليم الإسلام الرائعة كسبب للإنتصار على فارس والروم وانتشار الإسلام؛ لأنّهم من الناحية العسكرية كانوا أضعف، في حين أنّ انتصار الجيوش الضعيفة على إمبراطوريّات عظيمة كان معهودًا؛ مثل فتح القسم الأكبر من آسيا على يد جنكيزخان أو فتح قسم الكبير من أروبا على يد آتيلا أو فتح عاصمة الصفويين على يد محمود أفغان الذين لم يكن واحد منهم يملك تعاليم رائعة. أيّ تعاليم رائعة كان يمتلكها المسلمون بعد رسول اللّه وغصب الخلافة؟! تاريخهم مليء بالتجييش غير المبرّر وفتح البلدان، قتل الرجال وسبي النساء باسم اللّه. إنّ تاريخ الإسلام منذ الخلفاء الثلاثة والأمويين والعباسيين حتّى العثمانيين، لمليء بالقتل والظلم والتعدّي والسبي بحيث أنّ الدواعش اليوم يسندون أفعالهم التي خلّفت نفور العالم إلى سنة خلفاء السلف ويقدّمون وثائق من كتب التاريخ والحديث. أيّ تعاليم رائعة كانت في جرائم العرب بعد فتح فارس كالقتل والتعدي والإهانة والتحقير وحرق الكتب العلمية وقتل العلماء الفرس والتعامل الفاحش مع النساء والفتيات والذي يستحيي اللسان عن بيانها؟!

جواب السؤال الفرعي ١
التاريخ: ١٤٣٧/٢/٩

لا شكّ أنّ التعامل العنصريّ والتعصّبات القوميّة والمذهبية، هي من أعظم موانع المعرفة وأسباب الإختلاف بين المسلمين، مع أنّ الإسلام قضى بظهوره على هذه المفاخرات الجاهليّة وأزاح الحدود المصطنعة بين الناس وجعل الإيمان أساس الأخوّة والكفر أساس العداوة، ولكن مع الأسف نجد أنّ بعضًا من المسلمين لا يزالون في الجاهليّة ولمّا يدخلوا الإسلام بشكل كامل.

بهذه المقدّمة نلفت انتباهكم إلى النقاط التالية:

أولًا وبخلاف تصوّركم أعلاه أنّ «قليلًا من الناس يوجّه هذا الإشكال أي انتشار الإسلام بقوّة السيف إلى شخص رسول اللّه»، هناك الكثير في العالم يوجّهون هذا الإشكال إلى شخص رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم وبتعامل مشابه لتعاملكم مع أصحابه، يعتبرون نفس حضرته بسبب الهجوم على قوافل مكة العزّل وإخراج بني قينقاع وبني النضير من المدينة والإعدام الجماعي لبني قريظة محبًا للحرب وبصدد نشر الإسلام بالسيف، ولإثبات زعمهم يستدلون بآيات الجهاد في القرآن وتعارضها مع ما يسمّونه بحقوق الإنسان، في حين أنّ زعمهم باطل ومغرض وقد تمّ الردّ عليه في محلّه بشكل مفصّل.

ثانيًا في تعليقكم أنكرتم «انتشار الإسلام لأجل تعاليمه الجذابة» وقلتم: «أيّ إسلام؟! الإسلام الفاقد لأهمّ أصل فيه وهو ولاية خليفة اللّه ويقوده أشخاص غير صالحين ومن وصفهم القرآن بالطاغوت»، بينما هذا الكلام ناتج عن التعصّب وغير صحيح؛ لأنّه رغم أنّ ولاية خليفة اللّه في الأرض من أصول الإسلام، لكن هناك أصول أخرى للإسلام كالصلاة والصوم والزكاة والحج بعد الإعتقاد بالتوحيد والنبوة والمعاد ولذلك، فإنّ من يعتقدون بهذه الأصول، وإن لم يعرفوا خليفة اللّه في الأرض، فيعدّون مسلمين وبالتالي يمكنهم المساهمة في نشر الإسلام في العالم بتقديم تعاليمه الجذابة؛ بالأخصّ نظرًا إلى أنّ الإسلام في كلّ الأحوال أفضل من الكفر ولا يمكن ترجيح الكفر على الإسلام ولو بقدر الشهادتين.

