| الكاتب: الهاشمي | تاريخ النشر: ١٤٤٧/٩/٢٦ |
غسل اليدين في الوضوء يبدأ من أطراف الأصابع إلى المرفقين أم العكس؟
كلا الأمرين سائغ عند السيّد المنصور أيّده اللّه تعالى؛ لأنّه يرى أنّ قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾[١]، في مقام بيان كمّيّة غسل الأيدي دون كيفيّته، كما هو الحال بالنسبة للوجوه، وفعلهما واحد، وحرف الغاية يتعلّق بـ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾، ولا يتعلّق بـ﴿فَاغْسِلُوا﴾، فيقيّد المغسول، ولا يقيّد الغسل، وليس في الروايات ما يخالف ذلك، بل روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ أنّه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ»، رواه الدّارقطنيّ (ت٣٨٥هـ)[٢] والبيهقيّ (ت٤٥٨هـ)[٣]، وأدار الماء أي أجراه، سواء في أوّل الغسل أو آخره؛ فيجب غسل ما بين أطراف الأصابع والمرفق من كلّ يد، سواء كان من الأسفل أو من الأعلى، ومن فعل ذلك صحّ أن يقال إنّه غسل يده إلى المرفق، وإن بدأ بالمرفق؛ اعتبارًا لأنّه لم يغسل ما فوق المرفق من يده؛ كما أخبرنا بعض أصحابنا، قال:
سَأَلْتُ الْمَنْصُورَ عَنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، أَهُوَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، أَمْ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ؟ فَقَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؟ قَالَ: مَنْ غَسَلَ مَا دُونَ الْمَرَافِقِ فَقَدْ غَسَلَ إِلَى الْمَرَافِقِ.
ولهذا أفتى جمهور أهل العلم بأنّ من بدأ من المرفق في غسل يده صحّ وضوؤه، ولو كان الظاهر من قول اللّه تعالى عندهم بيان كيفيّة الغسل دون كمّيّته لم يُفتوا بذلك، بل نُقل عنهم الإجماع على ذلك؛ كما قال الجصّاص (ت٣٧٠هـ): «اتَّفَقْنَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الزَّنْدِ فِي الْغَسْلِ جَازَ»[٤]، وقال الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ): «قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ مِنَ الْأَصَابِعِ وَالِانْتِهَاءَ إِلَى الْمَرَافِقِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ»[٥]، وقال الماورديّ (ت٤٥٠هـ): «ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْبَنَانِ أَجْزَأَهُ»[٦]، وقال ابن التركمانيّ (ت٧٥٠هـ): «اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَخُصُومُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ جَازَ»[٧]، وقال بعض الشافعيّة: «إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى نَفْسِهِ بَدَأَ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إِلَى مِرْفَقِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ بَدَأَ مِنْ مِرْفَقِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ»[٨]، يعني أنّه أفضل، وممّا يدلّ على جواز البدء من المرفق أيضًا ما صحّ عن أهل البيت من أنّهم كانوا يفعلون ذلك، ويقولون أنّه ممّا فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ولا ريب أنّهم كانوا أعلم بكتاب اللّه وسنّة رسوله؛ كما في صحيحة زرارة وبكير ابني أعين «أَنَّهُمَا سَأَلَا أَبَا جَعْفَرٍ -يَعْنِي الْبَاقِرَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَا بِطَسْتٍ أَوْ تَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَمَسَ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَغَرَفَ بِهَا غُرْفَةً، فَصَبَّهَا عَلَى وَجْهِهِ، فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ غَمَسَ كَفَّهُ الْيُسْرَى، فَغَرَفَ بِهَا غُرْفَةً، فَأَفْرَغَ عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَ بِهَا ذِرَاعَهُ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَفِّ، لَا يَرُدُّهَا إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ غَمَسَ كَفَّهُ الْيُمْنَى، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْمِرْفَقِ، وَصَنَعَ بِهَا مِثْلَ مَا صَنَعَ بِالْيُمْنَى»[٩]، وفي رواية أخرى أنّه «غَمَسَ يَدَهُ الْيُسْرَى، فَغَرَفَ بِهَا مِلْأَهَا، ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى مِرْفَقِهِ الْيُمْنَى، وَأَمَرَّ كَفَّهُ عَلَى سَاعِدِهِ، حَتَّى جَرَى الْمَاءُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ مِلْأَهَا، فَوَضَعَهُ عَلَى مِرْفَقِهِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَّ كَفَّهُ عَلَى سَاعِدِهِ، حَتَّى جَرَى الْمَاءُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ»[١٠]، وفي صحيحة زرارة وبكير أنّه قال بعد ذلك: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ وَجْهِهِ إِلَّا غَسَلَهُ، وَأَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا غَسَلَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾»[١١]، وهذا كالصّريح في أنّه اعتبر قوله تعالى بيانًا لكمّيّة الغسل دون كيفيّته، وجعل ﴿إِلَى﴾ غاية للمغسول دون الغسل، وهذا هو المتبادر من ذلك، وقال بعض المحقّقين: «إِنَّ الْمُتَبَادِرَ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ التَّرَاكِيبِ هُوَ الِابْتِدَاءُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، فَمَثَلًا إِذَا قَالَ الطَّبِيبُ لِلْمَرِيضِ: اغْسِلْ رِجْلَكَ بِالْمَاءِ الْفَاتِرِ إِلَى الرُّكْبَةِ، يَتَّبِعُ الْمَرِيضُ مَا هُوَ الْمُتَدَاوَلُ فِي غَسْلِ الرِّجْلِ عِنْدَ الْعُرْفِ، وَهُوَ الْغَسْلُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، أَوْ إِذَا قَالَ صَاحِبُ الدَّارِ لِلصَّبَّاغِ: أَصْبِغْ جُدْرَانَ هَذِهِ الْغُرْفَةِ إِلَى السَّقْفِ، فَيَتَّبِعُ الصَّبَّاغُ مَا هُوَ الْمَأْلُوفُ فِي صَبْغِ الْجُدْرَانِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ، وَلَا يَدُورُ بِخَلَدِهِ أَوْ بِخَلَدِ الْمَرِيضِ أَنَّ مَالِكَ الدَّارِ أَوِ الطَّبِيبَ اسْتَخْدَمَ لَفْظَةَ ”إِلَى“ لِبَيَانِ انْتِهَاءِ غَايَةِ الصَّبْغِ وَالْغَسْلِ عِنْدَ السَّقْفِ وَالرِّجْلِ، بَلْ لِتَحْدِيدِ الْمِقْدَارِ اللَّازِمِ لَهُمَا، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْغَسْلِ فَمَتْرُوكَةٌ إِلَى مَا هُوَ الْمُتَّبَعُ وَالْمُتَدَاوَلُ فِي الْعُرْفِ، وَهُوَ بِلَا رَيْبٍ يَتَّبِعُ الْأَسْهَلَ فَالْأَسْهَلَ، وَهُوَ الِابْتِدَاءُ مِنْ فَوْقٍ إِلَى تَحْتٍ، وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِصَدَدِ تَحْدِيدِ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ، وَهُوَ الْيَدُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْغَسْلِ مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومَ، فَلْيَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ دُونِ أَنْ نَتَكَلَّفَ بِشَيْءٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْيِيدِ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ»[١٢]، والأمر كما قال، غير أنّ الأسهل ليس الابتداء من فوق إلى تحت دائمًا؛ لأنّ الابتداء من تحت إلى فوق أسهل في الوضوء الارتماسيّ، ولذلك قال السيّد المنصور حفظه اللّه تعالى بالتفصيل، فجاء بفصل الخطاب؛ كما أخبرنا بعض أصحابه، قال:
رَأَيْتُهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ إِنَاءٍ، فَأَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ الْيُسْرَى، فَأَفَاضَهُ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَهُ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى، فَأَفَاضَهُ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَهُ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، فَقُلْتُ: هَلَّا بَدَأْتَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؟! قَالَ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يَتَوَضَّأُ ارْتِمَاسًا، فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ مِنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى مِرْفَقِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَتَوَضَّأُ اغْتِرَافًا فَيَفْعَلُ كَمَا فَعَلْتُ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِ، وَ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[١٣].
هذا وجه لطيف، وحاصله أنّ البدء من الأصابع أفضل للمرتمس؛ لأنّه أيسر عليه، والبدء من المرفق أفضل للمغترف؛ لأنّه أيسر عليه، ويريد اللّه به اليسر، ولا يريد به العسر، ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[١٤].
