| الكاتب: الهاشمي | تاريخ النشر: ١٤٤٧/١٠/٢٣ |
ما حكم التسليم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والتسليم علينا وعلى عباد اللّه الصالحين في التشهّد الأوّل؟ علمًا بأنّه موجود في التشهّد الوارد عن عبد اللّه بن مسعود.
لا يجوز أن يقال في التشهّد الأوّل: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»، خلافًا للجمهور؛ لأنّه تسليم، والتسليم ينقض الصلاة؛ لما ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: «تَحْلِيلُ الصَّلَاةِ التَّسْلِيمُ»، وهو خبر متواتر رواه عليّ بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عبّاس، وعبد اللّه بن زيد، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وعائشة، وقد روي عن عبد اللّه بن مسعود أيضًا[١]، فلا بدّ من تقديمه على أخبار الآحاد، ولا وجه لحمله على خصوص القول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»؛ لأنّه مطلق يعمّ التسليم كلّه؛ كما روي عن أهل البيت أنّهم قالوا: «لَا يُقَالُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ: ”السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ“، لِأَنَّ تَحْلِيلَ الصَّلَاةِ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ سَلَّمْتَ»[٢]، وهو قول عبد اللّه بن عمر؛ فقد روي «أَنَّهُ كَانَ لَا يُسَلِّمُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، كَانَ يَرَى ذَلِكَ فَسْخًا لِصَلَاتِهِ»[٣]، والأحوط أن لا يقال فيه أيضًا: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»؛ لأنّه مخاطبة غير اللّه، ومخاطبة غير اللّه كلام ينقض الصلاة؛ كما روى عبد اللّه بن مسعود، قال: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»[٤]، فجعل التسليم في الصلاة كلامًا ينقضها؛ فمن أراد التسليم على النبيّ في التشهّد الأوّل فليقل: «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وروي عن أهل البيت أنّ مخاطبة النبيّ في حكم مخاطبة اللّه، فلا تنقض الصلاة[٥]، ولكنّ الرواية غير ثابتة عنهم، ويوهنها أنّ التسليم الذي به تحليل الصلاة واجب، والتسليم الواجب قول الرّجل: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»؛ لقول اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[٦]، وما كان المسلمون يكلّمون النبيّ وهم يصلّون، والتسليم بصيغة الخطاب كلام كما تبيّن، ومن ثمّ لا يجوز أن يقال في التشهّد الأوّل: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» أيضًا، بل هو أولى بأن يكون ناقضًا؛ لأنّ قول الرّجل: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ليس بصيغة الخطاب، وهو بالدّعاء أشبه، كقوله: «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»؛ فإذا جاز الأوّل جاز الثاني من باب أولى.
أمّا حديث عبد اللّه بن مسعود في التشهّد فقد ورد في التشهّد الآخر دون التشهّد الأوّل، والدليل على ذلك ما جاء في رواية أنّه قال: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَقُولُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ»، إلى آخر الحديث[٧]، وفي رواية أخرى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخذ بيده فعلّمه التشهّد، ثمّ قال: «فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ»[٨]، وهذا صريح في ورود الحديث في التشهّد الآخر؛ فأخطأ ابن مسعود، فعمّمه؛ كما رواه مقلوبًا، فقدّم التسليم على التشهّد، والشاهد على ذلك ما روي عن جعفر بن محمّد الصّادق أنّه قال: «أَفْسَدَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى النَّاسِ صَلَاتَهُمْ بِقَوْلِهِ: ”السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ“»[٩]، ويُحتمل رجوعه؛ فقد صحّ أنّه قال: «تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ، وَانْقِضَاؤُهَا التَّسْلِيمُ»[١٠]، ولو كان يرى التسليم في التشهّد الأوّل لم يقل ذلك، وكيفما كان فإنّ التسليم محلّه آخر الصلاة، وهذا أمر معلوم من السنّة، ولا خلاف بين أهل العلم أنّ من ترك التسليم في التشهّد الأوّل صحّت صلاته، فيجب ذلك احتياطًا وخروجًا من الخلاف على الأقلّ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[١١].