ثالثًا زعمتم أنّ «مقارنة فارس بالروم خاطئة جدًا»؛ لأنّكم تظنون أنّ الفرس كانوا موحّدين والروم كانوا كفّارًا، بينما هذا كلام عنصري وغير علمي؛ لأنه من الناحية الشرعية، الفرس والروم كلاهما كانا غير مسلمين وكتابيين ولذا، يعدّان كفّارًا وتشملهما قاعدة «الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ»؛ بل كان الفرس مجوس والروم نصارى والنصارى يعدّون كتابيين أكثر من المجوس، ولذلك فإنّ نظرة الإسلام والمسلمين إلى النصارى كانت دائمًا أفضل من المجوس وأيضًا تعامل ملك الروم مع رسالة النبي، كان أفضل من تعامل ملك فارس معه؛ لأنّ هرقل ملك الروم بعد استلام الرسالة احترم النبي وباستدعاء جماعة من قريش عنده قام بالبحث حول حضرته وفي النهاية لم يكذّبه، بل اعتبره نبيًّا، لكن خسرو برويز ملك فارس مزّق رسالة النبيّ ومع توجيه الإهانة لحضرته، قال لرسوله: «لو لم تكن رسولًا، لضربت عنقك»، بحيث في بعض الروايات المشهورة لعنه النبي وسأل اللّه زوال ملكه! لذا فإن كانت مقارنة فارس بالروم خاطئة يعود ذلك لفضل الروم على فارس وهذا عكس زعمكم؛ كما يبدو أنّ كتاب اللّه أيضًا عندما وعد غلبة الروم على فارس[١] أخبر عن فرح المسلمين من جراء ذلك وهذا حسب الروايات والرأي المشهور للمفسرين كان بسبب فضل أهل الروم على الفرس عند المسلمين.

رابعًا بتعصّبكم القومي والعنصريّ زعمتم أنّ «إصرار المسلمين بعد رسول اللّه على فتح إيران مثير للعجب»، في حين أنّه لم يكن مثيرًا للعجب حسب التوضيح أعلاه؛ لأن تعامل الفرس مع العرب كان أسوأ وأكثر تحقيرًا بكثير من تعامل الروم وكان دينهم من وجهة نظر الإسلام أكثر بطلانًا -بخلاف رأي حضرتكم-؛ كما أنّ أحكام الإسلام غالبًا في أبواب كالطهارة والنكاح والذبيحة كانت أكثر تشديدًا في ما يخصّ المجوس مقارنةً بالنصرانين. إضافةً إلى ذلك قد تواتر واشتهر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشّر بفتح فارس والرّوم على يد المسلمين وسيطرتهم على كنوز كسرى وقيصر، والطريف هو أنّه قد ذكر في جميع هذه الموارد «كسرى» قبل «قيصر»؛ كما على سبيل المثال، في معركة الخندق عندما أخذ بيده المباركة المِعول وضرب به الأرض وكسر صخرة كبيرة قال: «لَقَدْ فُتِحَ عَلَيَّ فِي ضَرْبَتِي هٰذِهِ كُنُوزُ كَسْرىٰ وقَيْصَرَ»! لذا هناك الكثير من الروايات تبيّن أنّ المسلمين حين زحفهم نحو فارس قبل الروم كانوا ينظرون إلى وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكان يتوقّعون الغلبة على فارس قبل الغلبة على الرّوم.

لكنّ زعمكم العجيب أنّ «الروم لم تفتح أبدًا؛ لأنّ خليفة المسلمين لم يكن يرغب في فتحها» إمّا أن يكون ناشئًا عن عدم اطلاعكم أو ناشئًا عن تعصّبكم الشديد؛ لأنّ المسلمين في عهد أبي بكر في ذات الوقت الذي استحوذوا فيه على بعض أراضي الساسانيين، سارعوا أيضًا إلى محاربة الروم وفتح الشام، حتّى سيطروا على فلسطين وحاصروا دمشق، ومن ثمّ في زمن عمر بن الخطاب تمّ فتح بعض من أراضي الروم الشرقية كدمشق وبعلبك وحمص واليرموك بحيث هرقل ملك الروم ترك الشام وفرّ إلى القسطنطنية واستطاع المسلمون شيئًا فشيئًا السيطرة على كلّ الشام، حتّى توقّفوا عند جبال طوروس في آسيا الصغرى. بالإضافة إلى ذلك فإنّهم في عهد عمر فتحوا مصر التي كانت تحت سيطرة الروم وفي عهد عثمان تقدّموا حتّى مضيق دردانل في بحر المرمرة، وحاربوا جيوش البيزنط. يُعلم من ذلك أنّ زعمكم المبني على «عدم إصرار المسلمين على فتح الروم بخلاف فارس» و«عدم رغبة الخليفة بفتح الرّوم» ما هو إلّا وهم ناتج من تعصّبكم القوميّ والمذهبيّ.

