| الكاتب: رضا الراضي | تاريخ النشر: ١٤٣٧/٦/١ |
لقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ». فلماذا قال الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء:
«يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلِ ... كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِ
مِنْ صَاحِبٍ أَوْ طَالِبٍ قَتِيلِ ... وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ»؟!
الشعر غير ثابت عن الحسين عليه السلام؛ فقد تفرّد بروايته أبو مخنف، والرواية أيضًا غير ثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ فقد رواها أبو هريرة وأبو قتادة الأنصاريّ، فهي من أخبار الآحاد، وظاهرها مخالف لكتاب اللّه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[١]، فدلّ على أنّ اللّه ليس هو الدّهر، ومن الواضح أنّ الدّهر عبارة عن الليل والنهار، وقد يُطلق على الدّنيا، وكلّ ذلك من خلق اللّه، خلافًا للدّهريّة؛ فلا يبعد أن تكون الرواية ممّا وضعه الدّهريّة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ فقد يقال: «وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ بَثُّوهَا فِي النَّاسِ»[٢]، وممّا يقرّب هذا قول أبي عبيد في «غريب الحديث»: «قَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ: أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ؟!»[٣] ولو كانت الرواية صحيحة فإنّها من الكناية والمجاز، وإنّما تريد أنّ الدّهر لا ينفع أحدًا ولا يضرّه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾[٤]، فإذا سببتم الدّهر لضرّ أصابكم فقد وقع سبّكم على اللّه بغير علم؛ كما قال الشافعيّ: «إِنَّمَا تَأْوِيلُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ هَرَمٍ، أَوْ تَلَفِ مَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ”لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ“ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّمَا تَسُبُّونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ»[٥]، وبمثله قال أبو عبيد، وابن قتيبة، وغيرهما، ولذلك جاء في خبر أبي مخنف أنّ الحسين عليه السلام قال في عقب البيتين: «وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ ... وَكُلُّ حَيٍّ سَالِكُ السَّبِيلِ»[٦]، فكأنّه استدرك على الشاعر قوله عند التمثّل بذلك؛ على أنّ الدّهر إذا أريد به الدّنيا جاز ذمّه بلا شكّ، وقد ورد في ذمّ الدّنيا ما لا يُحصى من قول النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، بل ذمّها اللّه تعالى في القرآن، إذ قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾[٧]، وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[٨].