خامسًا لقد أنكرتم في تكملة تعليقكم انتشار الإسلام بسبب تعاليمه الجذابة وزعمتم بالإستشهاد بسيطرة المغول على إيران، أنّ انتشار الإسلام كان بقوة سيف المسلمين، في حين أنّ هذا أيضًا مغالطة عجيبة وقياس مع الفارق؛ إذ أنّ في السؤال والجواب أعلاه الكلام ليس حول سيطرة المسلمين على فارس، بل حول انتشار الإسلام في فارس وهو بالتأكيد يعود إلى تعاليمه الجذابة، لا إلى قوة سيف المسلمين؛ نظرًا إلى أنّ الفرس في زمن هجوم المغول الوحوش والكفّار على إيران، لم يعتنقوا دينهم أبدًا، بل جعلوا المغول بعد مدة يعتنقون دينهم، لكن عند هجوم المسلمين على فارس، سرعان ما اعتنق الفرس دينهم وبعد مدّة وجيزة صاروا مسلمين مخلصين وقدّموا خدمات علمية كثيرة إلى الإسلام، ومن هنا يعرف أنّ الفرس لم يعتنقوا الإسلام خوفًا من سيف العرب المسلمين أبدًا، بل أسلموا لجماله الفريد؛ لأنّه لو لم يكن هذا الدين السماوي جميلًا في أعينهم لما دخلوه أبدًا كما لم يدخلوا دين المغول. لذلك يبدو أنّ حضرتكم سعيتم لتعظيم قومكم ولكنّكم أهنتموهم أشدّ إهانة من حيث لا تعلمون؛ لأنّكم زعمتم أنّ الفرس لم يدخلوا الإسلام لحقّانيّته، بل دخلوه خوفًا من سيف العرب. في حين أنّنا نعتبر هذا الإدّعاء غير صحيح ونعتقد بأنّ الفرس اعتنقوا الإسلام لحقّانيّته؛ خاصّة بالنظر إلى أنّ المسلمين -خلافًا لوهم جنابكم- ما كانوا يجبرونهم على قبول الإسلام، بل كانوا يخيّرونهم بين قبول الإسلام أو قبول الجزية وعلى الأقلّ كانوا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يراعون أحكام الإسلام فيما يخصّ الحرب والصلح والجزية والأمان والأسرى والغنائم في الجملة وإنّما عمدوا أحيانًا إلى «جرائم كالقتل والتعدي والإهانة والتحقير وحرق الكتب العلمية وقتل العلماء الفرس والتعامل الفاحش مع النساء والفتيات والذي يستحيي اللسان عن بيانها» في عهد بني أميّة وبني العباس ولذلك يجب التفريق بين فتوحات أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم التي كانت بعض منها باستشارة علي بن أبي طالب وحضور أشخاص من أمثال سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان ومقداد بن الأسود وهاشم بن عتبة وعمّار بن ياسر وحجر بن عدي وبراء بن عازب وبين فتوحات الأمويين والعباسيين.

وأيضًا من العجيب أنّكم تعتقدون بعدم صحة مقارنة الفرس المجوس بالروم النصارى، لكنّكم لا تعتقدون بعدم صحة مقارنة المسلمين بوحوشٍ لا دين لهم من أمثال آتيلا وجنكيزخان المغولي!! نعوذ باللّه من هذه التوجّهات العنصرية والتعصّبات القوميّة والمذهبيّة التي هي من أكبر موانع المعرفة ومن أسباب اختلاف الأمّة الإسلاميّة.

نوصيكم -أيها الأخ المسلم- أن تفرغوا ذهنكم من هذه الأوهام والأهواء بالالتزام الكامل بمعيار المعرفة واجتناب موانعها ولا تقعوا تحت تأثير إعلانات وإيحاءات أعداء الإسلام والمفتنين، وأن تجعلوا الإسلام المبنى والملاك الوحيد لعقائدكم وأعمالكم.

ونسأل اللّه الرحيم لكم التوفيق.

↑[١] . سورة الروم، الآية ٤
الموقع الإعلامي لمكتب المنصور الهاشمي الخراساني قسم الإجابة على الأسئلة
المشاركة
شارك هذا مع أصدقائك.
البريد الإلكتروني
تلجرام
فيسبوك
تويتر
يمكنك أيضًا قراءة هذا باللغات التالية:
إذا كنت معتادًا على لغة أخرى، يمكنك ترجمة هذا إليها. [استمارة الترجمة]
×
استمارة الترجمة
الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة.
Captcha
كتابة السؤال
عزيزنا المستخدم! يمكنك كتابة سؤالك حول آراء السيّد العلامة المنصور الهاشمي الخراساني حفظه اللّه تعالى في النموذج أدناه وإرساله إلينا لتتمّ الإجابة عليه في هذا القسم.
ملاحظة: قد يتمّ نشر اسمك على الموقع كمؤلف للسؤال.
ملاحظة: نظرًا لأنّه سيتمّ إرسال ردّنا إلى بريدك الإلكترونيّ ولن يتمّ نشره بالضرورة على الموقع، فستحتاج إلى إدخال عنوانك بشكل صحيح.
يرجى ملاحظة ما يلي:
١ . ربما تمّت الإجابة على سؤالك على الموقع. لذلك، من الأفضل قراءة الأسئلة والأجوبة ذات الصلة أو استخدام ميزة البحث على الموقع قبل كتابة سؤالك.
٢ . تجنّب تسجيل وإرسال سؤال جديد قبل تلقّي الجواب على سؤالك السابق.
٣ . تجنّب تسجيل وإرسال أكثر من سؤال واحد في كلّ مرّة.
٤ . أولويّتنا هي الإجابة على الأسئلة ذات الصلة بالإمام المهديّ عليه السلام والتمهيد لظهوره؛ لأنّه الآن أكثر أهمّيّة من أيّ شيء.
* الرجاء إدخال الحروف والأرقام المكتوبة في الصورة. Captcha loading
لا مانع من أيّ استخدام أو اقتباس من محتويات هذا الموقع مع ذكر المصدر.
×
هل ترغب في أن تصبح عضوًا في النشرة الإخبارية؟